خارج جناح "مارفيل".. يقف "فارس" بملامح مرتعدة بجوار والده يتابع الأطباء وهما يحاولون تهدأت والدته التي دخلت بنوبة بكاء حاد حتي أصبحت على وشك الإنهيار. كانت "مارفيل" تصرخ بكل قوتها مرددة بكلمات غير مرتبة تحمل بينها لغز يصعب حله بسهولة. "أنا صامتة لأجلك.. لأجلك فارس.. لأجلك فقط بني". تراخي جسدها، وأغلقت عينيها بضعف بعدما قامت إحدي الممرضات بحقنها بحقنة مهدئة. جعلتها تستلم لنوم عميق خلال ثواني معدودة.
زفر "فارس" براحة، ونظر لوالده الذي ينظر لزوجته بلهفة وأعين تترقرق بها العبرات. وتحدث بهدوء قائلاً: "بابا ممكن أتكلم مع حضرتك شوية". "عايز تتكلم في ايه يا فارس؟! " قالها "محمد" وعينيه ثابتة على "مارفيل" يرمقها بنظرات مختلطة بين العشق والاشتياق، والعتاب. سار "فارس" نحو أقرب مقعد جلس عليه واضعاً رأسه بين كفيه. وتحدث بتعب قائلاً: "في حاجات كتير أنا مش فاهمها، وأسئلة كتير مش لاقي ليها أجوبة".
أخذ "محمد" نفس عميق، التفت ببطء ينظر له مغمغماً. "هجاوبك على كل أسئلتك، وهفهمك كل حاجة يا فارس.. بس ممكن تسبيني مع مارفيل شوية لوحدنا". صمت لبرهه وتابع وهو يصطك على أسنانه بغيظ. "من ساعة ما رجعت من برة وأنت لازق معانا هنا.. انت مش المفروض عريس وفي شهر العسل؟! رفع "فارس" رأسه ونظر له بدهشة حين تابع بنبرة ساخرة. "حد يسيب عروسته ويجي يقد جنب أمه يا عريييسس".
رمقه بنظرة ماكرة، ولاعب حاجبيه له بحركة أذهلت "فارس" وأكمل بأسف. "شكلك كده مرفعتش راسنا ولا أيه؟! "لاااااااا.. لااااااا وكمان لااااااااا بقي.. دا أنا رفعت راسكم للسما يا أبو فارس". قالها "فارس" بفخر، وهو ينهض من مكانه، واقترب من والده وضع يده حول كتفه وتابع بحاجب مرفوع. "دا أنا فارس الدمنهوري.. يعني مينفعش تشك في قدراتي يا والدي". مال علي أذنه مكملاً بتساؤل.
"احكيلي بقي عملت أيه في مارفيل يا أبو فارس يا شقي خلتها كرهت الصنف كله، وعايزة تخترع لنا مبيد رجالي يمحينا كلنا؟! رفع "محمد" حاجبيه ونظر له بشرار، وتحدث بغضب مصطنع. "ما أنا قولتلك هتزفت أحكيلك بس مش دلوقتي.. خليني أقعد مع حبيبتي شوية قبل ما تفوق وتطردني زي كل مرة". أنهى حديثه، ودفعه للخارج ببعض العنف. لتتعالي ضحكات "فارس" وتحدث وهو يغمز له بشقاوة. "الله عليك يا أبو الفوارس يا حبيب".
توقف "محمد" عن دفعه، وتنهد باشتياق وهو يقول بجدية. "آه حبيب، ورجعت مصر بعد كل السنين دي علشان أنا بلدي اللي فيها". أشار بيده على الغرفة النائمة بها "مارفيل" وتابع بعشق. "أمك يا فارس.. الست الوحيدة اللي قلبي عشقها.. لا قبلها ولا هيكون في بعدها.. برغم كل حاجة واي حاجة هتفضل مارفيل هي حبي الوحيد". نفخ بضيق، وتابع بنفاذ صبر. "ويله اتفضل بقي.. انت ناسي أن غفران عاملك حفلة عنده انهارده في الشاليه، ولا أيه؟!
ضرب "فارس" بكف يده على جبهته، وتحدث بأسف. "أيوه فعلاً.. إزاي نسيت دا مأكد عليا، وعازم حضرتك كمان". "محمد" بهدوء. "اعتذر بالنيابة عني.. أنا هفضل مع مارفيل، وأنت إياك المح طيفك هنا الليلة.. خلص حفلتك، وخد مراتك وأطلع على اليخت أنا كلمت العمال وقالولي انه وصل المينا في الغردقة.. دا هدية جوازك مني.. أنا مرتضتش اسميه.. شوف هتسميه أيه أنت بمعرفتك". "شكراً على كل حاجة يا بابا.. لولاك بعد ربنا كنت خسرت مراتي".
غمغم بها "فارس" وهو يقطع المسافة بينهما وعانقه بحب، مقبلاً كتفه مرات متكررة. "ربنا ميحرمنيش منك أبداً". تسمر "محمد" محله لوهلة لم يبدله عناقه. أطبق جفنيه بقوة يكبح عبرات الندم التي تجمعت بعينيه، ومن ثم رفع يده وربت على ظهره متمتماً. "ولا يحرمني منك أبداً يا ابني". ابتعد عنه قليلاً، ورفع يده ربت على وجنتيه بحنو، وتابع بابتسامة.
"مش عايزك تشيل هم أي حاجة بعد كده.. أنا عقبت ديمة على كل اللي عملته، ورمتها في مصحة نفسية، والدكتورة اللي اسمها سلمي دي كانت متهدده بابنها، البنت اللي معها كانت تبع ديمة، وخدت نصيبها من العقاب.. اطمن". حرك "فارس" رأسه بالنفي، وتحدث بأسف قائلاً. "مش هعرف اطمن طول ما أبو ديمة شريك معانا، وواثق أنه مش هيسكت على اللي حصل في بنته.. علشان كده أنا هفضل واخد احتياطات كافية لحد ما أفض الشراكة دي في أقرب وقت".
"اعمل اللي يريحك، وخليك واثق إني هبقي في ضهرك من هنا ورايح". أردف بها "محمد" بابتسامة يخفي بها لمعة الدموع بعينيه. مال "فارس" عليه، وطبع قبلة مطولة فوق جبهته. وهو يقول. "وأنا دايماً هكون سندك وعزوتك يا أبو فارس". أنهى جملته و سار نحو الخارج مكملاً باستعجال. "هسيبك أنا بقي مع حبيبتك، وهروح اطمن على اليخت بنفسي، والحق أجهز للحفلة، ولو في أي حاجة كلمني هجيلك على طول".
انتظر "محمد" حتى تأكد من ذهاب "فارس" وأغلق الباب خلفه، وهرول نحو غرفة زوجته بخطي مرتجفة، وقلب ينبض بجنون من شدة عشقه، واشتياقه، وخوفه أيضاً. داخل مكان مخصص للهو الأطفال. يقف "هاشم" ورجال الحرس التابعين له يقومون بحراسة كلاً من. "إسراء، إلهام، خديجة، إيمان، عهد، والصغار الذين يلهون بمرح وفرحة غامرة. تجلس "إسراء". "مالك حبيبي سيب إسراء تلعب مع مكة وديجا، وألعب أنت مع زين بالكورة".
قالتها "عهد" بنبرة صارمة لا تخلو من الحنان. أجابها "مالك" الذي يمسك بيد "إسراء" يمنعها من اللهو برفقة أحد غيره. "يا عهوده هي صغيرة مش هتعرف تلعب لوحدها وممكن تقع.. أنا باخد بالي منها". حركت "عهد" رأسها بيأس من تصرفات الصغير التي تشبه والده إلى حد التطابق، ونظرت لـ "إسراء" الشاردة، وتحدثت بمزاح. "خلاص كده اطمنو بنتكم بقت في حماية الباشا مالك المصري".
لكزت "إلهام" ابنتها حتى تنتبه للحديث، وابتسمت لـ "عهد" وتحدثت بفضولها المعتاد. "بس انتي شكلك اتجوزتي بدري أوي يا عهد يا بنتي". نظرت لـ "مالك" وتابعت قائلة. "دا اسم الله حارسة وصاينه مالك قالي عنده تمن سنين، وانتي شكلك من سن بنتي إسراء مكملتيش الـ 22 سنة لسه!! أجابتها "عهد" بصوت خافت حتى لا يصل لسمع الصغار. "غفران جوزي كان متجوز قبل ما يتجوزني، ومالك ومكة ولاد غفران من مراته الأولى".
لمحت الدهشة على وجوههم فاكملت بصدق قائلة. "بس أنا بعتبرهم زي ابني زين بالظبط والله يا أنطي إلهام". "إلهام". "صادقة يا قلب أنطك.. دا أنا فكرتك أمهم والله يابنتي من حنيتك ولهفتك وخوفك عليهم". تنهدت بصوت عالٍ، وتنقلت بنظرها بين "خديجة" التي تختلس النظر لـ "هاشم" من حين لآخر بخجل، وبين "إسراء" التي تبتسم ابتسامة حزينة، و"إيمان" التي تضم الصغير "محمود" لحضنها، وتقوم بأرضاعه بابتسامة حانية. وتحدثت بتعقل قائلة.
"سبحان الله كل واحد بياخد نصيبه كامل من الفرح وحتي الجرح.. علشان كده بنلاقي دايماً ربنا رؤوف بعباده وبيجعل بعد الصبر جبر". انتبهوا جميعهن لحديثها. خاصةً حين قالت "إيمان" برضا تام بقضاء الله وقدره. "عندك حق يا خالتي.. أنا أهو ربنا أراد إني مخلفش.. بس جبر خاطري ورزقني بابني محمود.. ابن قلبي قبل عيني". ابتسمت "عهد" ونظرت باتجاه الصغار مدمدمة.
"وأنا اتجوزت واحد كان متجوز قبلي ومعاه طفلين ربنا جعلهم عايلة ليا بعد ما كنت عايزة انتحر من الوحدة". قالت "خديجة" بفخر.
"وأنا رفضت الجواز وفضلت ابني "فارس" عن كل رجالة الدنيا، وبقيت زي ما الناس بتقول عانس.. بس دا كله مهمنيش.. كفاية أني ربيت وكبرت وزرعت زرعة صالحة على هيئة طفل بقي أحسن راجل في الدنيا، وبحصد من تربيتي ليه دلوقتي خير وفير ملوش نهاية، ولسه بمشيئة الله واثقة إن ربنا شالي خير أكتر، وعلشان كده لو رجع بيا الزمن تاني.. هختار فارس تاني من غير تفكير حتى". نظروا لـ "إسراء" يحثوها على مشاركتهن في الحديث.
فابتسمت لهن وتحدثت بتنهيدة حزينة قائلة. "وأنا اتجوزت بعد ما خلصت دبلوم من شاب محترم وأصيل حبني أوي وكنت عايشة حياة بسيطة، وهادية لحد ما ربنا اختاره وبقيت في يوم وليلة أرملة وبنتي يتيمة.. حسيت أن خلاص الدنيا وقفت وحياتي أدمرت". تورّدت وجنتيها بحمرة الخجل ونظرت لوالدتها وتابعت بامتنان.
"بس بعد ما ربنا رزقني بحب أبو الفوارس عرفت أن كلامك يا ماما اللي كنتي بتقوليه ليا كان كله صح، وفعلاً بعد الصبر جبر، وأنا ربنا جبر قلبي أنا وبنتي وعوضني بزوج شالني جوه عينه وبيعامل بنتي كأنها بنته من صلبه، وهي كمان بتحبه أكتر مني". أمسكت "خديجة" وجنتي "إلهام" بين أصابعها، وتحدثت بمرح قائلة. "وانتي يا لوما يا شقيه احكلنا يله.. شكلك عندك قصة كبيرة". ضحكت "إلهام" ضحكتها الهادئة التي تدل على طيبتها الزائدة مرددة.
"بقي أنا شقية يا خديجة يا أختي". أخذت نفس عميق، وأكملت بفرحة ظهرت على محياها. "هحكلكم.. أنا بحب أوي اتكلم عن إبراهيم أبو إسراء الله يرحمه". صمتت لبرهه، وأغمضت عينيها ببطء تسترجع تلك الذكريات التي لم تفارقها للحظة واحدة. إزدادت ابتسامتها اتساع وتابعت.
"كنت عيلة بنت خمس سنين لما أمي وأبويا ماتوا في حادثة، وخدني عمي الصغير علشان يربيني.. كان لسه متجوز جديد ومراته حامل وعلى وش ولادة.. مش هنكر هي كانت بتعاملني ساعات كويس.. جريت السنين وبقي عند عمي ولد وبنتين اعتبرتهم أخواتي الصغيرين بعد ما عمي اتوفى.. بقيت أنا اللي شايلة البيت كله من غسيل وطبيخ وتنضيف، وكل ما يجيلي عريس يطلب أيدي مرات عمي ترفض.. لحد ما اتجوزوا بناتها وابنها سافر كذا سنة الخليج بعد ما خلص جيش، وفضلت أنا معها لحد ما قربت على الـ 35 سنة بخدمها كأنها أمي بالظبط".
صمتت قليلاً تلتقط أنفاسها، وتكبح عبراتها التي تجمعت بعينيها، وتابعت. "رجع ابنها معاه قرشين كويسين اشتري بيهم شقة وخدني أنا وأمه فيها، وفتح محل بقالة والدنيا بقت مستورة معاه دخل في يوم على أمه وقالها أنا قررت اتجوز.. أمه فرحت أوي وبقت تزغرط وتقوله من بكرة هجبلك دستة عرايس تختار منهم اللي تعجبك.. بس هو قالها لا متتعبيش نفسك أنا عروستي موجودة". هبطت عبراتها بغزارة على وجنتيها رغم ابتسامتها التي لم تبرح محياها.
لتسرع "إسراء" التي بدأت تبكي لبكائها بمسح عبراتها بلهفة وحنان بالغ. وأكملت "إلهام" بصوت مرتجف. "أنا هتجوز إلهام بنت عمي.. أنا أولى بيها يا أمه.. بقت تصرخ بعد ما كانت بتزغرط، وتقوله هتاخد واحدة أكبر منك بخمس سنين.. عايز تعمل فيا وفي نفسك كده ليه.. دا انت ابني الوحيد وبتمني أشوف ولادك قبل ما أموت.. تقوم تتجوز واحدة عانس قطر الجواز والخلفة فتوها".
ابتلعت غصة مريرة، وسيطرت على بكائها، ونظرت لوحيدتها بحب وفرحة غمرت ملامحها مكملة. "بس إبراهيم كان راجل شهم وجدع مسمعش ولا كلمة من اللي قالتهم أمه، وصمم يتجوزني.. سترني وكان ونعمة الزوج والابن البار خصوصاً ان أمه ورتنا الويل أول ما اتجوزني لحد ما حملت في إسراء بنت عمري، وهي رجعت تعاملنا كويس تاني لخاطرك يا ضنايا". "طيب وأبو إسراء توفي إزاي يا لوما؟! قالتها "خديجة" بصعوبة من بين شهقاتها.
أجابتها "إسراء" ببوادر بكاء قائلة. "هقولك أنا يا ديجا.. أنا فاكرة اللي حصل كأنه إمبارح.. كان عندي وقتها 12 سنة، وبابا حبيبي الله يرحمه تعب فجأة.. ماما بقت تلف بيه على الدكاترة، اللي اكتشفه أن عنده كانسر في مرحلة متأخرة، وبدأت رحلة علاج مكثفة خدت كل اللي كنا نملكه". أمسكت يد والدتها وقبلتها وتابعت بفخر.
"امي دي أعظم أم وزوجة في الدنيا فضلت شايلة أبويا بحب وخوف في مرضه هو وجدتي كمان اللي تعبت من حزنها على أبويا، وعمرها ما قصرت معاهم أبداً لحد ما ربنا استرد أمانته". "اللي عملته معاهم قعدلي فيكي يا بنتي، واديكي شيلاني في تعبي ومستحملاني وأنتي عارفة أني مش هعرف أقف على رجلي تاني". شهقت "إسراء" بصوت خفيض، وتحدثت بتوتر قائلة.
"أيه اللي بتقوليه دا بس يا ماما،، بإذن الله أنتي هتخفي وهترجعي أحسن من الأول كمان، والعملية اللي المفروض تعمليها الدكتور نصحنا أننا نستنى شوية علشان في علاج لازم تاخديه قبل ما تعمليها". ابتسمت لها "إلهام" وتحدثت بتروي قائلة. "إسراء يا بنتي مافيش داعي تكدبي عليا يا حبيبتي.. أنا وقعت الدكتورة اللي كانت متابعة حالتي في مصر قبل ما أجي هنا وقالتلي الحقيقة، وأنا الحمد لله راضية بكل اللي يجبه ربنا، وبحمده وبشكر فضله كمان".
بكت "إسراء" وارتمت داخل حضنها تضمها بقوة وبثقة تردد. "هتخفي.. بأمر الله تعالي هتخفي يا ماما، والله ربنا كريم وهيقومك بالسلامة إن شاء الله يا حبيبتي". ربتت "إلهام" على ظهرها بحنان، وتنقلت بنظرها بين "خديجة، عهد، وإيمان" الذين انفجروا في نوبة بكاء حاد. وتحدثت بغضب مصطنع قائلة. "أيه دا أنتو قلبتوها عياط ونكد ليه كده.. مش المفروض أنكم معزومين على حفلة انهارده، ولا أنتي غيرتي رأيك يا ست عهودة".
مسحت "عهد" دموعها بظهر يديها بحركة طفولية، وتحدثت بتقطع قائلة. "لا طبعاً يا أنطي.. دا أنا مجهزة حفلة لاسراء تجنن، هتعجبكم أوي والله، وكنت هستأذن حالاً علشان أروح اطمن ان كل حاجة تمام، وهنتظركم تشرفوني انهارده الساعة 8". نظرت "خديجة" بساعة يدها وتحدثت هي الأخرى بتقطع من بين شهقاتها. "طيب يله علشان نلحق نجهز.. الساعة داخلة على 6". "ساحرة الفارس". هذا هو اسم اليخت الذي دونه "فارس" على جوانب اليخت بنفسه.
وبعدما أنتهي وقف على متنه يتابع الديزاينر الذين يقومون بتزين اليخت بأروع وأفضل أنواع الورود، والكثير من البلونات الطائرة بمختلف ألوانها وأشكالها جميعهم مدون عليهم اسم زوجته "إسراء". "أيه رأيك يا غفران". قالها "فارس" وهو يشير بعينيه على المكان من حوله. "ولا أحلى من كده يا فارس.. ربنا يبارك فيه ويكفيك شره يا صاحبي". أردف بها "غفران" وهو يربت على كتفه.
ومن ثم دفعه برفق أمامه وسار على عجل لداخل ممر طويل داخل اليخت يؤدي إلى الغرف مكملاً. "ويله أبوس أيدك أجهز علشان تحصلني ومتتأخرش عليا، وأنا هسابقك على الشاليه أستقبل الضيوف.. انت عارف إني عزمت رئيس الوزراء وكمان حمايا سيادة الوزير كلهم على شرف سيادتك". "اطمن مش هتأخر عليك يا أبو مالك". غمغم بها "فارس" وهو يخلع كنزته، ويختفي داخل إحدى الغرف المجهزة ببراعة من كافة شيء لاستقبال ساحرته. بعد مرور أقل من ساعتين.
كان يخطو "فارس" بجوار زوجته "إسراء" التي ترتدي فستان بغاية الرقة من اللون الفيروزي بحزام رفيع من اللون الكافيه حول خصرها، وحجاب من نفس لون الحزام. تسير بتوتر بين زوجها وبين "خديجة" التي ترتدي هي الأخرى فستان من اللون الأسود. شعرها مصفف بعناية بهيئة تعكس جمالها، وبرائتها. لداخل حديقة الشاليه الخاص بـ "غفران" الذي تم تجهيزه على أعلى مستوى. "نورت يا فارس باشا".
قالها "عباس" والد "ديمة" الذي هرول نحو "فارس" مسرعاً فور رؤيته. توجه بنظره لـ "إسراء" وابتسم لها ابتسامة مزيفة لا تخلو من الإعجاب، ومد يده لها وهو يقول. "أهلاً يا هانم؟! قبل أن يكمل جملته كان وقف "فارس" أمام زوجته حتى أخفاها خلف ظهره بحماية عن أعين "عباس". ونظر لها من فوق كتفه مغمغماً. "ادخلي وأنا هحصلك". دون النطق بحرف. سارت "إسراء" للداخل بجوارها والدتها بكرسيها المتحرك، وخديجة، وإيمان.
أستقبلتهم "عهد" بابتسامة بشوشة. بينما اقترب "غفران" ووقف برفقة "فارس"، و"عباس" الواقفين أمام بعضهما كالذئاب التي تستعد للقتال. يرمقان بعضهما بنظرات حارقة، وإنذارات بالتهديد. "خير يا معالي الوزير؟! في حاجة سيادتك ولا أيه؟! قالها "غفران" وهو ينضم لصف "فارس" برسالة واضحة وصريحة انه لن ولن يسمح له أو لغيره أن يمس صديقه بسوء. ضحك "عباس" بقوة ضحكة مستهزءة، وتحدث بوعيد قائلاً.
"حاجات يا سيادة المقدم مش حاجة واحدة، وكل شيء في وقته هياخد حسابه". توجهه بنظره تجاه الطاولة الجالسة عليها زوجة فارس وتابع. "الحساب يجمع يا فارس". نظر له "فارس" لدقيقة كاملة حاول خلالها السيطرة على الفزع الذي زحف لقلبه، وأخرج علبة السجائر سحب منها سيجار أشعله، وسحب منه نفس زفره على مهل، وتحدث بهدوء يثير القلق. "معالي الوزير أوعى يكون مركزك مقوي قلبك، وتفكر إنك تقدر تهدد فارس الدمنهوري!! مال على أذنه وتابع.
"مركزك دا أنا ممكن أدفع تمنه، وأطيرك منه خالص". بعد عنه وربت على كتفه بعنف مكملاً وهو يسير بجوار "غفران" و"هاشم" من أمامه بهنجعية. "منورنا يا عباس". بينما "إسراء".. تجلس على الطاولة المستديرة بجوار خديجة ووالدتها. تجمعوا بحفل خاص نظمه "غفران"، وزوجته احتفالاً بزواج صديقه "فارس". تتابع زوجها الذي يمثل انشغاله عنها بالحديث مع "هاشم وغفران". عينيها حزينة برغم وضعها لبعض من لمسات قليلة من مساحيق التجميل.
تجاهد لكبح عبراتها حتى لا تخونها وتهبط على وجنتيها بغزارة من شدة اشتياقها له. أكثر من أسبوع لم تنعم بلمسة من يده. لم يضمها بحماية بين أضلاعه. رباه كم تشتاق لرائحته وأنفاسه. خفضت رأسها سريعاً تخفي تلك الدمعة الحارقة التي وقفت على أطراف أهدابها. بينما ذلك العاشق الذي يمنعه غروره عنها يختلس النظر لها من وقت لآخر.
كور قبضة يده بعنف حين شعر بقلبه الذي ينبض بجنون وإلحاح شديد يأمره أن يخطفها بين حنايا صدره ويضمها بعناق محموم حتى يطفئ نار شوقه لها. داهمته رعشة لذيذة حين تذكر لحظاتهم سوياً التي باتت أروع شيء يشعر به بحياته حين تكون تلك الساحرة خاضعة لفيض وبركان غرامة الجارف. أستغل أنها لم تراه وبدأ يتأملها بشغف حتى توقف بنظرة على شفتيها. يود لو يلتقطهما بين شفتيه. أقسم بداخله لن يتركها حتى يدميها.
تعالت وتيرة أنفاسه، وأطلق آهة حارة، وهب واقفًا وقد وصل اشتياقه ورغبته بها لزروته فقرر الهروب من المكان بأكمله حتى لا يضعف ويسحبها خلفه الآن نحو جناحهما ويجتاحها فورًا، مفرغًا فيها و عليها جام شوقه و ضيقه و يأسه. "عن إذنكم هعمل مكالمة مهمة". صوت "خديجة" التي تحدثت بنبرة راجية جعلته يتسمر مكانه لبرهة حين قالت. "أرقص مع مراتك يا فارس.. الحفلة دي معمولة علشانكم".
أسرعت "إسراء" برفع وجهها ونظرت له بلهفة، وقلب تسارعت نبضاتة. تتمني بداخلها أن لا يذهب.. أن يستمع لحديث خديجة ويرأف بحالها ويقترب لو قليلاً منها. رسم ابتسامة زائفة على محياه الوسيم رغم أن قلبه يتراقص فرحاً وكم كان ممتن لطلب تلك الخديجة الرقيقة. استدار حول الطاولة متجها نحو زوجته بخطوات هادئة للحظة شعر أنه يسير على صوت إيقاع نبضات قلبهما معاً. دوي صوت التصفيق الحار فور وقوفه أمامها ومد كف يده لها.
حبست أنفاسها، ومدت يدها المرتجفة وضعتها بين راحة يديه لينتفض قلبها انتفاضة جعلته أوشك على مغادرة صدرها من عنف دقاته. هبت واقفه وسارت بجواره بخطي مرتجفة. لتبدأ رقصتها برفقته للمرة الأولى أمام أعين الجميع المتطلعة لهما بابتسامة حالمة. صدع صوت نغمات الموسيقى الناعمة على كلمات أغنية كانت تصفها كثيراً. وكأنها كتبت خصيصاً لهما. ممكن تخلينى فى حضنك.. محتاجة إن أسمع صوت قلبك.. نبضة بيحيينى نبضة بيحيينى..
مد يده يطوق خصرها بذراعيه مقربها من صدره حتى أصبحت داخل حضنه أخيراً. لتقترب هي أكثر والتصقت به بعدما شعرت بكل ذرة بها تنجذب إليه. بينما هو يدور بعينيه بكل مكان حتى يتفادى النظر لها. دفنت وجهها بمقدمة صدره الظاهرة من أوائل أزرار قميصه المفتوحة، وهمست بشفتيها متعمدة ملامسة بشرته بكلمة واحدة. "واحشتني". فعلتها هذه وأنفاسها الساخنة التي تدغدغ حواسه أطارت اللب من عقله، ودون إرادته ضغط على خصرها بقليل من العنف المحبب.
ممكن تخلينى فى حضنك.. محتاجة إن أسمع صوت قلبك.. نبضة بيحيينى نبضة بيحيينى.. أصل أنا لما بكون متشافة بتوتر اصل أنا خوافةفى حضنك إحمينى فى حضنك إحمينىممكن تخلينى فى حضنكمحتاجة ان أسمع صوت قلبكنبضة بيحيينى نبضة بيحيينىأصل انا لما بكون متشافهبتوتر اصل أنا خوافةفى حضنك إحمينى فى حضنك إحمينى والساعة اللى بعيشها فى قربك 60 دقيقة حياة والوقت الضايع طول بعدى من عمرى أنا مش حسباه
رفعت رأسها ونظرت له حين شعرت به يطوقها بذراعيه باشتياق، وهمست بلهفة. "لسه زعلان مني يا فارس؟! وأخيراً مال برأسه عليها ونظر لعينيها، وملامحها بفتنان، وهمس بتساؤل قائلاً. "قولتيلي أني وحشتك؟! أحتقن وجهها بحمرة الخجل، وحركت رأسها بالإيجاب. ليميل هو على أذنها أكثر حتى أصبحت أنفاسه الساخنة تلفح بشرتها، وتابع بمكر. "هاخدك و نروح حالاً، وعايزك توريني أنا وحشتك اد أيه، وأنا هوريكي أنتي وحشاني اد ايه".
ختم جملته ولثم وجنتيها بقبلة عميقة ببطء دفعها للانهيار، وتهاوت قدميها لتسرع بلف ذراعيها حول عنقه تستمد منه القوة على الوقوف، دفنت وجهها داخل صدره، وتحدثت بنبرة راجية بهمس بالكاد يسمع قائله. "طيب يله نرجع أوضتنا يا أبو الفوارس".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!