حالة من الذهول اعتلت ملامح "إسراء" الباكية، وتوقفت عن البكاء للحظات حين رأت "هاشم" يدخل الجناح حامل "خديجة" على يديه. بينما "إلهام" انبلجت ابتسامة عابثة على محياها الطيبة رغم أنها كانت تبكي لبكاء وحيدتها. شهقت "إيمان" بخجل، وأسرعت بخفض رأسها لتخفي ابتسامتها هي الأخرى.
أما "خديجة" كانت بعالم آخر. عالم لا يوجد به أحد سويها هي وهذا ال "هاشم" الذي حطم حصونها المنيعة، وجعل قلبها ينبض نبضة غريبة عليه كلياً، ولكنها راقت لها كثيراً. لم يتخلى "هاشم" عن ملامحه الجدية، الصارمة حتى وهو حاملها بين يديه بكل هذه اللهفة، ولكنه فشل في السيطرة على تلك الرجفة التي داهمت قلبه وجسده المتصلب عندما شعر بجسدها يتوسط صدره. "أنا هجيب الدكتورة حالاً."
قالها "هاشم" وهو يقترب من إحدى الأرائك ومال بها وضعها برفق، وسحب يديه من حولها ببطء زاد من توترها. "دكتورة ليه؟ مالك يا ديجا؟! قالتها "إسراء" بنبرتها الباكية وهي تقترب منها حتى وقفت جوارها وبدأت تربت على ظهرها بحنان بالغ. "اطمني يا حبيبتي، دي حاجة بسيطة، أنا بخير الحمد لله." أردفت بها "خديجة" بصوتها الرقيق، ومن ثم تابعت سريعاً موجهة حديثها ل "هاشم" الذي يسير نحو الخارج بخطوات مسرعة.
"مافيش داعي تجيب دكتورة، أنا هبقى كويسة يا هاشم." هكذا أوقفته "خديجة" بصوت هامس يدل على شدة إحراجها. أبتسم بتسع حين استمع لحروف اسمه من بين شفتيها خاصةً أنه هو من طلب منها تناديه باسمه بدون الألقاب. أخفى ابتسامته سريعاً، والتفت ينظر ل عينيها نظرة متفحصة وهو يقول بقلق خفي. "متأكدة يا خديجة؟! احتقن وجهها بحمرة قاتمة، وحركت رأسها له بالإيجاب متمتمة. "اممم، متأكدة."
نظرته لها، خجلها، تلك الهمسات بين حديثهما جعلت "إلهام" تتنقل بنظرها بينهما بابتسامة متسعة وتتحدث بثقة قائلة. "إحنا شكلنا هنبل الشربات قريب ولا إيه يا خديجة يا أختي." انتبه "هاشم" على حالته فتنحنح بحرج وسار للخارج بخطوات مهرولة وهو يقول. "عن إذنكم، أنا برة لو احتاجوا أي حاجة." انهى جملته واختفى عن أعينهم بغلق الباب خلفه. "ايه اللي حصل يا ديجا، وفارس فين؟! قالتها "إسراء" بصوت متحشرج بالبكاء.
تنهدت "خديجة" بتعب وهي تجيبها. "جريت وراه علشان ألحقه رجلي اتلوت وملحقتوش." هبطت "إسراء" على ركبتيها أمامها، وهمت بإمساك قدمها لتفحصها. فأسرعت "خديجة" بإبعادها. "وريني يا ديجا متتكسفيش مني ليكون رجلك حصلها حاجة." "دي حاجة بسيطة زي ما قولتلك، أنا كويسة يا حبيبتي اطمني." أردفت بها "خديجة" وهي تساعدها على النهوض، وجذبتها تجلس بجوارها وتابعت بتساؤل. "احكيلي بقي إيه اللي حصل علشان فارس يزعل منك كل الزعل ده؟!
هبطت دموع "إسراء" بغزارة على وجنتيها وبتقطع همست. "والله يا ديجا مكنتش أقصد أزعله، ولا أعرف أن كل دا هيحصل، وهو مشي وسبني هنا من غير ما يسمعني حتى؟! أطلقت "إلهام" زفرة نزقة، وبتعقل قالت. "يابنتي استهدي بالله وبلاش عياط، الراجل دلوقتي غضبه متملك منه وأي كلام وهو زهقان كده ممكن يزود المشكلة بينكم."
"سبيه يهدي ويروق وأكيد هيجيلك وتتكلموا ويسمعك يا إسراء لأن واضح أن اللي حصل في العيادة وضرب النار اللي سمعناه بيقول أن الموضوع أكبر من اللي عملتيه، وشكلك وقعتينا في خطر وأنتي مش واخده بالك، وهو لحقنا اسم الله عليه جوز بنتي." تعالت شهقات "إسراء" أكثر، وتحدثت بندم قائلة. "أنا آسفة يا ماما، متزعليش مني علشان حطيتك في الموقف ده، أنا عارفة أني غلطانة، وكنت المفروض أسمع كلامك وأصارح فارس بكل حاجة."
نظرت ل "خديجة" وتابعت بنبرة متوسلة. "كلميه خليه يجي يا ديجا علشان خاطري، هو حلف عليا يمين مخرجش من الباب، مش هعرف أخرج أروحه أنا، كلميه انتي قوليله إسراء بتقولك هي آسفة ومش هتزعلك تاني، خليه يجي علشان أراضيه لعنيه ترجع تتعبه تاني." أقتربت منها "إلهام" بكرسيها المتحرك، وسحبتها عليها برفق، وضمتها لصدرها بحنو مرددة.
"كفاية عياط يا ضنايا عينك بقت زي كاسات الدم، قولتلك جوزك هيهدي وهيجيلك، كلنا بنغلط يا بنتي، محدش معصوم من الغلط، المهم نتعلم من غلطنا ده، ومتكررهوش تاني، الصراحة بين الراجل ومراته بتريح وبتمنع المشاكل." أقتربت منها "إيمان" هي أيضاً، وربتت على كتفها بحب قائلة. "خلاص يا إسراء، كفاية عياط بقي يا حبيبتي، وصلي على الحبيب كده في قلبك." "خديجة...
"كلام ماما صح يا إسراء، اللي حصل حصل خلاص، دلوقتي بقي لازم تهدي وتفكري لما فارس يجي هتحلي المشكلة دي بينك وبينه إزاي." رفعت "إسراء" يدها وضعتها على موضع قلبها وهمست بلهفة. "يجي بس، ييجي وأنا هصالحه وأبوس قلبه وعينه كمان." لكزتها "إلهام" برفق متمتمة بخجل. "اختشي يابت، بقيتي جريئة كده إمتي؟! ضحكت "خديجة" وهي تقول بمرح. "لازم تتعلم الجرائة يا لوما، مش مدام الباد بوي فارس الدمنهوري."
ابتسمت لها "إسراء" ابتسامة باهته، وهبت واقفة وهي تقول بضعف. "أنا هريح جنب بنتي شوية." سارت نحو الفراش النائمة عليه صغيرتها تمددت بجوارها، وضمتها لحضنها تستمد منها بعض القوة، وتقبلها بحب وامتنان فلولها كانت أصبحت حاملة لقب مطلقة الآن. "ربنا يهدي سرك، ويصلحلك حالك يا إسراء يابنتي." تمتمت بها "إلهام" بسرها، ونظرت ل "خديجة" نظرة ماكرة وتحدثت بجدية مصطنعة قائلة. "طمنيني على رجلك يا خديجة يا أختي عاملة إيه دلوقتي؟
"اححم، كويسة الحمد لله." غمغمت بها "خديجة" بخجل. انبلجت ابتسامة متراقصة على ملامح "إلهام" وهي تقول. "طبعاً لازم تبقي كويسة بعد الشيلة الحلوة اللي شلها لك اسم النبي حارسة وصاينه هاشم أفندي." عضت "خديجة" على شفتيها بخجل. رمشت "إلهام" بأهدابها أكثر من مرة، وتابعت ببرائة مزيفة. "إلا متعرفيش سي الأستاذ هاشم متجوز ولا عازب يا خديجة؟! أجابتها "خديجة" بأسف، وكثير من الحماس.
"كان متجوز بس مراته وبنته وجوزها اتوفوا في حادثة، وهو عايش مع مامته وحفيدته بنوتة صغيرة عندها خمس سنين مامتها وبابها اتوفوا وهي مكملتش شهر حتى، بعد موتهم استقال من شغله، كان شغال عميد في الشرطة، وفتح شركة أمن خاصة بيه هو، ومش أي حد يطلع حرس معاه." "يا حول الله يارب، دا حكايته حكاية سي هاشم دا، بس انتي ماشاء الله عليكي، عرفتي كل ده عنه إزاي بقي ديجا؟! قالتها "إلهام" وهي تضع أصابعها أسفل ذقنها.
ابتسمت لها "خديجة" ابتسامة تظهر مدى براءتها الطفولية. "هو اللي قالي يا إلهام، وصعب عليا أوي والله، لدرجة كنت عايزة أطبطب عليه وأقوله متزعلش نفسك بس اتكسفت." ضحكت "إلهام" وهي تقول بثقة. "لا مدام كنتي عايزة تطبطبي عليه واتكسفتي يبقي هنشرب الشربات قريب بإذن الله." "فارس." اعتدل بجزعه على الفراش بجوار "مارفيل" بدهشة من تصرفه الذي لم يخطر على باله بيوم. أيعقل بعد كل ما تعرض له على يد تلك المرأة مازال يشعر بالاحتياج لها؟
أبتسم بتهكم على حاله، وهب واقفاً وهو يتأوه بصوت خفيض، وسار بخطوات مجهدة متجه نحو الخارج. ليوقفه صوت همس "مارفيل" تتحدث بضعف دون أن تفتح عينيها. "أعلم أنني لم أكن في يوم أماً صالحة لك." ازدردت ريقها بصعوبة، وتابعت. "ولكني كنت ابنة بارة بوالدتي، ولم أعصي لها أمراً مهما فعلت معي من أخطاء، وما فعلته معها أحصده منك الآن فارس." أستدار ينظر لها بملامح جامدة، وتحدث بهدوء قائلاً.
"كوني مطمئنة أنا هنا لمساعدتك، فأنتي ما زلتي وستظلين أمي، فلا داعي لحديثك هذا، أنا أعلم واجبي نحوك جيداً أمي." "إذاً فبلغ خديجة أنني مدينة لها بجزيل الشكر." همست بها بصوت اختنق بالبكاء، وأكملت وهي تفتح عينيها الذابلة بوهن، ونظرت له نظرة يملؤها الندم. "فقد أحسنت تربيتك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!