"الشوق لرؤياكِ جعلني أرَ طيفكِ في كل الوجوه يا أميرة القلب". "يا ابنتي ماذا اخبرك؟ ... انتظري قليلًا دقائق وسنلتقي، لقد نلت ضربًا مبرحًا يا فتاة من اغبياء... قالها جان متحدثًا في الهاتف اثناء خروجه من المطار، يجر حقيبته خلفه، غير عابئ بالمارة حوله. وحين خروجه من باب المطار صاحت ناردين في لهفة وهي تنطلق إلى حضنه: "جان اشتقت لك يا هذا". ضمها بقوة حتى ارتفعت قدميها عن الأرض وهو يغمغم: "وانا ايضا اشتقت إليكِ كثيرًا".
أبعدها بعد لحظات، محاوطًا وجهها بين كفيه هامسًا: "كيف حالك؟ أنتِ بخير؟ أومأت دون رد واراحت رأسها على صدره تضمه بذراعيها بأعين تترقرق بها الدموع. استقرا في السيارة التي انسابت في الطريق تتهادى، كفها في راحته مستكين، في حين سئلت: "من الذي ابرحك ضربًا؟ ولماذا؟ تنهد بقوة وشرد، شرد في حمزة الذي كاد يسجنه لولا تلك المرأة التي جعلته يتركه بكلمة واحدة، إمرأة لن ينساها أبد الدهر.
مُحاطة بهيبة تجعل أعتى الرجال يهابها، رغم كبر عمرها، وتجعيد وجهها وزبول ملامحها، صلابتها وقوة صوتها، كيف ينساها؟ وهو ألتمس بها شيئًا جميلًا، يذكر كيف جلست إلى جانبه مبتسمة وهي تستجوبه بصلابة بمسحة من رأفة، وحين تأكدت من صدقه راحت تضمد جراحه بكل تأني واهتمت به، فهل ينساها؟ انفض رأسه ليدحر التفكير عنه، وابتسم مجيبًا: "لا شيء لا تهتمي، مجرد حادث من شاب أرعن".
ضيقت عينيها ولم تعقب بل أسندت رأسها على كتفه في راحة متنعمة في هذا الدفء الذي افتقدته. ترجلا من السيارة فسبقته ناردين نحو البناية، لكنها توقفت فجأة لتخطف نظرة للخلف، فرأته يتحدث في الهاتف، فغمغمت بضيق بيّن: "وهذا وقته هاته وتحدث في الأعلى، هيا". أشار لها بكفه أن تُمهل، فمطت شفتيها في حنق، وما كادت تخطو خطوة واحدة حتى ابتسم لها مقبلًا نحوها.
وفي سرعة البرق كانت سيارة تصطدم جسدها في تعمد، وفي لحظة كان جسدها يتطاير للأعلى قبل أن يرتطم على الأرض في بركة من الدماء حولها. هُنا تجمدت ملامحه وتصنم جسده، كانت عيناه فقط تلاحق جسدها الذي تطاير حتى استقر أرضًا، فرفرف بأهدابه عدت مرات يحاول أن يصدق ما رأى. تُرى هل حلم؟ أم إنه واقع عليه الإذعان له؟ لماذا إذن أحس بأن قلبه قد نُزع من بين ضلوعه ساقطًا أرضًا، وإن روحه اقتلعت فجأة صارخةً بيتم. يتم!
نعم إنه يتيم إذ لم تكن موجودة. آيته تلك الزهرة النادرة، لكنها لن ترحل، لن يسمح لها، لن يبقَ باقي حياته بدونها، أن كانت سترحل فليرحل معها. سترحل! هل ترحل وتتركه مهجورًا دون وطن، يتيم دون أم أو أب أو أهل!
مع هذا الخاطر كانت الدموع تتجمع قسرًا في مقلتاه، وازدادت خفقات قلبه جنونًا وصرخ باسمها وهو يركض إلى جسدها المسجى، الناس التي تجمعت حولها كأنه لا يراهم، كأن العالم قد خلا إلا منهما، فراح يزيح عن طريقه بعنف كل من يسد طريقه، حتى جثم جوارها وهاله الدماء من حولها التي طالت ملابسه وهو يدير جسدها المنكفئ لتحتل رأسها قدميه بين ذراعيه، ملامحها توارت بالدماء فلم تستبان، فهوت دموعه كأنها سيل جارف عسى أن تجرف هذه اللحظات معها ويكون حلمًا سينساه ما أن يصحو.
بأنامله راح يزيح الدم لعل ملامحها التي اشتاقها أن تظهر، وصوته المتهدج الخائف ينبض بجم الألم بصدره:
"ناردين، حبيبتي لقد جئت اوعدك أني لن أتركك مجددًا، أبدًا ها قد وعدتك استيقظي لقد عدت لا تنامي طويلًا فأني أخشى الوحدة يا طفلتي، أخشى البقاء بمفردي، هل تعلمين ينتابني هاجس في الظلام أن ثمة من سيقتلني غدرًا لكن أنتِ من تنقذيني، أنتِ الحلو الذي أحيا لأجله في هذه الحياة فقط لا تتركيني، أنتِ أملي، هل يمكن أن يعيش المرء دون أمل، ترافقي بقلبي ولا تيتميه رجاءً، سأموت إن رحلتي وأنا أعنيها".
قرب كفها إلى وجهها وقبله بقبلة عميقة حتى تراخت كفها وسقطت، فسقط قلبه معها، فحدق بعينيه في الفراغ وهز جسدها بعنف مناديًا باسمها ظنًا إنه هكذا ستلبي النداء ككل مرة، لكنها خيبت أمله ولم تلبي، فضمها لصدره، وصرخ... صرخة شقت قلبه لنصفين ومزقت أحباله الصوتية، صرخة صدرت عن قلب يُرفرف كالذبيح وقال بروح مكلومة: "لا يا الله، لا لا لا يمكنني أن أعيش بدونها، لا تأخذها يا الله ليس ليّ غيرها".
حضرت سيارة إسعاف وأخذها المسعفون من حضنه قسرًا وتركوه مفتشًا الأرض ضامًا ذراعيه كأنها ما زالت بينهما، عيناه لا تكف عن سيل الدمع، ورأسه متدلى على جانبه كأنه شخص تُسحب منه روحه وهو لا قدرة لديه على المنازعة واستعادتها. يأبى أن يتحرك من مكانه خوفًا من صدمة فارقها. ففارقها يعني موته لا محالة. لن يشرق قبل أن تتوهج هي! فهما كالشمس والقمر يكملان بعضهما، هو شمس حارقة وهي نور جميل تضيئه، فكيف يحيا من دون نور، أنّى له ذلك!
"اللهم إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين". أدركت دارين إنها هالكة لا محالة، إذ كيف تهرب من ذاك الشيء المخيف، ذراعها ما زال يؤلمها ألمًا شديد لا مرية فيه، لا سيما إنه قد قطم قطعة من لحمها، هل سيأكلها أم ماذا يريد منها هي خاصةً والصغير المسكين جعفر الحبيب، الذي يغفى الآن فوق صدرها المُفعم بالمحبة، لكنها في قرارة نفسها تجزم أن زوجة الأمير هي السبب، فقد كانت واقفة والبسمة تُظلل شفتيها. "رباه...
هذا ابنها هل طاوعها فؤادها بأن تلقي به بتلك الطريقة... لا والله هذه ليست أم أبدًا." عَمَّ تفكر الآن وفيمَ منشغلٌا ذهنها؟ أليس عليها أن تفكر في الهرب والنجاة عما تسعى وهي خاوية الوفاض لا ريب. تململت تأن في خفوت، ناظرة للصغير الكامن بين ذراعيها بأسف. "هل كُتب عليه الشقاء صغيرًا؟! ما الذي تعيشه هي الآن تقسم إنها في حلم وحتمًا ستصحو منه قريبًا وستذكره وتضحك وهي ترويه على مسامع الفتيات فيقهقهون من سخافتها ورحابة لُبها.
كادت تعتدل كي تعرف أين هي وما هذا المكان الذي هي فيه، لكن يدًا قوية كأنها صخرة صلدة وُضعت فوق ساقها منعتها من التزحزح حتى، فبقت مكانها مستسلمة تتحاشى النظر إليه كلا تموت رعبًا من هيئته. كان الصغير يبكي بكاء الجائع في حجرها الطافح بالحنان، فكانت تنظر إليه في أسف وعجز، فماذا قد تفعل له، وما بيدها وهما محبوسان الآن. لم يمضِ طويلًا من الوقت إذ تناهى لها صوت أحصنة قادمة فتهلل وجهها مستبشرًا، وثبت واقفة وهي تصيح في غبطة:
"سننجو يا جعفر ثمة آتٍ لأنقاذنا! مع انتهاء عبارتها كانت الأحصنة أمامها مباشرةً، وما أن هدأت سورة الغبار حتى تراءى لها رجال ملثمون يرتدون ملابس سوداء اللون، منهم واحد راح يحوم حولها بفرسه فتوجست خفية في نفسها. توقف الرجل أمام ذاك ذي الهيئة المخيفة وقال بصوت غليظ صلب: "أحسنت صنعًا يا أولمان، سيكافئك الملك بما تريد، سنأخذ الفتاة والطفل لأن غدًا ستتم المراسم". لم يُجب أولمان إلا بهزة من رأسه شبيهة بالبومة.
تراجعت دارين بجسدها للخلف وما همت بأن تستدير للركض حتى كان الملثمون يُثبوا عليها، وانتشل احدهم الصغير وآخر قيدها وأخرج منديل قماشي لفه وربط به فمها وعقدة من الخلف، حملها دون جهد لرفع بدنها وقصر قامتها ورفعها على الجواد وامتطاه خلفها وانطلقت الأحصنة.
قُرب بوابة سوداء ضخمة مهيبة كان الحارس يُغمي عينيها بقماشة سوداء فما رأت أي شيء يدلّها عن مكانها، لكن الخوف بدا يتسرب بأوصالها وعرقها مجرى الدم، ودموعها طفقت تسيل من مقلتيها. انسابت الأحصنة ببطء وسط أرض عامرة بأهلها إذ كان رجال ونساء وأطفال منتشرون، وطال الطريق حتى وقفت الأحصنة أمام قصر مهيب ذو طراز غريب ورسوم من جماجم، رغم غرابتها إلا أنها تُسر الناظرين.
هُناك نزع أحد الحرس القماشة عن عيني دارين التي راحت تتلفت حولها بقلب يخفق في جنون. يدًا قوية دفعتها لتتقدم للداخل، فسارت قسرًا إلى القصر يدفعها أحد الحرس الذي قادها إلى ممر طويل في آخره درج أسود كاحل، هبطت الدرج مع اختفاء الضوء رويدًا رويدًا، ثم سارت في ممر متفرع منه عدت ممرات، استشعرت أن الممر موازٍ للأسفل فجزمت أنها تحت الأرض، وأمام زنزانة فتح الحارس بابها ودون كلمة دفعها للداخل وأوصد الباب خلفها ورحل.
فـ انهارت باكية من شدة العجز والخوف. "إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون". فتح جفنيه مُحملقًا في الفراغ فجأة، رغم الوجع الحاد المنتشر في جسده بأكمله، ألا إنه حين عاودته ذكرى اختفائها، صوتها الذي اخترق مسامعه كـ صدى مرافق له، نظراتها المستنجدة، وكفها الممدود إليه، توالى كل هذا متمثلًا أمامه، فهب جالسًا بأنفاس متلاحقة. فوجد نفسه عاري الصدر، ورأى رجلًا يقف يمنعه من النهوض هامسًا بصلابة:
"لا ترهق نفسك جراحك لم تلتئم بعد، استلقَ رجاءً! أبعده عنه وهو ينهض ناظرًا حوله كالضائع... التائه، وكاد يسقط أرضًا من شدة الدوار الذي داهمه، فلحق به الرجل فبادره آجار قائلًا وهو يتشبث فيه بنظرة راجية: "دارين، دارين اختي ما الذي حصل لها؟ التفت حوله يمنة ويسرة وسأل: "أين براء؟ "أجلس هنا وسأجيبك لا تقلق لكن استريح حتى لا تفقد وعيك مرة أخرى".
استسلم آجار له تاركًا له نفسه تمامًا وجلس منتظرًا أن ينطق الرجل الذي لم يطل وقال وهو يجلس مقابله تمامًا: "الأمير ذهب مع الحراس للبحث عن الغريبة، ولن يعود إلا بها اطمئن فقط". "يطمئن! " كلمة بعيدة كل البعد عن قلبه. بالله كيف يطمئن ونداءها يلاحقه، كيف لن يُلبى؟ هيهات أن يطمئن قبل أن يراها بخير وبجانبه. هب واقفًا وهو يضغط على جانبه الصارخ بالألم، فوقف الرجل بدوره وما هم بالاعتراض، فـ إذا بـ آجار يقول في ثبات هادئ:
"لن أبقى أي دقيقة أخرى قبل أن تعود سالمة، سأذهب أنا أيضًا وأبحث عنها، حتمًا سأجدها لن تُصاب بأذى لأني لن أسمح بذلك ولو على حساب روحي". اختفى في لمح البصر فور عبارته ينهب الأرض للخارج كاتمًا عن آلمه، معتصرًا إياها بداخله، أحضر له الحارس إحدى الأحصنة في لحظة كان ينطلق قافزًا على صهوتها، ليصهل الجواد عاليًا وهو يرفع قدميه لأعلى، وسأل آجار وهو يمسك جيدًا بـ لجام الفرس: "أي طريق سلكوا؟
تحرك الحارس بجواده خطوة للأمام وهو يومئ قائلًا: "اتبعني يا سيد آجار وأنا سأدلك".
شد آجار لجام الفارس الذي صهل صهيلًا أعلى وهو ينطلق في سرعة محدثًا دويًا مرعبًا مخلفًا غبارًا عم المكان، كان في الهزيع الأخير من الليل الحالك وهما ينطلقا دون بصيص نور، وعلا صوت آجار قاطعًا دجي الليل بصوت ذبيح ينادي باسمها، تشتهي عيناه أن يجدها أمامه، كله آذان صاغية لـ أي همسة قد تصدر عنها في ظلمة الليل، حفيف الأشجار من حوله مخيف، فـ كيف حالها قد يكون! وحيدة هي الآن فماذا يا تُرى جرى لها؟ هل هي بخير؟ هل ستعود سالمة؟
كيف حال قلبها الوحيد الآن بماذا تشعر؟ ليدفع نص عمره في سبيل أن تكون بخير والأهم ألا تموت رعبًا. مر الوقت، وطال البحث، حتى انقشع الليل وانبلج الصباح... منيرًا... هادئًا... جميلًا... كئيبًا على قلبه الذي يتآكل في توجس. تباطأت حركة الأحصنة، فـ التفت الحارس إلى آجار قائلًا: "يبدو أن الأمير قد ابتعد ولا ندري من أي الطريق سيعود، فرأيي أن نعود أدراجنا لعلهم عادوا خاصةً أن سيرنا هكذا لن يجدي نفعًا".
بنظرات زائغة محطمة أومأ آجار مستسلمًا في يأس... في قهر. وعادوا أدراجهم وقُرب القصر رأوا الأمير يتقدم بمفرده ممتطيًا جواده الأسمر الذي يركض به في سرعة. علا صوت آجار متسائلًا: "يا براء هل من أخبار من دارين؟ "انتظر يا هذا أحادثك! ألا تسمعني؟ قالها آجار في عنف ممزوج بالغضب حين بدا على الأمير إنه شارد في ضياع، مترجلًا عن جواده دون أن يولي على شيء، داخلًا القصر بخطوات سريعة إذ لم تكن راكضة، فلحق به آجار بأعين مشتعلة.
دفع براء الباب على مصرعيه كأنه عاصفة عاتية أتت تقتلع الأخضر واليابس، ما أن رأته الأميرة استوت واقفة في توتر بيّن فضحه عيناها النجلاوين، وقالت في ارتباك: "يا أمير ما أخبار ابني هل عرفت عنه شيء؟ بخطوات متمهلة سار نحوها ووقف مقابلها وسكت قليلًا قبل أن يهمس بصوت بدا كالفحيح: "ابنك! من ابنك؟ هلا أخبرتيني فلا فكرة لدي... أتعلمين كم صبرت لأتبين سبر أغوارك؟ لأعرف ما الذي فعلتيه بزوجتي بوفارديا!
شحب لونها وهي تتقهقر للخلف مصدومة وعلى عجل هزت رأسها نافية تهمس بصوت متقطع، خائف: "لا أفهم ما الذي تقولُه، ماذا تعني بكلامك هذا! صاح فيها بلهجة جمدت أوصالها وهو يقبض على حفنة من شعرها بعنف: "هــــــــــــــــــاي على رسلك أيتها الساحرة أكره الكذب، بل أكرهُه كثيرًا وهذا كفيل لجعلي أقتلك، هل تظنين أنكِ بأستطاعتك أن تحتلي مكان زوجتي دون علمي! وأن تبقي بقصري بإرادتك، من خلفك يا امرأة؟ وأين ابني ودارين."
تشنجت ملامحها وقبل أن يرتد له الطرف كانت فجأة كأن قوتها تضاعفت قوة جيش كامل إذ شوحته بكفها إلى الجدار ويديها رويدًا ظهرت لها مخالب وهي تتدرج باللون الأسود، عيناها النجلاوتان أصبحتا بلون الدم ونار حارقة تخرج من بينها، لسانها راح يردد طلاسم غريبة فسقط أرضًا منهارًا وهو يرفرف كالذبيح ممسكًا برقبته يحاول نزع يد لا تتراءى له تخنقه حد الموت، أنفاسه راحت تتلاشى، باغتها بعل صوته مرددًا بعضًا من آيات القرآن ويتعوذ ويبسمل، فـ
اختفت النيران المشعة من عينيها وتوارى اللون الأحمر، واتسعت عينيها فزعة وطفقت تصرخ في ألم وهي تمسك رأسها فـ ابتسم بسمة ماكرة وهو يثب إليها جاذبًا شعرها يجرها وراءه مجتازًا آجار الشاخص العينين في ارتياع، وفي مسجد القصر الصغير ألقاها بداخله، هُنالك كان رجل ذو لحية بيضاء ووجه وضّاء وقف على رأسها يُنثر عليها مسك وصراخها يزداد ويزداد حتى فقدت الوعي، فتنفّس البراء الصعداء وارتاحت ملامحه وهو يضع كفيه في جذعه متنهدًا تنهيدة
عميقة وجلس قرب رف يحوي مصاحف عدة، ناوله الشيخ كوبًا من الماء تجرعه جرعة واحدة وللعجب كان عطشانًا للغاية، كيف لم يشعر؟
ارتوى واسترخى في جلسته مسبل الجفنين، فتحهما مع وضع الشيخ يده على منكبه وقال بلطف: "لا تثريب عليك يا بني لكل أجل كتاب، لا تلوم نفسك على شيء سيمر هذا الوقت الثقيل سيمر مرور السحاب، قم توضأ وأقبل على الله لن يردك خائب الرجاء، واعلم أن ما أصابك هو المكتوب لا مفر منه، هيا يا ولدي لترى ما ينتظرك وتنطلق في دربك العصيب عساه يسلك... أكون أنا علمت لك مكان ولدك والفتاة من هذه المرأة.
لكن اعلم أن بضعفها ضعف هذا الكائن الذي آسرهم." ركن إليه براء وصلى ركعتين، ركعتين ناجى بهما الرحمن والتجأ إليه ولاذ به ودعاه.. ركعتين صب فيهما كل ضعفه ليتبدد بالقوة وداوى إرهاقه مُدججًا بالثبات محتلًا بالصبر. سلم من صلاته رافعًا كفيه ووجهه إلى السماء مناجيًا الرحمن بدعاء خالص نابعًا من القلب وآمن على دعائه ماسحًا بكفيه على وجهه ونهض مكفهر الوجه واجمًا وهو ينظر للمرأة بشيء من الغل، قبض على شعرها صرخًا:
"لسانك لولا إننا بحاجة إليه لقطعتُه أقسم لك دون ذرة شفقة، من الذي أرسلك؟ ابتسمت ضاحكة في استفزاز وقالت بازدراء: "لن أخبرك… تعلم هذا! أليس كذلك؟ ضغط على فكها مقربًا وجهه من وجهها وقال في هدوء قاتل: "أعلم من أرسلك وأعلم الخطة تمامًا وأعدك أنك ستذوقين ثمار بثورك حنظل أنتِ ومن أرسلك، الآن أين ابني و....... قاطعته حديثها الذي ألجمه:
"يؤسفني أنهم قد تم ذبحهم الآن يا أمير فأن دماءهم نحن بحاجة إليها لـ ملك مملكتنا فلا ضير أن أخبرك بالمكان... نثر الشيخ عليها ماءً جعل جلدها يحترق وهي تتأوه في ألم. فما كاد يعيد سؤاله حتى باحت بالمكان عسى أن يكفوا عن إيجاعها. "ثمة هموم لا يعلم بها إلا أنت يا الله فـ افرجها". انطلق البراء يتقدم حراسه وآجار إلى المكان الذي دلتهم عليه الساحرة بوفارديا بخطة براعة أسس جيشه للقضاء على أولمان.
توقف فجأة رافعًا كفه بإشارة ليقف الجميع خلفه، ورأى أمامه أولمان وطالت بينهما نظرة عميقة قبل أن يهتف البراء بصوت صلب: "أين ابني والفتاة يا أولمان." بصوت خشن غليظ هدر أولمان بصوت يهز الأرجاء: "قد يكون ذُبح يا أمير." "إذًا أنت تريد الحرب!؟ "إذا كان لا بد لها فلتكن، افعل ما بدا لك يا أمير."
دون كلمة أخرى رفع براء كفه مشيرًا بها للأمام فتوالت السهام جملة واحدة على أولمان الذي صرخ بصوت عالٍ دك الأرض دكًا، وأشهر البراء سيفه وهو يشد لجام فرسه وتقدم نحوه، وفي لمح البصر كان يشق بطنه ليسقط أولمان على إحدى ركبتيه، وقبل أن تأتيه طعنة أخرى كان يخفق بجناحيه الأسودين ويطير عاليًا منهزمًا مكسورًا، وتوالت عليه السهام دون هوادة. ترجل براء من فوق جواده لاهثًا بتعب بيّن، فترجل آجار بدوره متميزًا غيظًا وغضبًا وصاح فيه:
"أين أختي يا هذا هل لك أن تخبرني." لوح بسبابته وتابع: "أقسم بأن أصابها أذى لن تكفيني روحك بمفردها." في سورة من الغضب صرخ فيه البراء قائلًا: "هـــــــــــــــاي اخرس يا هذا ولا تسمعني صوتك، وهل تظن إني سأتخلى عنها معها ابني يا هذا هل تظن بأني سأمرر لهم اختطافهم له." هدأت نبرته وقال في تفهم وهو يأخذ نفسًا عميقًا:
"لا تثريب عليك يا آجار الآن أعلم ما يختلج صدرك من قلق وخوف، لكن يا رجل وأنا أيضًا أقلق عليهم كثيرًا، لكن ما يطمئني أن مملكة الأولمان بها صهيب وطالما هو هناك فسيضحي بروحه ليحميهم." فكر قليلًا ببسمة خبيثة وغمغم بمكر: "ثم معنا ورقة رابحة إبن مملكة الأولمان معانا ويمكننا استغلاله." ضيّق آجار عينيه في عدم فهم وردد بغباء: "زوج أخت؟! "ليس بعد الآن سأذبحه وأمام والده وسترى، كما تدين تدان." التفت إليه وتابع في اهتمام:
"هيا بنا لنعود أدراجنا فما لنا حاجة من هذا المكان." امتطى صهوة جواده فـ لاح له طيف دارين يبتسم له، فـ علق بصره عليه ببسمة بدت كضوء الفجر تتوهج ودار بحصانه عدت دورات وهو ينظر لطيف الحبيب قائلًا في همس: "الشوق لرؤياكِ جعلني أرى طيفكِ في كل الوجوه يا اميرة القلب". "ربي أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
فُتح باب الزنزانة فهبت دارين من مكانها محملقة في الحارسين اللذين سحبوها ليخرجوا بها من ساحة السجن، وسنحت لها الفرصة أن ترى هذا القصر غريب الأطوار إذ جمع رسومه جماجم غريبة وطلاسم وأشياء تشبه الحيوانات، عيناها مفعمة بالأنبهار والذهول في آن وهي تتلفت حولها حتى راعها بغتة رؤية زوجة الأمير براء ذو بطن بارز، فرفرت بأهدابها غير مصدقة، بينما رمقتها الأخرى بنظرة دون معنى وأكملت سيرها للخارج.
ما كادت دارين أن تقف محلها من هول الصدمة حتى دفعها الحارس بقوة فـ أكملت سيرها وقبيل دخول إلى حجرة واسعة فك الحارس قيدها فدلكت ذراعيها في ألم وهي تحركهما ضم وفرد، ودلفت إلى ساحة واسعة ذي مقاعد من كلا الجانبين على هيئة أفعى وأمامها رجل يبدو إنه بلغ من الكبر عتيًا يجلس فوق كرسي ضخم متلألأ اللون، على ما يبدو جاء بالخطأ في هذا المكان المرعب، كان يحدقها بنظرات قاتلة وهو يستند بمرفقه على فخذه حتى صاح فيها بصوت أجش:
"تقدمي لن آكلك." أزدَرَدَت دارين لعابها بغصة خائفة ودحرت التفكير عنها، وما أن صارت على بعد خطوات منه حتى نهض بتريث يثير الرعب وتقدم إليها بخطى ثابتة مهيبة، فرفعت رأسها صارفة الخوف عنها وقالت في جمود: "من أنت وماذا تريد مني؟ أين الصغير جعفر." سكت قليلًا باسمًا قبل أن يقهقه بصوت عالٍ يثير الاشمئزاز ودار حولها متأملًا إياها، حتى وقف أمامها، تمتم في هدوء وهو يميل وجهه عليها:
"انسي الصغير فلن تريه مجددًا، ثم ما خطبك يا فتاة يجب أن تفكري في نفسك فقط وما سيحصل لك." امتقع وجهها وتكدر بينما استدار هو جالسًا فوق كرسيه مسندًا مرفقيه على ذراعي المقعد وأخذ نفسًا عميقًا وقال دون اكتراث: "أردت فقط رؤيتك فما لي حاجة فيكِ إلبتًا." سكت لهنيهة مستلذًا برعشتها واضطرابها وخوفها وقال: "ستشرفين في سجننا لبعض الوقت أتمنى البقاء معنا يروق لكِ."
أشار لها بسبابته أن تقترب فتراجعت عدت خطوات وآثرت المكوث بمكانها، لكنه جأر فيها مزمجرًا: "قلت اقتربي يا فتــــــــــاة." بخطى متمهلة دنت منه فمشت عينيه على جسدها من رأسها لأخمص قدميها، فعض على شفته ومد يده ممسكًا بخصلة من شعرها لكنها انفضت رأسها واشاحت بكفه بعيدًا بعينين اشتعلتين غضبًا، وما كادت أن تعنفه حتى قال قائل من ورائها: "جلالة الملك سيحون وصل لك خطاب من الأمير براء."
صرف سيحون بصره إلى الحارس وأشار له برأسه أن يتقدم، فـ أقبل عليه فاتحًا الخطاب ذو الورقة الصفراء فتهللت أسارير دارين واستبشرت خيرًا وتسربت الطمأنينة لفؤادها. "أقرأها الآن." قالها سيحون فتنحنح الحارس وعلا صوته قائلًا وآذان دارين صاغية: "عزيزي جلالة الملك سيحون الأحمق." سعل الحارس لتتسع أعين الملك وتند عن دارين ضحكة كتمتها فورًا حين حدجها بنظرة مرعبها وصاح في الحارس قائلًا بغضب: "أكمل دون توقف."
"عزيزي جلالة الملك سيحون الأحمق تحية غير طيبة لك. أما بعد: فنهارًا أسودًا فوق مملكتك أيها الملك الجبان...
على رسلك يا رجل لا تغضب فلا تثريب عليّ أنت بالحق جبان وما عهدت مني إلا الصدق أيها المخادع كيف سولت لك نفسك على خطف ابني وحبيبتي هذا أمر لن أمرره مرور الكرام ولا تنس بيننا انتقام روح أختي وابنها أعدك بأن آخذ روحك مقابل لهما، أوه أنسيتني ولدك الحقير الغدار في ضيافتنا في نهار الغد سأعطيك فرصة لأخذه مقابل ابني وحبيبتي، سأنتظرك لا تتأخر أيها الـ..... الحثالة."
انفجرت دارين ضاحكة وإذ نهض الملك صارخًا يطيح بكل ما تطوله يده في حين صاحت دارين من بين ضحكاتها: "يا لغبائي هل كنت أخشى من حثالة، بل أحمق وجبان أيضًا، تبًا لي؟ سكن الملك بأنفاس متلاحقة والتفت إليها فسكنت مكانها ثابتة في لحظة كان يعصر مرفقها في راحته الضخمة وهو يصرخ فيها: "ماذا قلتِ؟ ها ماذا قلتِ؟ أنا... أنا حثالة وأحمق أنا؟!
أنهى جملته بصفعة فوق وجنتها طرحتها أرضًا على أثرها فبقت قليلًا مسندة بكفيها على الأرض بنظرات حارقة، وصرخ في الحرس أن يزوجها بالسجن فسحبوها عنوة وهي تجاهد كي تصل للملك لتثأر بنفسها لكنها لم تفلح. "الظلام يلف المكان لا بصيص من نور حتى، فتكورت على نفسها لم تكن على سجيتها أبدًا، كانت خائفة خوف بدد شعورها بكل شيء، قلقة قلق يلتهم روحها بلا هوادة. كيف السبيل للخروج من هذا المكان؟
هل سيتركها لا تظن يبدو إنه غدار قوله غير فعله! إذن ما العمل! هل ستبقى هنا! دفنت رأسها بين ذراعيها كلا تموت من خوف الظلام الذي يخيل إليها بأشباح قد تخرج لها بغتة من حيث لا تحتسب، لولا ذاك الحارس الواقف على الباب لكانت ماتت حتمًا وذابت من شدة الخوف.
تناهت لها حركة غير عادية فـ أرهفت السمع وهي ترفع رأسها على الحارس الذي تحيطه هالة من نور طفيف فإذا بيد تبرز فجأة مكممة فمه ترفع رأسه للأعلى فشهقت وهي تكتم فمها تحدق في الخنجر الذي انساب على عنق الحارس لينساب الدم كالنهار ويسقط الحارس، وارت عينيها بين كفيها وهي تثب واقفة تبتعد مستترة في الجدار بجسد اعتراه رعشة قوية وقلبٌ غمرته الواجفة....... "سبحان الله وبحمده".
صدمة.. صدمة كل ما احتلت قلب ياسين وهو يهوي بكل جسده على الحائط ظنًا إن ابنته قد فارقت الحياة، عيناه جاحظة على الطبيب في توهان، فهرع إليه حمزة ممسكًا به وقال وهو يربت على ظهره: "مش.. مش هيَ أكيد لا." فنظر الطبيب إلى ياسين ثم إلى حمزة وتمتم: "اللي ماتت المريضة اللي متصابة برصاصة."
تنهد حمزة آخذًا نفسًا عميقًا كأنه كان يغرق في بحر لجي وجاء ذوّرق نجاة لينقذه وارتاحت ملامحه وارتخت، بينما أغمض ياسين عينيه متنفسًا بإنتظام وضربات قلبه تهدأ رويدًا رويدًا. يا إلهي لا يصدق تلك الدقائق كيف مرت وهو يتلقى خبر وجودها في المستشفى كأن روحه قد أُقتلت وها هي ترد إليه. ضحك حمزة ضحكة طفيفة لا تكاد تُسمع وهو يقول: "أروى بخير هيَ بخير." جذبه ياسين إلى حضنه وربت على ظهره عدت مرات غير قادر على النطق وأخيرًا
قال بعد ما ابتعد عنه: "هشوف خالتي لمار وأجيلك عشان معاها سجى." أومأ حمزة له وجلس على أقرب مقعد قابله. هُنا وتجمدت ملامحه متذكرًا موت ريتاج. هل الآن افتكر؟ لكن لا تثريب عليه هل كان فيه عقل؟ ظلل الحزن في عينيه سرعان ما قام من مكانه على صوت الممرضة تخبره: "المريضة دلوقتي تقدر تدخل تشوفها." لم ينتظر لا قدرة له على الانتظار لا مرية إنه يود أن يطمئن عينيه المشتاقة إنها بخير حتى يصدق قلبه المكدود.
لقد كان السبب فيما حصل لها ويستحق ذاك الألم القاتل، يا ويل قلبه أن كان حصل لها شيء. طرق في توتر على الباب قبل أن يدير مقبضه ويطل برأسه ليجدها مسندة ظهرها على وسادة خلفها ورأسها مربوط بشاش، كم بدت هشة الآن. تبسمت فـ تبسم وخطى للداخل مرتبكًا يغض بصره في حياء وقال: "الحمد لله على سلامتك." ردت عليه بصوت رقيق: "الله يسلمك، ريتاج عاملة إيه؟
خطف نظرة إليها ثم تصنع الانشغال بجلب مقعد ليجلس جوار الفراش مطرق الرأس في حياء وجيب قلبه المتسارع ينبئه بجريمة قد تحصل في قربها المهلك، فـ تحمحم وقال بصوت متقطع: "ريتاج، ريتاج تعيشي أنتِ." شهقة صدرت عنها وهي تكتم فمها بأناملها وأغرورقت عينيها بالدموع وهي تقول: "إن لله وإن إليه راجعون البقاء لله." ساد صمت كئيب حزين لوهلة تطالعه في آسف. هل قلبه الأسيف حزين الآن؟ بماذا يشعر يا ترى؟
يا ليت بإمكانها أخذ وجعه ولا تشعر إنه حزين. تنبهت من زمهرير أفكارها على صوته الحاني يقول فرفعت بصرها إليه لتتقابل مع عينيه التي تقطر عشقًا فسره قلبها الأحمق بغير ذلك: "أروى أنا آسف لأني السبب، كنت دايمًا بدور على أي حجة عشان تسيبي الشغل من خوفي عليكِ، لكن متخيلتش أبدًا إني أكون السبب في اللي.... قاطعته أروى قائلة وهي تهز رأسها:
"لا، لا متحملش نفسك الذنب أنا اللي نزلت وراك وبعدين انت ما أجبرتنيش وحصل خير أنا بخير دلوقتي." "ولو كان جراك حاجة كنت هعمل إيه؟ قالها حمزة بنبرة صادقة بمسحة من حنان فـ ران عليهما السكون وهم ينظران لبعضهما في توتر لكن القلوب كانت تدق كالطبول، فُتح الباب فجأة فـ التفتوا سويًا ليبصروا خالد وخديجة فنهض حمزة قائلًا بتوتر ملحوظ: "تعالوا ادخلوا."
توجهت خديجة بلهفة إلى أروى، بينما دارت نظرات غامضة بين حمزة وخالد قبل أن يقول حمزة متحاشيًا النظر إلى خالد: "أنا، أنا هطلع أشوف عمو ياسين." خرج تشيعه أروى بنظراتها وهذه المرة لم تخف على خالد الذي أزدَرَد مرارته وتوجه مبتسمًا نحوها يطمئن عليها. لم يمضِ طويلًا وكانت كل العائلة تحضر. فقال يوسف ضاربًا كفًا بكف: "هي العيلة جرالها إيه؟ خالد يعمل حادثة، وأروى تضرب ولمياء تتسجن." ثم تابع وهو يطوق كتف أروى رغمًا عنها:
"عين وصابتك يا أختي يا حبيبتي عين وصابتك." جذبته خديجة من ذراعه قائلة: "يا ابني جايب الرط ده منين تعال معايا." خرجا سويًا وبينما تسير في الرواق برز أراس على حين غرة قائلًا بتعجل: "خديجة أنا." جزت خديجة على أسنانها قائلة: "ما الذي تفعله هنا؟ ماذا تريد مني، هل ستصبح حياتي جحيم هكذا وسأجدك أمامي في كل خطوة." هم بالحديث لكنها أوقفته قائلة: "ولا تخبرني أن هذه صدفة أن يحدث كل هذا بعد تهديدك.... "اخرسي."
قالها أراس غاضبًا قبل أن يلتفت حوله ليقول في خفوت: "أخبرتك يا خديجة إني لم أؤذِ خالد والآن أقول ولم أؤذِ أروى ومستحيل أن أؤذيها أتيت لأطمئن عليها." قطبت خديجة مستفسرة: "وكيف عرفت، ولماذا تطمئن عليها؟ أنهت جملتها عاقدة ذراعيها، فسأل يوسف بغتة: "هو مين المز ده يا خديجة." نظرا الاثنان عليه كأنهم للتو تذكروا وجدوه الذي نسوه في غمرة جدالهم فضحكت خديجة بتوتر قائلة: "دا دا دا دكتور أروى." لوى يوسف فمه في شك، فـ
أسرعت خديجة تقول: "يوسف تعال يلا نشوف مامتك.." لم تجد أراس فبحثت بنظرها ولا أثر له فحركت كتفيها في حيرة وتابعت سيرها. "سبحان الله وبحمده". خرجت منه من غرفة العناية الراقد بها جسد والدها الغائب عن الحياة مؤقتًا، ترتدي ملابس سوداء اللون بنطال ضيق أسود يعلوه تيشرت دون أكمام أسود وضيق أيضًا وفوقه معطف أسود لبعد الركبة، شعرها الأسود القصير منساب فوق ظهرها، بدت متعصبة وهي تقف أمام الباب تتحدث في الهاتف قائلة:
"حبيبةً من يا هذا الذي قتلتها؟ هل جُننت! أخبرتك آجار غير موجود لا تثير غضبي وتجعلني آتي لأخلص عليك وأرتاح من هذه الثرثرة."
أنهت جملتها وأغلقت الهاتف في عنف كأنها تنتقم منه، وتنهدت وهي تضع يديها في جذعها وتلتفت يمنى ويسرى في حركة سريعة قبل أن ترفرف بأهدابها في ذهول وهي تعيد نظرها إلى الجهة اليمنى لتتسع عينيها على آخرهما وتفعمتا بالصدمة، فركتهما وهي تحملق في آجار الجالس واضعًا رأسه بين كفيه في منظر يثير الشفقة كأنه فقد كل من له في الحياة دون وداع. و كم مؤلم أن يغادرك أحد هكذا دون وداع. ويتركك تواجه الحزن بمفردك.
وفراقه يترك فيك جرح لا يلتئم مهما جارت عليه السنون، جرحٌ يجعلك لا تطيق الحياة لكنك مجبور على العيش فيها. هرعت نحوه فجأة منادية باسمه فتوقف جان متعجبًا يرمقها في حيرة بينما دون كلمة أخرى ضمته بقوة وهي تهمس بنبرة تقطر فرحًا ممزوج بالحزن: "آجار يا هذا، هل هان عليك تغيب عني كل هذا الوقت! متى جئت؟ كيف عدت! ماذا تفعل هنا، أوحشتني يا رجل بقيت وحيدة في غيابك لا أجد من أخنقها."
ابتعدت عنه مكفكفة دموعها فلم ينبس هو بحرف، فضيقت عينيها متسائلة وهي تضرب كتفها بكتفه: "ما بك هل تفاجئت بوجودي أم ماذا؟ صمت للحظات يستجمع رباطة جأشه وأردف: "لا، لا لم أتفاجأ كيف حالك يا حبيبتي؟ "بخير، لماذا أنت في المستشفى، ماذا تفعل هنا هل بك شيء؟ هاهي قُل تبدو متغيرًا."
نظر جان تجاه غرفة العمليات بقلب خافق ثم أعاد نظره إليها ولاذ بالصمت غير قادر على النطق، بينما هزت منه رأسها في يأس وتوجهت نحو غرفة العمليات لتتطلع من زجاجها الخارجي فلم تبصر شيء، فعادت إليه قائلة بغمزة: "جبيبتك، أليس كذلك؟ أومأ جان وهو يحرك كفه على شعره في توتر، فقالت هي متخصرة: "ولماذا لم تخبرني قبلًا، ها؟ تبسم جان بشحوب وتمتم في خفوت: "لم تسنح الفرصة." أومأت منة وسكتت مليًا قبل أن تلتفت إليه تقول على عجل:
"إذًا هذا الرجل هو بالفعل كان هو السبب في الحادث، أقسم بأني لن أمررها على خير، ابق معها." انفجرت شفتا جان ليتحدث لكنها ما إن رمت بكلماتها كانت تختفي، فـ أطبقهما مجددًا وقد نوى ما نوى. هؤلاء الذين التقى بهم في مصر كانوا على حق، إذًا هو يشبه أحد رجال من المافيا! لكن هل يعقل أن بينهما شبه لتلك الدرجة الكبيرة حتى لا يفرقوهما!
بل والأعتى هم سبب حالة ناردين وهو سيبطش بهم سيذوقهم مما ذاقته سيدفعون ثمن هذا وسيكون سعيد أن يعاون الشرطة في إمساك مثل هؤلاء القوم. تبدلت ملامح وجهه ولانت وهو يجلس مجددًا مسندًا رأسه إلى الجدار مسبلًا جفنيه. تُرى ما الذي ينتظره في وكر الإجرام هذا الذي سيلقي بنفسه فيه؟ "سبحان الله العظيم". وقف خالد أمام حمزة الذي كان جالسًا في الانتظار، نهض ما أن أبصر خالد... غريبًا، متعجبًا، صامتًا، فتساءل بقلق: "خالد إنتَ بخير؟
"ليه؟ كلمة واحدة فقط هو كل ما نطق بها في غمرة حيرته ووجعه، وجع سعيد مغلف بالمرارة وما بين هذا وذاك هو تائه. وابل من الأفكار يجول في خلده يا إلهي هل ضحى حمزة بحبه ودعس على قلبه فقط لأجل حبه لـ أروى؟ لكن أنَّى له أن يعرف؟! هل كان هو سبب وجعه وبكل بساطة راح وأخبره بعشقه لها والأخير بدا سعيدًا مسرورًا، كيف استطاع أن يخفي عنه. والأهم كيف لضابط مثله أن لا يقرأ جيدًا ما يُخفى بعين أخيه! نعم هم إخوة ومن يقول غير هذا قد كذب.
هل يظنون الأخوة فقط بالدم؟ من رحم أم واحدة؟! إذن ماذا يسمون من يلدون من رحم الحياة ويأتون على هيئة عوض جميل مطعم بالسعادة والراحة. غزرت الدموع في قلبه لا بعينه ودون كلمة ومع دهشة حمزة الذي تساءل عما يعنيه بـ "ليه" ضمه خالد بقوة فبادله حمزة في صمت احترامًا لرغبته. همس خالد بجانب أذنه: "وهي كمان بتحبك على فكرة."
اتسعت أعين حمزة وهم بالكلام وهو يبتعد لَّمَّا إن خالد هز رأسه وما كاد أن يستدير ليغادر فصد حمزة طريقه موضحًا: "أنتَ فاهم غلط، اسمعني! تبسم خالد وقال وهو يربط على راحته حمزة بين كفيه: "تؤ مش فاهم غلط ولا حاجة، أنتَ أحسن أخ يا حمزة ومن حسن حظي إنك معايا وجنبي." دنا منه واحتدت ملامحه وقال من بين أسنانه: "أخويا وحبيبي وكل حاجة بس قسمًا بالله هتزعلها هتلاقيني في وشك عدو مش أخ يا حمزة." دفعه حمزة حتى أجلسه
على المقعد وهو يغمغم: "يا عم اقعد نتكلم، استغفر الله هتجنني." "وادي قعدة، عايز تقول إيه؟ جلس حمزة ملتفًا بجسده إليه وقال: "أنت كل اللي بتقوله ده..... قاطع خالد حديثه قائلًا في تذمر: "أيوه أيوه كل اللي بقوله إيه؟ نظر له بجدية وتابع:
"يا بني يا حبيبي أنتَ بتحبها وهي بتحبك، حمزة لو مفكر إني زعلان ومجروح تبقي غلطان صدقني سعادة أروى تهمني جدًا زي ما أنت بردوا سعادتك تهمني، تعرف حاجة أنا كنت بحقد على أروى وأنا صغير أو مش حقد غيرة كدا فـ خديجة قالت لي حاجة عظيمة ' يا خالد أروى معندهاش أخ أكبر منها فكون أنت الأخ ده ' ومن وقتها وأنا بحاول أكون لـ أروى أخ من غير ما أتخطى حدودي صدقني فرحتي هيَ لما أشوفكم سوا." لم يجد حمزة ما يقوله مع جم تلك المشاعر فردد:
"خالد، أنا..... "متقولش حاجة فرحوني قريب بفرحتكم وبالكثير يا أخ أنت اسبوع وتكون متقدم لبنتنا إحنا معندناش قلة أدب ومسخرة." مط حمزة شفتيه في تعجب: "قلة أدب ومسخرة؟ ولا تصدق أن الكلام معاك أصلا عيب." "أيوه يا حبيبي أنت مفكر إيه يعني تحب في بنتنا وكدا ونسكت لا يا غالي أنت تجي تتقدم وإحنا نحط رجل على رجل ونتشرط براحتنا ونتأمر." صاح حمزة ممثلًا إنه سيخلع نعله: "لا بقا انت لازم تتربى مين اللي يحط رجل على رجل يلا؟
صدحت ضحكات خالد وهو يبتعد في لمح البصر مغمغمًا: "إحنا أكيد مش أنت." هز حمزة رأسه والبسمة تظلل شفتيه، أسبل جفنيه حامدًا الله بفؤاده، تُرى كيف يوافي الله شكره؟ أفا الله كثيرة عليه هل يستطيع أن يشكره عليها؟ إنه يتنعم في نعم مهما ظل يعد فيها يقسم إنها لن تنتهي! فكيف يؤدي شكره للمنان؟! نهض فجأة مغادرًا مبتغيًا أقرب مسجد ليحمد ربه عسى نعمة لا تزول.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!