معقولة يا شيخ البلد تتخلى عن حليفك، فرغلي؟ خاطبة صقر بسخرية. ولم يراوغ عبد التواب هذه المرة، لم يقل إنه اعتدى على عرضي وهذا أقل عقاب يستحقه، لم يصرخ أهان شرفي، لم يقل الكلمات المناسبة، بل نظر إلى بعيد وهمس: الرجل الذي يركض وراء امرأة ومستعد للتخلي عن كرامته من أجلها ليس رجلًا من الأساس، وإن فرغلي أصبح ورقة محروقة. رفع عبد التواب
بصره وقال بنبرة ثابتة: فرغلي كان لازم يموت من زمان، دوره انتهى، زي ناس كتير كان لازم تموت وما تظهرش مرة تانية، لكن تقول إيه، الشيطان شاطر وبيلعب في دماغ العيال. اسمع يا صقر يا ولد جبر، كلام راجل، ارحل من هنا، رجلك متعتبرش القرية تاني وأنا حي، سوف ترحل بمفردك وتترك سادين خلفك، روح لأمك ليلى هانم، شوف لك واحدة من نفس جلدك وابعد عني.
ولم تتحدث سادين، ظلت صامتة وعينيها تمسح المكان في كل جهة كأنها غير معنية بالأمر، ثم تحركت ببطء وسارت نحو الحوش، وشيخ البلد يراقبها بتركيز. أنا مش همشي من هنا يا شيخ البلد يا عمي غير لما كل شخص ياخد عقابه. أطلق عبد التواب ضحكة ضخمة: وانت بقا اللي هتعاقبني يا صقر بيه؟ صرخ صقر: نعم، سأعاقبك. عاتبني على إيه ولا إيه يا صقر؟ محاولة قتلك؟ ولا قتل والدك ولا اغتصابك لسادين؟
افتحني يا ولد أخويا، قول اللي في نفسك، يمكن التاريخ يتذكرك. شعر صقر بالقلق، إن ما يقوله عبد التواب يثير شكوكه، الأمر أكبر مما يبدو. تقدم من عبد التواب وأمسكه من ياقة جلبابه وهزه بقوة: انت شيطان يا عبد التواب، شيطان. ورفع يده وبكل قوته راح يصفع عبد التواب، لكن يده توقفت قبل أن تصل طريقه.
رصاصة مصوبة بعناية أصابت ذراعه، كأن قناص أطلقها، سقط صقر على الأرض وركض عبد التواب بسرعة بعيدًا عن الرصاص، وركضت سادين بكل سرعتها لتجر صقر نحو جدار للبيت. استند صقر على الجدار وهو يصرخ بغضب، وسادين تمسك بندقية إلى جواره وتأمره: ادخل معايا الحوش بسرعة. ولم تتم كلمتها حتى انطلقت رصاصات كثيرة نحوهم. ارتمت سادين على الأرض وزحفت خلف صقر داخل الحوش. حضر رجال عبد التواب المسلحين،
وشيخ البلد يصرخ بغضب: حاصروا البيت، مش عايز حاجة تخرج حية منه، توزع الرجال. واقتربوا بحذر من الحوش، سحبت سادين البندقية وأطلقت الرصاص على الرجال، وكان صقر يحاول بيده السليمة أن يطلق الرصاص من غير فائدة. همست سادين: اسمع يا صقر، أنا محتاجة إنك تحمي ضهري، ولم مقدرتش تحمي ضهري، هنموت هنا. همس صقر: عايزاني أعمل إيه؟ قطعت سادين قماشة من جلبابها وربطت بها ذراع صقر المصابة، ثم انبطح صقر على الأرض وحشرت سادين البندقية
بين كتف صدرها والجدار: ضع يدك على الزناد وأطلق الرصاص حتى لو لمحت ذبابة. وانتي هتعملي إيه يا سادين؟ أنا مش مصابة وأقدر أتحرك بخفة أكتر منك، أنا هصد الهجوم من أكتر من ناحية، وانت خليك حجر الأثاث، ما تسمحش ليهم يدخلوا هنا يا صقر مهما حصل. احمي شرف يا صقر، الرجال بره ميعرفوش شرف. اخترق رصاص رجال عبد التواب جدار الطين وأسقط الجاموس الذي كان داخل الحوش. وكان صقر يحتمي بعامود من الخرسان، من حسن حظه.
بينما صعدت سادين الطابق الثاني بسرعة، لمحت رجال عبد التواب يتحركون خلف المنزل، فرشقتهم بالرصاص. أكثر ما تخشاه أن يتسلقوا جدار البيت الخلفي ويصبحوا محاصرين. تراجع رجال عبد التواب على الفور واختفوا داخل الحقول، ثم عاودوا ضرب الرصاص. استمر الوضع القلق خمسة دقائق. بعدها صرخ شيخ البلد: يا ولاد الـ... بقا مش قادرين تقتلوا عيل وحتة بت؟
ثم سحب بندقيته، وخلع جلبابه، وأمر رجاله أن يتمركزوا خلف المنزل وأمامه، وأن لا يسمحوا لسادين بالحركة لأن صقر مصاب. وبعد دقيقة من التفكير، حسب مسار رصاصات بندقية صقر المستيقظة وابتسم. صقر مثبت البندقية ومش قادر يحركها، ووسط صدمة رجالهم. مشى ناحية باب الحوش والرجال يصرخون: الرصاص يا شيخ البلد؟ وصل شيخ البلد لصقر الذي كان منبطحًا على الأرض يحاول أن يغير وضعية البندقية، حتى أصبح فوقه.
أكل عبد التواب البندقية لبعيد، ثم سحب صقر من ذراعه المصابة أمام الملأ. وصوب البندقية على نفوخه وصرخ: انتهى كل شيء يا سادين، استسلمي وإلا هفجر نفوخ حبيب القلب، وغرز ماسورة البندقية في ذراع صقر الذي صرخ من الألم. توقف ضرب الرصاص، وخرجت سادين تحمل بندقيتها من الباب، ثم ألقتها على الأرض ورفعت يدها فوق رأسها كما أمرها شيخ البلد. تحرك أحد رجال عبد التواب وجر سادين وألقاها على الأرض بجوار صقر.
هناك بعض القصص لابد أن تنتهي بنهاية منطقية، لكننا لا نرغب أن ينتصر الظلم، لكنني لا أبالي بما تعتقد. ابتسم عبد التواب بسخرية وأحاط رجاله بصقر وسادين. نقلت لك يا ولد جبر، اترك قريتي، لكن كرامتك نقحت عليك. ماذا أردت أن تثبت؟ ثم غمغم: الموت علينا حق، وما حدش بيهرب من قدره. وصوب بندقيته الآلية تجاه صقر وسادين: اقرأوا الفاتحة قبل ما تقابلوا وجه كريم. والرجال يضحكون بسخرية. همس صقر: الشرطة مش هتسيبك يا عبد التواب. الشرطة؟
صرخ عبد التواب وهو يركل صقر في معدته: الشرطة قبضت التمن من زمان يا ولد. أغمضت سادين عينيها وتبعها صقر. من بعيد جدًا انطلقت رصاصة أصابت قلب عبد التواب الذي سقط على الأرض من فوره. وقبل أن يتمكن رجاله من الهرب، رشقهم الرصاص من كل ناحية. أصيب البعض وقتل البعض، ثم ظهر رجل ملثم خلفه بعض الرجال: انهض يا صقر وسادين، أنا مش هقدر أقعد هنا كتير. الشرطة زمانها جاية ناحيتنا. عوض؟ صرخ صقر بفرح.
قيد عوض ورجاله رجال عبد الكريم، وقبل حضور الشرطة اختفى داخل الحقول نحو الجبل الشرقي. اعترف رجال عبد التواب بكل جرائمه تحت تهديد الشرطة، وسجلت جريمة قتله ضد مجهول. حمل صقر إلى المشفى وعولج ثم خرج، وكانت والدته في انتظاره. فرغلي، الذي نجا من الموت، اعترف أن سادين شريفة، وأنه كان حاضرًا يوم الجزيرة، ولم يحدث أي شيء خاطئ بينها وبين صقر. أخذ صقر زوجته إلى القاهرة وعاش مع والدته وأخته.
سادين الآن تدير شركة للاستيراد والتصدير، وتمارس لعبة العصا سرًا في قبو البيت. أصبحت قصة صقر وسادين تحكى لأطفال القرية، كيف ينتصر الحق، وكيف تقف الزوجة بجوار زوجها في أزماته، حتى لو اضطرت للضرب بالعصا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!