بغرفة "إلهام".. طرقت "إيمان" الباب وخطت نحو الداخل بعدما وصل لسمعها صوت "إلهام" الحنون تأذن لها بالدخول. "صباح الخير يا خالتي." غمغمت بها "إيمان" بخجل وهي تقترب من صغيرها النائم بجوار الصغيرة "إسراء" وحملته بحذر أمام أعين "إلهام" التي ترمقها بنظرة عابثة، وابتسامة لعوب تزين ملامحها مردفة بشقاوة. "صبحية مباركة يا عين خالتك." ابتسمت لها "إيمان" ابتسامة حزينة جعلتها تعقد حاجبيها وتكمل مستفسرة. "مالك يا إيمان يا بنتي؟!
.. جوزك زعلك ولا أيه؟ حركت "إيمان" رأسها بالنفي، وبدأت تبكي مرددة بغصة يملؤها الآسي. "تامر مزعلنيش يا خالتي.. أنا اللي خايفة أكون بظلمه علشان كده هطلب منه يتجوز.. هو ملوش ذنب في أني مبخلفش." "أيه يابت الهبل اللي بتقوليه دا؟! أردفت بها "إلهام" بهدوء وتراوي وتابعت بتعقل قائلة. "يابنتي بلاش تنكشي على النكد بإيدك.. الراجل مشتكاش." ربتت بكف يدها على ظهر "محمود" الصغير.
"واشتري خاطرك ونفذلك طلبك لما قولتيله نتبني عيل نربيه، والحمد لله بقي عندك واد زي القمر ربنا يحفظه ويباركلك فيه.. عايزه تفتحي على نفسك فتحة أنتي لا يمكن تكوني قدها، ولا هتستحملي لحظة واحدة تشوفي جوزك مع واحدة غيرك."
صمتت لبرهة تلتقط أنفاسها، وتتابع رد فعل "إيمان" لتري أثر حديثها عليها، ومن ثم نهضت جالسة بحذر مستندة على الفراش، والسرير حتى جلست على كرسيها المتحرك وتحدثت بتنهيدة وهي تضغط على زر الكرسي متجهة لخارج الغرفة. "اعقلي يا إيمان يا بنتي وحافظي على بيتك وجوزك وابنك، وخليكي هنا مع إسراء لتصحي على ما أطمن على خديجة وأعرف مالها هي كمان، وأرجع أوام."
جلست "إيمان" على طرف الفراش تفكر بحديث "إلهام" الذي أعاد لها عقلها، وجعلها تتراجع عما كانت تنوي فعله فور استيقاظ زوجها من نومه. "لا مستحيل أقدر أشوفك مع واحدة غيري يا تامر.. دا أنا أموت فيها." قالتها "إيمان" محدثة نفسها وزفرت براحة وهي تضم صغيرها وتقبله بحب مكملة. "عندك يا خالتي.. أنا لازم أحافظ على جوزي وابني، وواثقة ان ربنا قادر على كل شيء وبحول الله هيجبر قلبي." ... وصلت "إلهام" لجناح "خديجة".
طرقت على الباب بهدوء، لحظات وفُتح الباب لتجحظ أعين "إلهام" بصدمة حين وجدت "هاشم" هو من فتح لها. وضعت أصابعها أسفل ذقنها، ورمقته بنظرة حادة مردفة بتساؤل. "أنت بتعمل أيه هنا يا سي هاشم أفندي؟! تنحنح "هاشم" بحرج، وابتعد عن الباب لتستطيع هي الدخول بكرسيها، ومن ثم أجابها بجرأة قائلاً. "كنت بطلب إيد خديجة للجواز." ابتسمت "إلهام" باتساع وهي تخطي نحو الداخل، وتحدثت بفرحة غامرة حقيقة قائلة.
"يا ألف نهار أبيض، يا ألف نهار مبروك؟! قطعت حديثها، وشهقت بقوة حين رأت "خديجة" مستلقية على الفراش فاقدة الوعي، ضربت على صدرها بكف يدها، ونظرت لـ "هاشم" وتحدثت بجدية مصطنعة وقد قرأت كل ما دار بينهما بذكائها. "أنت سلخت قبل ما تدبح زي بوحة ولا أيه يا هاشم أفندي؟! نظر لها "هاشم" بعدم فهم فتابعت هي بنفاد صبر. "قصدي دخلت قبل ما تعقد على البونية ولا أيه يا إنسان الغاب طويل الناب أنت؟!
"هاشم" بتوتر فشل في إخفاءه من شدة قلقه على جميلته الرقيقة "خديجة". "لا والله يا ست إلهام أنا كنت بصالحها عن سوء الفهم اللي حصل إمبارح، ولسه هبوس خدها راحت واقعة مني ومش راضيه تفوق." ابتسمت "إلهام" ابتسامة تظهر جميع أسنانها مرددة. "تبوس خدها!! يعني ملحقتش حتى يا عيني؟! .. بسكوتة نواعم خالص خديجة." أخرج "هاشم" هاتفه من جيب سرواله، وتحدث وهو يطلب إحدى الأرقام. "أنا هكلم دكتورة الفندق تطلع تكشف عليها."
ضيقت "إلهام" عينيها وهي تنظر لـ "خديجة" بتعمق وتحدثت بمكر قائلة. "مافيش داعي لدكتورة يا سي هاشم." غمزت له مكملة. "صالحها أنت بس تاني وهي هتقوم تقف وتبقي زي الحصان." انبلجت شبه ابتسامة على ملامح "هاشم" حين تفهم مقصد "إلهام" وتحدث بجدية زائفة قائلاً. "تصدقي عندك حق يا مدام إلهام.. دا أنا هصالحها حالاً." قالها وهو يسير تجاه "خديجة" التي انتفضت فجأة جالسة، وتراجعت لآخر الفراش سريعاً مرددة بخجل شديد.
"خلاص أنا فايقة، ومش عايزة حد يصالحني." "إلهام" بعبث. "أيوه كده يا خديجة يا أختي فوقي كده لسه بدري على السخسخة دي." نظرت لـ "هاشم" الذي يرمق "خديجة" بنظرة عاتبة بسبب ما سببته له من خوف عليها. "يبقي اتجوزها يا سي هاشم على بركة الله." غمغمت بها "إلهام" وبعدها أطلقت سيل من الزغاريط. "أيه دا يا إلهام.. جواز أيه بس اللي اتجوزه وأنا في العمر دا؟! قالتها "خديجة" بنبرة مرتجفة تعكس مدى حزنها.
"انتي زي القمر وألف راجل يتمنوكي يا خديجة، وبعدين أنتي عارفه أني اتجوزت وأنا أصغر منك بكام سنة." نظرت "خديجة" لـ "هاشم" نظرة طويلة. تعمق هو داخل عينيها وحرك شفتيه دون إصدار صوت بكلمة جعلت قلبها ينبض بجنون حتى وصلت دقاته لعنان السماء، وأوشك على مغادرة ضلوعها من عنف دقاته حين قال. "بحبك يا خديجة." أطبقت "خديجة" جفنيها بعنف تكبح عبراتها مرددة بأسف. "حتى لو أنا وافقت يا إلهام معتقدش أن فارس ممكن يوافق." "هاشم" بلهفة.
"أنا طالب إيدك من فارس بقالي أكتر من شهر يا خديجة، وهو موافق وقالي الرأي في الآخر رأي ديجا.. لازم هي كمان توافق." حركت "خديجة" رأسها بالنفي، وبدأت تبكي وهي تقول. "لا طبعاً فارس مستحيل يوافق.. هو بيقول كده علشان يشوف رد فعلي أيه، وهقبل اتجوز وأبعد عنه ولا لاء.. أنتو متعرفوش هو متعلق بيا قد إيه، ولما كان بيجيلي عريس وهو صغير كان بيحزن قد إيه ويفضل حبيبي يعيط ولا بياكل ولا بيشرب." اجهشت في البكاء وتابعت بإصرار.
"مستحيل أكسر قلبه وأسيبه أنا كمان وأتجوز.. أنا أمه اللي ربته، وهفضل جنبه ومعاه لحد ما أشيل ولاده على إيدي زي ما شيلته وهو صغير." ... داخل يخت ساحرة الفارس. تجلس "إسراء" على مقعد طاولة الزينة داخل غرفة الملابس الخاصة بها. تتابع "عهد" التي تساعدها لتغير ثيابها المبتلة. "تحبي أساعدك وأنتي بتاخدي شاور يا إسراء؟ قالتها "عهد" بود وهي تعطي لها ثيابها وتساعدها على النهوض. "شكراً يا عهد.. تسلميلي يا حبيبتي.. أنا تعبتك معايا."
نظرت لها "عهد" بعتاب، وتحدثت بود قائلة. "أيه اللي بتقوليه دا بس يا إسراء!! أنا قولتلك إني بحبك زي أختي.. يعني مافيش تعب ولا حاجة، ولو مكسوفة مني؟ دفعتها برفق على المقعد ثانياً، وسارت نحو الخارج مكملة. "هخرج أنا وأبعتلك جوزك يساعدك أفضل." غمزت لها بشقاوة مكملة. "وأحلى كمان." أردفت "إسراء" بلهفة. "طيب تعالي غيري هدومك المبلولة دي الأول لتاخدي برد يا عهد." ابتسمت لها "عهد" وهي تقول بخجل.
"متقلقيش عليا.. أنا وغفران هنعوم سوا شوية." بادلتها "إسراء" الابتسامة متمتمة. "ربنا يسعدكم يا حبيبتي." "يارب يا إسراء، ويفرحكم أنتي كمان ويرزقكم ببيبي جميل خالص زي مامته كده." أمنت "إسراء" على دعائها بقلبها قبل لسانها. بينما أنهت "عهد" جملتها، وتابعت سير نحو باب الغرفة، وهمت بفتحه.. ليسبقها "فارس" الذي فتح الباب فجأة جعلها تشهق بخفوت مرددة. "كويس إنك جيت.. أنا كنت جايه أنادي عليك حالاً." "إسراء فيها حاجة؟!
قالها "فارس" وهو يندفع نحو الداخل بهرولة، ويبحث عن زوجته بلهفة حتى وجدها تحاول النهوض بضعف فقطع المسافة بينه وبينها، وبغمضة عين أصبحت إسراء داخل حضنه يضمها لصدره.. بل يعتصرها بين ضلوعه لعلها تهدأ من دقات قلبه المتسارعة، وتعيد له أنفاسه المسلوبة من شدة خوفه وفزعه من فقدانها. "أنتي كويسة صح؟ انسحبت "عهد" على الفور نحو الخارج غالقة الباب خلفها.. تاركة لهما بعض الخصوصية.
بينما "إسراء" دست نفسها بين ذراعين زوجها، وهمست بصوت تحشرج بالبكاء. "كويسة يا حبيبي.. الحمد لله اطمن." شعر بارتخاء جسدها بين يديه، فمال بجزعه قليلاً ووضع يد أسفل ركبتيها والأخرى حول خصرها، ورفعها بين يديه وتوجه نحو الحمام مغمغماً. "طيب تعالي أساعدك تاخدي شاور دافي علشان تنامي وترتاحي شوية.. أنا عارف إنك منمتيش من امبارح."
تركت له نفسها يفعل بها ما يشاء.. ليبهرها هو بحنانه واحتوائه لها ولخجلها الزائد.. يعاملها بمنتهى العشق.. يغرقها بفيض غرامه، ويهمس لها بأروع كلمات الغزل وهو يحملها ثانياً بعدما قام بلف جسدها بمنشفة كبيرة، وسار بها نحو الفراش وضعها بحذر وكأنها قطعة من البلور الفاخر يخشي عليها من الكسر. وأسرع بجلب منشفة أخرى، وجلس خلفها جعل ظهرها مقابل صدره، وبدأ يجفف خصلات شعرها الحريرية برفق، ويستنشق عبقها بستمتاع متمتماً.
"امممم تجنني يا بيبي." حاوطها بذراعيه دافناً وجهه بعنقها يقبله بتمهل. "إحنا محسودين تقريباً.. مش عارف مين راشق عينه في شهر العسل بتاعنا!! همهمت "إسراء" بصوت خافت، وهي تهمس بضعف وصوت ناعس. "عندك حق.. أنا فعلاً محسودة عليك يا فارس." التفت برأسها ونظرت له نظرة هائمة تتأمل بها ملامحه الوسيمة. "ومحظوظة بيك، وبحبك وبموت في كل حاجة فيك يا فارس."
قبلت جانب شفتيه قبلة دافئة، وتابعت بأنفاس متهدجة من قربه المعصف والمزلزل لكيانها. "حتى غرورك.. علشان أنا بقيت غرامه." اعتدلت داخل حضنه ملتفة بكلتا يديها حول خصره، ودفعته برفق، ومالت عليه حتى أصبحت رأسها تتوسط صدره، وأغلقت عينيها تستعد لنوم آمن على إيقاع دقات قلبه، وبثقة وقلب يتراقص فرحاً همست قائلة. "أنت حياتي وعشقي الوحيد، وأنا لوحدي غرامك يا فارس."
زاد من ضمها له، وحاوطها بيديه وحتى قدميه بل حاوطها بجسده دافنا وجهه بشعرها، وأغلق عينيه هو الآخر لينعم بنوم هنيء لا يشعر به إلا بقرب ساحرته فقط. -صباح يوم جديد يحمل بين طياته الكثير من الأحداث.
داخل يخت "ساحرة الفارس" تحيا "إسراء" أقوى، وأجمل قصة عشق برفقة زوجها "فارس" الذي خطفها برحلة حول العالم، يتنقل بها من بلد لأخرى عبر اليخت أحياناً، ومرات عبر طائرته الهليكوبتر الخاصة المتواجدة على سطح اليخت، لا يمكثان بمكان أكثر من يومين، كل ليلة تفتح عينيها على مكان جديد تنبهر من شدة روعته، على هذا الحال لهما أكثر من خمسة أسابيع، منفصلين عن العالم أجمع، مكتفيان ببعضهما، غارقان حتى الثمالة بقاع بحر غرامهما.
تململت "إسراء" بقلق أثر ذلك الألم الذي يداهم معدتها منذ الأمس، خاصةً حين شعرت ببرودة تجتاح أوصلها، فمدت يدها الصغيرة تبحث عن زوجها بجوارها فلم تجد سوى الفراغ يحالفها. فتحت عينيها ببطء، واعتدلت جالسة بتكاسل ساحبة روبها الحريري الأبيض الملقي على طرف الفراش، وارتدته قبل أن تغادر السرير. أخذ منها الأمر لحظات قبل أن تهب واقفة وتركض باندفاع نحو المرحاض عندما شعرت بحاجتها للتقيؤ. "فاااارس."
صرخت بها أثناء تقيؤها، أطلقت آهة حادة، وانتفض جسدها بقوة، تناثرت حبات العرق على جبينها، وبرغم كل هذا انبلجت ابتسامة على ملامحها المتعبة، وتابعت بضعف قائلة. "بشرة خير." بينما كان "فارس" يسبح كعادته كل صباح، زحف القلق لقلبه فجأة، عاشق هو وبإمكانه الشعور بساحرته أثناء تعبها، حزنها، وحتى فرحها.
خرج من المياه سريعاً، وسار نحو غرفته بخطوات مسرعة، فتح الباب واندفع نحو الداخل يبحث عنها بقلبه قبل عينيه عندما وجد فراشهما خالي مردفاً. "إسراء أنتي فين حبيبتي؟! كانت تخرج من الحمام بخطى متثاقلة، ضيق عينيه وهو يراها تقترب منه ببطء، وجسدها يتمايل بوضوح، وكأنها على وشك السقوط. بلمح البصر كان قطع المسافة بينهما بخطوة واحدة، ولف يده حول خصرها خطفها داخل صدره مغمغماً بلهفة. "مالك يا إسراء؟ .. انتي دايخة؟!
ارتمت بثقل جسدها عليه، تعلقت بعنقه دافنة وجهها بصدره تستنشق عبق رائحته المختلطة بمياه البحر، همهمت بستمتاع وبهمس بالكاد يسمع. "اممم بقيت مدمنة ريحتك يا فارس." رفعت رأسها ونظرت له بابتسامتها الفاتنة، ليلاحظ هو شحوب وجهها الشديد فضيق عينيه وهو يقول بقلق. "إسراء فيكي أيه يا روحي؟! .. شكلك مش طبيعي؟! "أنا كويسة."
قالتها وهي تداعب أرنبة أنفه بأنفها بعدما وقفت على أطراف أصابعها، رفعت يديها وسارت بها على عضلات بطنه السداسية البارزة صعوداً بصدره ورقبته حتى استقرت على وجنتيه. أحتضنت وجهه بين كفيها وتابعت بفرحة غامرة ملئت عينيها بالعبرات. "بس شكلي كده.. حامل منك."
جمدت ملامح وجهه، ورمقها بنظرة خالية من المشاعر، للحظة انقبض قلبها وهي ترى رد فعله على خبر حملها الذي استقبله ببرود، ازداردت ريقها بصعوبة حين شعرت بتصلب جسده حين ضمها له بقوة أكبر. نظرت لعينيه بتفحص تحاول قراءة ما يدور بذهنه، وهمست بتوتر مرددة. "فارس أنا لسه متأكدش.. هتأكد أكتر لما أعمل تحليل دم." أمسكت كف يده وضغطت عليه برفق مكملة بنبرة راجية. "و لحد ما نتأكد ممكن متقولش لأي حد خالص."
"اطمني يا بيبي أنا مش هقول لحد خالص." قالها "فارس" بملامح مريبة عجزت "إسراء" عن فهمها. -داخل مصحة لعلاج الإدمان. تصرخ "ديمة" بجنون وتتحرك بهسترية على الفراش المقيدة به بأحكام جعلت والدها "عباس" يطبق جفنيه بألم كمحاولة منه لكبح عبراته على حالة ابنته، وما وصلت إليه. "هاتلي حقي من فارس يا بابي.. مش هتعالج إلا لما تحرق قلبه زي ما حرق قلبي." قالتها "ديمة" بأنفاس لاهثة من بين صرختها الحادة.
أطلق "عباس" زفرة نزقة من صدره، وتنهد بتعب مردفاً بنفاد صبر. "يا بنتي محدش من رجالتي عارفين يوصلوا لـ فارس ولا لمراته.. مأمن نفسه على أعلى مستوى بأكفأ الحرسات." التمعت أعين "ديمة" بفكرة حمقاء راقت لها كثيراً، فابتسمت بشر وهي تقول. "يبقي خديجة.. موتها يا بابي.. بموت خديجة فارس هيتقهر واحتمال يموت وراها لأنها تعتبر كل عيلته."
ابتسم "عباس" هو الآخر بخبث، وحرك رأسه لها بالإيجاب ومن ثم أخرج هاتفه من جيب سرواله، وطلب إحدى الأرقام، لحظات واتاه الرد فتحدث بأمر قائلاً. "خديجة الدمنهوري.. نفذ الليلة." -"خديجة".
تجلس على الشاطئ تتأمل صفاء المياه الزرقاء بشرود أمام أعين "هاشم" الهائمة بها عشقاً، تلك الرقيقة، صاحبة القلب الماسي التي أصرت على موقفها برفض الزواج منه وفضلت "فارس" عزيزها الغالي عليه، وحتى على نفسها كما تفعل دوماً. لن تغامر بعلاقتها به، هي له والدته وصديقته وشقيقته الكبرى، كل عائلته وهذا بالنسبة لها كافٍ. رغم المشاعر التي تكنها لـ "هاشم" إلا أن حب "فارس" أقوى وأكبر من أي شيء آخر بالكون كله، فارس ابنها الذي لم تنجبه، نعم هي لم تحمله بأحشائها، ولكنها حملت حبه بقلبها.
هبطت دمعة حارقة على وجنتيها ببطء أسرعت بمسحها، أخذت نفس عميق، ورسمت ابتسامة زائفة على ملامحها وهبت واقفة تسير بنعومة على الرمال بقدميها الحافية، خلفها حرسها على رأسهم "هاشم" الذي اقترب منها حتى أصبح يسير بجوارها. "ارحمي قلبي وقلبك ووافقي على جوازنا يا خديجة."
قالها "هاشم" بنبرة راجية، وعينيه تشملها بنظرة لهفة لا تخلو من الإعجاب. نظرته لها تجعل قوتها تتبخر، وتزيد من توترها، وانتفاضة قلبها التي تتدافع خاصةً حين استنشقت عبق رائحته المزلزل لكيانها. تنحنحت كمحاولة منها لإيجاد صوتها وهمست بخجل قائلة. "هاشم من فضلك الموضوع دا منتهي بالنسبالي، فبلاش تفتحه تاني؟!
قطعت حديثها، وشهقت بقوة حين لف "هاشم" يده حول خصرها، وجذبها داخل حضنه، وسقط بها أرضاً معتليها، وحاوط جسدها بجسده بحماية. فتحت فمها لتوبخه على فعلته الفاضحة من وجهة نظرها، جحظت عينيها بهلع حين رفع "هاشم" رأسه ونظر لها بأعين زائغة، وفمه بدأ يسيل منه الدماء. "بحبك يا خديجة." همس بها بضعف، وتراخى جسده على جسدها فاقداً الوعي أو ربما فاقداً الحياة، صرخت "خديجة" مرددة اسمه بصوت مرتعش. "هاااشم.. فيك أيه رد عليا؟!
هنا دوى صوت وابل من الطلقات النارية متتالية جعلها ترفع كلتا يديها، وتضمه لها بكل قوتها لتشعر بسائل لازج على كف يدها يتدفق بغزارة من كتفه الأيمن، تعالت صرختها المرتعدة وهي ترى يديها الغارقة بدماء الرجل الوحيد الذي نبض قلبها له بما يسمي الحب.
توقفت عن الصراخ فجأة عندما رأت رجل ضخم الجثة يرتدي قناع على وجهه وقف أمامهما مباشرةً، وصوب تجاههما سلاحه عندها أدركت أنها ستلقي حتفها الآن هي الأخرى لا محالة، فأغلقت عينيها لتنهمر عبراتها بغزارة أكثر، وبصعوبة همست بتقطع. "وأنا كمان بحبك يا هاشم." دوى صوت الطلقات النارية مرة أخرى، وصوت "غفران" الذي يركض بهرولة حتى وصل لهما وجثى على ركبتيه بجوارهما يتفحصهما بملامح شاحبة مردفاً. "خديجة أنتي كويسة؟!
قالها وهو يحمل "هاشم" عنها بحذر مكملاً بأمر لرجاله. "إسعاف بسرررعه." -بعد مرور عدة ساعات. عاد "فارس" برفقة زوجته للغردقة بعد غياب دام لأكثر من شهر، بعدما هاتفه "غفران" وأخبره بما حدث لـ "خديجة" وإصابة "هاشم" تحرك باليخت على الفور. كان التعب بدأ يتمكن من "إسراء" أكثر خاصةً حين صعدت معه على متن الطائرة الهليكوبتر التي هبطت بهما أمام مركز طبي تابع للقرية السياحية التي يملكها زوجها.
"إسراء حبيبتي وصلنا المستشفى خلاص أهدي." همس بها "فارس" بلهفة داخل أذن "إسراء" التي تتقيأ بعنف. أسرع هو بحملها وغادر الطائرة بحذر متجه لداخل المستشفى بخطوات مهروالة. أستجمعت "إسراء" قوتها ورفعت يدها مسحت على صدر زوجها بحركتها التي يفضلها "فارس" كثيراً بعدما رأت ملامحه التي بدا عليها الزعر، والخوف الشديد. "فارس والله أنا كويسة، متقلقش عليا، و خلينا نطمن على خديجة."
همست بها "إسراء" بخفوت، وهي تراه يخطو بها داخل غرفة الكشف. كان في انتظارهما فريق طبي كامل على أبهى استعداد، مال بها "فارس" ووضعها على الفراش برفق، لتشعر هي بنتفاضة جسده المتصلب، والتي تدل على مدى قلقه عليها. هندم لها حجابها، وزال حبيبات العرق بأنامله عن جبهتها، وابتسم لها ابتسامة هادئة مغمغماً.
"غفران طمني الحمد لله على خديجة، وكمان على هاشم الرصاصة جت في كتفه، هطمن عليكي الأول يا إسراء، وهطلع لهم.. هما معانا هنا في المستشفى." -داخل غرفة بالمستشفى. تجلس "إلهام" بكرسيها المتحرك بجوار السرير النائمة عليه "خديجة" بعد أعطائها حقنة مهدئة ظلت نائمة على آثارها لساعات طويلة. "هاشم." تمتمت بها "خديجة" بضعف، وهي تجاهد لفتح عينيها، جعلت "إلهام" تقترب منها وتتحدث بلهفة قائلة.
"خديجة فوقي يا حبيبتي.. متخفيش سي هاشم بتاعك اتعور تعويرة بسيطة وهيبقي زي الفل إن شاء الله." انتفضت بفزع حتى أنها كادت أن تسقط من فوق كرسيها أرضاً حين هبت "خديجة" فجأة جالسة، وصرخت بقوة مرددة. "هااااشم." شهقت "إلهام" بعنف، وهي تجذب ياقة عبائتها، وبصقت داخلها عدة مرات مردفة بغضب مصطنع. "ايه يا خديجة يا أختي دا.. رعبتيني أخس عليكي." نظرت لها "خديجة" تستجديها بنظرتها، وقد امتلئت عينيها بالعبرات، وببكاء قالت.
"هاشم يا إلهام خد الرصاصة بدالي.. قوليلي جراله أيه." اجهشت بالبكاء أكثر مكملة بتوسل. "قوليلي أنه مامتش ولسه عايش يا إلهام." ابتسمت لها "إلهام" شقية واجابتها بجدية مصطنعة قائلة. "اطمني يا حبيبتي والله سي هاشم عايش، والحمد لله الرصاصة جت في كتفه بعيد عن قلبه اللي بيحبك." توردت وجنتي "خديجة" بحمرة قاتمة، ونظرت لها بعبوس مردفة. "حب أيه بس يا إلهام.. هاشم كان بيشوف شغله مش أكتر."
ضيقت "إلهام" عينيها، ورمقتها بنظرة ماكرة، وتحدثت بمزاح قائلة. "شغله؟! .. اممم شغله يا شغله اللي يخليه يضحي بنفسه علشان ينول رضا البسكوتة بتاعتنا." ربتت على قدمها وتابعت بتعقل قائلة. "الراجل بيحبك يا خديجة دي حاجة واضحة زي الشمس، وانتي كمان قلبك مايل ليه، وفارس عمره ما يرفضلك طلب، وأنتي واثقة من كدة يبقي لزمته أيه عندك، ودماغك الناشفة دي يا حبيبتي." همت "خديجة" بالرد عليها، ولكن طرقات هادئة على باب الغرفة قطع حديثهما.
"ادخل يلي بتخبط." قالتها "إلهام" بعفويتها المعهودة. فُتح الباب، وخطي "غفران" للداخل وتحدث بابتسامة قائلاً. "حمد الله على سلامتك يا ديجا.. الحمد لله جت سليمة." "طمني على هاشم يا غفران." غمغمت بها "خديجة" بلهفة فشلت في إخفاءها. انبلجت ابتسامة عابثة على ملامح "غفران"، وهو يجيبها.
"اطمني.. هاشم كويس الحمد لله والدكاترة طلعوا الرصاصة من كتفه، وهو دلوقتي في الأوضة اللي جنبك على طول، وكمان فارس ومراته وصلوا تحت في الإستقبال." "في الإستقبال؟! .. هي إسراء تعبت منه ولا أيه يا غفران يا ابني؟! قالتها "إلهام" بقلق بادٍ على وجهها. فأسرع "غفران" بالرد عليها قائلاً. "اطمني يا مدام إلهام بنت حضرتك كويسة.. بس دخت شوية لما ركبت اليخت، والطايرة في وقت واحد."
أسرعت "إلهام" بالتحرك بكرسيها، ونظرت لـ "خديجة" مغمغمة. "هروح أطمن عليها وأرجع لك تاني يا خديجة يا أختي." وجهت نظرها لـ "غفران" وتابعت بنبرة راجية. "وديني ليها يا ابني الله لا يسيئك.. مش هتأخر عليكي يا ديجا." قالت "خديجة". بقلق. "أبقى طمنيني عليها يا إلهام." انتظرت حتى تأكدت من ذهابهما، وتحاملت على نفسها، وهبت واقفة وسارت بخطى مرتجفة لخارج الغرفة قاصدة غرفة "هاشم".
وقفت أمام باب الغرفة، وأخذت نفس عميق، ومن ثم طرقت عليه، وفتحته ودلفت للداخل. سارت ببطء حتى توقفت بجوار السرير النائم عليه "هاشم" تتأمل ملامحه بعشق ظاهر على ملامحها الرقيقة، تنهمر عبراتها على وجنتيها بغزارة رغم أنها تبكي بصمت. "هاشم.. حبيبي فوق علشان خاطري."
همست بها "خديجة" واجهشت ببكاء مرير وهي تتخيل أنها كانت على وشك فقدانه للأبد. تلك الرصاصة كانت من المفترض أن تصيبها هي، ولكنه فداها بروحه دون لحظة تردد، يؤكد بها حبه الصادق لها. "خديجة." تمتم بها "هاشم" بين الوعي واللاوعي جعلها تميل بوجهها على وجهه وتنظر له بلهفة مردفة. "أنا هنا يا هاشم.. بليز فتح عيونك." إنصاع لطلبها على الفور، وفتح عينيه ينظر لها نظرته المتيمة بها عشقاً متمتماً. "انتي كويسة؟
حركت رأسها بالإيجاب، وقد عجزت عن الرد عليه بسبب بكائها الشديد، مما دفعه لرفع يده السليمة على وجهها، وضعها أسفل ذقنها يجذبها عليه أكثر حتى تلامست أنفهما، وللمرة الأولى لم تبتعد عنه "خديجة" بل اقتربت منه أكثر حتى شعرت بأنفاسه تلفح بشرتها. "بلاش عياط يا خديجة.. دموعك بتوجع قلبي." "سلامة قلبك يا هاشم." همست بها "خديجة" بصعوبة من بين شهقاتها الملتاعة. جعلت "هاشم" يبتسم لها ويهمس بفرحة غامرة اعتلت ملامحه المجهدة.
"اسمي طالع يجنن من بين شفايفك يا أرق وأجمل خديجة في الدنيا." ختم جملته، وخطف من شفتيها قبلة صغيرة، جحظت أعين "خديجة" بصدمة من فعلته، وأسرعت بالركض لخارج الغرفة وهي تقول بتلعثم. "ح حمدلله على السلامة." -"فارس." ممسك بيد زوجته يضغط عليها برفق أثناء حديثه للطبيبة التي انتهت للتو من إجراء فحص شامل لـ "إسراء".
"بقالها كذا يوم أكلها ضعيفة، داخت مني كذا مرة، بتنام كتير على غير العادة، اشتكت من الصداع مرتين، رجعت انهارده 3 مرات وكل ما أديها عصير أو حتى ميه ترجعها، ولحد دلوقتي ما أكلتش أي حاجة." صمت لوهلة، ونظر لزوجته التي تطلع له بنظرات منذهلة، لم تتخيل أن خوفه، وقلقه عليها يصل إلى هذا الحد، وأنه يتابع حالتها بترقب هكذا. "فارس باشا اطمن سيادتك." أردفت بها الطبيبة بعملية، وتابعت بابتسامة متسعة قائلة.
"تحليل الدم والبول أكدوا أن المدام حامل.. ألف مبروك." تهللت أسارير "إسراء"، وأشرقت ملامحها بسعادة بالغة، بينما "فارس" ظهر الغضب على ملامحه أكثر، وتحدث بتساؤل مستفسراً. "يعني معقول الحمل هو اللي تعبها أوي كده؟! الطبيبة. "أيوه يا فارس باشا.. كل اللي بيحصل للهانم دا أعراض طبيعية جداً في بداية الحمل، وممكن تزيد كمان خلال الشهرين الجايين." حرك "فارس" رأسه بالنفي، وتحدث بصرامة قائلاً. "أنا مش عايزها تتعب."
ضم زوجته داخل صدره بقوة مكملاً. "ولو الحمل دا هيتعبك يبقى أنا مش عايزه يا إسراء." رباه تملك الخوف من قلبه، لن يغامر بفقدانها مهما كلف منه الأمر، هي أولاً وأخيراً وقبل كل شيء. شعرت "إسراء" بما يدور بذهنه، وما يشغل خاطره، فضمته لها أكثر، وتحدثت بتفهم قائلة. "فارس.. حبيبي أهدي، ومتخفش عليا أنا كويسة والله." رفعت رأسها ونظرت له نظرتها العاشقة التي تبعثر مشاعره، وتغلف قلبه بالطمأنينة.
"ومبسوطة، وهطير من الفرحة علشان أنا حامل منك." قبلت موضع قلبه بعمق، وتابعت بصوت تحشرج بالبكاء. "ألف مبروك علينا يا حبيبي." "لازم تعرفي أني معنديش أي استعداد أني أخسرك." همس بها "فارس" بنبرة محذرة، فحركت له رأسها بالإيجاب، وهمست بثقة. "عارفه، وواثقة كمان، واطمن بمشيئة الله كله هيبقي تمام." "مبروك يا عيون يا فارس." قالها وهو يميل على وجنتيها ويطبع قبلة مطولة، وعاد دفنها داخل حضنه مرة أخرى.
أغلقت "إسراء" عينيها تنعم بقربه، وحبه لها الذي دوماً يغرقها به، نهارت نفسها بقوة حين داهمها ذكرى إحدى محاولاتها للهروب منه، تسأل نفسها كيف كانت تجاهد حتى تبتعد عنه، وتحرم قلبها من عشق مثل عشق فارسها. ... "إسراء".. تسير بخطوات حذرة على أطراف أناملها.. واضعة إحدى أصابعها في فمها بطفولة.. نظرت حولها تتأكد من عدم وجود أحد.. تنهدت براحة حين تأكدت أن جميع من بالقصر ينعمون بنوم عميق.. فتابعت سيرها وهي تمتم لنفسها قائلة.
"يارب الحرس اللي قدام القصر يكون نايم هو كمان، وأعرف أخرج من هنا بقي." ابتسمت باتساع، وحماس شديد وهي تقترب من باب القصر الداخلي. تمايلت بخصرها يميناً، ويساراً، وقامت بتقليد "فارس" قائلة. "مش هتعرفي تخطي بره باب الأوضة." "بقي أنا بتكلم بالرقة دي، ولا برقص حاجات تجنن وتطير العقل كده؟!
قالها "فارس" الواقف خلفها مستند على الحائط، وواضع كلتا يده بجيب سرواله، ويرمقها بنظرات ماكرة، مال عليها بوجهه وبدأ يسير بأنفه على وجنتيها مكملاً. "وبعدين ينفع واحدة تهرب من جوزها قبل حتى ما تدوق حضنه وقربه اللي أنا واثق إنك مش بس هتحبيه.. دا أنتي هتدمنيني.. زي ما أنا هتجنن عليكي." ازداردت لعابها بتوتر من قربه منها إلى هذا الحد، وحديثه الجريء الذي يجعلها على وشك الانصهار من شدة خجلها، وتحدثت بقوة مزيفة قائلة.
"اسمع يا فارس بيه.. أنا مش مراتك، وحتة الورقة اللي خلتني أمضي عليها دي بلها واشرب مياتها.. علشان الجواز اللي أنا أعرفه بيكون بمأذون وشهود غير كده ميبقاش جواز أصلاً." "رغم أن حتة الورقة اللي بتقولي عليها دي عقد شرعي ومتوثق بشهود.. بس و ماله يا بيبي اكتب عليكي حالاً بمأذون وشهود زي ما أنتي عايزة لو دا هيخليكي تقتنعي إنك مرات فارس الدمنهوري." أنهى جملته وأخرج هاتفه من جيب سرواله وطلب إحدى الأرقام وانتظر الرد للحظات.
"أيوه يا غفران.. هاتلي مأذون وواحد يشهد معاك وتعالى عندي القصر دلوقتي حالاً." وبالفعل خلال دقائق معدودة كان يعلن المأذون فارس زوج لإسراء على كتاب الله وسنة رسوله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!