الفصل 10 | من 40 فصل

رواية غرام المغرور الفصل العاشر 10 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
23
كلمة
2,324
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

"عنيده! "إيمان".. برغم رهبة الموقف، إلا أنها نظرت له بفرحة غامرة. نطق اسمها بنبرة صوته التي تدغدغ مشاعرها جعل قلبها يتراقص. منذ زمن لم ينطق اسمها بكل هذا الشغف الظاهر بصوته. عضت شفتيها بخجل من نظرته المتفحصة لملامحها، وقد قرأت ما يدور بذهنه. برفقته هي طيلة الوقت، ولكنه توقف عن النظر لها.

حزنه على شقيقه سيطر عليه جعله منطوي ومبتعد عن زوجته التي تحملت جميع تقلبات مزاجه، وغضبه على أتفه الأسباب حتي وصل به الأمر للضرب في الكثير من الأحيان. شرد بها وبملامحها الرقيقة الحزينة. رونق وجهها انطفئ. قلة اهتمامه بها جعلها كالوردة الذابلة. فاق من شروده على صوتها الهامس تقول ببكاء: "أيوه تتجوز إسراء.. هي كمان بتحبني وبتعتبرني أختها ولو وافقت تتجوزك مش هتخليك تتطلقني يا تامر".

رفع يده قاصداً يجذبها لداخل حضنه، لكنها ابتعدت عنه سريعاً ووقفت خلف إحدى الأرائك تحتمي منه، وبرجاء قالت: "بلاش تضربني قدام البنت الصغيرة ونبي يا تامر مصدقنا تاخد عليك.. مش عايزها تخاف منك تاني". أطبق جفنيه بعنف يكبح عبراته حين اعتصر قلبه على هيئتها المرتعبة منه. رفع يده، ومسح على وجهه صعوداً بشعره مغمغماً بذهول: "لدرجاتي أنا كنت وحش معاكي الفترة اللي فاتت دي علشان تخافي مني كده يا إيمان؟!

رفعت يدها وضعتها على موضع قلبها تحاول بث الطمأنينة لنفسها قليلاً حين شعرت أنها على وشك فقدان وعيها من شدة خوفها، وبأنفاس لاهثة إجابته: "انت من بعد ما أخوك مات مكنتش بتتكلم معايا يا تامر.. كنت بتضربني بس كأني السبب بموته.. لدرجة اتمنيت أموت أنا كمان علشان أريحك مني". لهنا ولم يحتمل أكثر. فتح ذراعيه لها وتحدث بلهفة قائلاً: "تعالي في حضني يا إيمان". لجمها خوفها منه مكانها. نظرت له بقلق. ليتابع هو بنبرة متوسلة:

"متزعليش مني.. حقك عليا.. بس بلاش بصتك اللي مليانة خوف مني دي يا إيمان.. بتقطعي قلبي". "سلامة قلبك يا حبيبي"، قالتها "إيمان" وهي تركض نحوه، وارتمت داخل حضنه تضمه بكل قوتها. استقبالها هو بكل ترحاب، غالقاً ذراعيه حولها بحماية، ورفعها بين ضلوعه مدمدمداً بشوق: "واحشتيني". بكت بصوت أشبه بالصراخ مرددة بتأوه: "آه يا تامر.. لو تعرف أنت اللي واحشتني قد إيه". لكمته على كتفه بقبضة يدها الصغيرة مكملة بأمر:

"أوعى تبعد عني تاني.. ولا تخوفني منك تاني.. أنا مليش غيرك في الدنيا". ابتعد بوجهه عنها قليلاً ليستطيع النظر لعينيها، وبعتاب همس لها: "ولما أنتي ملكيش غيري.. عايزاني أتزوج عليكي ليه يا إيمان؟! وضعت جبهتها على جبهته، وبألم مبرح يجتاح قلبها همست: "حقك تبقى أب، وأنا مش أنانية". لثم جبهتها بقبلة عميقة وبتأكيد قال: "مستحيل يكون لي زوجة غيرك يا إيمان.. أنا اكتفيت بيكي، وأنتي عارفة ده كويس".

انهمرت عبراتها على وجنتيها، ونظرت له وهمت بالحديث. لكنه رفع يده ووضع أنامله على شفتيها وتابع بأمر: "مش هيحصل في يوم يا إيمان.. ده وعد مني ليكي.. ولادي لو مش منك إنتي يبقى أنا مش عايزهم، وخلص الكلام على كده". دوت ضحكاتها بسعادة وذادت من ضمه لها مردفة بدلال: "وبالنسبة لضرب الحبيب؟! ربت على شعرها، وظهرها وبتنهيدة أجابها: "تنقطع إيدي لو اتمدت عليكي تاني". قبلت كتفه بعشق وبلهفة قالت: "بعد الشر عليك".

رفع يده ومسح دموعها وعينيه تتنقل بين عينيها وشفتيها بشوق جارف متمتماً بتساؤل: "لسه زعلانة مني؟! تنحنحت كمحاولة منها لإيجاد صوتها، وهمست بصوت يكاد يسمع: "تؤ.. مبزعلش منك.. بزعل عليك يا تامر". تورّدت وجنتيها بحمرة الخجل حين لف يده حول خصرها جذبها عليه أكثر، ومال بوجهه عليها قاصداً شفتيها. لتسرع هي وتدفعه بضعف وقد أيقنت لن ينتهي الأمر بمجرد قبلة، والصغيرة بدأت تبكي. "تامر البنت بتعيط.. خليني أجهز العشا".

حاول السيطرة على فيض مشاعره التي بعثرتها هي، وأخذ نفس عميق مردفاً بنبرة حانية: "متعمليش عشا، وادخلي البسي، ولبسي إسراء.. هعشيكم عند البرنس، وأفسحكم فسحة معتبرة". قفزت "إيمان" بين يديه بفرحة طفولية وركضت على الصغيره حملتها وقبلتها بحب، وعادت بها تندس بحضن زوجها وهي تقول براحة بعد شهور من التعب والبكاء: "الحمد لله.. كنت واثقة إن ربنا هينور بصيرتك، ويحنن قلبك عليا يا تامر". ......................................

أمام غرفة إسراء.. يقف "فارس" برفقة الطبيبة يتحدث معها بأمر قائلاً: "ادخلي إنتي والمساعدين بتوعك خدي مدام "إلهام" وقوليلها "خديجة" هانم عايزة تتكلم مع حضرتك على انفراد". "الطبيبة": "أمرك يا فارس باشا". كانت "إلهام" تجلس على كرسيها المتحرك بعدما أنهت صلاتها تدعو لوحيدتها من صميم قلبها. بينما "إسراء" مازالت ساجدة تستجدي المولى وتدعوه بإلحاح وبكاء شديد حتي أنها لم تشعر بخروج والدتها من الغرفة.

ظلت على حالها.. منفصلة عن العالم بصلاتها التي أثلجت نيران قلبها. حتى انتهت، وهبّت واقفة حملت مصليتها واستدارت تبحث عن والدتها وهي تقول: "عندك حق يا ماما.. أنا ارتحت أوي لما وقفت بين إيدين ربنا؟! صرخت بهلع، وقفزت بمكانها بخضة حين رأت "فارس" يجلس على مقعد بمنتصف الغرفة، واضعاً ساقه فوق الأخرى بهنجعية، ويتابعها بابتسامة إعجاب فشل بإخفائها. "إنت إيييييه يا بني آدم إنت؟! كادت أن توبخه ولكنها تذكرت أنها داخل منزله.

فابتسمت بسخرية مرددة: "ما أنا اللي غلطانة إني موجودة في بيتك لغاية دلوقتي". تلفتت حولها تبحث عن والدتها مكمله بتوتر من وجودها معه بمفردها داخل الغرفة. ازدردت لعابها بخوف حين رأت باب الغرفة مغلق. فردت ظهرها ورفعت رأسها بثقة وشموخ مصطنعة القوة، وأكملت بحدة: "ماما فين؟! .. خليني آخدها ونمشي من هنا". أشار لها على مقعد مجاور له وتحدث بهدوء قائلاً: "تعالي اقعدي خلينا نتكلم يا إسراء".

اقتربت من حذائها، وارتدته على عجل، وسارت نحو باب الغرفة، وهي تقول بغضب: "مفيش كلام بيني وبينك يا فارس بيه؟! ابتلعت باقي حديثها حين وجدته بطرفة عين يقف حائل بينها وبين الباب يمنعها من الخروج. اتسعت عينيها بدهشة من طوله الفاره. شعرت بضآلتها أمامه. رجعت خطوتين للخلف، وعقدت يديها أمام صدرها ورفعت عينيها الساحرة، ونظرت له بتحدي مردفة بتهكم: "إنت فاكر إنك هتقدر تمنعني أمشي من هنا؟!

حك ذقنه بطرف أصابعه، وهو يرمقها بنظرة مسلية، وابتسامة لعوب تزين محياه، وأجابها بثقة قائلاً: "بغض النظر إني أيوه أقدر أمنعك، وأقدر أعمل حاجات كتير أوي ممكن متخطرش على بالك.. بس خليها بعدين". شهقت بصوت خفيض، والجمتها الصدمة حين سحبها من معصم يدها وسار نحو المقعد أجلسها عليه، وجلس بجوارها مكملاً بنبرة محذرة: "دلوقتي الأحسن لكِ إننا نتكلم بالعقل". صكت على أسنانها بغيظ، وهمت بالصراخ بوجهه. لكنه أشار لها بالصمت،

وتابع بوعيد: "بلاش تختبري صبري عليكي.. لأن محدش هيزعل غيرك في الآخر". زفرت بضيق، وبنفاد صبر قالت: "إنت عايز مني إيه بالظبط يا "فارس" بيه؟! تأملها بنظرات جريئة، وهو يقول: "عايزك إنتي يا إسراء". حجظت عينيها، وتوهجت وجنتيها بحمرة الخجل من وقاحته، وهبّت واقفة واندفعت من أمامه وهي تحدث نفسها بصوت مسموع: "فعلاً سافل".

لم تسير سوى خطوتين وانقطعت أنفاسها هذه المرة حين جذبها ببعض القوة سقطت جالسة على قدمه ملتفاً بيده حول خصرها، وقربها لصدره، وغمز لها بمكر مردفاً: "سافل بس لذيذ". تلاحقت أنفاسها وبدأت تتنفس بصوت مسموع، وصدرها يعلو ويهبط بوضوح، ولكمته بكلتا يديها على صدره كمحاولة منها للفرار من حصاره لها مرددة بذهول: "إنت اتجننت.. أبعد إيدك عني يا حيوان". قبض على وجنتيها بأصابعه بعنف، وقرب وجهها من وجهه بالإجبار،

وتحدث بغضب من أسفل أسنانه: "اغلطي تاني، وأنا هعتبرها دعوة منك إني أدوق الشفايف اللي مطيرة عقلي دي، وأنا فعلاً عايزك بس بالحلال.. بدليل إني طلبت إيدك للجواز من والدتك، وصدقيني مش هتندمي.. هعيشك عيشة متحلميش بيها.. مامتك هتعمل العملية في أحسن مستشفى بره مصر، وبنتك هتتعلم أحسن تعليم، وهعتبرها بنتي، وهتكفل بكل مصاريفها". تحركت بين يديه بهستيرية مرددة بصراخ:

"ابعد إيدك عني بقولك.. إنت أكيد مجنون علشان عايز تتجوز واحدة متجوزة". لم تستطع الإفلات من بين يديه. بل هدأت حين رأت عينيه اشتعلت بنيران حارقة، وتحدث بنبرة دبت الرعب بأوصالها: "متجوزة؟! قبض على ذراعها بعنف غير منتبه لجرحها الذي لم يشف بعد، وتابع بغضب عارم: "متجوزة مين انطقي؟! "سبني الأول وأنا أقولك"، أردفت بها بألم ظهر على ملامحها. فخفف قبضته عليها قليلاً، وفك يده من حولها على مضض.

ابتعدت عنه هي سريعاً، ووقفت بعيداً عنه، وتحدثت ببوادر بكاء قائلة: "جوزي يبقى رامي.. أبو بنتي.. هو بالنسبالي لسه عايش.. عايش جوايا.. مبيفرقنيش أبداً، وعلى طول معايا في أحلامي.. فاهم يعني إيه معايا.. يعني مش هقدر أتجوزك إنت أو غيرك، وأنا قلبي وعقلي وجسمي مش ملكي.. ملكه هو.. هو وبس". يستمع لها بهدوء. حديثها بمثابة سكب الزيت على النيران. صمتت لبرهة تلتقط أنفاسها وتابعت بتأكيد: "وأنا هفضل مراته وشايلة اسمه لحد ما أروحله".

ضحك باصطناع، وهبّ واقفاً واقتربت عليها بخطوات بطيئة وهو يقول بذهول: "إنتي مدركة إنتِ بترفضى تبقي مرات مين؟! لتتراجع هي للخلف، وأجابته بلا مبالاة:

"أيوه مدركة وكويس أوي، حضرتك فارس بيه الملياردير اللي كل الستات تتمنى نظرة منه.. بس أنا مش من الستات دي.. أنا واحدة زي ما بيقولوا وش فقر.. مش هقدر أرضي غرور معاليك يا باشا وأوافق على عرضك المغري ده.. فسبني في حالي، وخليني أمشي من هنا أنا وأمي، وأوعدك إنك مش هتشوف وشي تاني أبداً". حاصرها بينه وبين الحائط خلفها. وابتسم لها ابتسامة صفراء وهو يقول بثقة:

"إنتي فعلاً لو خرجتي من هنا مش هشوفك تاني.. لأنك هتتقتلي أول ما تخرجي من باب القصر". رمقته بنظرة محتقرة وهي تقول: "مش مستغربة على فكرة ما إنت ضربتني بالنار قبل كده.. عادي إنك تقتلني.. بس الأعمار بيد الله وحده، واللي مكتوب لي هشوفه، ومن فضلك ابعد إيدك دي خليني أعدي". لكم الحائط بقبضة يده بقوة، وتحدث بصوت عالٍ للغاية يدل على نفاذ صبره، وشدة غضبه:

"إنتي دماغك دي بتفكر إزاي.. فووووقي.. تهورك بالكلام ده خلاكي مستهدفة من ناس عايزين يخلصوا عليكي إنتي، وأي حد تابعك، وأنا عايز أساعدك، وأحميكي يا هانم". "إسراء" بصراخ: "لو عايز تساعدني فعلاً يبقى متجبرنيش على الجواز منك، ولو على الحماية فالحامي هو ربنا". "يا بني آدمة افهمي.. إنتي مش هينفع تخرجي بره القصر، وبنتك أنا حاطط عليها حراسة هي وعمها ومرات عمها كمان.. لحد ما أكتب عليكي، وأجبلك إياها منه".

قالها "فارس" بهدوء رغم شدة غضبه منها. نظرت له بحزم، وتحدثت بإصرار قائلة: "أنا مش هتجوزك، ولو هفضل هنا في القصر يبقى سيبني أشتغل عند الست خديجة إن شاء الله خدامة، وساعتها هبقى تحت حمايتك، وآخد مرتب على شغلي أقدر أصرف بيه على أمي وبنتي ويبقى كده كتر ألف خيرك أوي.. غير كده يبقى الله الغني عنك وعن خدماتك يا فارس باشا".

ابتعد عنها وهو يرمقها بنظرات منذهلة. عقله غير قادر على الاستيعاب. أيعقل تلك الساحرة ترفض الزواج من "فارس الدمنهوري"؟ دار حول نفسه، وهو يفرك جبهته، ويحاول التحلي بالصبر حتى لا يكسر عظامها. رفضها له الآن جعل رغبته بها تتضاعف. نظر لها بابتسامة مصطنعة، وتحدث بهدوء ما يسبق العاصفة قائلاً: "وماله.. موافق يا إسراء.. هتشتغلي هنا في القصر".

شهقت بصراخ حين جذبها فجأة من خصرها حملها بذراع واحد داخل حضنه حتى أصبحت قدمها لم تعد تلمس الأرض، وبوعيد تابع: "وأنا هعرف إزاي أخليكي تبقي ملكي، ومعايا حتى في أحلامك يا ساحرة".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...