الفصل 35 | من 40 فصل

رواية غرام المغرور الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
19
كلمة
3,725
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

"فارس".. أجتاحه شعور غريب بعدما غادر جناح "مارفيل". سكينه تعانق روحه، جعلتها تنتعش. إحساس عابق بالدفء في نظرتها له وحديثها معه. لأول مرة يمكث معها لعدة ساعات، تحدثت له خلالهم قليلاً دون أن يشعر منها بالنفور. أسعده هذا كثيراً. نظرة الندم بعينيها لمست شيئًا شديد الحساسية بداخله.

أيقن أنه كان يدخر مشاعر قوية يكنَّها لها، حين داهمه إحساس من الأبوة تجاهها جعله يعاهد نفسه على البقاء دوماً بجوارها. فهذا واجبه نحوها. مهما فعلت به من أفاعيل لن تُغفر، ستبقى رغماً عنه أمه بالأخير. خرج من المصعد متجه نحو جناحه الخاص به هو وساحرته. هم بفتح الباب ليوقفه صوت "هاشم" يتحدث بتساؤل وهو يتنقل بعينيه بين يديه المجروحتان. "فارس أنت كويس؟! حرك رأسه بالإيجاب مردداً.

"الحمد لله.. أنا تمام يا هاشم.. قولي أنت إيه الأخبار؟! تنهد "هاشم" وتحدث قائلاً. "أنا مكلف مجموعة من رجالتنا يدوروا على ديمة.. بس للأسف هي اختفت من الفندق كله في نفس الوقت اللي كنا بنجري وراك فيه على العيادات. دا خلى أبوها يتأكد إن مش إحنا اللي ورا اختفائها وعمال يدور عليها زي المجنون ولسه موصلهاش. وغفران اتصل عليا وقالي إنه حاول يكلمك أكتر من مرة وتليفونك مغلق.. كلمه علشان عايزك ضروري."

"تمام.. هكلمه دلوقتي.. أكيد عرف ب اللي حصل. وبالنسبة للحقيرة ديمة أنا هعرف أوصلها، والليلة مش بكرة كمان." قالها وهو يخرج هاتفه المغلق من جيب معطفه. فتحه وطلب إحدى الأرقام ليأتيه صوت "غفران" يتحدث بقلق قائلاً. "فارس أنت فين يا ابني.. كلمتك كتير.. طمني عليك." "أنا كويس يا غفران اطمن.. هاخد بس شاور علشان أفوق كده وهكلمك تاني." قالها "فارس" وهو يدلف لداخل الجناح. "غفران".. بحدة.

"تكلمني إيه.. أنا في الغردقة من ساعتين يا بني آدم أنت. الدنيا مقلوبة على بنت رئيس الوزراء اللي اختفت من الفندق عندك، وعندي أخبار مهمة ليك لازم أشوفك دلوقتي ضروري." "فارس". "طيب هتجيلي ولا أجيلك أنا؟! أجابه "غفران" قائلاً. "خليك عندك هجيلك أنا علشان معايا مفاجأة لهاشم.. يله سلام على ما نتقابل." أغلق "فارس" الهاتف ونظر ل"هاشم" قبل أن يغلق الباب مغمغماً. "هاشم من فضلك عايزك تشرف بنفسك على الأكل اللي وصيت عليه للعمال."

صمت لبرهة واتجه بعينيه لجناح "خديجة" التي تمكث به زوجته مكملاً. "وخلي الحسابات تصرف لهم شهر مكافأة كمان." "هاشم" وهو يستعد للسير. "تمام يا فارس.. متشلش هم أنت." سار خطوتين، وتوقف فجأة مكملاً. "على فكرة في مندوب جالك هنا معاه أوردر أون لاين أنا استلمته منه، والاوردر موجود عندك في الجناح." رفع "فارس" يده وضرب بها جبهته مردداً. "أيوه أنا نسيت خالص إني طلبت أوردر لعيد ميلاد خديجة."

انبلجت ابتسامة على وجه "هاشم" قمعها سريعاً، وتحدث بنبرته الصارمة قائلاً. "كل سنة وهي طيبة." "فارس".. بابتسامة. "وأنت طيب يا هاشم.. اسبقني أنت علشان غفران جاي في الطريق وأنا هغير وأحصلك." انصرف "هاشم" من أمامه، وأغلق هو الباب مستند عليه بظهره، وبدأ يفتح أزرار قميصه واحد تلو الآخر بيد، وممسك بيده الأخرى هاتفه طلب إحدى الأرقام ليأتيه صوت "خديجة" تتحدث بلهفة قائلة. "فارس.. أنت فين يا حبيبي؟

كانت "إسراء" مستكينة بحضن والدتها. رأسها تتوسط صدرها، و "إلهام" تربت على شعرها بحنان بالغ. أغلقت "إسراء" عينيها تمثل النوم، بينما تنهمر عبراتها على وجنتيها بصمت. منذ أكثر من 5 ساعات هاتف زوجها مغلق، ولا تعلم عنه شيئاً. "بسم الله الرحمن الرحيم.. فزعتيني يا بنتي." قالتها "إلهام" حين انتفضت "إسراء" من حضنها فجأة وهبت واقفة فور سماعها صوت "خديجة" تنطق باسم زوجها.

هرولت تجاهها ووقفت أمامها تنظر لها بأعين متورمة من شدة البكاء وبهمس بالكاد يسمع قالت من بين شهقاتها. "فارس كويس يا خديجة؟ حركت "خديجة" رأسها بالإيجاب لها، وسارت نحو باب الجناح بخطي حذرة حتى لا تؤذي كاحلها أكثر. "أنا جيالك حاضر.. ثواني وابقي عندك." "هو فين يا خديجة.. طمنيني عليه أنا هتجنن والله." قالتها "إسراء" وهي تسير برفقتها حتى وصلت لباب الجناح، وتوقفت لتمنع سقوط يمين زوجها عليها.

فتحت "خديجة" الباب، وتحدثت بابتسامة مطمئنة. "اطمني يا حبيبتي هو كويس.. لسه داخل اوضتكم حالاً، وقالي إنه هيغير ويجلنا.. بس أنا هروحله وأجيبه بنفسي لحد عندك كمان." بكت "إسراء" وضحكت بأن واحد وتحدثت بنبرة راجية قائلة. "متخلهوش يمشي قبل ما أشوفه يا ديجا علشان خاطري." رفعت "خديجة" يدها ومسحت عبراتها بحنو مرددة. "حاضر يا حبيبتي.. بس أهدي وكفاية عياط بقى، واغسلي وشك كده، وأنا هجبهولك وأجي على طول."

حركت "إسراء" رأسها بالإيجاب، وانتظرت حتى أغلقت "خديجة" الباب، وركضت مسرعة نحو حمام الجناح مرددة بفرحة غامرة. "هاخد دش سريع وأجي.. ادعيلي من قلبك يا ماما." "إلهام" بحب. "دعيالك يا ضنايا.. ربنا يهدي سرك، ويصلح حالك ويفرح قلبك يا إسراء يا بنت إلهام." أمنت "إيمان" على دعائها، وهبت واقفة، وتحدثت بخجل. "خالتي إلهام أنا هاخد محمود وأروح على اوضتي.. ميصحش أفضل هنا لما جوزها يجي يرضيها." ابتسمت لها "إلهام" بامتنان قائلة.

"كلك زوق ومفهومية يا بت يا إيمان." بادلتها "إيمان" الابتسامة ونظرت للصغيرة "إسراء". "تيجي معنا يا إسراء؟ حركت الصغيرة رأسها بالنفي وتحدثت بوجه عابس قائلة. "لا أنا مستنية فالس." ..................................... .. بغرفة فارس.. كانت "خديجة" تجلس بجواره على إحدى الأرائك ممسكة يديه تتفحصها بنفسها وتقوم بتطهيرها. "مراتك مبطلتش عياط من ساعة ما جبتها الأوضة عندي يا فارس."

أردفت بها "خديجة" بعتاب، وتنهدت براحة حين تأكدت أن جروح يده جميعها سطحية. أطبق جفنيه حين شعر بقبضة قوية تعتصر قلبه بسبب بكاء ساحرته. صك على أسنانه بعنف، وأطلق زفرة نزقة من صدره وهو يقول بجمود مصطنع. "غلطت ولازم تتعاقب يا ديجا." ربتت "خديجة" على كتفه، وتحدثت بتعقل قائلة. "يا حبيبي اسمعها الأول.. أفهم منها وأعرف اللي حصل براحة.. متعاقبهاش من غير ما تسمعها.. انت كده بتظلمها، وبتوقع نفسك في غلط أنت كمان."

نظر لها "فارس" قليلاً.. يتأمل ملامحها البريئة، وعينيها التي تفيض له بالحب والحنان. "بتبصلي كده ليه يا فارس؟! قالتها "خديجه" بنبرة متعجبه. أبتسم لها "فارس" ابتسامة هادئة. رغم بريق العبرات التي ظهرت بعينيه جعلت "خديجة" تشهق بصوت خفيض، وأسرعت باحتضان وجهه بين كفيها، وبدأت تبكي بنحيب وتتحدث بلهفه قائلة. "فارس أيه الدموع اللي بتلمع في عيونك دي.. مالك يا حبيبي." أمسك "فارس" كلتا يديها وضعهما فوق شفاهه ليلثمها مغمغمًا.

"كل سنة وانتي طيبة." صمت لوهلة وتابع بامتنان وحب، واعتزاز شديد يظهر على ملامحه ونبرة صوته. "يا أمي." أنهى جملته ومد يده لصندوق كبير من اللون الوردي بشريط حريري عريض من نفس اللون كان موضوع أمامه على الطاولة حمله، وأعطاه لها، وهو يجذب رأسها عليه ويطبع قبله مطولة فوق جبينها مكملاً. "يا أحن وأطيب قلب في الكون كله."

لم تتمالك "خديجة" نفسها من الفرحة، واجهشت بالبكاء وهي تتنقل بنظرها بينه، وبين هديته لها وتردد بعدم تصديق من بين شهقاتها. "معقول يا فارس.. فاكر عيد ميلادي في وسط المشاكل اللي أنت فيها دي كلها؟! "أنسى نفسي ومقدرش أنساكي ولا أنسى فضلك عليا يا أحلى ديجا." قالها وهو يمسح عبراتها بأنامله جعلتها تبكي بنحيب أكبر، ووضعت الصندوق على الطاولة مجدداً، وفتحت زراعيها له متمتمه بصعوبة. "تعالي في حضني يا روح قلب ديجا."

"طول عمرك وأنتي واخداني في حضنك يا خديجة.. المرادي أنا اللي هاخدك في حضني." قالها، وهو يضم رأسها لصدره ويربت على ظهرها بكف يده مغمغمًا. "ربنا ميحرمنيش منك أبداً." "ولا يحرمني منك يا فارس." قالتها وهي تقبل كتفه، ورفعت عينيها الباكية ونظرت له بابتسامة مكملة. "كل مرة بتأكد ليِ إن عمري معاك مرحش هدر.. وإنك أغلى وأحلى حاجة طلعت بيها بالدنيا يا ابني." "فارس." "أنا اللي محظوظ بيكي وبوجودك في حياتي يا أغلى الناس."

عبست بملامحها بغضب مصطنع، وابتعدت عنه متمتمه. "لو فعلاً أنا غالية عندك صالح مراتك، وخدها هي في حضنك.. البنت هتتجن عليك وعيونها تعبتها من كتر العياط يا فارس." هبت واقفة، وسحبته من يده خلفها متجهة لخارج الجناح. "يله تعالي معايا خد مراتك ودي هتبقى فعلاً هديتي لما أشوفكم مبسوطين مع بعض يا حبيبي." "فارس." "هاجي معاكي بس خدي هديتك الأول، واعملي حسابك هعملك أحلى عيد ميلاد زي كل سنة.. بس لما أظبط الدنيا شوية."

حملت "خديجة" هديتها على عجل، وسارت معه للخارج بابتسامة متسعة تدل على شدة فرحتها. بينما هو يسير بخطوات متوترة بعدما ازدادت دقات ذلك القلب الراجف بين أركان الضلوع يصرخ بعشق تلك الساحرة. رباه لم يمر سوى بضعة ساعات تضاعف بهم شوقه لها أضعاف مضاعفة. يود أن يطوقها بين ذراعيه ليطمئن قلبه الذي ارتعد وأوشك على التوقف من فزعه وهلعه وخوفه من فقدانها. توقفت "خديجة" أمام الباب، وطرقت عليه بمرح مرددة. "افتحي يا إسراء.. فارس معايا."

"ادخل يا فالس." صرخت بها الصغيرة بفرحة غامرة، وهي تركض نحو باب الغرفة، وتحاول فتحه. فتحت "خديجة" الباب، ودلفت أولاً، ومن ثم خطي "فارس" خلفها. لتقابله الصغيرة فاتحة ذراعيها تحثه على حملها. "أهلاً بحبيبتي." قالها وهو يميل بجزعه عليها، ويحملها بين يديه، ويعانقها بحب أبوي صادق، وعينيه تدور بأنحاء الغرفة بحثاً عن زوجته.

انقطعت أنفاسه للحظة وبهتت ملامحه حين وجد الغرفة خالية. لا توجد بها غير الصغيرة وإلهام جدتها تنظر له بعتاب متمتمه. "إسراء في الحمام يا ابني." تنهد براحة، وأعطى الصغيرة ل "خديجة" وهو يقول. "طيب أنا هروح أغير هدومي علشان عندي مشوار مهم.. خليها تحصلني على اوضتنا لما تخرج." "إلهام".. بتساؤل. "هتحصلك إزاي وأنت حالف عليها يمين متخرجش من باب الأوضة يا فارس يا ابني؟ كده لازم تخرج كفارة يمين الأول علشان بنتي تقدر تخرج وتجيلك."

"خرجته طبعاً يا مدام إلهام.. اطمني." قالها وهو يستعد للسير بخطوات مجهدة. تهللت أسارير "إلهام" وتحدثت بابتسامة قائلة. "رغم أن ليا عتاب عليك بس مش هتكلم معاك دلوقتي.. لينا كلام مع بعض لما تروق كده وتهدي وتتصافي مع مراتك.. ربنا يصلح حالكم ويملي حياتكم هنا وسعادة وميحرمكوش من بعض أبداً قادر يا كريم يارب." "اجي معاك يا فالس."

قالتها الصغيرة التي تحملها "خديجة" ببوادر بكاء جعلته يلتفت لها، ويميل عليها قاصداً وجنتيها المملؤتين لثمهما بعمق وهو يقول. "عيوني لعيوني." نظر ل "خديجة" مكملاً. "لبسيها يا خديجة على ما أجهز.. هاخدها معايا." أنهى جملته، وسار لخارج الجناح غالقاً الباب خلفه. لتفتح "إسراء" باب الحمام الذي كانت تختبئ خلفه بعدما تأكدت من ذهاب زوجها، وخرجت بخطي مرتجفة خافضة رأسها وتتحدث ببكاء. "خايفة أوي، ومش قادرة أواجهه يا ماما."

انتفضت بفزع، وشهقت بصوت خفيض حين تحدثت "إلهام" فجأة بغضب، ونفاذ صبر قائلة. "بت أنتي بطلي خوفك اللي بيخليكي تعملي كوارث دا، وأمشي انجري من هنا روحي ورا جوزك.. متفقعيش مرارتي الوحيدة." "براحة عليها يا لوما." قالتها "خديجة" وهي تقترب من "إسراء" وتربت على ظهرها بحنو مكملة.

"متخفيش من فارس يا إسراء.. فارس بيحبك أوي ومش هتهوني عليه يقسى عليكي أكتر من كده، كل اللي عمله معاكي دا على فكرة من خوفه عليكي والله.. خايف يطولك غضبه وقتها.. فجابك عندي هنا." أخذت "إسراء" نفس عميق، وسارت نحو الخارج وهي تقول. "أنا عارفه يا ديجا.. وواثقة من حبه ليا." .................................

داخل غرفة مظلمة.. خالية من الأثاث إلا من كرسي صغير متهالك تجلس عليه "ديمة" مقيدة اليدين والقدمين تبكي بصمت، وجسدها يرتجف بقوة بعدما ظلت وقت طويل تصرخ بلا توقف. أصبح الهدوء يسود المكان بشكل يثير القلق.. حتى تسلل ضوء خافت عبر النافذة الحديدية أضاء الغرفة من حولها. ارتعد قلبها أكثر حين استمعت لأصوات أقدام تقترب من الغرفة.

فُتح الباب ودلف منه رجل بأواخر عقده الخامس قوي البنية.. شديد الهيبة والوقار. اقترب منها بخطوات هادئة حتى توقف أمامها مباشرةً. رمقها بنظرة نارية، وتحدث بابتسامة مصطنعة تزين محياه التي مازالت وسيمة وتنبض بالحياة رغم تقدمه بالعمر. "مرحباً ديمة." نظرت له "ديمة" بأعين زائغة، وابتلعت لعابها بصعوبة متمتمه بتساؤل. "من أنت؟ .. وماذا تريد مني؟! صمتت لبرهة، وتابعت بنبرة تهديد. "أنا أحذرك.. أنت مختطف ابنة رئيس الوزراء."

وضع يديه بجيب معطفه سرواله مغمغماً. "امممم.. أعلم من تكوني، ودعيني أخبرك أنا من أكون." صمت لوهلة وتابع بجملة جعلتها تطلع له بأعين جاحظة حين قال. "أنا محمد الدمنهوري.. والد فارس الدمنهوري.. جئت من فرنسا خصيصاً لأعاقبك بنفسي على كل أفعالك الحمقاء بحق ابني، وزوجته." أنهى جملته، ونظر لإحدى رجاله مغمغماً بأمر. "هيا ابدأ عملك." "اتركني.. أنا لم أفعل لهما أي شيء."

قالتها "ديمة" بصراخ وهي تتحرك بهيسترية كمحاولة منها لفك قيدها. حين رأت إحدى رجاله يحمل ماكينة حلاقة ويقترب منها قاصداً خصلات شعرها. ....................................... .. داخل شاليه فخم على بعد خطوات من فندق فارس .. يمكث به "غفران" وعائلته الصغيرة. "عهد".. تقف خلف زوجها عاقدة ذراعيها أمام صدرها. تتابعه وهو يهندم ثيابه ويمشط شعره الغزير بعناية، وتتحدث بغضب قائلة.

"ممكن أعرف أنت سايبني ورايح فين دلوقتي.. أنت قولتلي إننا جايين هنا في إجازة يا غفران." ترك الفرشاة من يده على منضدة الزينة، والتفت ينظر لها بابتسامة دافئة مغمغماً. "حبيبة قلبي عندي مشوار مهم.. هخلصه وارجعلك هوا.. وكمان انتي ناسية الأمانة.. مش لازم جدها يعرف إننا جبناها معانا." اقترب منها وحاوطها بذراعيه مقربها منه حد الالتصاق، واستند على جبهته بجبهتها وتابع بجدية مصطنعة. "وبعدين أنا عايز أعترفلك بحاجة كده."

داعبت صدره بأصابعها الصغيرة، وهمست بغنج. "أعترف." لثم جانب شفتيها بلهفة مدمدمًا. "اممم.. الحقيقة أنا جاي هنا في مأمورية مهمة وشديدة أوي يا عهودة." ضحكت بدلال بعدما تفهمت مقصده، وهمست بخجل قائلة. "ويا ترى بقى إيه هي المأمورية دي يا حضرة المقدم." غمز لها بمكر، واعتلت ملامحه ابتسامة متراقصة وسار بكف يده على جسدها حتى توقف فوق بطنها مباشرةً. مسد عليها بلمساته التي تبعثر مشاعرها.

"ناوي بأمر الله منرجعش غير وإنتي حامل مني تاني يا عهد." دست نفسها داخل حضنه، ودفنت وجهها بحنايا صدره وبحياء همست. "طيب هتروح مشوارك، ولا نبدأ المأمورية من دلوقتي؟ زاد من ضمها له مستنشق رائحتها باستمتاع وهو يقول. "هروح وأرجعلك على طول.. مش هتأخر عليكي." .................................. "إسراء".. رفعت يدها المرتجفة وطرقت على باب جناحهما الخاص. لحظات وصدع صوته المزلزل لكيانها قائلاً بصرامة. "أدخل."

تسارعت دقات قلبها بجنون. تلاحقت أنفاسها، وأصبح صدرها يعلو ويهبط بوضوح. فتحت الباب ببطء ودلفت للداخل بخطوات هادئة، وأغلقته خلفها. وقفت لبرهة مكانها وجهها مقابل الباب تحاول السيطرة على أنفاسها المتهدجة. أخذت نفس عميق واستدارت تبحث عنه بلهفة، أعين تصرخ من شدة الاشتياق. احتقن وجهها بحمرة قاتمة عندما وقعت عينيها عليه.

كان "فارس" يقف أمام المرآة عاري الصدر ممسك منشفة قطنية يجفف بها خصلات شعره الغزيرة. ومنشفة أخرى لف بها خصره بإحكام. فكما يبدو أنه فرغ للتو من غسل كامل. ازدرت لعابها بصعوبة من هيئته المثيرة التي تدفعها للإنهيار. "هتفضلي واقفة عندك كتير؟! قالها دون أن يستدير لها. بينما عينيه تتابعها بشغف عبر المرآة.

انبلجت ابتسامة ماكرة على ملامح "إسراء" الرقيقة، وسارت نحوه بدلال وغنج حتى أصبحت خلفه مباشرةً. يشعر بأنفاسها الملتهبة تلفح بشرته وهمستها ذات الحنين المتأوه. "فارس.. لازم تسمعني.. عايزة أحكيلك." تسمر بمحله حين رفعت كلتا يديها ولفتها حوله تضمه لها بكل قوتها. بينما تسللت يدها الصغيرة على عضلات بطنه السداسية حتى وصلت لصدره وربتت عليه بحركتها المعتادة جعلته يغلق عينيه بستمتاع بلمستها التي تذيب قلبه، وتفقده صوابه.

سيطر على مشاعره تجاهها بصعوبة. رسم الجمود على ملامحه، والتفت لها ببطء، وتحدث ببعض الحدة قائلاً. "احكي.. أنا سامعك." لم تبتعد هي عنه.. بل تمسكت به أكثر.. ملتفة بيدها حوله تضمه لها، واضعه رأسها على صدره. انبلجت ابتسامة على ملامحه المرتعبه حين استمعت لدقات قلبه المتسارعة بفعل تأثيرها عليه. رفعت رأسها ونظرت له نظرتها التي تسحره، وهمست ببوادر بكاء.

"والله العظيم يا فارس الوسيلة دي أنا كنت مركباها من بعد ما خلفت بنتي إسراء على طول." هبطت دمعة حارقة على وجنتيها، وتابعت بغصة مريرة. "أنا بين يوم وليلة لقيت نفسي أرملة، والدنيا ضاقت بيا أوي لدرجة إني كنت قربت أشحت اللقمة علشان آكل بنتي وأمي، وأنت قولتلي إنك كنت متابعني وعينك عليا دايماً صح يا فارس."

لف يده حولها بحناية، وقربها منه، وهو يحرك رأسه بالإيجاب، وعلامات الأسف والخزي ظاهرة على ملامحه حين داهمته ذكرى أفعاله معها. "مكنتش فايقة ولا فاكرة أروح لدكتورة وقتها تخلصني من الوسيلة دي.. لحد ما اتجوزتني." تمعنت النظر لعينيه ورفعت يديها عانقت وجهه بين كفيها. "وقتها قولت إن عمري ما هحبك، ومستحيل يكون ليا ولاد منك." رأت الغضب يتملك من ملامحه لتسرع هي وتكمل بلهفة. "بس أنت حققت المستحيل، ومش بس خلتني أحبك يا فارس."

وقفت على أطراف أناملها، وهمست أمامه شفتيه. "أنا بعشق كل حاجة فيك." ختمت جملتها بقبلات صغيرة توزعها بالتساوي بين شفتيه العلوية والسفلية. كم راقته فعلتها هذه.. وجد نفسه يضمها.. بل يعتصرها بين أضلاعه، وبهمس خطر قال. "كنتي هتروحي مني بعد ما صدقت لقيتك." اصطك على أسنانه بعنف، وترقرقت عينيه بالعبرات مكملاً بغصة يملؤها الأسى.

"لو كنت اتأخرت عليكي لحظة واحدة كانوا هيحروموني منك عمري كله يا إسراء، ودا كله بسبب تهورك واندفاعك اللي هيوقف قلبي في مرة من خوفي عليكي." "بعد الشر عليك يا حبيبي.. ربنا يجعل يومي قبل؟! منعها بشفتيه من إكمال حديثها. لف يديه حول خصرها رفعها داخل حضنه حتى لم تعد قدماها تلمس الأرض. عمق قبلته لها.. يقبلها بلهفة واشتياق عاشق مجنون.. مغرم بها غرام ليس له مثيل.

هبط بشفتيه، ودفن وجهه بعنقها يلثمه بحرارة تاركاً عليه إحدى علاماته المميزة التي تستمر بالظهور لأيام. تخدرت على أثرها جميع حواسها، لمسته لها تجعلها تغرق بأعماق بحر غرامة الذي يمنحها شعور من اللذة والإكتفاء الكامل. طرقات متتالية على باب الجناح جعلته يبتعد عنها على مضض حين استمع لصوت "هاشم" يصرخ باسمه بجملة سقط قلبها أرضاً على أثرها. "فارس.. والدتك طالبة تشوفك حالاً."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...