الفصل 37 | من 40 فصل

رواية غرام المغرور الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
22
كلمة
1,100
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

مرت بضعة أيام، لم يعد خلالها "فارس" لجناحه. ظل برفقة والديه، خاصةً حين تدهورت حالة "مارفيل" الصحية وإلحاحها عليه أن يظل معها. مما أجبره على إخماد نيران شوقه الشديد لساحرته مؤقتاً والمكوث بجوارها. يهتم بها وباحتياجاتها بنفسه، يطعمها بيده، يعاملها برحمة وعطف لا يخلو من المحبة. أظهر لها رحابة صدر تفاجأ بها هو شخصياً. أيقن وقتها أنه لم يكرهها لحظة واحدة برغم كل ما فعلته به. فماذا عساه أن يفعل غير ذلك؟

هي ستظل أمه، هذه الحقيقة لن يستطيع تغييرها. "مارفيل".. استهلاكها الزائد للكحول جعلها بحالة يرثى لها. فقدت الكثير من الوزن، عيناها ذابلة ووجهها أصفر وشاحب دائمًا. يظهر عليها الوهن والإرهاق بوضوح.

فقد اكتشف الأطباء المشرفون على حالتها أنها تعاني من مشاكل بالكبد بسبب تلك السموم التي كانت تتناولها، جعلت خلايا الكبد غير قادرة على تجديد نفسها، وتحتاج إلى فترات طويلة من العلاج المكثف لتطوير خلايا جديدة. وفي كل مرة تعمل فيها خلايا الكبد على ترشيح الكحول، يتم موت عدد منها. وإساءة استخدام الكحول لفترة طويلة قد تؤدي إلى أضرار جسيمة في الكبد، والتقليل من قدرة خلاياه على التجدد. وضعها أصبح يحتوي على العديد من المخاطر الصحية.

ارتعد قلب "فارس" من شدة فزعه وخوفه عليها بعدما رأى والده يبكي بكاءً مريرًا لأجلها. أيعقل أن يفقدها للأبد الآن بعدما عادت إليه برغبتها؟ ألقى كل الأفكار المفزعة خلف ظهره، وقرر الوجود معها أكبر قدر كافٍ. وصل به الأمر لعدم النوم والراحة. طيلة الوقت يجلس على مقعد بجوار فراشها ممسكًا بالمصحف الشريف، يقرأ لها ما تيسر من القرآن بقلب خاشع وأعين دامعة. لا يريد أن يغفو فيستيقظ على خبر مفزع يتمناه قلبه عدم حدوثه.

داخل جناح مارفيل.. يقف "فارس" أمام باب الحمام المغلق، بوجهه يظهر عليه القلق، ينتظر "مارفيل" التي تقوم الممرضات بمساعدتها على أخذ حمام دافئ. فُتح الباب أخيرًا وتحدثت إحدى الممرضات باحترام قائلة: "فارس باشا.. الهانم خلصت، تقدر تتفضل." ليهرول "فارس" نحوها، ودلف إلى داخل الحمام بخطى مسرعة.

كانت "مارفيل" تجلس على حافة حوض الاستحمام، حولها أكثر من فتاة يدعمونها بالمساعدة حتى لا تستسلم لتهاوي جسدها الضعيف غير المتزن وتسقط أرضًا. بابتسامة بشوشة اقترب منها وحيدها، ومال عليها واضعًا ذراعه حول ظهرها والآخر أسفل ركبتيها، وقام بحملها بين يديه بمنتهى الخفة وسار بها للخارج مغمغمًا: "امممم تفوح منك رائحة الزهور البيضاء الرائعة مارفيل."

يا الله، هيئته وهو حاملها تخطف القلوب. ضئيلة هي للغاية بين ذراعيه القويتين كطفلة صغيرة يحملها والدها ليضعها بالفراش حتى تخلد للنوم. من يراهما لن يصدق أنه يحمل والدته أبدًا. جلس بها على الفراش، ووضعها بجواره بحرص، وبدأ يجفف شعرها بحنو بمنشفة قطنية حتى انتهى، وأمسك فرشاة الشعر الخاصة بها الموضوعة على طاولة بجوار الفراش وقام بتمشيط خصلاتها الناعمة بحنان بالغ.

معاملته لها واهتمامه بها أذاب الجليد الذي يغلف قلبها. رفعت يدها بوهن وأمسكت يده، وبهمس بالكاد يُسمع قالت: "كيف لك أن تهتم لأمري بعد كل ما فعلته بك؟! نظر لها "فارس" قليلاً، نظرة شفقة ممزوجة بعتاب، وتنهد براحة وهو يجيب على سؤالها: "أنتِ أمي.. شئت أم أبيت ستظلين أمي مهما فعلتِ." أمسك يدها الهزيلة بين كفيه وتابع بهدوء وتراوٍ:

"أخبرتني زوجتي بشيء راق لي كثيرًا.. أنها دومًا تضع نفسها مكان أي شخص أخطأت بحقه لتستطيع رؤية رد فعله بنفسها. وأنا يا أمي قد وضعت نفسي مكانك، وسألت نفسي ماذا لو كنت فعلت بابني كما فعلتِ أنتِ معي؟

ماذا سيكون رد فعله تجاهي.. أو بالأحرى ما هو رد الفعل الذي أتمنى أن يفعله معي. وجدت أنني أتمنى لو يستطيع أن يمنحني السماح.. فأنا والده في الأخير. وهذا ما فعلته معك مارفيل دون معرفة أسبابك حتى. أنتِ أمي وأنا هنا بجوارك وسأظل حتى تتماثلين للشفاء." نظر لعينيها التي تفتحها بصعوبة مكملاً بنبرة راجية: "لن أطلب منكِ سوى أن تكوني بخير.. فقط كوني بخير لأجلي مارفيل.. ليس أكثر من ذلك."

حديثه الهين، اللين، وقلبه المملوء بالرحمة رأف بحالتها، جعل حالة من الطمأنينة تجتاحها، أوصلها لم تشعر بها منذ زمن. قررت بتلك اللحظة أن تبوح له بكل ما تخفيه بين ثنايا روحها. "هل تعتقد أنني أعاني من عقدة أو ما شابه حتى يصل بي الأمر أن أقتلك بني؟ حركت رأسها بالنفي، وتابعت بأسف قائلة: "سيخبرك والدك بكل تأكيد عن سبب ما فعلته بحقك، ودعني أنا أخبرك بشيء أهم.. فربما تكون نهايتي حان وقتها."

ضمها "فارس" لصدره بلهفة، وربت على ظهرها برفق مردفاً: "لا لا.. بقدرة الله أنتي ستكونين بخير.. كوني قوية مارفيل رجاءً." أستكانت داخل حضنه بتعب حين شعرت ببداية دوار شديد يداعبها، وبدأت تتحدث بغصة مريرة يملؤها الأسى والندم. "كنت واثقة أنك ستكون بخير." همست بها "مارفيل" بضعف وهي تجاهد حتى لا تفقد وعيها. رفعت يدها المرتجفة وضعتها على موضع ذلك الشق الكبير بصدره وتابعت بابتسامة رغم عبراتها التي تتساقط

على وجنتيها دون بكاء: "حتى عندما أخبروني أن القناص قد أصابك وأعلنوا خبر وفاتك.. كنت على يقين أنك ما زلت على قيد الحياة لأن قلبي لم يتوقف عن النبض يا بني."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...