"خديجه" تقف خلف "فارس" الجالس يتابع ساحرته باهتمام عبر الكاميرا الموجودة بغرفتها، والموصلة بشاشة داخل جناحه الخاص. عقدت يديها أمام صدرها، وتحدثت بنفاذ صبر قائلة: "وبعدين معاك يا فارس؟ أنا أول مرة أشوفك مهتم بواحدة بالشكل ده حتى بعد اللي قالته عنك دلوقتي؟ "قالت إيه يا ديجا؟ أنا كان معايا تليفون شغل، ومسمعتش حوارك معاها." قالها "فارس" وعيناه لم تتزحزح عن "إسراء". جلست "خديجه" بجواره، وربتت على كتفه برفق مردفة براحة:
"أنا برضه قولت إنك أكيد مسمعتش، وإلا كان زمانك عامل مصيبة إحنا في غنى عنها." ابتسم "فارس" بتهكم وهو يقول: "هي لدرجاتي غلطت فيا ولا إيه؟ أجابته "خديجه" بتعقل قائلة: "البنت شكلها تعبانة قوي وقلبها مجروح جرح مش هين، وأكيد كلامها مش قصدها، ولا فاهمة معناه، وأنت لازم تفكر كويس جداً في حكاية جوازك منها دي.. لأنها للأسف بحالتها دي، واللي قالته صعب توافق عليك أو على غيرك حتى.. فبلاش تحرج نفسك معاها يا حبيبي."
هب واقفاً، وسار نحو الشاشة ببطء. قام بتصويب الكاميرا على ساحرته فقط، حتى أصبح وجهها الملائكي الباكي ظاهر بوضوح. رفع يده ومسح على وجنتيها كأنه يزيح عبراتها بمنتهى الرقة. وتحدث بدهشة من نفسه وأفعاله قائلاً: "أنا نفسي مستغرب اللي حصلي من ساعة ما شفتها يا ديجا.. هي فعلاً ساحرة.. ساحرتني بجمالها الصافي، وأخلاقها اللي مقبلتش زيها في حياتي قبل كده." أخذ نفساً عميقاً، وتابع بأسف:
"كل الستات اللي اترمت في طريقي معظمهم عرضوا نفسهم عليا من غير جواز حتى، اللي طمعانة في فلوس، واللي شغالة لحساب أعدائي، وبنت رئيس الوزراء دي خطوبتنا مجرد بسنس وبس." طرد زفرة نزقة وأكمل بتنهيدة:
"ومش هكون مثالي وأقولك إني مستغلتش شوية من الستات الرخيصة دي لحسابي.. بس خلاص.. العمر بيجري وأنا بقيت عندي 33 سنة ولسه مجبتش وريث لأملاك الدمنهوري، وإسراء ظهرتلي في الوقت المناسب.. وقت عايز فيه إنسانة تاخد بأيدي للصح وتمنعني عن أي غلط بعمله يا ديجا." رفعت "خديجه" حاجبيها بدهشة، ورمقته بنظرات منذهلة وهي تقول: "وتفتكر إسراء هي الإنسانة دي يا ابني؟ ابتسم "فارس" لها ابتسامة هادئة، وحرك رأسه بالإيجاب عدة مرات وهو يقول:
"هي يا ديجا هي.. قدرت تعمل اللي قبله فشلوا فيه." صمت لبرهة وتابع بفرحة غامرة اعتلت ملامحه الوسيمة: "خطفت أنفاسي، ونبض قلبي من أول لحظة وقعت عيني عليها." حركت "خديجه" رأسها بالنفي واقتربت منه وضعت كف يدها على جبهته وتحدثت بشك قائلة: "لا لا لا.. أنت مش طبيعي أبداً.. فارس الدمنهوري طول عمره ملوش في الكلام الرومانسي، ولا حركات الرجالة الحبيبة دي.. أكيد في حاجة غلط." رفع "فارس" إحدى حاجبيه ونظر لها بفخر قائلاً:
"ده أنا ليا وليا كمان.. وعندي بحور رومانسية شيلها للحبايب يا ديجا." دمدمت "خديجه" بصوت هامس محدثة نفسها: "اممم ربنا يستر.. شكلنا داخلين على بحور فعلاً، وعلى الله محدش يغرق." بينما عاد "فارس" يتابع ساحرته باهتمام، وابتسامة بدأت تختفي شيئاً فشيئاً حين استمع لحديثها الباكي الذي يدل على شدة حزنها، وألم قلبها. *** بغرفة إسراء.. كانت "إلهام" يعتصر قلبها بألم حاد على بكاء وحيدتها.
ليس بيدها أي شيء تقدمه سوى الدعاء لها وضمه لحضنها، والبكاء معها. تلك الفتاة الصغيرة التي أصبحت بين ليلة وضحاها.. أرملة ومسؤولة عن ابنتها، ووالدتها أيضاً. دفنت حزنها بين ثنايا روحها. جاهدت حتى تظهر قوية بعدما رأت نظرة بعض أشباه البشر لها. نظرة كالسوط تجلد جسدها، وتمزق قلبها. وبالأخير وقعت تحت رحمة "فارس" ذلك المغرور كما تطلق عليه هي.
بنظرها الحياة ليست عادلة، ولكنها على يقين أن الله الذي خلق هذه الحياة سيكون عادلاً، ورحيماً بها. أطبقت جفنيها ببطء حين داهمتها ذكرى زوجها الخلوق. الرجل الذي تفنن بعشقها. رغم ضيق الحال، والظروف الكثيرة الصعبة التي مرت عليهما أثناء فترة زواجهما القصيرة إلا أنه كان سنداً لها عند ضعفها. ظلاً تستضيء به في الهموم والأحزان. مصدر قوتها وأمانها. لينتهي كل هذا وتصبح وحيدة من دونه بعدما حرمت منه للأبد.
بكت "إسراء" داخل حضن والدتها. ملجأها الوحيد. تتمسك بها بكل قوتها مردفة بغصة مريرة: "أنا مش حمل كل اللي بيحصلي ده يا ماما.. جوزي حب عمري يموت في عز شبابه.. ويسبني لوحدي في الدنيا القاسية دي.. أنا من غيره بقيت ضهري مكسور." رفعت وجهها ونظرت لها بعينين شديدة الاحمرار، وتابعت بصعوبة من بين شهقاتها:
"من يوم ما مات وأنا بلف حوالين نفسي في دايرة مقفولة مش عارفة أخرج منها، وقولت أعمل محاولة وأروح لصاحب الشركة يمكن ربنا يجعله سبب وأقدر أصرف معاش رامي." ازداد نشيجها وأكملت بأسف: "بس طلع معندوش قلب وخلى الحرس بتوعه يضربوا عليا نار.. أنا كدبت عليكي.. هو مكنش ذوق ولا نيلة معايا يا ماما." شهقت "إلهام" بصدمة مرددة: "يا كبدي يا بنتي." مسحت "إسراء" عبراتها بظهر يدها بطفولة، وتابعت بغيظ:
"ودلوقتي جابني البيت عنده هنا علشان يعرف مني اللي جوزي شافه عنده في الشركة وقالي عليه قبل ما يموت." عقدت "إلهام" حاجبيها، ونظرت لها بقلق وتحدثت بتساؤل قائلة: "وهو عرف منين إن جوزك قالك حاجة عن شغله يا إسراء؟ زَمت "إسراء" شفتيها وأجابتها بملامح عابثة: "أنا اللي قولته قدام الحرامي اللي بيسرقه واللي عامل مصايب في شركته من ورا ضهره علشان أحرق دمه زي ما سيح دمي وخت 6 غرز مش عايزين يخفوا لحد دلوقتي."
"يالهوي على هبلك يابت.. بقي علشان تحرقي دمه توقعي نفسك مع واحد حرامي ممكن ينتقم منك ويعمل فيكي حاجة يا إسراء؟ أردفت بها "إلهام" بعتاب وهي تخبط على صدرها بخوف وفزع شديد. عضت "إسراء" على شفتيها، وبإحراج قالت: "أنا عارفة إني اتغبيت وقتها، وغضبي وغيظي عمياني ومبقتش عارفة بقول إيه.. بس ده ميدلوش الحق إنه يبقى مراقبني في كل خطوة بعدها لحد ما استغل تعبي وجابني على بيته."
وضعت "إلهام" أصابعها أسفل ذقنها تفكر بحديث ابنتها بتتمعن، وتحدثت قائلة: "يبقى أنا نظرتي في فارس ده صح.. الراجل فعلاً طلع عايز يحميكي بعد كلامك اللي قولتي قدام الحرامي." صكت "إسراء" على أسنانها بغيظ متمتمة: "يا سلام يا ست لوما، وهو عشان يحميني يقوم يتجوزني؟ ضحكت "إلهام" بقوة وامسكت وجنتيها بين أناملها تداعبها بلطف وهي تقول بخبث:
"ما أنتي عجبتيه، ودخلتي دماغه، وبإذن الله هتعشش في قلبه قريب أوي يا كبد أمك، وأنا قلبي مطمني ليه مش عارفة ليه يا بت يا أم إسراء مع إنه بجح وجريء ومبيتكسفش خالص سبحان الله." رفعت كلتا يديها للسماء ودعت من صميم قلبها قائلة: "يارب لو فارس ده خير لبنتي اجعله من حظها ونصيبها، وعوض وفرحة لقلبها يمحو حزنها وتفرح معاه بشبابها يااااااارب." ترقرقت عينا "إسراء" بالعبرات، ونظرت لها بعتاب قائلة:
"أنتي بجد عايزاني اتجوز بعد رامي الله يرحمه، وأكون لواحدة غيره يا ماما؟ ربتت "إلهام" على كف يدها بحنان، وبتعقل قالت: "يشهد ربنا يا بنتي إن موت رامي شق قلبي عليه كأنه ابني اللي مخلفتهوش، ولو كانت ظروفنا أحسن من كده، وأنا سليمة ومش حمل عليكي بمرضي؟ أسرعت "إسراء" بوضع يدها على فمها توقفها عن تكملة حديثها، وهي تقول بلهفة:
"أنتي عمرك ما كنتي حمل عليا يا ماما.. ده انتي وبنتي أهلي، وناسي وعزوتي اللي مليش غيرهم في الدنيا.. ربنا ميحرمنيش منكم أبداً يا حبيبتي." جذبتها "إلهام" لحضنها. تضم رأسها بحنان بالغ، ولثمت جبهتها بحب وهي تقول:
"ولا يحرمني منكم يا ضنايا.. بس اسمعيني وافهمي كلامي كويس يا بنتي.. أنا عمري ما هضرك، ولا هسيبك تضري نفسك.. إحنا حالنا دلوقتي لا يسر عدو ولا حبيب، وأنتي لفيتي على شغل ياما ومافيش حاجة نافعة معاكي، وأنا لو كنت أقدر أشتغل كنت ساعدتك وشلت عنك شوية بس ما باليد حيلة. الحمدلله على كل حال." وضعت أناملها أسفل ذقنها جعلتها تنظر لها وتابعت بصوت متحشرج بالبكاء:
"أنتي لسه صغيرة والحياة قدامك.. متدفنيش شبابك بحزنك، وأدي لنفسك فرصة تانية يا بنتي يمكن يكون فيها خير وفرح لقلبك." حركت "إسراء" رأسها بالنفي، وهمت بالاعتراض. لتسرع "إلهام" قائلة بأمر: "متستعجليش وفكري الأول، بطلي عياط وفوقي لنفسك انتي مش بطولك عشان تاخدي قرار لوحدك.. أنا وبنتك متعلقين في رقبتك، واللي هتعمليه هيعود علينا كلنا.. فقومي اتوضي ووضيني معاكي واوقفي بين إيد ربنا واطلبي منه يوفقك للصالح." "إسراء" بطاعة:
"ونعم بالله العلي العظيم.. حاضر يا ماما هتوضي، وأساعدك تتوضي، ونصلي سوا." اعتلى وجهها غضب مفاجئ وتابعت بإصرار: "ولو ست خديجة موافقتش تشغلني.. يبقى هاخدك ونمشي من هنا غصب عن عين اللي اسمه فارس بيه ده." بينما "فارس" يتابع حديثهما باهتمام شديد. ومن ثم اتجه لخارج جناحه قاصداً غرفة ساحرته. وعلى وجهه ابتسامة متسعة تظهر مدى استمتاعه بالحديث مع تلك المشاكسة. ***
"إيمان".. تتابع "تامر" زوجها المحتضن "إسراء" الصغيرة ويمسح على ظهرها بحب، ويقوم بإطعامها بنفسه، ويداعبها فتدوي صوت ضحكاتها البريئة تدخل السرور على قلب من يراها. اعتلت ملامحها ابتسامة حزينة تخفي بها عبراتها التي ملأت عينيها، وتنهدت بصوت عالٍ. واقتربت ببطء جلست جوارهما بعدما شعرت أن نوبة غضب زوجها هادئة الآن. تتأمله بأعين عاشقة. تشتاقه حد الجنون. منذ موت شقيقه من ثمانية أشهر، وهو تبدل حاله معها.
أصبح شخصاً آخر غير حبيبها الذي كان لا يطيق الابتعاد عن حضنها ليلة واحدة. اقتربت منه قليلاً حتى أصبحت تفصلهما بضعة إنشات، وأغمضت عينيها لتهبط دمعة حارقة على وجنتيها مسحتها سريعاً وأخذت نفس عميق تستنشق عبق رائحته التي تتوق لها. غير منتبه هو لها.. أو مصطنع عدم الانتباه. انتفضت بفزع، وكتمت شهقة خافضة حين تحدث بأمر قائلاً: "قومي حضري لنا العشا عشان البت شكلها جعانة."
قالها "تامر" بنبرته الصارمة، والتي أصبحت جافة مع زوجته طيلة الفترة الأخيرة. كأنه شعر بقربها واشتياقها له فقرر إبعادها عنه. ظلت جالسة بمكانها جواره تنعم بقربه للحظات. تستجدي قلبه أن يرأف بها. رسم الغضب على ملامحه واستدار فجأة ينظر لها نظرة دبّت الرعب بأوصالها. وبغضب مكتوم قال من أسفل أسنانه: "أنا مش قولت اتزفتي قومي حضري لنا عشا عشان البت جعانة.. إيه مسمعتيش؟ ظنت أنه سيضربها كعادته مؤخراً.. لا يتحدث بلسانه.. فقط بيده.
فرفعت يدها بتلقائية، وأخفت وجهها بخوف مرددة بطاعة: "حاضر يا تامر.. هقوم." جحظت عيناه من رد فعلها، وما أوصلها إليه. أسرعت هي، وانتفضت واقفة، وسارت نحو المطبخ بخطوات مهرولة. أمام نظراته المنذهلة. لتتوقف فجأة دون أن تلتفت له، وقد أغرقت عبراتها وجهها، وتحدثت بصوت جاهدت لإخراجه طبيعياً لكنه خرج مرتجفاً يظهر به كم قهرها، وحزنها.
"تامر أنا عارفة إن علاجي طول أوي.. أكتر من 4 سنين بتعالج، ومافيش نتيجة، وشكلي مش هقدر أخلف أبداً." تشنج جسد "تامر" وهو يستمع لحديثها الذي أعاد عقله له، وجعله يتذكر مرض زوجته، وقلبها المجروح الذي زاد هو جرحه أضعاف بمعاملته لها وابتعاده عنها. مسحت "إيمان" دموعها بعنف، ورسمت ابتسامة زائفة على ملامحها الحزينة، واستدارت ببطء وتابعت دون أن تنظر له، وألقت جملة جعلته يأنب نفسه على ما أوصلها إليه.
"وأنت من حقك يكون عندك أولاد يشيلوا اسمك.. علشان كده بطلب منك تتجوز يا تامر." صمتت لبرهة تحاول الحفاظ على ثباتها، وتسيطر على بكائها، وأكملت: "كنت خايفة أقولك الكلام ده قبل كده لتتجوز واحدة متوافقش إني أفضل على ذمتك، وتخليك تطلقني." نظرت له بعشق شديد ظاهر بعينيها الحزينة، وتابعت بلهفة: "وأنا مش عايزة أطلق منك يا تامر.. عايزة أفضل على ذمتك حتى لو اتجوزت عليا." هبطت عبرتها بغزارة، وبصوت مبحوح قالت:
"أنا بحبك ومليش حد غيرك." وجهت نظرها للصغيرة المستكينة داخل أحضان عمها، وأكملت بحنو: "وزي ما قولت قبل كده.. أنت أولى بلحم بنت أخوك." أخذت نفس عميق، وبقوة مزيفة قالت: "اتجوّز إسراء يا تامر.. أنت ظلمتها وهي شريفة.. كلمتني وفهمتني كل حاجة وانت عارف إنها لو كدبت على الدنيا كلها مبتكدبش عليا.. قالتلي إنها راحت بيت صاحب الشركة عشان تشتغل خدامة عند مامته و؟! قطعت حديثها حين لمحت ملامحه التي تبادلت من الهدوء.. للغضب العارم.
وضع الصغيرة أرضاً بجوار ألعابها الذي جلبها من أجلها، وهب واقفاً وسار نحوها ببطء مريب حتى أصبح أمامها مباشرةً. ضيق عينيه، ومال برأسه على وجهها وأردف قائلاً بتساؤل: "عايزني أتجوّز عليكي أرملة أخويا اللي أنتي بتعتبريها أختك يا إيمان؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!