الفصل 22 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
20
كلمة
5,759
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

لقد عادت إلى أرض الوطن واستنشقت عبيره فنعش صدرها. تقسم أنها لن تبرح وطنها مرة أخرى. يا الله ... كم أن العودة إلى الوطن عظيمة. تتلقى بالقلب الراحة مهما كان القلب مهمومًا، معبئًا بالأحزان. راودها شعور بالصراخ أن تثبت أنها وطأت مطار الوطن، لكن ليس بمفردها. معها صغير تعلق بها وتعلقت به. هل ستكون قدر المسؤولية! صوت آجار المنادي جذبها من أوج تفكيرها لتدحره جانبًا وتلتفت له في تساؤل. فقال لها في لهفة تجلت في صوته:

-ها نحن ذا قد عدنا. هنا سنفترق نحن أيضًا، لكن لك وعدي سنلتقي حتمًا مجددًا وقريبًا. فأردفت ودموع الحزن تترقرق في عينيها: -سنلتقي! هذا وعد. لم أعد قادرة على فراق أحد. سكت آجار ردحًا من الزمن بأعين تتأملها في وعد صادق مبهم. وقال بنبرة تقطر حنانًا: -أعدك إننا سنلتقي مجددًا يا صغيرتي، فقط إلى أن يحين هذا الوقت تذكريني، لا سيما أيامنا ولياليها التي مرت ونحن مع بعضنا البعض ... ولكن هل لي من طلب؟

-حقًا تسأل يا آجار، أطلب ما تريد. -لا تكرهيني أبدًا مما قد يبدر مني، تذكري فقط أني آجار الذي قد يفعل لأجلك كل شيء، ناهيك عن كل شيء أنا أفعل المستحيل ليكون ممكنًا لأجل عينيك، تذكر آجار الذي روحه فداء لك ولا تتذكر غير هذا، حسنًا! كلماته الغامضة آثارت ريبتها لا ريب ولا إراديًا تسلل الخوف في فؤادها ولا تدري ما سبب ذلك. محال أن تعلم هذا الشعور، ولكن حرى بها أن تستفسر. لذا قالت وهي تستدير إليه كليًا:

-ما هذا الكلام المبهم الذي تتفوه به؟ هل ثمة شيء تخبيه عني؟ أنت بخير ... أليس كذلك؟ هم أن يطمئنها، لكن حضور عثمان الذي كان ينهي أوراق الخروج من المطار حال دون ذلك. رمقه عثمان بنظرة جافة وهو يأخذ منه جعفر دون أن ينبس. فزاغت عيني آجار لوهلة. وصدح صوت عائشة مناديًا في تلهف وحنين باسم ابنتها.

فأطبقت دارين شفتيها وقد كانت على وشك الكلام مع عثمان بخصوص آجار، فنست كل شيء وهي تركض كالعاصفة إلى حضن والدتها التي ضمتها وتدفق دمعها. وراحت تقول بصوت متقطع أثر البكاء: -دارين، بنتي أنتِ بخير يا ضي عيني، بخير صح أنا ... أنا مش بحلم مش كدا؟ أنتِ قدامي أهو، صح صح. -أنا هنا يا ماما، وحشتيني أوووي يا حبيبتي. قالتها دارين والدموع تسيل من عينيها قبل أن تقول بلهفة: -آجار! ماما لازم أعرفك على آجار..

تلفتت حولها فلم تجد إلا عثمان الذي دنا منهما. وهنا علمت إنه ذهب. وها هي تفقد أحدًا آخر! إلى متى ستظل تفقد هكذا؟ أطرقت رأسها في حزن. وأقبل هيثم من بعيد محاوطًا إياها بين ذراعيه يطمئن عليها اطمئنان الخائف على ابنته بكل صدق. لم يدور بينهما حديث أو تساؤل عن الصغير، بل ذهبوا إلى البيت من فورهم. غافلين عن أعين تراقبهم بوداع خافت، ووعد بالعودة آتٍ عن قريب. -مين الطفل ده يا دارين؟ ابن مين؟

سألت عائشة وهم في السيارة، ما زالت تضم ابنتها خشية فقدانها مجددًا كأنها قد تتبخر من جوارها. تخاف أن تغمض عين فتختفي أو تغدو حلمًا جميلًا حلمت به وولى. لا غرو فمن ذاق ألم فراق الابن يضحى يهاب كل شيء، وخاصة إن كان لها ولدًا وحيدًا. تلجلجت الكلمات في صدرها لا تدري بماذا تجيب. يمور القلق بداخلها. ومما زاد الطين بله قول عثمان: -صح ابن مين ده؟ ومين الواد اللي كان معاك؟

وبعدين إزاي ظهرتوا فجأة كدا في المكان وأنا متأكد إن مكنش في حد وكمان كان مغمي عليكم إلا الطفل الصغير. إيه اللي حصل معاك؟ دارت عينيها بين الجميع في تيه وتبسمت في شحوب وهي تقول: -أنا تعبانة دلوقتي وعايزة استريح وبعدين هبقى أحكي لكم كل حاجة. أسبلت جفنيها تسند رأسها على كتف والدتها تهرب من الجميع. والحيرة استبدت بها. ما هذه النكبة كيف تخرج منها؟ ومن أي ثغرة تسلك؟

إن أخبرتهم بما حدث لظنوا إنها مجنونة لا ريب، فما حدث ضرب من الخيال لا يستوعبه عقل ولا يسعه قلب. عن ماذا تتحدث وكيف تتحدث وكيف تجد الحل لهذا المأزق. استشعرت أن الطريق قد طال، أما إن تفكيرها كان ثقيلًا! "داريــــــــــــــــن، جت يا بشر يا إللي هُنا، انتوا فين؟ آه ... آه براحة يا بقرة منك ليها"

صاحت بآخر عبارتها مع هجوم الفتيات عليها من حيث لا تدري. هي الآن بينهم وسط عائلتها والفتيات ووسط الجميع. عمت الفرحة قلوب الجميع وضج البيت بالحيوية فجأة. ومر بالضحك والأصوات العالية، والضحكات المرتفعة. الجميع يحتفل بعودة دارين سالمة. الكل حاضر والجميع ملتف حولها، وحول الصغير. بينما هلت هالة فجأة من الأعلى ترمق الجميع شزرًا حتى قالت وهي تحدج دارين بتشكك:

-بياعة اللبن ليكِ كتير مجبتيش لبن يا بت. وبعدين يا ختي جاية تقعدي ولا كأن البيت بيتك ناقصين زحمة إحنا. ثم أشارت على الفتيات وهي تتابع: -مش كفاية المتعايس دول اللي معرفش جم منين. حل الصمت المكان وأعين دارين متسعة. ثم هبت واقفة في مواجهة هالة وهتفت متخصرة: -نعم يا حجة يا إللي رجلك والقبر انتِ مين دي اللي بتاعت لبن؟ ضربتها هالة بعكازها مغمغمة: -لسه لسانك طويل شبرين يا مقصوفة الرقبة، أنتِ ...

وحشتيني يا كلبة يا إللي مبتسأليش عليا. تأوهت من ضم دارين وهي تتمتم: -براحة ياختي عضمي مش حملك يا جموسة انتِ! انفجر الجميع ضاحكًا عليهما. وجلسوا يتبادلوا أطراف الحديث حتى علا صوت مالك آتيًا من الخارج: -دارين، يخرب بيتك رجعتِ! أنا قلت موتِ ومش هنشوفك تاني. شوحت دارين بكفها له في تزمر. فتابع هو مصدومًا وهو يحمل جعفر من سجى: -إيه ده إيه ده طنط سجى أنتِ ولدتي إمتى يا حبيبتي.

نظرة واحدة من ياسين كانت كافية ليعدل عن كلامه قائلًا: -دارين يا مصيبة أنتِ الحقتي تتجوزي وكمان تخلفي يا نهارك أسود طيب حتى اعزمينا طيب؟ فاض بها فنهضت تنوي شرًا. فمال مناولًا الصغير لـ سجى وهو يردد: -خدي يا سجى يا قمر. هنا صاح ياسين غاضبًا: -تعرفي لو سبتيه من غير ما تاخدي حقك هموتك، دا كان قبل ما تيجي بيدعي عليك. أشارت دارين بصدمة إلى نفسها. فأومأ ياسين. فصاحت: -أنا يا ابن حذيفة تدعي عليا؟

أنا والله ما هسيبك يا ابن الجزمة. ركضت وراءه وفر هو من أمامها والفتيات خرجن خلفهم. بينما صاحت أسماء في صدمة: -أنا جزمة؟ أنا والله لاوريك يا بنت زين. التقطت نعلها وهي تندفع للخارج. فضرب حذيفة رأسه بكفيه في غلب. في الخارج كان يوسف يشعلل دارين أكثر على مالك والشباب الذين راحت تركض وراءهم وهي ممسكة بعكاز هالة. وانفرط الفتيات في الضحك أكثر حين انطلقت أسماء بنعلها وراهم والضحكات ملأت الأجواء بهجة.

اختلقت دارين كذبة وقصتها على مسامعهما. إذ أخبرتهم إنهم وجدوا هذا الطفل من امرأة كانت معهم على متن الطائرة وتوفاها الله، وأنهم وجدوا بعد سيرهم أناس استقبلوهم حتى وجدهم عثمان. وأن سبب الإغماء لا تعلم. ولم يعلق أحد رغم تشككهم في ما روته. جلست مع أروى صديقة طفولتها في الغرفة الخاصة بها. فوق الفراش تمددت الفتاتين هنالك. قالت أروى بما تحسه: -دارين، عودتكِ بس منطفئة. حساكِ فيكِ حاجة ناقصة. إيه اللي حصل معاكِ بجد من غير كذب؟

من إمتى بنخبي على بعض حاجة؟ اعتدلت دارين جالسة وشردت في الفراغ هائمة. وسرت الدموع على وجنتيها. بالفعل هي ناقصة لم تعد مكتملة. قلبها تركته هناك مع من بقى تحت الثرى. ولن يكون لهما لقاء مجددًا يقر عينيها، ويطمئن قلبها. بقلق ضمتها أروى لتبكي في حضنها حتى تهدأ. وراحت دارين بشهقات تقص عليها كل ما جرى. عن مملكة ميليا، وآجار وصهيب وأمير قلبها البراء كيف أحبته وكيف آلمها ذاك الحب. فما أن أفرغت ما في مكنونها. أردفت

أروى بدهشة ممزوجة بالصدمة: -يا الله اللي بتقوليه ده مستحيل حد يصدقه. ولولا جعفر الصغير كانت هفكر أنك اتخبطي في نفوخك ولا حاجة. ضحكت دارين بملامح باهته. فضمتها أروى وقالت وهي تمسح على شعرها: -الحب حلو يا دارين ومشاعره صادقة بس وجعه وحش وبهدم الإنسان. بلاش تستسلمي، دا قدر ومكتوب وقولي الحمد لله. -الحمد لله. رفعت دارين نظرتها إليها وهمست بقلب منشطر: -أنتِ صدقتيني بسهولة كدا؟ فردت أروى ببساطة: -طبعًا يا بنتي. ومصدقش ليه؟

كل حاجة ممكنة، وفي حاجات لا يعلم بها إلا الله على أرضه وفي سمائه وتحت الأرض. دي كلها حاجات غيبية. وبعدين شوقتيني يا حجة أروح لمملكة ميليا وأشوف الأمير براء، وأموت ملك الأولمان الكافر ده. وبعدين ذبح الأطفال وصنع فطائر من دمهم، دي حاجة حقيقية حدثت زمان، سمعت عنها. رفعت دارين رأسها إليها مشدوهة وسألت: -بجد؟ -آه، بس عجبني الأمير براء وصعبت عليا ميليا أوي، وصهيب. أعتصرت دارين عينيها لتسيل دموعها أكثر وهمست:

-وحشني يا أروى، يا أروى. أنا كنت عارفة إني هيجي يوم وهمشي. ليه حبيته وليه مات. راحت تهذي بكلمات مؤلمة حتى استسلمت لهوة النوم. لتزيح أروى دمعها وهي تقبل وجنتها وتدثرها بالغطاء وترحل. اختفاؤه غريب، يثير الشك والدهشة، ويجعل القلب في شغل شاغل. هل أعلن عما نوى؟ لكنه ما زال يحيط بها، ويحرسها أين ما ذهبت وأين ما كانت. كأنه أخذ عهداً على نفسه بحمايتها من كل مكروه. تشعر سيره وراءها ومراقبتها حتى في المشفى. فهل هذا عادي؟

أم إنه هدوء ما قبل العاصفة. يا ليته لا يأتي ولا يكون له أثر مجدداً في حياتها. إنه كالجحيم، جحيم لن تعود منه سالمة أبداً. ستخرج بملامح محترقة وقلب يتلظى وروح ذبيحة. أيا ليته يرحمها. ليت الأمان يُشترى، لكانت اشترته بكل ما تملك. تجلس فوق فراشها، تبدو لرأي أنها تحمل هم جبال ثقيلة فوق صدرها. صوت طرق على الباب جذبها من طيات تفكيرها العميق، لتأذن للطارق بالدخول. -خديجة.

همست بها لمياء بنبرة شبه باكية وهي تركض نحو خديجة مرتمية في حضنها. فاستقبلتها خديجة بصدر رحب وهمست في قلق وهي تطوقها: -لمياء، مالك بتعيطي ليه؟ حصل إيه؟ شدت لمياء من ضم ذراعيها حول عنقها وهمست باكية: -مفيش، مخنوقة شوية. صمتت خديجة حتى تهدأ وتعلم ما بها. لكنها راحت تمسد على رأسها وهي تتلو آيات من القرآن الكريم. رويداً رويداً هدأت لمياء وابتعدت في تمهل ونظرت إليها ملياً وباحت قائلة بما يعتمل صدرها:

-تخيلي يا خديجة، مش ضيفين التربية الإسلامية للمجموع. تخيلي مادة الدين المدرسين مش مهتمين بها عشان مش بتضاف للمجموع. تخيلي إنها بقت على الهامش. الدين يا خديجة، اللي المفروض كل حاجة وقبل كل حاجة، بقى منسي. مع انسياب حديثها، عادت دموعها تهوى من مقلتيها بحرقتها. بصمت، فضمت خديجة رأسها إليها دامعة العينين متأثرة تأثراً شديد. لحظات وتنهدت خديجة قائلة بشرود وما زالت تطوق كتف لمياء المسندة رأسها على كتفها في راحة تامة:

-عارفة ليه يا لمياء، زمننا امتلأ بالانتحار والقتل بدون رحمة؟ شهقت لمياء باكية، فأنحبت خديجة قائلة: -عشان محدش بقى مهتم بدينه. هجرنا القرآن، وابتعدنا عن مجالس العلم. وانشغل الآباء والأمهات في مصالحهم ونسوا إن أولادهم لهم حق عليهم. كفكفت دموعها مع استرسالها:

-كل طفل بيتولد بيكون فيه بذرة صالحة. بذرة هي اللي هتحدد صلاحه في الدنيا. بذرة لازم ترتوى عشان تنمو كل ما يكبر. إذا لم ترتوِ، إزاي الإنسان هيكون صالح وشخص ذو أخلاق حميدة ويخاف ربنا؟ الطفل كل ما يكبر محتاج اللي يعلمه، يفهمه، الصح والخطأ، الحرام والحلال. وإلا إزاي هيتعلم لوحده؟ ما هو لازم طالما مش متأسس، يسوق فيها بقى!

ليك مثال، هو أنا لو ماما معلمتنيش الصلاة وحببتني في الصوم وعرفتني سيرة الحبيب وحكتلي عن الأبطال الصحابة، هل كنت كده؟ هزت لمياء رأسها تلقائياً، فردت خديجة على نفسها: -أكيد لأ. كنت دلوقتي مش منقبة ولا لبسي واسع. بس لأنها حببتني في أمهات المؤمنين وإن هما دول اللي لازم أكون زيهم. هي مأجبرتنيش، هي بس حطتني على أول درجة وأنا كملت صعود. كل منا محتاج لأيد تاخد بأيده وتحطه على أول درجة عشان يكمل، ويحبذ لو كملت معه.

استنشقت الهواء وزفرته مرة واحدة وقالت: -كل حد محتاج حد يدلّه، يعلمه أساسيات الصلاة، يحببه في القرآن. كل طفل له حق على والديه إنهم يحفظوه قرآن ويعلموه قيم ومبادئ دينا ورسولنا. لو مفيش، يبقى سلام بقى للعيال لما تكبر. رفعت لمياء عينيها إليها وقالت: -أيوه صح. لو أنت معلّمتنيش، مكناش هنبقى كدا. لحسن الحظ إنك موجودة معانا، إحنا محظوظين أوي، صح؟ أومأت ديجا ضاحكة، فقالت لمياء:

-العتب بيكون على الأهل من الأول، ومن ثم على الأبناء. الإدمان بقى مالي البلد بطريقة مرعبة. تصوري، حتى الأطفال بيدخنوا ويشربوا! هو إحنا بقينا فين يا خديجة؟ سكتت خديجة لهنيهة شاردة وقالت: -لقد مات عمر يا لمياء، ومات العدل معه. فلا تنتظري شيئاً في هذه الأرض التي بات أهلها ينهشون في بعضه. عسى عذاب الله يأتينا خفيفاً ولا يأخذنا بذنوب عباده. لعلنا نخرج منها غير مفتونين ويرزقنا حسن الخاتمة.

توقفت سيارة الأجرة أمام شارع قديم في إحدى الحارات الشعبية، وترجلت منه أروى مبتغية ذاك الذي تزوج سراً من ابنة خالتها. وبداخلها حزنٌ جم على كذبها على والديها أنها ذاهبة إلى الخالة سمر. هذه أول مرة تكذب عليهما، والسبب تلك المعتوهة شيماء. لكن كل شيء هين في سبيل حل تلك النكبة التي أُلقيت على العائلة. لقد أبت شيماء الذهاب إلى المشفى وأبت أن تدلها على طريق المأذون، حتى بيت ذاك الرجل الذي إن رأته تقسم أنها قد تقتله من فرط غضبها الهائج كإعصار عاتٍ بداخلها.

توقفت أمام الشارع تتوجس خفية. الشارع معتم. زرقة السماء صافية لامعة بالنجوم التي تؤنس طريقها والقمر يصاحبها لينير لها الدرب. أخذت نفساً عميقاً، أخرجته على مهل وتحركت داخل الشارع، وكانت تعلم عنوان هذا الرجل أو الشبيه بالرجال من محادثة دارت ذات مرة أمامها بين حمزة ووالدها. دجى الليل مخيم في هذا الشارع كأن كل ما به أموات. شارع طويل واسع إلى حد ما، مصفوف بعمائر جار عليها الزمن من كلا الجانبين.

ووقع أقدامها كان كل ما يُسمع في هذا السكون. استمعت فجأة لصوت رجولي أجش: -بس إنت يا آنسة؟ تيبست قدميها وخيل إليها أن شبحاً سيخرج إليها. كادت تركض، لكن... هذا الصوت استمعت إليه من قبل. تعلمه حتماً! دارت حولها فلم تبصر أحداً. فقال الصوت آتياً من الأعلى: -آنسة أروى، أنا فوق. بصي لفوق كدا.

رفعت رأسها فـ أبصرت محمد رفيق خالد، التي ألتقى منه منذ فترة وقد ساعده خالد بعد فقدان الأمل على إجراء عملية جعلته يسير على عكازين بدل الكرسي المتحرك، وعن قريب سيخضع لعملية أخرى في الخارج. يا الله! لقد رآها محمد. هل يمكن إنه سيبلغ خالد بأنه رآها. -يا آنسة، روحت فين؟ دقيقة متتحركيش، نازلك الحارة لبش هنا.

توارى عنها داخل الغرفة. فـ ارتبكت واقشعر بدنها وشرعت تفرك أصابعها في توتر بين. راودتها نفسها أن تفر هاربة، لكن كان قد فات الأوان، وها هو يقبل عليها من البناية. وقف قبالتها غاضباً بصره وأردف: -أستاذة أروى، في حاجة حضرتك أقدر أساعدك بيها؟ الحارة هنا وفي الوقت ده مش كويسة ليكِ نهائي! "يا حلو صبح يا حلو طول، أو يا حلو مسي، مسا مسا يا جميل." قالها شاب مترنحاً وهو يفترس أروى. فخبأها محمد وراء ظهره وغمغم

وهو يدفع الشاب بعكازه: -امشي يلا من هنا بدل ما أخلي وشك ده شوارع! -ما براحة يا شيخ محمد، الله يسامح الأيام اللي خلتك شيخ بعد ما كنت أسوأ مني. هاج محمد وكاد يضربه، لكن الشاب رفع كفيه لأعلى وهو يندفع مغادراً، مترنحاً: -خـ... خلاص يا شيخ، ماشيين. إلتفت محمد إلى أروى بعد ما تأكد من انصراف الشاب تماماً وقال باقتضاب: -أهو كنت أقصد كدا. الدنيا مش تمام ليكِ هنا. سكت لبرهة متعجباً صمتها واندهاشها وسأل:

-قوليلي، أقدر أساعدك في إيه؟ ترددت أروى قليلاً، لكنها حسمت أمرها في أن تسأل: -تعرف بيت عبد الله السيد المهدي فين؟ -لولا إني واثق فيكِ وعارفك كويس، مكنتش هقولك... بس تعالي هدلك عليه. ورفع سبابته في وجهها آمراً بحزم: -ومش هسيب حضرتك غير لما أطمن إنك مشيتي من المنطقة. أومأت أروى دون جدال وسارت خلفه. توقف أمام إحدى العمائر، وقال وهو يؤشر لها برأسه: -بصي، هو ساكن هنا، ولكن مش موجود حالياً. ليه فترة مبيجيش.

لم تستطع أن تكتم شهقتها الخائفة وهي تهمس في تيهة: -مبيجيش؟ طب طب إزاي يعني؟ ليه مكان تاني طيب، ضروري أعرف! هز محمد رأسه بصدق، وقال: -والله ما أعرف عنه حاجة. أصلًا عبد الله ده مش من هنا. دا واحد ظهر فجأة وأجر الشقة اللي فوق، ويا عالم هييجي تاني ولا لأ. حسناً، الصدمة باتت على أوجها الآن، وقالت بعينين بان فيها التوتر: -يعني كدب علينا ومش ساكن هنا؟

-الموضوع باين له طويل. بس يا ستي، هو ليه سنين فعلًا هنا، وأوقات بيغيب بالأشهر ويظهر، وأحياناً أيام ومش مختلط مع ناس كتير هنا. رددت لمياء بقلب يكاد يقف: -بيغيب بالأشهر؟ يا ربي! طيب فين عيلته؟ هز محمد كتفيه مردفاً في هدوء: -الله وأعلم. أطرقت نفسها قليلاً مفكرة ماذا تقرر؟ هل تذهب؟ وأن ذهبت، ماذا ستفعل شيماء؟ يا الله من تلك الحيرة. -هو الموضوع مهم أوي؟ تنبهت له أروى وهزت رأسها، فاقترح قائلاً:

-خلاص، بصي. ارجعي إنتِ بيتك وأنا وراه. لو ظهر له أثر هعرفك، وهسأل هنا ناس ممكن تعرف مكانه أو حاجة. شكرته أروى بامتنان رغم إن ذهنها شارد. وما كادت تخطو خارج البناية حتى توقفت فجأة وأوقفت محمد قائلة: -استنى، أنا لازم أطلع أفتش شقته. ألقت ما ألقت دون اهتمام. فنظر لها محمد برفع حاجب واعتراه الزهول في قرارة نفسه. أحس إنها في مأزق قد لا تحور منه. لذا قال مستفسراً يجاريها: -طيب هتفتحي الباب إزاي؟ -شغلت دي. هتساعدني؟

دون تفكير كان رد محمد جاهزاً: -أمال هسيبك! بس قوليلي هعمل إيه؟ -راقب لي الطريق. ومن توهما نفذوا، وعالجت أروى فتح الباب دون صوت بدبوس ودخلت تفتش في أغراضه. مر أكثر من ربع ساعة وهي تقرأ أوراق بيدها في صدمة وتردد، وعيناها تكاد تخرج من محجريهما من وقع الصدمة: -عبد الله مباحث شرطة موقوف عن العمل! طب ليه مقلش؟

الصدمة احتلت كيانها برمته، ورتبت كل شيء في مكانه بعد لحظات، وخرجت مغلقة الباب كما كان، وهبطت الدرج وراء محمد الذي لم ينبس أو يستفسر عن شيء، وبدا لها أنه يرد الدين لخالد. وقفت قبالته أسفل البناية في تردد، وما همت بالحديث إذ قال هو في هدوء: -متخافيش محدش هيعرف ولا هقول لحد، ولا كاني شفتك انهاردة ولا جيت. غمرة الراحة قلبها وتنهدت في ارتياح، وتهدل كتفيها كأن هَمّ وانزاح. فاسترسل محمد: -بس أنتِ كويسة؟ عرفتي حاجة عنه؟

رمشت بأهدابها حائرة وهمست في خفوت: -كل اللي اعرفه إنه مخادع ومش هسمح له يلعب ببنات الناس. -أذى حد يخصك؟ سأل محمد بتعاطف، فهزت أروى رأسها، وأوصلها محمد حتى استقرت في سيارة أجرة. تلك العائلة لا تزال تبهره. يساعدون الجميع دون تمييز! هل حقاً مخلوقون مما خلقوا بقية الناس! أم أنهم أتوا من عالم آخر. عالم لا يعرف إلا الحق، ومساعدة الغير، وطيبة القلب.

" لا ما هو مش ممكن تروح من غير ما تديني خبر، مش كيس جوافة أنا في البيت ده، انت إزاي تعمل فيا كدا"

صاحت بتلك العبارة مكة تنهر عثمان لذهابه لتلك الجزيرة النائية للبحث عن دارين دون إخبارها. تبالغ في تهويل الأمر وتنشب معه خناق سيصيبه بالصم حتماً. حاول إرضاءها بشتى السبل، وكل السبل باءت بالفشل، فهي حين تغضب تسد أذنيه، ولا تستمع لأحد مهما كان المبرر. بصوت عالٍ غير مراعٍ كانت تصيح وهو كالعادة مغلوب على أمره، يجلس ساداً أذنيه بكفيه، تاركاً إياها تثرثر كما تشاء وكيفما تشاء ريثما تهدأ.

دخل معاذ مقتضب الوجه من صياح أمه التي ستنقلب عليه وعلى أخته المسكينة أيضاً، وتمتم في غلب وما زال واقفاً على الباب: -يا الله صبرك، مش هنخلص إحنا، مخلاص يا حجة، بالله ما تقلبي على أمنا الغولة دلوقتي. وها هي تشهق شهقة الصدمة المعهودة متسعة العينين تصب جام اهتمامه عليه، تشير بسبابتها إلى صدرها في بهت: -أنا أمنا الغولة يا ابن عثمان ياللي مشفتش بربع جنية تربية. ردد معاذ بغيظ وهو يخشى الولوج: -هي التربية بفلوس يا أمي؟

وبعدين مش كل شوية إبن عثمان إبن عثمان، هو عثمان جايبني لوحده ولا إيه. أنهى جملته غامزاً لها في مشاكسة عسى أن لا تقلب عليه اليوم، لكنها أردفت وهي تقبل عليه ليذرد لعابه: -أنت بتبجح كمان فيا، وليك عين! -أنا أبداً والله يا حبيبتي. كاد أن يبكي وهو يشرئب برأسه نحو والده يصيح: -الحق إبنك يا حج الله يكرمك، عنده دوري لازم يروح النادي في تدريب... يا لمياء، لمياء انتِ فين؟

صاح مستغيثاً بأخته مدركاً أن والده لن ينصفه، لكن مكة وقفت تربط على منكبه، وقالت: -عندك تدريب خش يا حبيبي خش عشان تاخد شنطتك ومتتأخرش. رفع إحدى حاجبيه ينظر لها شزراً عله يستشف إنها لا تخدعه، لكنه حسم الأمر ودخل، وما كاد يخطو جهة غرفته إذ انهال عليه نعال والدته فوق ظهره وهي تصيح: -أنا أمنا الغولة يا اللي مش متربي ولا أبوك رباه. صرخ معاذ وهو يفلت منها ويركض ملتجئاً بالأريكة يتوارى خلفها وغمغم في غيظ يستفزها:

-ما هو مش كل ما تتخانقي مع جوزك تنكدي علينا، حرام والله إحنا ذنبنا إيه. هجمت عليه في قفزة واحدة لقصر قامتها وهي تعتلي الأريكة ممسكة بحلمة أذنه، فهتف حمزة وهو لا يستطع التملص: -يا بــــــابـــــــا الحقني يا راجل انت انت مش ظابط والشعب ليه حقوق، حوش المتوحشة دي عني، آه آه. تاوه متألماً ما أن عضت مكة ذراعه الذي يلتف إلا بترك أثر عميق، فهدر شبه باكي: -أنا عايز أقدم بلاغ. هنا وتخلى عثمان عن صمته متسائلاً بلهفة: -في أمك؟

-أنتِ لسه بتسألي يا بابا. -هي مكة المجنونة جنونها طلع ولا إيه؟ هكذا سأل يوسف ضاحكاً وهو يخرج لسانه لمكة مشاكس، فأشارت له بأصابعها وهي تضمهم: -اصبر يا إبن ياسين. شوح لها يوسف دون اهتمام وهو يذهب إلى معاذ العابس، بينما احتدمت نظرات مكة ليهب عثمان واقفاً وهو يغادر المكان شبه راكضاً يصيح: أنا جاي يا ياسين، جاي اهوو.. قهقه عثمان ويوسف ضاربين كف بكف، بينما التفتت إليهم مكة وهي تسحب (المكنسة) التي كانت مسندة

على الحائط ليصرخ معاذ: -اجــــــــــــــــــــري. -هتروحوا مني فين يعني؟ في أنحاء الشقة ومن غرفة لأخرى وفوق السرائر والآرائك كان عثمان ويوسف يركضوا فوق كل شيء ليتلقوا ضربة تارة وينجو الأخرى. وعلى الباب صاحت لمياء وهي برفقة ملك مصدومتان: -في إيه؟ إيه بيحصل هنا. -أمك اتجنت، الحقيني هتأخر، ابعدي المجنونة دي عني. -مكـــــــــــــــــة اتجنت مكة اتجنـــــــــــــــــت، أجري يا ملك.

صرخ يوسف بآخر جملة وهو يجذب كف ملك في طريقه وهو يركض، ولم تفق من صدمتها مما تراه، فركضت لمياء معهما دون سبب وهي تضحك صائحة: -يا ولاد المجانين. بعد وقت تجمعن الفتيات يقهقون على تلك المهزلة ومكة تلهث من فرط التعب ترغي وتزبد: -الله يسامحك يا معاذ يا بني كدا تتعب أمك. نظر لها يوسف مغتاظاً ووقف عند دارين يسألها: -حتى جعفر هننزل الحنينة تحت.

ناولته له دارين مطمئنة، بينما خرج معاذ من غرفته مرتدياً ملابس رياضية وشنطة يرفعها فوق كتفه ورمق الجمع بمحبة وهو يردف في ود: -أنا ماشي يا ماما مش محتاجة حاجة، وانتوا يا بنات. -عايزين سلامتك يا بني. قالتها خديجة فقالت دارين "تصحبك السلامة يا بني". وقالت لمياء "هاتلي إي حاجة معاك وأنت معدي، هاتلي قراميش وشوكولاته بس، كل اللي يقابلك هاتوا". حدجها معاذ باستهزاء: -نعم يا ختي. -مش انت اللي بتسأل عاوزين حاجة يبقى متسألش.

انهالت عليه مكة بالدعاء وهي تضرب ظهر لمياء لتسكت، بينما تبسمت له ملك وأشارت له بالإشارة ليهتف يجيبها: -آه بكرة الدوري بإذن الله يا ملوكة. لوت لمياء فمها متهكمة: -ملوكة، دا ولا مرة دلعني. فردت دارين في سخرية: -وهي أصلاً لمياء ليها دلع؟ اتكتمي ياختي. -ليها يا بت لولو. قالتها خديجة فرسمت البسمة على لمياء وهي تضمها بفرحة: -اهي يا ختي الناس اللي بتفهم. سألت مكة في اهتمام تقاطع حديثهم: -هي أروى فين يا بنات؟

ردت عليها خديجة مجيبة: -راحت لسمر وجاية. أشارت لهم مكة فذهبوا معها تاركين مكة. دخلوا إلى غرفة الرسم الخاصة بها وتقدمت من لوحة مغطاة لترفع غطاءها وتتنحى جانباً ليروها، فشهقت لمياء من وقع المفاجأة، ووضعت دارين يدها على فمها، بينما كانت خديجة أول من هتفت في دهشة ممزوج بالانبهار: -واو! إيه دا؟ لا بجد إيه ده؟

كانت اللوحة تضم بطريقة باهرة الفتيات بصورة بديعة كأن هناك نسخة عنهم وليست مجرد لوحة مرتسمة. كانت خديجة بنقابها واضعاً تاج أبيض بسيط فوق رأسها، وأروى وملك على يمينها، ولمياء ودارين عن شمالها وتضمهم بذراعيها وأعينهم تلمع بالبهجة. ما تلك المفاجأة الرائعة؟ مفاجأة ستبقى محفورة بالقلب! قد ربما يظنها البعض بسيطة لأنهم لا يدركون قدر تلك المفاجأة التي تُصنع بكل حب وبكل اجتهاد وكل تعب.

حضرت أروى في تلك الأثناء لتشاهد باقي اللوحة والتي أحدى منهم تضمها هي ويوسف وأبيها وأمها، وأخرى العائلة أجمعها، وقد رسمت لمار ويوسف الكبير في لوحة خاصة لتهديها للمار. السعادة لا تُنسى أحداً، نحن من ننساها، حين ننسى كيف نصنعها. السعادة محيطة بينا في وجود عائلة، وصحبة، ولمة جميلة. وضع جان برفق شديد ناردين على الفراش كأنها زجاج يخشى أن ينكسر، وأعدل لها الوسادة في حنو، وهمس مائلاً عليها:

-هذا جيد، أما أرفع لك الوسادة أكثر. بخفوت ردت عليه بصوت متعب: -هذا جيد. فتهيأ للمغادرة بعد ما لثم جبهتها وهمس: -سأعود في الحال. لكنه ما كاد يخطو خطوة واحدة حتى أمسكت بذراعه تهمس في جزع: -لا، جان لا تتركني. مسح على رأسها برفق قائلاً: -لن أغيب يا جميلتي ولن أذهب بعيداً، فقط سأحضر شيء من الخارج وأعود. استسلمت سامحة له بالذهاب، فذهب من توه إلى منزل هنا.

كانت علاقتهما إلى نوع ما قوية، لم تشك فيه، لكنها لا تعلم بخروج ناردين أيضاً من المستشفى، وما يؤرقه أن يعود هذا الأجار. وها حدثه وخوفه يتحقق أمامه، فقبيل دخوله إلى منزل هنا وجد نسخة منه، نسخة تماماً عنه كأنه يرى نفسه أمامه لولا الملابس فقط المتغيرة. يا الله هل يعقل ذاك الشبه؟ تباً لقد ظن أن الجميع يبالغ في التشابه. عيناه كادت أن تخرج من محجريهما، وقبل أن يشعر أحد بوجوده، كان يستتر خلف الجدار يستمع

إلى صياح الشاب شبيهه: -ما بك يا فتاة؟ بالله عاد أخاك ولا تستقبليه؟ ألم تشتاقين إلي هنا أم ماذا؟ أشعر أنك لم تود لي أن أعود. التفتت له هنا برأسها من وراء ظهر الأريكة وردت في برود: -أراك تبالغ يا حبيب قلبي، لما أستقبلك وأنت بوجهي طول اليوم يا هذا، هل لأنك غبت لساعات فقط؟ ما بالك يا معتوه.. جز آجار على أسنانه وقفز جالساً بجوارها ساحباً الوسادة الصغيرة من حجرها وقال: -ساعات؟ ساعات!! بالله ساعات يا هنا!

كل تلك المدة ساعات برأيك. اسند بمرفقيه على الوسادة يراها تقفز جالسة على ركبتيها تتحسس جبينه وهي تقول: -يا مسكين هل جُننت أم أصابك مس من الجن لأنك غير مصاب بالحمى إذن ماذا حل بك يا حبيبي! أشاح آجار بكفها ونهض كمن أصابه تيار كهربائي فجأة وهتف بعنف وهو يلقي الوسادة عليها: -سأغادر يا معتوهة ريثما يخرج عنك الجن الذي تلبسك. لقد جُننت يا عزيزتي. -تبًا لك يا آجار، محال أن أنخدع بلعبتك يا وغد. راقبت رحيله في

غضب جم وهي تتمتم في تعصب: -الغبي بماذا يهذي يريد أن يصيبتي بالجنون لا ريب. يقول أنه جاء توا يمازحني هذا الأبله. توارى جان في الجدار مغمض العينين حتى اختفى آجار من المكان بخطوات غاضبة ووجه لا يفسر، فتجرع لعابه وهو يتنهد في حيرة وانصرف قبل أن يراه أحد.

خرجت منة من غرفة نومها متثاءبة بمنامة بيتية من اللون الوردي، ناشرة شعرها. اتجهت إلى المطبخ وتجرعت كوبًا من الماء ثم مسحت فمها بكف يدها وخرجت إلى ردهة المنزل. وما كادت تفتح عينيها على اتساع لتزيل أثر النوم، شهقت بقوة متقهقرة للخلف. فغمز لها آجار وهو يتقدم منها مغمغمًا بتلذذ: -ما لي أراك تصرعتي؟ هل رأيتي شبحًا. نظرت له بفم مفتوح من الصدمة فتابع هو مشاكسًا:

-تبدين فائقة الجمال فور استيقاظك، ولكن هل ثمة أحد يصحى قبيل المغرب؟ أليس من العدل أن ينام في هذا الوقت. رمشت بعينيها فأغلق فمها بسبابته وما كاد يعلق إذ دفعت كفه بعيدًا وقالت صارخة: -تبًا لك يا مجنون، كيف سولت لك نفسك أن تدخل منزلي؟ هل أنت ابله. ثم مستدركة أردفت: -كيف دخلت من الأساس. أشاح آجار بوجهه عنها وولى ظهره مبتعدًا يجلس في استرخاء على الأريكة وقال في برود:

-هذا ليس من شأنك يا جميلة. أنا أدخل وأخرج أين ما أريد دون أن يسئل أحد. -ها ها أنت تهذي. قالت في سخرية وهي تهدر غاضبة فيه عن كثب: -انهض واخرج من منزلي يا هذا ولا تحادثني مرة أخرى. هيا الآن. كفها الذي أشارت به جذبه هو في طرفة عين وهو يعتدل ليسحبها نحوه جالسة بجانبه مغمغمًا: -أشش، هذا خطأ، لا تجدين الغضب وليس لائق عليك حبيبتي.

حاولت التملص من حصاره لكنه كان أقوى فما استطعت حتى تزحزح. وفجأة غامت عيناها على ملامحه القريبة جدًا فنظرت له بولة وثبتت حركتها. فقال آجار ناظرًا لعينيها: -تبدين جميلة وأنت مطيعة. ثم يا فتاتي هل يستقبل أحد زائرًا هكذا؟ وخاصة أن كان هذا الزائر للتو جاء من سفر كاد فيه أن يهلك ولا يعود. استعادت شراستها مع قوله فلكزت صدره بمرفقها وهي تصيح فيه: -أيها المخادع من الذي جاء توا من السفر؟ أنت! هل تظنني أصدق أم سأغفر لك؟

لقد تجاهلتني كأنك لم تسمع منادتي وركضي خلفك كأني غير موجودة ونظرت إلي كأنك لا تعرف ماذا تسمى هذا يا كاذب. تساءل آجار وعلامات الدهشة متجلية على ملامحه: -هل تمزحين! متى حصل هذا؟ أقسم لك بأني عدت اليوم وجئت لأراك حتى قبل أن أستريح وأغير ملابسي فيما تهذين أنت بحق الله. جزت منة على أسنانها غضبًا وكظمت غيظها مرددة: -هل تمزحين!

ولك عين تكذب علي أيضًا يا رجل، لقد تقابلنا في السوبر ماركت فإذا بك تشيح بوجهك وتتولى بجسدك كأنك لم تعرفني. وحين ناديتك لم تجيبني. وإذ ركضت خلفك وقاطعت طريقك زجرتني قائلًا بغلظة " هل أنت مجنونة". أشارت إلى نفسها متسائلة: -هل أنا مجنونة في نظرك أم إنك أنت المجنون. بدا شاردًا لم يسمع آخر كلامها. عجبًا! وألف عجبًا! لم الجميع يعامله بغرابة.

لا غرو قد جنوا جميعًا فكيف يكون هنا وهو في مملكة ميليا يومئذ، تلك المملكة التي لو أخبر عنها أحد أو قص له ما حدث معه لظنه مجنونًا لا ريب وزجوا به في مستشفى الأمراض العقلية. أخذ نفسًا عميقًا ووجد نفسه يمسك كفيها في حنو متمتمًا برفق وأعين لامعة بالصدق: -بماذا أقسم لك بأني لم أعد من السفر إلا اليوم. ولا شك أنك قد سمعت عما حصل للطائرة التي كنت على متنها. تلألأت عينيها بوميض القلق وهي تهتف في تلهف: -نعم نعم صحيح!

يا إلهي حين علمت بالخبر كدت أموت قلقًا عليك. أنت بخير أوليس كذلك؟ ما الذي جرى؟ كيف عدت؟ رد آجار عليها متبسمًا: -لقد موت وعدت للحياة. ربما.... -ربما ماذا! -ربما لأجل شخصًا جعل لحياتي معنى. وحين واجهني الموت علمت أن ذاك الغريب احتل قلبي من أول لقاء فجاهدت وصارعت كي أعود لها. لأجلك ... لأجلك فقط يا ذات العينين النجلاوين. اتسعت عينيها في دهشة وذاغ بؤبؤها في تيهة وهي تردد مشدوهة: -لأجل أنا! أنا عيناي واسعة. قاطعها قائلًا

بغمزة: -وجميلة. راقب تخبطها ووقوفها الغير متزن فمط ذراعيه قبل أن يضعهما أسفل رأسه وهو يقول بهدوء: -أنا جائع. هلا أعددت شيئًا. صرخت منة في وجهه فجأة في إسهاب جعله يسد أذنيه: -أعد لك ماذا يا نور عيوني! وهل هذا منزل أمك؟ أين تظن نفسك! من أنت لأعد لك، ولماذا بالأساس تأكل عندي. -ربما لأنك ستصبحين حبيبتي! قالها آجار ردًا عليها برفع حاجب، فأمسكت منة بذراعه ودفعته لينهض وهي تهدر في عنف:

-اخرج من منزلي الآن يا معتوه. يقول حبيبتي أحبك قرد يا هذا لن أصبح حبيبة واحد مثلك.

كاد أن يشاكسها ويجاريها إلا أن بصره ثبت لدقائق لما خلف الزجاج ليتراءى له عدة رجال تتخفى في البناية المقابلة ويسحبوا الزناد في وقت واحد على أهبة الاستعداد ليطلق عليهما. فبدون تفكير كان يصيح وهو يجذب رأسها لينبطحوا للأسفل جاثمين تزامنًا مع انطلاق الرصاص الذي اخترق الزجاج ومرت إحداهن من جوار رأسه لكنه تفاداها بمهارة وهو يحمي منه بكامل جسده، التي كانت تصرخ وهي تسد أذنيها وجسدها يرتعش وقلبها يرتجف. فردد

آجار وهو يتصنع البكاء: -يا هذا هل بهذه السرعة علمتم بعودتي؟ تبًا لكم من حسن حظكم أن سلاحي ليس معي يا أوغاد. تحرك بها زاحفين إلى خلف الأريكة ومنة تصيح مولولة: -ساموت، ساموت يا إلهي ما زلت صغيرة، ساموت في عز شبابي. يا الله يموت هذا الآجار وأنا لا.

نظر لها آجار بقرف وهو يدفعها عنه مع هدوء الأرجاء وتوقف الرصاص. فنهض في تؤدة ينظر من خلف الأريكة عبر الزجاج ليشاهد تساقط الرجال في طرفة عين وشاب واقف مرتديًا بذلة سمراء يوليه ظهره والمسدس في يده. ليتمتم آجار مزهولًا: -آركان! أقسم بإنه هو لقد جاء أخي......

صار في ردهة منزله في وقار وهيبة تبعث المهابة في الأفئدة. من خلفه ثلاثة رجال أقوياء من ذو الشكيمة. عيناه غائمة بغضب لو نفر منهما لأصاب الأرض وما عليها. يغلي بداخله بنار لو تفقت لسرت فيمن حوله كالنار في الهشيم. دخل إلى غرفة مكتبه ورغم إنه كان مفتوحًا إحدى دلفتيه الكبار الضخمتين، فرتجف رجلان كانوا واقفين ناكسي الرؤوس، مرتجفي الأجساد، مرتعبي القلوب. فجأر هو بصوت رغم ارتفاعه إلا إنه كان هادئًا باردًا:

-أغبياء أقسم بأنكم حفنة من الأغبياء. أمر واحد شيء واحد وكلتكم به ففشلتم. لكن الخطأ خطأي ما كان يجب علي أن أوكله لأمثالكم. لقد كدت أفقد أخي يا أحمق بسببكما لولا وصولي في الوقت المناسب. وهذا الأمر الذي فشلتم فيه ستدفعوا ثمنه.

في لمح البصر كان يشهر سلاحه ساحبًا الزناد مطلقًا رصاصتين في قدم كل واحد، فصرختان ندت عن الرجلين في تألم وهم يسقطوا أرضًا. فصرخ في الباقين أن يخرجوا ويأخذوا المصابين معهم. فما أن أغلق الباب تهدل جسده وتنهد بقوة وهو مستندًا بكفيه على المكتب مائلًا للأمام ينظر بشرود غريب إلى الحائط يتمتم في نبرة جامدة إلا أنها نبأت عن حزن دفين يقبع بداخله:

-لا أحد يمكنه أن يأذي أختي. لا كان ولا عاش من يفكر حتى. سامحك الله يا أبي أنت من جعلت مني هذا الإنسان الذي أبغضه. سامحك الله وغفر لك. استوى واقفًا ودار حول مكتبه وجلس خلفه واضعًا قدم فوق الأخرى في نزق وغنجهية. وتبسم بسمة مخيفة وهو يهمس: -وداعًا لك ولنسلك أجمعه يا كارم ولمن يفكر أن يصيب أحد من عائلتي مكروه.

أسند رأسه للخلف مسبل العينين وبعد دقائق قلائل كانت ملامحه الجامدة تلين وبسمة جميلة تزين ثغره. تلك بسمة لا تخرج إلا في استحضار طيف حبيب غائب أو ... راحل. وقد كان يستحضر طيف حبيبته الراحلة عن عالمه بسبب أعمال والده. "سيران" هذا كان اسمها!

وهذا كان كل الرائع والجميل في حياته. كان الركن المزهر الذي يحلي أيامه. كانت كوكبًا دريًا في سمائه تشرقه بحضورها وتطفئه في غيابها. كانت حلمًا جميلًا وبقت حلمًا جميلًا سيظل يحلم به حتى الرمق الأخير.

لقد كانت ابنة السفير وهو كان حارسها الخاص لتموت. ماتت أمام عينه تمامًا وهو مكبل اليدين والقدمين. ونازف القلب وهي تناجيه وهو لا حول له ولا قوة ساقطًا أرضًا من أثر ضربة مباغتة أطاحت بكيانه ليكون الشاهد على موتها أمام عيناي قلبه المتقرحتين حزنًا ووجعًا.

فتح عينيه فجأة لاهثًا وهو ينظر حوله كالضائع. عيناه جابت المكتب في نظرة سريعة كأنه يخشى أن يرى موتها أمامه مرة أخرى. ذاك المشهد الذي ثقب روحه بثقوب بالغة وترك ندوبًا مؤلمة لا تزول.

" السفاح " اسم سيظل مدى الأبد مقرونًا بموت حورية قلبه التي فرقت بهما الدنيا قبل اللقاء في الحلال. اسم اقتلع منه قلبه دون ذرة رحمة ودون أي سبب. اسم سيبقى محفورًا أمام عينيه يؤرق نومه حتى يعذب إلى الممات ولا ينسى ذاك الاسم. كم يشتاق إلى النوم سالمًا دون أحزان تحيي الندوب وتوقظ الألم. اسم أخذ منه حياته وفرحته ومهجة قلبه وذرة منزوع النفس. منزوع الحياة. منزوع القلب فقد أخمد نبضه.

مسح دمعة فرت من عينيه سريعًا. القلوب قبور يتوارى بداخلها مشاعر الإنسان الحقيقة وليس تلك المزيفة. القلوب بيبان أُغلقت مفاتيحها في واحة النسيان لو فُتحت لفضح صحاب هذه القلوب. والروح كالحفرة تُلقى مهما تُلقى الحياة لا تقذف من داخلها ولا تشتكى مهما فاض ما يُلقى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...