شهقت "إسراء" فجأة، وقفزت راكضة، وهي تدفع "فارس" أمامها نحو غرفة الملابس قبل أن تُفتح "خديجة" الباب عندما تذكرت أنه يقف عاري الصدر. ظلت تدفعه حتى اختفى بها داخل الغرفة لحظة دخول "خديجة" التي تدفع عربة الطعام بحذر. خلفها المدعوة "سوسو" تدور بعينيها بأرجاء الجناح بنظرات فضولية. "أنت بتهزر يا فارس.. هتقابل السكرتيرة وأنت عريان كده؟! همست بها بنبرة غاضبة تخلو من رقتها، وهي ترمقه بنظرة حارقة.
صكت على أسنانها، ووقفت على أطراف أصابعها كمحاولة منها للوصول لوجهه، ولكنها بالكاد توقفت قبل عنقه بقليل. ليسرع هو ويحاوط خصرها ويضمها لصدره حتى لم تعد قدماها تلمسان الأرض. لتكمل هي بغيظ شديد قائلة: "وبعدين تعالي هنا السكرتيرة دي تطلع أوضة نومك بتاع اييييييييييييه؟! صمتت فجأة، وحجظت عيناها بصدمة حين رأت "سوسو" عبر زجاج الغرفة العاتم تسير بغنج مصطنع بثيابها الفاضحة من وجهة نظرها. "الله الله الله انت فاتح كباريه؟!
ولا شركة يا أبو الفوارس باشا" همست بها داخل أذنه، وهي تقضمها بأسنانها فجأة بعنف جعلته يتأوه ضاحكاً بقوة أكبر حتى أدمعت عيناه. غيرتها الواضحة، والتي لم تستطع إخفاءها جعلته يحلق بالسماء من فرط سعادته. امتلك الدنيا وما عليها حين تأكد أن ساحرته على أعتاب السقوط داخل أعماق بحور عشقه. "أنا بعترف إني بقيت مجنون بيكي يا إسراء" همس بها بصوته المزلزل لكيانها، وهم بتقبيلها إلا أن صوت "خديجة" جعلها تنتفض مبتعدة عنه بخجل.
"فارس أنت فين يا حبيبي؟! تنحنح بصوت عالٍ مغمغماً: "ثواني واجيلك يا ديجا" أسرعت "إسراء" نحو ثيابه المعلقة بترتيب دقيق، وأحضرت كنزة من اللون الكافيه، ووضعتها بيده مدمدمة بجملة جعلته ينفجر بالضحك بقوة حين قالت: "خد أستر نفسك يا سيدنا لفندي" صوت ضحكاته جعل "خديجة" تضحك هي الأخرى باستحياء، ودفعت عربة الطعام نحو ركن مخصص لتناول الطعام داخل الجناح وهي تتحدث بأمر موجهة حديثها لـ "سوسو" المنذهلة.
"هاتي الأوراق اللي في إيدك دي، واستني أنتي تحت" دوى صوت "غفران" بأرجاء القصر لتسرع "خديجة" نحو الخارج وهي تقول: "فارس حبيبي.. غفران صاحبك وصل" "خليه يطلع يا ديجا" قالها بصعوبة بالغة من بين ضحكاته التي تدوي بفرحة غامرة تظهر عليه منذ سنوات عديدة. توقف عن الضحك وأخذ نفسًا عميقًا وتحدث بجدية قائلاً:
"عارفة يا إسراء.. أنا ناوي أخلص من المشاكل اللي في حياتي، وأدي لأمي الفلوس اللي تكفيها حتى لو هكتبلها شيك على بياض بس تسبني أعيش اللي باقي من عمري معاكي، وساعتها هعلن جوازنا قدام الدنيا كلها، وهفضي نفسي ليكي مخصوص وهاخدك وألف بيكي العالم واعوضك عن كل لحظة ألم سببتهالك" ابتسمت له ابتسامة خجولة، وهمست بتعقل وهي تساعده على ارتداء كنزته قائلة:
"نطمن على عيونك الأول، وبعدين نحل مشاكلك بهدوء، وخليني أفهمك أكتر، وكمان تجاوبني على أسئلة كتير محيراني مش لاقية ليها إجابة" رقتها، وخجلها، وحتى نون الجمع التي تتحدث بها جعلت قلبه ينصهر داخل ضلوعه. تلاحقت أنفاسه حين استنشق عبيرها المسكر. لتبهره هي بحنانها عليه ومعاملتها له كأنه طفلها، وكم راق هذا الشعور كثيراً وهو يراها تربت على صدره بكف يدها برفق بعدما انتهت من تنميق ياقة كنزته.
أمسكت كف يده، وسحبته لخارج غرفة الملابس. دارت بعينيها تبحث عن الطعام متمتمة: "لازم تاكل من عمايل أيدي.. أنا عملتلك الأكل اللي ديجا قالتلي عليه إنك بتحبه" "أنا بحبك أنتي يا إسراء" قالها وهو يضمها بقوة ظهرها مقابل صدره، ومال بوجهه على عنقها يلثمه بقبلاته العاشقة. ....................................... "ماله فارس يا ديجا؟! أردف بها "غفران" بوجهه يظهر عليه القلق، والخوف الشديد. ابتسمت له "خديجة" مرددة:
"أهدي يا غفران وأطمن الحمد لله هو بقى أحسن.. بس لازم دكتور يشوفه برضو علشان يطمنا أكتر، وبجد أنا آسفة إني قلقتك أوي بالشكل دا.. بس حالة فارس كانت صعبة جداً، ورفض الأكل بقاله يومين وأنا عارفة إنك صاحبه الوحيد اللي بيسمع كلامه" تنهد "غفران" بارتياح، ورمقه بنظرة عاتبة قائلاً: "بتتأسفي على إيه يا ديجا.. أنتي عارفة إن فارس ده أنا بعتبره أخويا، وعمري ما اتأخر عليه أبداً" ربتت "خديجة" على كتفه، ودفعته برفق نحو الدرج متمتمة:
"عارفة يا غفران.. ربنا يحفظكم لبعض.. تعالي أطلع هو مستنيك في أوضته" "إحنا في انتظارك يا غفران باشا" قالها أحد الأطباء بعملية واحترام شديد. صعد "غفران" برفقة "خديجة" حتى وصل لجناح "فارس". طرقت على باب الجناح طرقاتها أفاقت هذا العاشق من دوامة عشقه، وجعلت "إسراء" تفلت أخيراً من بين يديه راكضة نحو الشرفة. "ادخلي يا ديجا" أردف بها "فارس" المبتسم باتساع. فتحت "خديجة" الباب، وخطت للداخل خلفها "غفران".
نظرات مندهشة.. مذهولة.. متعجبة.. جميعهم اعتلت ملامح "غفران" حين رأى "فارس" الذي قابله فاتحًا ذراعيه بضحكة متسعة تظهر جميع أسنانه، ووجه مشرق تظهر عليه السعادة بوضوح، وتحدث بتهليل، وترحيب بصوت جوهري: "غفران أنت جيت يا غفران؟ رفع "غفران" كلتا حاجبيه، وابتسم باصطناع وهو يجيبه بنبرة مازحة: "نسيت الشهقة ياض.. غفران أنت جيت شهقة يا غفران" قهقه "فارس" بقوة مغمغماً من بين ضحكاته:
"لا التاني رمضان السكري.. أما أنت غفران الوزير المتحرش يا اسطا" اقترب منه "غفران" بخطوات بطيئة مريبة.. كالأسد الذي يستعد للهجوم على فريسته بعدما رسم الغضب على ملامحه. توقف أمامه مباشرةً، وقبض على ياقة قميصه مردفاً بشك: "واد أنت ضارب حاجة على المسا؟! ضحك "فارس" بقوة أكبر، ونظر له بعين واحدة، والأخرى مغلقة، وهمس بأذنه بصعوبة من بين ضحكاته: "ضارب حضن، وشوية بوس حلال إنما إيه حاجة كده أروجينال"
نظر "غفران" لـ "خديجة" التي لم تتوقف عن الضحك من فرحتها لفرحة قلب عزيزها، وتحدث بجدية مصطنعة: "طيب لو ممكن يا ديجا تتفضلي أنتي دلوقتي وابعتي الدكاترة اللي مستنين تحت.. أنا كنت حاسس إننا مش هنكشف على عين الباشا بس، وعلشان كده جبت معايا دكاترة تخصصات تانية خلينا نعمله بالمرة فحص شامل من كله؟! تفهم "فارس" مخزى حديث صديق عمره.. فقهقه مجدداً بقوة أكبر.
شهقت "خديجة" هي الأخرى بخجل، وفرت مسرعة لخارج الجناح خاصةً عندما قال "فارس" بثقة، والكثير من الجرأة: "لا يا اسطا أنا بقيت بعين واحدة أه.. بس أوعى تشكك في أهم وأقوى قدراتي.. صاحبك بعون الله عنتيييل" أردف بها "فارس" وهو يجلس على طاولة الطعام، وبدأ يتذوقه بستمتاع. "بقي أنا كنت هعمل كذا حادثة بسبب قلقي عليك، وأنت قاعد هنا بتاكل جمبري وشوربة سي فود؟!
قالها "غفران" بغضب مصطنع، وهو يجلس بجواره، وبدأ يتناول الطعام برفقته بشهية. تنهد "فارس" بارتياح وبدأ يضع أمامه الطعام بسخاء مردداً: "كويس إنك جيت.. لو مكنتش جيت كنت هجيلك أنا يا صاحبي" التهام "غفران" الطعام بشراهة، وتحدث بوجه عابس مصطنع الغضب: "أنا مبأكلش غير مع أم زين بس قولت أفتح نفسك؟! توقف فجأة عن تناول الطعام، وبدأ يسعل بقوة حين صدع رنين هاتفه برقم زوجته. أسرع بالرد عليها مدمدمًا بصعوبة.. ففمه مملوء بالطعام:
"أم زين حبيبة قلبي لسه كنت في سيرتك حالاً" "أنت بتاكل من غيري يا غفران؟! قالتها "عهد" بصوت أشبه بالصراخ جعلته يبعد الهاتف عن أذنه، وأطبق جفنيه بقوة متأوهًا بصوت خفيض. كتم "فارس" ضحكته فقد استمع لصوتها الصارخ بوضوح، وتحدث بهمس مستفز قائلاً: "البس يا سيادة المقدم.. هتكدرك النهارده" أجابها "غفران" بخوف مصطنع: "لا يا عهوده.. أنا مش باكل.. أنا بفتح نفس صاحبي أصله كان رافض الأكل بقاله يومين"
"اممم بالهنا والشفا يا حبيبي.. خلص أكلك وتعالالي" قالتها بنبرة مخيفة، وقد تفهم هو ما يدور بخاطرها وما تنوي فعله به فور رؤيته. انبلجت ابتسامة مستمتعة على محياه الوسيم حين أدرك أنه أيقظ بداخلها شريرته المجنونة. "سسسسلام يا سسسسيادة المقدم" قالتها "عهد" من بين أسنانها، وأغلقت الهاتف، وألقته من يدها بعصبية متمتمة: "ماشي يا غفران.. أما أوريك مبقاش أنا عهوده"
أنهت جملتها واتجهت نحو خزانتها أخرجت منها الثياب الخاصة برياضة الملاكمة لها ولأطفال زوجها وحتى صغيرها. ابتسمت ابتسامتها الشقية مرددة بوعيد: "بقالي كتير ملعبتش بوكس معاك يا ظبوطتي" ............................. ترك "غفران" الطعام من يده بعد مكالمة زوجته، وابتلع ريقه بصعوبة وتحدث بخوف مصطنع قائلاً: "هنادي على الدكاترة يطمنوني عليك علشان ألحق أروح أصالح أم زين اللي اتكتلت على السين" "فارس"..
"عايزك وأنت مروح يا غفران تاخد صابرين اللي شغالة في المطبخ تحت أرميها في الحجز" "غفران".. مستفسراً: "عملت إيه؟! أجابه "فارس" بغضب: "بتبص لمراتي بصة معجبتنيش.. بصة قرف تخيل!! "أنت عايزني أرمي اللي اسمها صابرين دي في الحجز علشان بصت لمراتك بقرف؟! أردف بها "غفران" وهو يرمقه بابتسامة هادئة بعدما تأكد أن صديقه غارق بالعشق الحقيقي حتى النخاع. لم ولن يسمح لمخلوق بالتطاول على ساحرته حتى لو بنظرة عابرة.
حرك "فارس" رأسه إيجاباً وهو يقول: "أيوه.. دا سبب أول طبعاً.. مرات فارس الدمنهوري خط أحمر، والكل لازم يعملها مليار حساب" كلماته استمعتها تلك الجالسة داخل شرفة الجناح أرغمتها على الابتسامة وقد راقها كثيراً حديثه عنها بكل هذا الخوف. لتجحظ عيناها حين تابع هو بغضب مفاجئ: "بس كمان الحيوانة دي بتنقل كل حاجة بتحصل هنا في القصر صوت وصورة لبنت رئيس الوزراء اللي أنت برضو يا صاحبي هتخلصني من خطوبتها المهببة دي"
فرك "غفران" لحيته بأنامله مدمدماً: "اممم، ويا ترى عايزني أخلصك من خطيبتك دي هي كمان إزاي" ابتسم باصطناع مكملاً: "أحطهالك في الحجز برضو؟! ظهرت فرحة طفولية على ملامح "إسراء" حين علمت أنه يريد إنهاء خطبته على المدعوة "ديمة" القديمة كما أصبحت تلقبها. بلحظة كانت هبت واقفة وهندمت ثيابها، وعدلت حجابها واندفعت لداخل الجناح فجأة دون ذرة تفكير. وقفت بجوار زوجها الجالس أمام "غفران" مستندة على كتفه بكف يدها الصغيرة.
وجودها المفاجئ جعلهما يقطعان حديثهما وينظران لها بدهشة حين تحدثت موجهة حديثها لزوجها: "ممكن أحط سوسو السكرتيرة هي كمان في الحجز مع صابرين يا فارس؟ حديثها كان بحماس طفلة صغيرة تطلب من والدها إحدى ألعابها المفضلة. نظر لها زوجها بهيام، ومال بوجهه قليلاً على يدها الموضوعة على كتفه قبلها بعشق، وتحدث بقليل من البلاهة أثناء تأمل احمرار وجنتيها: "خد سوسو يا غفران" يتابعهما "غفران" بشفاه مرفوعة، وتحدث بمزاح قائلاً:
"وماله حاضر.. هاخد سوسو ونادية، وفوزية كمان يا حبيبي"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!