"فارس".. خلع كنزته السوداء وهو يسير نحو حمام الجناح، ولكن تلك الطرقات العنيفة وصوت تحطيم المرآة جعل قلبه ينتفض بخوف على ساحرته. شهقت "خديجة" الواقفة داخل غرفة ملابسه تجلب له ثيابًا نظيفة، وركضت نحو الخارج مردفة بفزع: "إيه صوت الخبط والتكسير دا يا فارس؟! "ديجا خرجي كل اللي في الأوضة حالاً".. قالها "فارس" بنبرته الصارمة. لتسرع "خديجة" نحو الطبيبة ومساعدتها، ودفعتهمًا نحو الخارج بلطف: "تعالوا معايا بره شوية". "فارس"
بنبرة هادئة: "مدخليش حد عليا دلوقتي خالص يا ديجا". تنهدت "خديجة" بحزن على حالته، وتحدثت قبل أن تغلق الباب خلفها قائلة: "حاضر يا حبيبي.. لو احتجت حاجة أنا واقفة قدام الباب.. نادي عليا، وخد بالك غفران صاحبك جاي في الطريق". أنهت جملتها، وأغلقت الباب خلفها. لتنصدم بـ "ديما" التي أوقفت عربة الطعام، وركضت عليها. ارتمت داخل حضنها تبكي باصطناع مدمدمة: "ماله فارس يا ديجا.. إيه اللي حصله". ربتت "خديجة" على ظهرها،
وهي تقول ببعض الضيق: "أهدي يا ديما.. فارس كويس". ابتعدت عنها "ديما" واتجهت نحو الباب وهمت بفتحه مرددة: "أنا عايزة أشوفه، وأطمن عليه بنفسي". لتوقفها يد "خديجة" التي تحدثت بصرامة قائلة: "فارس مش عايز يشوف أي حد دلوقتي.. حتى أنا خرجني من عنده". رفعت "ديما" حاجبيها بتعجب، وعقدت ذراعيها أمام صدرها، وأشارت بعينيها على عربة الطعام وتحدثت بابتسامة مصطنعة: "طيب خليني أدخله الأكل وأخرج على طول". حركت "خديجة"
رأسها بالنفي قائلة: "سيبي الأكل هنا، وأنا هبقى أدخله لما هو يطلبه". "عزيزتي ديمه".. كان هذا صوت "مارفيل". شهقت "ديما" بتفاجؤ زائف، وركضت نحوها واحتضنتها بعدها: "مارفيل اشتقت لكِ كثيرًا". "وأنا أيضًا صغيرتي". جذبتها "مارفيل" لداخل غرفتها، وأغلقت الباب خلفهما بعدما رمقت "خديجة" بنظرة ساخرة لم تبالي لها "خديجة"، بل بادلتها نظرتها هذه بابتسامة أثارت القلق بقلبها.
أما داخل جناح "فارس".. هرول "فارس" بحذر نحو لوحة الأرقام الخفية بجوار المرآة، ووضع إحدى أصابعه على الجزء الخاص ببصمة اليد. ليفتح الباب الحاجز بينه وبين زوجته. تقف "إسراء" بوجه غاضب بشدة، تتنفس بصوت عالٍ للغاية يصل لسمع ذلك العاشق الذي يرسم على ملامحه الجمود رغم أن قلبه يتراقص فرحًا بنجاح خطته التي أملها على "إلهام" بأن إحدى الممرضات ستقوم بمساعدته على الاستحمام ليرى رد فعل ساحرته.
كبح ابتسامته بصعوبة حين شعر بالنيران التي تنبعث منها، وقد بدأت تستشيط هي غيظًا أكثر حين وجدته يقف أمامها يرتدي سروالًا من القطن لونه رمادي، عاري الصدر تمامًا. رفع هو يده، وضعها على عينه اليسرى، ونظر لها بعينه اليمنى من منبت شعرها حتى قدميها بتفحص، حتى لمح يدها النازفة، والزجاج المحطم المتناثر أرضًا حولها.
بلمح البصر كان قطع المسافة بينهما، ولف يده حول خصرها، رفعها عن الأرض داخل حضنه، ومر بها من فوق الزجاج لداخل الجناح. شهقت هي بصوت خفيض، وأسرعت بمحاوطة عنقه، والتمسك به مرددة بلهفة: "حاسب فيه إزاز ليعور رجلك". "شوفته.. ما أنا بقيت أشوف بعيني اليمين شوية.. وبعدين أنتي خايفة عليا مثلاً؟! ".. همس بها داخل أذنها بصوته الذي أصبح يبعثر مشاعرها. سار بها نحو أقرب أريكة، ومال قليلاً ليضعها عليها.
لكنها تمسكت به بكلتا يدها، وبدأت تبكي بصمت. تمسكها به هكذا جعل نبضات قلبه تصل لعنان السماء، ولكنه مصطنع البرود والجمود معها. ليشعر هو بسائل دافئ على كتفه يؤكد له أن يدها بالفعل قد جُرحت. "ممكن أفهم سبب جنانك دا إيه عشان تكسري المراية، وتعوري إيدك بالشكل دا؟! ".. قالها وهو يمسك يدها ويضغط على جرحها بقبضة يده ليوقف تدفق الدماء. تأوهت هي بصوت خفيض، ورفعت يدها الأخرى وضعتها على لحيته، وهمست بصوت باكي قائلة:
"أنا عارفة إن اللي عملته غلط كبير، ويعتبر خيانة كمان إني أنطق اسم واحد تاني بعد ما بقيت على ذمتك، ومتأكدة إنها حاجة صعبة ومتتغفرش، وأنك اتحكمت في غضبك مني وقتها ومرضتش تكسر عضمي رغم إن دا حقك". صمتت لبرهة، وأجهشت بالبكاء بنحيب أكبر. ليستجديها قلبه أن تكمل حديثها الذي يطفئ نيران غيرته وغضبه منها. ابتلعت ريقها بتوتر، وتابعت بصوت متقطع يدل على شدة خجلها:
"بعترف إن حقك تزعل مني، وبوعدك إني مش هكررها تاني عشان أنا حطيت نفسي مكانك، وتخيلت لو أنت اللي نطقت باسم واحدة تانية وأنا في حضنك مكنتش هسمي عليك الصراحة". اعتدلت داخل حضنه، وتعلقت بكلتا يدها بعنقه جذبته عليها حتى تلامست جبهتهما، وأكملت من أسفل أسنانها: "فحط أنت نفسك مكاني، وقولي أعمل إيه لما أعرف إن في هبابة هتحميك، وزفتة هتاكل الأكل اللي أنا عملتهولك بأيدي؟! ساحرته تغار عليه يا الله.. هل يمكن لأحد تخيل سعادته الآن.
انبلجت ابتسامة ماكرة على ملامحه الوسيمة، وقد عاد "فارس" بجرأته التي لا تستطيع أن تنكر أنها اشتاقتها كثيرًا، وسار بأنفه على وجهها حتى وصل لأذنها، وهمس بأنفاس ساخنة تلفح بشرتها تجبرها على غلق عينيها بستمتاع من قربه المعصف والمهلك لأنوثتها: "هقولك تعملي إيه يا ساحرة". دفن وجهه بعنقها يستنشق عبيرها بعمق، وتابع بخبث: "أنا بين إيديك أهو.. أكِليني". لثم كتفها مرات متتالية مكملاً بجملة جعلتها تنتفض بين يديه، وتدفن وجهها
بحنايا صدره بخجل حين قال: "وبعدين نشوف حكاية الشاور دي سوا". "إسراء".. رغم أنها كانت متزوجة من قبل، ومرت بلحظات حميمة برفقة زوجها السابق الذي كان يحبها وكانت هي تبادله نفس المشاعر. إلا أن هذا "الفارس" يجعلها تذوب بين يديه كقطعة الثلج حين تسقط بين نيران عشقه التي تجعلها تكاد أن تفقد وعيها من شدة خجلها.
لا تنكر أنها أحبت زوجها، ولكنها الآن سقطت داخل دوامة تسحبها لقاع محيط من العشق الخالص الذي يتغلل جميع حواسها دون إعطائها حرية الاختيار. تحيا حالة خاصة من العشق لم تصادفها يومًا بحياتها. طريقة مغرورها معها المتمكنة والخبيرة في معاملة النساء تجبرها على الاستسلام الكامل له برضى تام. هي الآن أصبحت مجبرة وليست مخيرة أمام بركان عشقه، وأيقنت أن معه كل الحق، والحب بل العشق سيكون مقابل السلام.
"فارس".. بعدما اطمئن على جرح يد زوجته، وقام بتضميده بنفسه. يسرق لحظات من الزمن داخل حضنها. يهمس لها بالكثير من كلمات الغزل من بين سيل قبلاته الرقيقة على كافة وجهها، وخاصةً وجنتيها المتوهجة بحمرة الخجل التي تثير جنونه بها. "بعشقك يا إسراء يا نقطة ضعفي".. قالها بصوته المدمر لتنهار جميع حصونها، وتتكور داخل حضنه تختبئ منه فيه. فهمساته وقبلاته جعلتها تائهة بين حنايا صدره.
تجاهد للسيطرة على ارتجاف جسدها بين يديه، ولكنها فشلت فشلًا ذريعًا. "فارس.. أرجوك اسمعني.. عندي كلام كتير عايزة أقولك عليه، وكمان عايزة أطلب منك حاجة".. همست بها "إسراء" بضعف، بصوت بالكاد يُسمع. ابتعد بشفتيه عنها على مضض. يتنفس بصعوبة بعدما خطفت هي أنفاسه، وقلبه الذي أوشك على مغادرة ضلوعه من عنف دقاته. ضمها لصدره بقوة. يربت على ظهرها بكلتا يديه.
أخذ الأمر منه عدة لحظات حتى استعاد أنفاسه المسلوبة، وتحدث بتنهيدة عاشقة مغمغماً: "اتكلمي.. قولي كل اللي في قلبك، واطلبي اللي تتمنيه وأنا أجبهولك حالًا بين إيديكي يا حبيبتي". رفعت وجهها، ونظرت له بعينيها الناعسة، وأهدته ابتسامتها الساحرة التي تجعله يتأمل ملامحها البريئة بفتنان، ويتغزل بها بأجمل عبارات الغزل قائلاً: "عندما أخاف عليك وأهتم لحزنك ليس لأنه واجب علي ولكن بين أضلعي قلب يأمرني بذلك يا ساحرتي".
"فارس أنت شايفني؟! ".. قالتها بهمس باكي، وهي تطلع لعينيه بلهفة. أجابها بنبرة مازحة: "بعين واحدة يا بيبي.. الثانية شايف بيها على خفيف كده". أغلقت عينيها هروبًا من عينيه حتى لا يرى أثر كلماته الساحرة عليها. أخذت نفسًا عميقًا، وهمست باستحياء قائلة: "ممكن براحة عليا شوية يا فارس.. أنا مش مستوعبة كلامك، ولا حمل عمايلك معايا دي كلها". قالتها، ودفنت وجهها بين كفيها جعلته يقهقه بصوته كله.
منذ زمن لم يستمع من في القصر لصوت ضحكته. ضحكته وصلت لسمع "خديجة" الواقفة أمام باب جناحه جعلت عينيها تلتمع بعبرات الفرحة، وابتسامة هادئة تزين ملامحها الرقيقة، وتمتمت لنفسها ببكاء وضحك بأن واحد: "ضحكتك وحشتني يا حبيبي". عقدت حاجبيها بدهشة حين رأت إحدى العاملات بشركة "فارس" خرجت من المصعد، واقتربت منها. وقفت أمامها وتحدثت بابتسامة واسعة قائلة: "مساء الخير يا خديجة هانم.. أنا سوسو سكرتيرة فارس باشا".
رمقتها "خديجة" بنظرة منذهلة من طريقة حديثها المصطنعة، وتحدثت مستفسرة: "اممم وجاية هنا ليه؟! أظهرت ملفًا من الأوراق أمام أعين "خديجة": "الأوراق دي لازم فارس باشا يمضيلي عليها النهاردة ضروري جدًا". رمقتها "خديجة" بنظرة شاملة. من بداية شعرها الأحمر الناري، ومكياجها الأوفر، وثيابها المكونة من كنزة بيضاء ذات أزرار مفتوحة لمقدمة صدرها، وميني جيب سوداء بالكاد تصل لمنتصف فخذها.
حزام أسود عريض يحاوط خصرها النحيف، ويظهر منحنياتها بسخاء. ابتسمت لها "خديجة" ابتسامة زائفة، وتحدثت بثقة قائلة: "كويس إنك جيتي برجلك هنا.. خليها تغير اليونيفورم بتاع الشركة كلها بالمرة زي ما غيرت يونيفورم القصر". "هي مين دي يا فندم؟! ". قالتها العاملة بملامح مندهشة حين استمعت لصوت الضحكات النابعة من جناح فارس. أجابتها "خديجة" وهي تستعد للطرق على باب الجناح: "هتعرفي دلوقتي هي تبقى مين". ..داخل جناح فارس..
شهقت "إسراء" بصوت خفيض. حين لف "فارس" يده حول خصرها، وحملها فجأة، ودار بها أكثر من مرة مرددًا: "براحة عليا إيه بس يابيبي.. أنا لسه عملت حاجة". "فارس أقف كفاية هدوخ، ونتوقعنا".. قالتها من بين ضحكاتها هي الأخرى، وتمسكت به بكلتا يدها. توقف بها، وزاد من ضمها له أكثر، واضعًا جبهته على جبهتها مدمدمًا: "أنا دوخت ووقعت في عشقك خلاص يا إسراء". احتضن وجهها بين كفيه مغمغمًا:
"أهمس لكِ أنا أحبك.. لتخفيها بأعماق قلبك.. كلما ضاق صدرك.. ترددها بهمساتي". أنهى جملته، وغمر شفتيها بقبلة رقيقة بمنتهى العشق. طرقات على باب الغرفة يليها صوت خديجة قطع عليه نعيمه: "فارس.. حبيبي الأكل هيبرد، وكمان سوسو السكرتيرة مستنياك معايا هنا". "يا ماشاء الله سوسو وسكرتيرة؟! ". أردفت بها "إسراء" بابتسامة مصطنعة، وهي تضع يدها بخصرها، وترمقه بنظرة نارية رافعة إحدى حاجبيها، وتحدثت بهدوء ما قبل العاصفة:
"يا ترى سوسو جايلك البيت ليه يا أبو الفوارس؟! للمرة الثانية دوت ضحكته، وقلبه يتراقص فرحًا كلما شعر بغيرتها عليه. فالغيرة نصف الحب يا سادة، وبنظره هذا لم يكن كافيًا أبدًا. يريد أكثر من ذلك. يريدها تهيم به عشقًا. "ادخلي يا ديجا".. قالها، وهو يجذب "إسراء" لصدره، واضعًا يده حول كتفها. بينما هي عقدت ذراعيها أمام صدرها تنتظر دخول تلك الـ "سوسو". ........................
"غفران".. صف سيارته داخل قصر الدمنهوري، وارتجل منها، وسار لداخل القصر بخطوات مسرعة خلفه طاقم طبي متكامل. أسرع الحرس بفتح باب القصر الداخلي، واندفع هو للداخل وقف ببهو القصر وتحدث بصوت عالٍ نسبيًا: "خديجة هانم.. فارس فين؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!