كان جالساً على الأريكة ذات الفرش القديم، يتأمل أثاث وجدران هذا المنزل البسيط، لكن تلك الخصلات الغجرية السوداء لم تذهب عن باله، فبعد أن أغلقت الباب في وجهه ركضت إلى داخل غرفتها باحثة عن وشاح ترتديه على رأسها، بينما قامت والدتها باستقباله بعدما أخبرها بهويته. "أهلاً وسهلاً يا بني." كان شارداً في صورة غرام المعلقة في زاوية برفقة والدها، كما هي رائعة ابتسامتها، لما تلك البسمة غادرت شفاها حالياً.
انتبه إلى ترحيب السيدة عزيزة، فالتفت إليها مبتسماً. "تسلمي يا أمي، أومال غرام فيـ... بتر سؤاله ظهورها عندما خرجت من باب الغرفة ترتدي وشاحاً أسود وثوباً فضفاضاً، وبشبه ابتسامة رحبت به. "أهلاً مستر رامي، يا ترى إيه سبب الزيارة؟ شعر بالحرج لكنه أخبرها رغم ذلك. "كنت بتصل عليكي من امبارح وما بترديش، كان فيه ورق مش لاقيه وعايزه ضروري، فقولت أجي بنفسي أسألك، أخدت عنوانك من الـ HR." زفرت بضيق، لاحظته والدتها.
"كان ممكن حضرتك تستنى بكرة." انتشلته والدتها من الحرج فأخبرته بفرح. "أصل غرام من امبارح عقبالك كان فرح صاحبتها هند، فكانت مشغولة معاها." نظر إلى غرام ويعلم جيداً عدم ترحيبها بوجوده. "ألف مبروك، عقبالك يا غرام." "يسمع من بوقك ربنا يا بني أصل... "ماما، شوفي مستر رامي يشرب إيه وأنا داخلة أجيب له الورق اللي عايزه." قاطعت والدتها على الفور قبل أن تتفوه بأمور لا تحب ذكرها أمام هذا الرامي الذي لا تحبه. نهضت عزيزة.
"تشرب إيه يا بني؟ "أي حاجة من إيديكي يا أمي." ذهبت عزيزة، فتقدمت منه غرام وتحاول لجام زمام غضبها. "أنت إيه اللي جابك هنا؟ نهض واقترب منها فتراجعت بخوف وتوتر. "جيت عشان أشوفك، ليكي عندي كلام كتير نفسي أقوله لك وإنتي مش بتردي على مكالماتي، ما لقيتش حل أحسن أني آخد بعضي وأجيلك." أطلقت زفرة تستعين بالصبر والاستغفار في نفسها.
"بص يا أستاذ رامي مع حفظ الألقاب والحدود اللي بينا، كل اللي بيني وبينك شغل وبس وجوه الشركة، جو الصحاب وتليفونات ده ماليش فيه خالص." طرقت فكرة في رأسه للتو، ربما يكسب قليل من الود وتنْقشع غيمة النفور منه لديها. "ممكن تقعدي ونتكلم بكل هدوء واحترام، أنا جاي وعارف إنك مش عايشة لوحدك، أنا ابن بلد وأفهم في الأصول، وعارف ظروفك اللي تشبه ظروفي." تنهدت ثم جلست بالحفاظ على مسافة بينهما. "اتفضل قول اللي عندك، سامعاك."
شعور بالنصر وبسمة ظافر كسب المعركة قبل الخوض في حرب. "بعتذر على أي كلام قلته لكِ في الشركة، ما كنتش أقصد أجرحك ولا أقل منك، بالعكس كنت عايز أنبهك قبل ما تقعي في فخ يوسف الشريف زي أي بنت قبلك." "الظاهر يا أستاذ رامي، ما كنتش سمعتني كويس لما قلتلك إن أنا كل اللي بيني وبين مستر يوسف شغل وبس، مش محتاجة حضرتك توضحلي أي حاجة أو تعتذر." "ما أنا مش جاي أعتذر وبس." ابتلع ريقه قبل أن يتردد فأخبرها.
"أنا جاي أطلب إيدك من والدتك على سنة الله ورسوله." على كلمات وألحان أحد الأغاني التي يعترف بها العاشق لمحبوبته عن حبه وكيف هي أسرت جوارحه في محراب قلبها، فكان ذلك على غرار ما يشعر به حسن، الذي استسلم للحب من أول نظرة لابتسام، لم يكن في علمه يوماً أنه سوف يجلس جوارها على كورنيش النيل كما اختارت، يتبادلان الأحاديث المرحة وأخرى جادة، لكن هي المستمع غالباً بينما هو المتحدث أكثر.
"على فكرة يا بوسي من وقت ما جينا وقعدنا وأنتي قليل لما بتتكلمي، وأنا اللي عمال أتكلم عن نفسي وأحكيلك عن حياتي كلها، حساكِ مضايقة، متوترة، أنا قلتلك مستأذن من ماما عزيزة ومن غرام، يعني ما بنعملش حاجة من وراهم."
لا يعلم ما يدور في ذهنها والذنب الذي يؤرقها منذ ليالٍ، تتذكر رسالة واردة من عثمان وكان محتواها سؤاله عن حالها ويذكرها بحبه وشوقه إليها، وسوف يبذل قصارى جهده في العمل والحصول على مبلغ يؤهله لتأسيس عش الزوجية، كيف ذلك وهي قد أصبحت لغيره بإرادتها، تشعر بالخيانة بالرغم أنها لم تحبه يوماً كما أحبها. "ابتسام، ابتسام؟ يناديها ويلوح بيده أمام عينيها حتى انتبهت إليه. "آسفة، سرحت شوية." "يا ترى كنتِ سرحانة في إيه؟
دفنت ما تشعر به خلف ابتسامة زائفة وتخبره كذباً. "كنت بتخيل اليوم اللي هخلص فيه الامتحانات والنتيجة طلعت وجبت مجموع يدخلني كلية من كليات القمة، وأخلي ماما وغرام يفرحوا ويتفاخروا بيا."
"بإذن الله هيجي اليوم ده، بس عايزك تحطي في دماغك حاجة، وهي أنك لما بتبني مستقبلك ده بيكون عشانك إنتي، مش عشان حد، ومش كل النجاح متمثل في كليات القمة، ممكن تكوني خريجة أي كلية سواء العملية أو النظرية بس تشتغلي شغلانة مالهاش علاقة بدراستك، وتكوني ناجحة جداً فيها بسبب خبرة اكتسبتيها من خلال التعاملات أو التدريبات والكورسات، ما تحطيش سقف لطموحك." "فعلاً كلامك صح، وعندي أحلام كتير نفسي أحققها."
"ما تقلقيش يا حبيبتي، هفضل في ضهرك وهاكون أكبر داعم ليكي لحد ما تحققيها، وأتمنى أكون من ضمن أحلامك." مد يده ليمسك بيدها فانتفضت ونهضت تتهرب من الموقف الحرج. "شوفت خدنا الكلام وكنت هنسى ميعادي مع منة صاحبتي، هاعدي عليها هاخد منها ملزمة مراجعة العربي." ابتسم وأمرها. "خليكي مكانك دقيقة واحدة."
نهض وسار نحو سيارته، وكانت تجلس بمفردها فإذا بثلاثة شباب يبدو على وجوههم معالم الفسق وفساد الأخلاق، تقدم أحدهم عن صاحبيه يقول بخلاعة. "الحلو قاعد لوحده ليه، مصلحة ولا رايحة؟ يا مزة؟ اتسعت عينيها بصدمة ولم تستطع الإجابة، تنظر من حولها بذعر. "إيه يا حلوة، القطة أكلت لسانك ولا.... "أنا اللي هقطعلك لسانك ده يا.... منك له."
صاح حسن كالوحش الثائر، مصاحباً صياحه لكمات أخذ يوجهها لكل واحد من الفتية على حدة، صرخت ابتسام لاسيما بعد أن استطاع أحدهم بتكبيل ذراعي حسن خلف ظهره. "حسن! صرخت بها وترى الشاب الثاني يقف أمامه ويكيل له لكمة قوية، استطاع حسن أن يتفاداها، هبط بجذعه لأسفل وفك ذراعيه. "الحق يا حسن!
تنبهه من الضربة التي كادت تصيبه خلف رأسه، وخلال ثوانٍ بعد شجار حاد صدح صوت تنبيه سيارة الشرطة، انتبه الشباب إليها فتوقفوا عن مهاجمة حسن وأطلقوا ساقهم للريح. هبط الضابط من سيارة الشرطة. "روح أنت وهو هاتولي العيال ولاد..... وخدوهم على القسم." وألتفت إلى حسن وكاد يوبخه ظناً منه أنه شاب يتسكع مع فتاة على الطريق. صاح بمرح. "إيه ده أبو علي؟ اعتلت الدهشة ملامح حسن الذي ردد. "سامي البنا؟!
تصافح كلاهما ويبدو أنهما على سابق معرفة، تبادلا الحديث. "سامي يا ابتسام يبقى كان جاري وصاحبي لحد ما كنا ثانوية عامة، بعد كده اختفى لما اتنقل هو وأهله للتجمع." "أهلاً وسهلاً بحضرتك." "أهلاً يا عروسة، ربنا يتمم لكم على خير، وأوعدك العيال ولاد الـ.... هربيهم وهخليهم لو شافوا أي بنت يلفوا من أي شارع تاني." اكتفت بإيماءة شكر وطيف ابتسامة، ربت حسن على كتف الآخر. "قدها وقدود يا حضرة الظابط."
"مضطر أسيبكم بقى يا دوب أرجع على القسم أنفخ العيال دول، ما تنساش تتصل بيا يا أبو علي، وابقى اعزمني على فرحكم هستناك." "بإذن الله." وبعد ذهاب صاحبه الضابط عاد ينظر إليها أطلق زفرة وسألها والقلق جلي داخل عينيه. "إنتي كويسة؟ أومأت له بنعم ثم قالت. "ممكن نمشي؟ "اتفضلي." أشار لها لتذهب وتدخل إلى سيارته ليعود بها إلى منزلها، وكان الصمت رفيقهما الثالث طول الطريق أو ربما هي مَنْ أثرته. بعد مرور يومين...
كانت تتجنب الظهور أو التعامل المباشر مع رامي وخاصة بعد مطلبه المرفوض بالنسبة إليها، فهي تسعى هنا داخل الشركة من أجل العمل، وبالنسبة ليوسف كان كلما أراد التحدث إليها في نطاق خارج العمل كلما فرت بإطلاق حجة زائفة، لكن داخل قلبها قد ولد شعور نحوه تريد وأده قبل أن يترعرع ويكون بداية النهاية لقصة حب تتحدى المحال.
ولننتقل إلى مكتب رأفت الشريف، لم يأت بعد وكانت سوزي تجلس خلف مكتبه، ترتب الأوراق، انتبهت إلى إطار الصورة التي تجمع رأفت بزوجته وولديه، أخذت تنظر إلى ملامح منيرة الصارمة، أخرجت لسانها وكأن الأخرى تراها. "مش عارفة جوزك طايقك إزاي؟! فُتح الباب فجأة، تركت الإطار بتوتر ظناً أن الذي ولج للتو رأفت فوجدته نور، أغلق الباب خلفه سريعاً. "وأنا قالب عليكِ الشركة، أتاريكي قاعدة هنا؟ نهضت واقتربت منه بدلال سخي.
"حبيبي يا نور عيوني، معلش كنت مشغولة وبحضر أوراق وعقود هيمضيها رأفت بيه أول ما يجي." ابتلع ريقه وتحركت حنجرته «تفاحة آدم» صعوداً وهبوطاً. "تولع الأوراق والعقود، أنا بقالي كذا يوم مش عارف أشوفك أو نتكلم بسبب الشغل، أنا خلاص ما بقتش قادر أبعد عنك أكتر من كده." أنهى حديثه وجذبها بين ذراعيه وأنهال على شفتيها بقبلات همجية، تحاول التملص منه ومن قبلاته. "أوعي يا نور، كفاية جنان، رأفت بيه زمانه جاي."
"ما يجي، أنا قافل الباب من جوه." استطاعت الانفلات من يديه وذهبت نحو الباب تحاول فتحه. "بطل تهور، هنا في الشركة ما.... تلاشت الحروف من بين شفتيها عندما فتحت الباب ووجدت رأفت أمامها، وجد ابنه يقف خلف مساعدته، نظراته تكفي بأن تجعلها ترتجف من داخلها، هيهات وكالأفعى تمكنت من إخفاء جميع الشكوك لدى زوجها. "أهلاً وسهلاً يا رأفت بيه، حضرت لحضرتك الأوراق والعقود وكان نور بيه بيراجعهم معايا قبل ما أسلمهم ليك."
نظر إلى نور وأشار بعينيه إلى الخارج. "ارجع على مكتبك وحضر ملف خط الإنتاج." "أمرك يا بابا." وغادر المكتب على الفور، تتابعه سوزان حتى وجدت من يجذبها إلى الداخل، وصفق الباب بقوة ثم أغلق القفل. "فيه حاجة يا رأفت ولا إيه؟ أطلقت صرخة ويجذبها من رسغها، دفعها نحو الباب حيث يلتصق نصف وجهها وخصلات شعرها في قبضة رأفت، وذراعها الآخر يثنيه خلف ظهرها، هسهس بالقرب من أذنها محذراً إياها.
"لو شفت الباب مقفول عليكي إنتي وأي واحد حتى لو ابني مش هقولك أنا ممكن أعمل فيكي إيه." هز خصلاتها ورأسها بعنف. "إنتي فاهمة؟ "حاضر، حاضر." ترك شعرها فألتفت إليه وبمكر حرباء تتمكن من السيطرة والتلون بنجاح. "حقك عليا يا بيبي، مش هاكررها تاني، أهم حاجة مش عايزك تزعل مني."
اقتربت منه وقامت بتقبيل وجنته، تطلق كل ما تمتلكه من شباكها كأنثى العنكبوت، تمكنت من تهدئته واللعب على رغبته التي لا تكل ولا تمل نحوها، تهمس جوار أذنه بفحيح أفعى ساحرة. "وحشتني أوي يا رأوفتي." ابتعد عنها وحاول التظاهر أمامها بعدم التأثر بسحرها الأسر، جلس خلف مكتبه وهيهات وخارت قواه. "تخلصي شغلك النهاردة وتسبقيني على شقتنا." أطلقت ضحكة تجلجل صداها بين الأرجاء. "عينيا يا باشا، وهعملك أحلى أكل تاكل صوابعك وراه."
حدق إليها بشوق ورغبة سافرة. "لما نشوف." "هاروح أجيبلك باقي الأوراق ومعاها القهوة اللي بعملهالك بإيديا." تركته وغادرت الغرفة، وفي الخارج توقفت تتنفس الصعداء حتى لاحظت بطاقة ورقية مقلوبة أعلى مكتبها، أمسكت بها وقرأت المدون عليها بقلم نور. "هستناكي بعد ما نخلص شغل في شقتك الجديدة يا حبيبتي." ولدي مكتب يوسف، غارقاً بين مهام مراجعة بعض الأعمال على الحاسوب، توقف عن النقر على لوحة المفاتيح ونظر إلى ساعة هاتفه وردد في نفسه.
"معقول ما جتش لحد دلوقتي." رفع سماعة الهاتف الداخلي، أتاه صوتها. "أمرك يا مستر يوسف؟ "جيتي إمتى؟ "وصلت من شوية وبحضر لحضرتك الملفات." "سيبي اللي في إيديكي وتعالي عايزك." "حاضر." وضعت السماعة وتسأل نفسها بتعجب. "يا ترى عايزني فيه إيه؟ ، معقول رامي حكى له عن اللي حصل؟ نهضت وفتحت باب الغرفة فوجدت باقة من الزهور الحمراء أمامها مباشرة، يمسكها رامي وينزلها قليلاً ليظهر وجهه مبتسماً من خلف الورود. "صباح الخير." نظرت بضيق.
"صباح النور، عن إذنك مشغولة." أمسك رسغها وأوقفها. "غرام، أنا ما زلت مصمم على طلبي لحد ما توافقي، أنا بحبك وعايز أتزوجك." أطلقت زفرة بضيق، تجذب رسغها من يده. "لو سمحت ياريت تلتزم حدودك." "آسف، ما كنتش أقصد إني أمسك إيدك، بس عايز منك رد بدل هروبك مني زي كل مرة."
وبالعودة إلى يوسف، كان يحتسي قهوته وينظر من خلف النافذة الزجاجية، لاحظ تأخير غرام، انتهى من قهوته، ترك القدح أعلى المكتب وقرر أن يذهب إليها، وما أن فتح الباب ليجد ماهي قد خرجت للتو من المصعد وهرولت نحوه بسعادة. "good morning Jo, imiss you."
لم تعط إليه فرصة الرد فقامت بعناقه بل وتقبيله من وجنته، كان ذلك المشهد للمرة الثانية تراه غرام، تشعر بغصة علقت في حلقها، لاحظ رامي سبب وقوفها وإلى أين تنظر، وقف خلفها واقترب بشفتيه بالقرب من أذنها يوسوس إليها. "تعرفي إن ماهي دي دوخته سنة بحالها لحد ما رضيت تكلمه، أصل يوسف طول عمره كده، يجري ورا أي واحدة تقوله لأ." عقبت بصوت لا يسمعه سواهما. "وأنا عمري ما كنت هقول آه، كل واحد فينا من عالم غير التاني."
وقف أمامها مباشرة يقطع مشهد قرب ماهي من يوسف أمام عينيها، يخبرها برجاء زائف ربما حقيقي بداخله لكنه ينكر ذلك. "اديني فرصة، مش يمكن موافقتك دي بداية أن أتغير على إيديكي، ما تخافيش هاتكون فترة خطوبة." لم تنتبه إليه إطلاقاً بل كانت تراقب يوسف وماهي التي تمسك بيده وتضحك. "ها يا غرام، قلتي إيه؟ تخطته وابتعدت عنه وذهبت نحو يوسف لتقطع على ماهي ضحكتها. "مستر يوسف، حضرتك كنت عايزني في حاجة؟ ألتفت لها جاذباً يده من يد ماهي.
"آه، كنت عايزك في... قاطعه مشهد رامي القادم نحوهم والابتسامة من الأذن إلى الأذن الأخرى، كان عليه استغلال ذلك الموقف كما تلقى التعليمات جيداً أو كما هو أراد هذا حقاً. "مش تباركلنا يا چو؟ "أبارك لكم؟ ، أنت ومين على إيه؟ نظر إلى غرام التي لا تقل عن حال يوسف، تحاول إدراك ما يخبرهم به رامي في ذهول وصدمة وذلك بعد جوابه. "أنا وغرام اتخطبنا، عقبالك أنت وماهي."
ألجمت الصدمة لسانها، ترى ألسنة اللهب في عينين يوسف، فحديث العيون أبلغ من آلاف الكلمات. عقبت ماهي التي وجدت أنها الفرصة وعليها أن تغتنمها، أمسكت يد يوسف واخبرتهم. "مبروك يا رامي أنت وغرام، أنا وچو برضو خطوبتنا قريب." ونظرت جوارها وسألت يوسف الذي ظل يرمق غرام بنظرات نارية وهي تهز رأسها تنفي ما تسمعه. "صح يا چو؟ كادت غرام تنكر حديث رامي، بينما صدمة أخرى يوقعها يوسف عليها انتقاماً.
"ألف مبروك يا غرام، أنا عازمكم الجمعة الجاية على خطوبتي أنا وماهي." قد استسلم إلى النوم في ساعة متأخرة حيث كان ينتظر زوجته التي قضت أغلب اليوم في مهام المنزل بأكملها، تعمد كل من والدة زوجها وابنتها ترك الأشغال المنزلية على العروس، وبعد أن انتهت زوجته من عمل كل ما سبق ذكره ارتمت على الفراش من فرط التعب، ومضت الليلة مثل حال الليالي السابقة.
وفي الخامسة فجراً استيقظ على صوت ضوضاء مزعجة قادمة من الردهة، نهض ليرى السبب، ارتدى قميصه القطني على جذعه العاري، خرج فوجد شقيقته تشاهد التلفاز وصوته مرتفع أكثر من المعدل الطبيعي. "جري إيه يا دلال، إنتي عايشة لوحدك هنا ولا إيه؟ ، ما توطي المخروب ده بدل ما أجي أكسره." أمسكت بجهاز التحكم وقامت بالضغط على كاتم الصوت ونهضت ثائرة بغضب جام.
"إنت اللي مالك بيا، أنا حرة، أتفرج وأعلي وأوطي التليفزيون براحتي، قاعدة في بيت أبويا واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل." طرقت فوق حديد ساخن فازداد اشتعالاً، صاح بصوت جعل زوجته ووالدته استيقظا بذعر. "اتلمي يا دلال أحسن لك، إنتي من وقت ما جيتي وعمالة تعملي حركاتك اللي من تحت لتحت، ولا مراتي اللي سايبين كل حاجة عليها كأنها خدامة." وضعت يديها على جانبي خصرها وتشدقت.
"الله، الله، قول بقي كده، الهانم اشتكت لك ولحقت تقومك علينا، كل ده عشان جيت أقعد في بيت أهلي اللي ماليش غيره، وعلى رأي المثل البيت بيت أبونا والغرب جايين يطردونا." اقترب منها كالوحش الضاري، يكور يده جانبه. "اتلمي يا دلال وحطي لسانك جوه بوقك، بدل وعزة جلال الله هاتشوفي وش مني عمرك ما شوفتيه." خرجت هند تمسك بتلابيب المأزر، تحاول استيعاب ما يحدث. "إيه اللي بيحصل يا جمال؟
"فيه إن جوزك بيعلي صوته على أخته الكبيرة وكله بسببك يا حربوقة." اتسعت عينا هند بصدمة من اتهامها ظلماً وإهانتها. رفع يده في الهواء. "لفظ تاني هاتقوليه لمراتي لهاكون.... "إيه، هاتمد إيدك على أختك وأنا لسه عايشة يا جمال؟ قاطعته والدته. "عاجبك يا ماها اللي بنتك بتعمله وكمان بتقل أدبها على مراتي؟ نظرت إلى ابنتها بتحذير لتصمت. "ادخلي على أوضتك وملكيش دعوة بحد." ثم نظرت إلى زوجة ابنها. "وإنتي خدي جوزك ويلا على أوضتكم."
اقتربت هند من زوجها تمسك ذراعه ليعود معها إلى غرفتهما، توقف قبل أن يولوج إلى الداخل وأخبر والدته بالأحرى حديثه موجهاً إلى شقيقته. "أنا كرامة مراتي من كرامتي، واللي هايفكر يجرحها بكلمة هيلاقيني فمحدش فيكم يجي يزعل مني على اللي هاعمله." ترك والدته وشقيقته يشتعل كليهما من الغيظ والحنق، نظرت عطيات إلى ابنتها بلوم. "عاجبك كده؟! ، هو ده كان اتفاقنا برضو؟
، أديها نجحت تخليه في صفها ووقف قصادك وقصادي بيهددنا، كل ده عشان خاطر بنت خيرية." وبالداخل كان يجلس على طرف الفراش، ربتت هند على ذراعه علّه يهدأ قليلاً. "خلاص يا حبيبي حصل خير، اعذرها ظروف طلاقها واللي حصل معاها مخليها في الحالة اللي هي فيها." "على نفسها مش علينا، تقعد باحترامها زي ما إحنا قاعدين باحترامنا، وتحترمك قبل مني."
"قوم اتوضأ، الوضوء هيطفي نار الغضب اللي جواك، وأنا هاروح أعملك كوباية عصير ليمون باللبن تروق أعصابك." تبدلت ملامحه من الغضب إلى اللين، يمسك يدها وظل يتأمل ملامحها الوديعة الصافية، سألها مبتسماً. "إنتي حلوة كده إزاي؟ احمرت وجنتيها خجلاً من إطرائه فتابع. "شكلك وروحك وقلبك كل حاجة فيكي حلوة، أنا ربنا بيحبني أوي عشان رزقني بيكي، مستحملة ظروفي وظروف أهلي برغم معاملتهم الوحشة معاكي."
"أنا اللي ربنا بيحبني عشان رزقني بيك، بتحبني وبتخاف عليا ومش بتسمح لأي حد يمسني بكلمة." أمسك يدها ووضعها بين كفيه. "أوعدك قريب أوي هلاقي شقة إيجار ننقل فيها، ما فيهاش حد يضايقك وهتبقي شقتك مملكتك تعملي فيها اللي أنتي عايزاه." "أنا أي مكان وإنتي معايا بيبقى مملكتي، وجودك جنبي عندي بالدنيا بحالها." صاح مهللاً بسعادة. "وعدي يا وعدي، أنا كده ملك زماني ومحدش قدي."
"وطي صوتك ليسمعوك بره، خليك هاروح أعملك العصير وراجعالك بسرعة." أوقفها يمسك يديها. "مش عايز أشرب عصير." سألته دون إدراكها لما يقصده. "أومال نفسك تشرب إيه يا حبيبي؟ جذبها فوقعت جواره، همس بالقرب من أذنها. "مش عايز أي حاجة غيرك إنتي." وتبع القول فعلاً وكان للعشق سطوة لن يستطع المحبين مواجهتها، سرعان تنجرف القلوب داخل عاصفة من المشاعر الحارة.
تجتمع عائلة الشريف حول المائدة، لاحظت منيرة غياب زوجها الذي لم يأت منذ الأمس، وكذلك ابنها يوسف. "ما تعرفش حاجة عن باباك وأخوك؟ ابتلع نور ما بفمه فاخبرها. "بابا قالي إنه هيبات في الشركة سهران على مراجعة شوية أوراق، ويوسف مشي بدري امبارح وجه على هنا، هتلاقيه في أوضته نايم لسه." "صباح الخير." أطلق يوسف الذي ظهر للتو تحية الصباح، نظرت إليه والدته. "صباح النور، لما إنت كنت هنا امبارح بدري ما نزلتش اتعشيت معانا ليه."
جلس على كرسي المائدة وأخبرها باقتضاب. "تعبان شوية." حدقت إليه بدهاء وسألته بمكر. "وهو فيه واحد المفروض خطوبته بعد أسبوع، يبقى قاعد مكشر وزعلان كده؟ تركت كاميليا الشوك والسكين. "oh my god." ابتسمت وتابعت. "مين دي يا چو اللي قدرت توقعك وتقنعك بالخطوبة والجواز؟ عقب زوجها ساخراً. "يمكن اتغاظ من رامي صاحبه اللي خطب البنت السكرتيرة اللي اسمها غرام." طيف ابتسامة على شفتيها، يتضح النصر في عينيها، سرعان أخفت البسمة والنظرة.
"رامي وغرام مين دول جمب أخوك يوسف وماهي بنت الحسب والنسب، وجميلة وشيك." "عن إذنكم." نهض يوسف فجأة دون تعليق وترك كل ما يقال خلف ظهره، يكفي ما يشعر به من نيران الغيرة والغضب لاسيما ذكر شقيقه لإعلان خطوبة صاحبه على الفتاة الوحيدة التي أحبها بصدق، أجل اختطفت قلبه من أول نظرة دون الاكتراث إلى الفروق التي بينهما، فهي مختلفة عن الفتيات اللاتي تعرف عليهن من قبل، هي التي في حضورها يصبح عقله غائباً وفؤاده في حرم عشقها أسيراً.
ولدي غرام كانت في نوبة من البكاء، أقل وصفٍ لما تشعر به منذ البارحة هو الاحتراق، تحترق من الداخل، كانت تنكر كل مشاعرها حقاً حتى ظهرت عندما تلاقت عينيها بخاصته وكليهما يسمع خبر الخطبة، رغماً أن الخبر الخاص بها زائف، فكان السؤال الذي دار بينهما بلغة العيون الأمس هو -لماذا؟ -لماذا تفرقنا قبل أن نجتمع، لماذا وأد الحب قبل أن يعترف كل منهما إلى الآخر. اقتربت أحلام وجلست جوارها، قامت غرام سريعاً بتجفيف دمعها.
"لسه برضو مش عايزة تقولي مالك؟ ، عياطك ده بيقول إن ورا دموعك راجل، مين ده بقى اللي قدر يخلي غرام بنت عبدالرحمن المصري اللي عمرها ما اعترفت بحاجة اسمها حب، قدر هو وخلاها تحبه؟ "معلش يا أحلام مش قادرة أتكلم، أنا قايمة ألبس وهامشي أتأخر على الشغل." أوقفتها شقيقتها بسؤال اهتز له قلبها. "إنتي حبيتي الجدع اللي اسمه يوسف؟
هنا لن تتحمل وانهارت كل حصونها فأطلقت العنان لعبراتها من جديد، تخبرها بحقيقة لم تكن تتوقع الاعتراف بها يوماً. "أنا بحب يوسف يا أحلام."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!