تحميل رواية «غرام في قلب الصعيد» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يا جد عبد الكريم؟ يا جد عبد الكريم؟ أدار عبد الكريم رأسه تجاه الصوت وضيق حاجبه، كان عوض العلاف يركض نحوه قابضًا على طرف جلبابه بين أسنانه. همس عبد الكريم في سره: "عوض العلاف بوشه الفقرى مش بيجي من وراه خير". صرخ عبد الكريم: "خبريه يا ولد، أنت عامل تصرخ زي نمس الزرع؟" وقف عوض العلاف قرب الجد وهمس: "أنا لسه جاي من المحطة يا جد". رفع عبد الكريم حاجبه بغضب، تذكر الزرعة القبلية وخلافه مع عائلة أولاد صقر. "ما الصقورة عملوا حاجة تاني يا ولد يا عوض؟" "لا يا حج"، همس عوض بقلق وارتباك. صرخ عبد الكريم بغضب...
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
يا جد عبد الكريم؟ يا جد عبد الكريم؟
أدار عبد الكريم رأسه تجاه الصوت وضيق حاجبه، كان عوض العلاف يركض نحوه قابضًا على طرف جلبابه بين أسنانه.
همس عبد الكريم في سره: "عوض العلاف بوشه الفقرى مش بيجي من وراه خير".
صرخ عبد الكريم: "خبريه يا ولد، أنت عامل تصرخ زي نمس الزرع؟"
وقف عوض العلاف قرب الجد وهمس: "أنا لسه جاي من المحطة يا جد".
رفع عبد الكريم حاجبه بغضب، تذكر الزرعة القبلية وخلافه مع عائلة أولاد صقر.
"ما الصقورة عملوا حاجة تاني يا ولد يا عوض؟"
"لا يا حج"، همس عوض بقلق وارتباك.
صرخ عبد الكريم بغضب: "امال فيه إيه؟ جاي تجري بزوابعك؟"
لكن عوض العلاف صمت، فلا يمكنه توقع ردة فعل الجد عبد الكريم.
"انطق يا ولد، فيه إيه؟"
همس عوض العلاف بصوت خافت: "أقول يا جد؟"
حك الجد عبد الكريم ذقنه وسند رأسه على عصاه.
"قول يا فقرى".
"البقية في حياتك يا جد، جبر ابنك يعيش أنت".
تعشت يد عبد الكريم فقد كان رجل مسن عمره تخطى السبعين.
"جبر مات؟"
"أيوة يا جد".
صمت عبد الكريم وجسده مستند على العصا، ثم صوب بصره تجاه حقول البرسيم والجاروج.
"جبر؟ لا حول ولا قوة إلا بالله".
وكان ابنه جبر على خلاف مع والده عبد الكريم عندما انتقل إلى القاهرة وتزوج من هناك على غير رغبة والده، ثم جرت بينهم قطيعة على أثرها جرد عبد الكريم ابنه من كل أملاكه وحرم عليه أن يرث منه.
وكان عبد الكريم يكره زوجة ابنه جبر ويلعنها في كل صلاة، لكنه أبداً لم يبدِ ضعفه وحرم على نفسه وكل بيته أن يذكر أمامه اسم جبر أو زوجته.
همس عبد الكريم بنبرة حازمة: "اجمع لي الأولاد بسرعة في الدوار".
ثم وقف ومشى بترنح نحو الدار الكبير وجلس في المنضرة ذات الشراعات المفتوحة المطلة على الحقول، وأمامه موقد فحم يستدفئ منه.
وصل أولاد عبد الكريم يركضون من كل جهة وتجمعوا أمام والده.
"أخوكم جبر مات، الخبر لسه واصلني قبل شوية".
لم يتجرأ واحد من أبنائه على فتح فمه، كان جبر عصا والده وحقت عليه لعنته.
"حضروا العربية وجهزوا نفسكم، إحنا لازم نسافر مصر قبل الدفنة".
وصلت السيارة القاهرة قبل العصر، وكانت استعدادات الدفن تجري بسرعة، وزوجة جبر ليلى هانم تتابع الاستعدادات بفستان أسود ضيق وتحجيبة غير محكمة.
نزل عبد الكريم من السيارة خلفه أولاده ووقف أمام باب البيت.
"ندخل يا أبوي؟"
همس عبد الكريم: "أنا مدخلتش بيت جبر وهو حي ومش هدخله وهو ميت. نادوا لي مراته الملعونة، أتكلم معاها".
وصل الخبر لليلى هانم، وكانت أول مرة تشوف عبد الكريم أو واحد من أبنائه.
وقفت أمامه بتردد ورهبة قبل أن تهمس: "إزيك يا حج؟"
"ابني هيتدفن في البلد وسط أهله وناسه".
"أنت بتقول إيه يا حج؟ جبر هيندفن هنا؟"
"اسمعي، سواء كنتي هانم أو حتى أميرة، ابني جبر هيتدفن في مقابر أجداده. خدتيه مني حي، مش هسمحلك تاخديه مني ميت".
"أنا ما خدتش حاجة يا جد، أنت لازم تحترم حزني، دا مش وقت الكلام ده".
صرخ عبد الكريم: "الكلام خلص يا مرة. هاتوا أخوكم يا أولاد على العربية".
اقتحم أولاد عبد الكريم البيت وحملوا جسد أخيهم نحو السيارة.
"مين دول يا ماما وواخدين بابا على فين؟" صرخ صوت ناعم خجول من على السلم تغطيه الدموع.
رفع عبد الكريم بصره، كان يعرف أن لجبر أبناء، لكنه لم يكن يعرفهم ولم يراهم قبل ذلك.
همست ليلى: "دا جدك يا لارا".
"راجي؟" همست لارا بخوف وصدمة، مما سمعته من والدتها كانت تعرف أن جدها رجل قاسٍ متوحش لا يملك أي قلب.
"أنا عايز أحضر دفنة والدي يا ماما!!"
زعق عبد التواب أخو جبر: "من عندناش حريم بتروح المقابر. جبر أخوي في العربية، عايزة تبصي على أبوكي، بصي عليه". وكان يتحدث بقرف.
"لا أنا عايزة أكون مع بابا، لازم أودعه لحظة الدفنة".
"اسكتي يا مرة، كفاية اللي حصل منكم". جاء صوت سعيد من داخل العربة.
رفع عبد الكريم عينه تجاه سعيد وعبد التواب، فوضع كل واحد منهم لسانه داخل فمه.
"أنا أصلاً لسه موافقتش إن جبر يندفن في البلد وبالشكل الغوغائي ده. أنا هتصل بالشرطة".
"شرطة؟" كررها عبد الكريم بغضب.
"والله لو جبتي الشرطة كلها، جبر ما هيندفن غير في قبر جدوده. خلص الكلام".
ثم سار يترنح تجاه السيارة.
ركضت لارا خلف جدها وفجأة أمسكت يده التي تستند على العصا: "ارجوك يا جدي، عايزة أحضر الدفنة!!"
"تحضري إيه يا بت؟" فتح سعيد فمه مرة أخرى: "قلنا معندناش حريم تروح المقابر".
قبلت لارا يد جدها الذي راح جسده يرتعش، لقد ذكره صوت لارا بابنه جبر، عيونها تحمل عيونه، وحاول أن يجذب يده لبعيد، لكنه ربت على رأس حفيدته.
"خلاص يا بتي، اركبي معانا".
"معاكم إيه؟" صرخت ليلى: "لارا هتركب العربية معايا، وبعد كده هيكون ليا تصرف تاني معاكم".
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
رفع عبد الكريم يده، "حفيدتي هتركب معايا." وكان قد شعر بالحنين تجاه لارا، أنها تذكره بابنه الذي تحرك منه قطعة لازالت حية تمشي على الأرض.
صرخت ليلى، "لارا اركبي العربية خلينا نخلص."
أطلق الجد نظرة غاضبة تجاه زوجة ابن جبر، "إنتِ متفهميش في الأصول يا بتي، لكن أنا راجل كبير والموت ليه حرمة. ما هوظ جنازة ولدي عشان واحدة زيك. اركبي مع أمك يا بتي خلي اليوم دا يعدي على خير."
وقبل أن تتحرك السيارات، ظهر شاب وسيم يرتدي قميص وبنطال أسود، رفع يده وصرخ، "إنتو رايحين فين؟"
"ومين دول يا ماما؟"
نزل عبد الكريم من سيارته وتأمل الشاب وملامحه الغاضبة، "أنا جدك يا ولدي."
صرخ صقر، "أنا مليش جد، أنا كان لي أب وخلاص مات ومفيش حاجة تربطنا بيكم."
صرخ عبد الكريم، "عيب الكلام دا يا ولد."
لكن صقر لم يقبل أي كلمة من جده، وصرخ، "حكمت على ابنك بالقطيعة في حياتك؟ إيه اللي خلاك تظهر دلوقتي؟"
ولم يكن كلام صقر يخلو من الحقيقة، لكن عبد الكريم لم يكن يقبل الإهانة. ورغم سنه الذي تعدى السبعين، رفع يده وصفع صقر على وجهه.
"لما تتكلم مع جدك تتعلم الاحترام يا ولد."
رفع صقر بصره وشعر الغضب من وجهه، "إنت راجل كبير وأنا مش همد إيدي عليك."
صرخ عبد الكريم، "أنا مش راجل كبير، أنا جدك يا ولد وكلام هيمشي على الكل."
كان أعمام صقر نزلوا من العربية ومستعدين يضربوا صقر.
صرخ عبد الكريم، "كل واحد في مكانه." ورفع عصاه في الهواء. "صقر اركب مع والدتك خلينا ندفن جبر والدي وبعدها هيقابلنا كلام كتير وكل واحد ياخد حقه."
صرخ صقر، "لا يا جدي، والدي هيندفن هنا."
همس عبد الكريم بصوت مهتز، "خلاص بقا يا ولدي متصعبهاش علي، كفاية إلى أنا حاسس بيه."
"قلت لك كل اللي ليه حق هياخده."
انطلقت السيارات نحو الصعيد، وكان في انتظار الجد عبد الكريم البلد كلها متجمعة على المقابر، كبار البلد والمأمور ونائب المحافظ.
وكان الصوان نصب ووزعت الطاولات والدكك والمقاعد، وذبح العجل من أجل الضيوف والمشايخ.
دفن جبر في قبر أجداده وجهزت غرف في البيت الكبير.
ليلى ولارا وصقر.
وقد كانت غرف فاخرة وليس كما توقعت ليلى ولارا.
أسرة كبيرة فاخرة، مكيفات هوائية، خزانة ملابس ضخمة وكبيرة، ولكل غرفة حمام خاص بها.
كان الجد عبد الكريم قد أصدر أوامره أن لا يقترب أحد من نساء الدار من ليلى وأبنائها.
انتهى الدفن وجلست الناس في الصوان تتلقى العزاء.
اقترب الجد من صقر الذي كان يجلس على مقعده بشرود.
"صقر!؟"
"نعم يا جدي."
"تعالى ورايا يا ولدي."
سار صقر خلف جده حتى وصل غرفة واسعة تتوسطها خزانة ملابس.
"افتح الدولاب يا ولدي."
فتح صقر خزانة الملابس.
همس الجد، "اختار لك جلابية تليق بمقاسك، ابن جبر عبد الكريم مش هيقعد في عزى أبوه بقميص وبنطلون. غير هدومك وتعالى على الصوان اقعد جنبي."
نزع صقر ملابسه وجرب أكثر من جلباب حتى وجد واحد على مقاسه، وكان مظهره داخل الجلباب رائع ووسيم.
اندفعت فتاة شابة إلى داخل غرفة الجد فجأة، ثم تسمرت لما لمحت صقر وكاد يغمى عليها.
همست بخوف، "أنا آسفة، كنت فاكرة جدى هنا وافتكرته محتاج حاجة."
ثم خرجت دون أن تتلقى رد بوجه محمر وخجل حد الموت، لأنها انكشفت على شخص غريب.
بعد ما وصلت غرفتها همست سادين، "أكيد دا مش شخص غريب طالما جدى سمح ليه استخدام غرفته."
وهي بتفكر شافت صقر خارج يقعد جنب جده في العزاء.
كان الجد المسن يعرف للمعزين بفخر، "صقر ابن المرحوم جبر ولدي." وكأنه قد شعر للحظة أن ابنه جبر هو الذي يجلس جواره وليس ابنه صقر، فقد كان صقر قطعة من والده ويحمل نفس ملامحه.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
جعل عبد الكريم حفيده ملتصقًا به خلال مراسم الدفن وخلال العزاء، أجلسه جواره.
همس عبد التواب بغضب: "مش كنا خلصنا من جبر ومراته الحرباية؟ يقوم يطلع لنا ابنه!"
"والله على قولك يا عبد التواب." همس سعيد بغضب. "شايف أبونا مقعده جنبه إزاي؟ مكبرة علينا إحنا اللي بنتعب وبنشقى في الأرض؟ إحنا أحق بالقعاد جنبه."
همس عبد التواب: "اقفل خشمك يا سعيد. كلها يومين ويغور في داهية. الحيطان ليها ودان يا واد أبوي."
وكان صقر، بعد أن اعتاد مراسم العزاء، ينهض ويجلس ويقول: "شكر الله سعيكم"، فيرد المعزون: "عظم الله أجركم". وكان بصدره العفي ينهض ويستقبل كبار القرية وأعيانها. فسرت همسات داخل الدار أنه هذا الشاب ابن جبر الذي كان في قطيعة مع والده.
غادرت ليلى القرية بعد الدفنة، لكن لارا أثرت أن تقعد مع صقر ويرجعوا بعد العزاء ما يخلص.
وكان كل من في الدار يحترم كلمة الجد عبد الكريم، فلم يجرؤ أحد الاقتراب من غرفة لارا.
كان الطعام يصلها في موعده، الدجاج واللحمة والبط والأوز والحمام والأرز المعمر.
وكانت تخرج أحيانًا أمام الدار أو خلفه تبحث عن صقر دون أن يعترضها أحد.
بينما كان عبد الكريم ارتاح لوجود صقر، وكان لا يحلو له الجلوس إلا وصقر معه.
بعد العزاء، يجلس أمام الدار مع باقي العائلة مع صقر ويتسامرون حتى وقت متأخر.
عندما انتهى العزاء، طلب عبد الكريم من صقر أن يقعد يومين تلاتة في القرية يستمتع بالحقول الخضراء والنهر، وأن القرية ستعجبه.
ولم يرفض صقر عرض جده، فقد شعر بالاحترام تجاه جده.
نام صقر ليلته، وفي الصباح استيقظ باكرًا وخرج نحو الحقول مرتدًا جلبابه البلدي والأسود. مر بين حقول الذرة تحفه أوراقها الخضراء حتى وصل النهر.
وكان النيل في القرية واسع وصافي، تلمع مياهه تحت نور الشمس مثل قطعة حرير تموج مع النسيم. أمواجه خفيفة، بتتحرك بهدوء، وأحيانًا تضرب ضفة الطين بلطافة كأنها بتهمس للأرض.
والضفتين مزينتين بحشائش الحلفا والخروع والغاب، والتي تنمو متشابكة ملتفة حول بعضها.
ثم شجرة جميز نمت إلى جوار شجرة صفصاف تضرب بفروعها نحو الشمس متأملة تجاه النيل.
جلس صقر قرب شجرة الصفصاف يستقبل شمس شتاء دافئة.
يرمق الصيادين داخل النهر، قوارب خشب صغيرة لونها متآكل من الزمن، تتحرك ببطء.
يجدف الصيادون بسكون ويلقون شباكهم داخل النهر بحرفنة.
وبعد أن تشتد الشباك وتسير مع الماء، يرفعها الصياد وبه من السمك ما يقر عينه.
الصوت الوحيد بجانب المجاديف هو نداء الصيادين لبعضهم وصوت الطيور التي تحلق حول الضفة تدور على رزقها.
ارتسمت ابتسامة على وجه صقر، أن هذه التفاصيل الصغيرة كان يفتقدها في حياته.
وكانت الشمس علت كبد السماء، والفلاحون مبعثرون في الحقول يرون الأرض أو يجتثون البرسيم لبهائمهم، وهناك آخرون يلتقطون الحشائش الضارة من بين الزرع.
لسعة نسيم بارد وغمره شعور بالسكينة.
وسرقة الوقت دون أن يدري، وكان الوقت ظهر، فسمع خطوات تقترب منه.
"صقر بيه، جدي عبد الكريم بيقولك تعالى اتغدى."
ابتسم صقر للولد الصغير الذي يرتدي جلباب أبيض لامع.
"صقر بيه مرة واحدة؟ إنت اسمك إيه؟"
"اسمي جبر."
"صقر بيه مرة واحدة؟"
"إنت اسمك إيه؟"
"اسمي جبر."
"ارفع صقر حاجة، جبر مين؟"
"جبر عبد التواب عبد الكريم."
"آه يعني إنت ابن عمي؟"
تردد جبر لحظة قبل أن يهمس: "أيوه."
"طيب تعالى امشي جنبي. إنت خايف مني ولا إيه؟"
"وأخاف منك ليه يعني؟" رد جبر بتحدي.
"امال مالك كده يا جبر قلقان؟"
همس جبر: "اصل جدي حذر أي واحد فينا يزعلك."
قال صقر: "طيب يلا بينا يا جبر. امشي وأنا همشي وراك لأني نسيت الطريق."
صمت جبر دقيقة، ثم رفع رأسه: "إيه رأيك نرجع من طريق الساقية البحرية؟"
قال صقر: "تمام، يلا بينا."
انطلق جبر يسير وصقر جواره يعبرون الحقول الواسعة، ثم انعرجا مع فحيرة واسعة مبنية الجوانب تشبه القناية.
"دي أرضنا على فكرة يا صقر بيه."
"تقولش بيه تاني يا جبر، أنا ابن عمك بسبعة."
بعد مدة، ظهرت أمامهم الساقية تغطيها شجرة توت ضخمة.
وكان الظل قد كساها وتساقط على الأرض توت أحمر.
وكان هناك فلاح يشوي قناديل ذرة على حطب أشعله.
عندما مر صقر، صرخ الرجل: "أهلاً بالغالي ابن الغالي، اتفضل يا صقر بيه."
تردد صقر، لكن جبر جذبه واقترب من الرجل الذي مد قنديل ذرة إلى صقر وجبر.
ضرب جبر أكواز الذرة في بعضها وخلصها من الغبار.
ثم ناول صقر واحد ومشيا تجاه الدار.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
قضم جبر من كوز الذرة الساخن.
"عارف يا صقر بيه؟"
"أنا ابن عمك، بس يا جبر مش بيه ولا حاجة."
صمت جبر لحظة يفكر.
" خلينا منرفعش الألقاب دلوقتي يا صقر بيه، لأن محدش يعرف اللي جاي إيه."
" أنا عارف إنك ابن عمي، لكن الكلام اللي كنت بسمعه عنك وعن عمي جبر خلاني أكرهك من قبل ما أشوفك."
ابتسم صقر، أعجبه صراحة جبر واحترم عدم كذبه.
"اردف جبر: خليك عارف إننا لما نرجع الدار، لا أعرفك ولا تعرفني، ولا اتكلمنا مع بعض، ولا دردشنا، ولا أي حاجة."
" يوه يا عم، أنا مش ناقص علقة من أبويا بالجريدة."
" أبويا دايماً يقول عليكم ناس شرانيين، وأنا مجرد ولد صغير معرفش في كلام الكبار."
ابتسم صقر مرة أخرى.
" حاضر يا جبر، حاضر، متقلقش، أنا ما اتكلمتش معاك خالص."
" كويس،" همس جبر وهو بيشد في المشية.
" إلا قول لي يا صقر بيه، هي والدتك فعلاً ست شرانية؟ يعني قاسية وكده، وهي اللي خلت عمي جبر يقاطعنا؟"
شرد صقر لبعيد، كانت بيوت القرية لاحت أمامهم.
" الموضوع كبير يا جبر، أكيد يوم ما هحكي لك كل حاجة."
" لكن لازم تعرف إننا بشر زيكم، أخطأنا وفينا حاجات كويسة."
" لكن عمي سعيد وأبويا بيقولوا كلام غير ده خالص؟"
توقف الكلام عندما وصلا البيت الكبير ذو الغرف المتعددة.
السفرة كانت معدة في المنضرة، مفروشة على طاولة.
رُص عليها ما لذ وطاب: دجاج مشوي، لحمة متبلة، حمام محشي، أوزة ضخمة، سلطات، طحينة، أرز، وفاكهة.
جلس الجد عبد الكريم على رأس السفرة، يليه أولاده مرتبين من الأكبر إلى الأصغر، ثم الأولاد الشباب والصغار.
عندما وصل صقر، رفع الجد صوته.
" صقر، تعالى اقعد جنبي."
بص عبد التواب يمين وشمال في غيظ، ثم نهض وترك مقعده لصقر، وجلس في آخر الطاولة.
كان الجد يقطع اللحم ويضعه أمام صقر.
" مش كده يا جدي؟ انت فاكر إني كنت عايش في الجبل؟"
همس الجد: " جسمك مش عاجبني يا صقر، كل واتغذى. أبوك الله يرحمه كان طول بعرض يسد الباب."
ابتسم صقر: " أنا ماشي على نظام غذائي يا جدي وبمارس تمارينى الرياضية."
" الشوربة يا جدي، زي ما طلبت."
" انتي مين سمح لك تدخلي هنا وفيه حد غريب يا زفت انتي؟"
صرخ عبد التواب في بنته سادين بغضب وثورة.
رفع عبد الكريم بصره إلى ابنه عبد التواب.
" محصلش حاجة يا عبده، وصقر مش غريب."
همس عبد التواب: " لكن يا أبويا..."
" لا لكن ولا ما لكنش يا أبو جبر،" رد الجد بحزم.
" صقر ابن أخوك وحفيدي، ومهما اللي كان حصل في الماضي، فضه مش هيغير معزته في قلبي."
كانت سادين واقفة بخوف والدموع على عينيها.
" امشي انتي يا سادين يا بتي، وشيلي الشوربة هنا."
خرجت سادين بسرعة وهي تمسح دموعها.
" ها، شوفتيه؟" سألت هند بنت عمها بصوت واطي.
" أيوه شوفته، وأبويا زعق فيا جامد."
" حلو زي ما بيقولوا؟"
ترددت سادين لحظة، بعدها ابتسمت: " أيوه حلو."
" وهو شافك؟"
ردت سادين بأستنكار: " طبعاً لا، ويشوفني ليه أصلاً؟"
" البت بت عبد الواحد شافته النهاردة قاعد على شط النيل، بتقول زي القمر. معقولة يكون ابن عمنا ومنعرفش شكله؟"
" اقفلي خشمك،" همست سادين بخوف، " لحسن حد يسمعنا عاد."
" حلو ولا وحش، إحنا مالنا."
" والنظام الغذائي على قولك يا صقر، دا إيه يعني؟"
كان الجد يحاول أن يمسك خيوط الحوار من جديد.
قال صقر: " يعني تاكل كميات محددة بسعرات ثابتة وتمارس تمارين رياضية قوية."
" زي بتوع المصارعة يعني؟" سأل العم الأصغر أمير باستفهام.
" حاجة زي كده يا عمي."
انطلقت نظرة متوعدة من عين سعيد ناحية أخوه أمير.
لكن أمير كان غارقاً في ورك دجاجة.
" يعني انت على كده تعرف تلعب بالعصا؟"
" أنا معرفش لعب العصا، لكن بلعب ملاكمة وتايكوندو وجودو."
" ودي زي لعبة العصا طيب؟" واصل أمير أسئلته.
تخلى عبد التواب عن صمته.
" دا لا عمره مسك عصا ولا عمر أبوه مسك عصا، هيعرف يلعبها إزاي يا أمير؟ دا أصغر عيل في أصغر عيلة هيهزمه من أول جولة."
" على أقولك يا أخويا،" وتجشأ أمير بصوت عالٍ: " العصا عايزة رجال."
" وأنا راجل،" أجاب صقر بتحدٍ وبفجائية أصابتهم بالاندهاش.
ارتفع ضحك مكتوم بين الأخوة.
" لو كان عندنا فرح قريب كنا شوفناك بتلعب العصا يا واد أخويا، لكن مفيش أفراح إلا بعد ستة شهور."
" ليه كده؟" سأل صقر.
" حداد على والدك يا صقر،" أفهمه جده الكلام ببساطة.
" إحنا هنفضل في حداد لمدة ستة شهور قبل ما نحيي الأفراح في بيتنا، دي عادتنا ودا سلو بلدنا."
صمت صقر، وفكر في سره: " دا جدي كان في قطيعة مع والدي ورغم كده هيعلن الحداد عليه 6 شهور؟"
وشعر بوقار أكبر تجاه جده عبد الكريم وأعمامه.
" للكل حاضر، وأنا هقول كلامي،" همس الجد عبد الكريم بصوت عالٍ.
" أنا قولت إن ليك حق يا صقر، وقلت إنك هتاخد حقك."
" حق إيه يا جدي؟"
" ورث أبوك جبر الله يرحمه،" همس الجد.
صرخ سعيد بصوت مسلوع: " لكنك يا والدي جردت جبر من كل أملاكه، إيه اللي غير رأيك؟"
" إحنا عارفين والبلد كلها عارفة إن الحج عبد الكريم مش بيرجع في كلامه؟"
رفع عبد الكريم بصره بغضب تجاه سعيد.
" المال مالي والأرض أرضي، ما شأنك انت؟"
" ولا انت عايزني أجردك انت من أرضك يا سعيد؟"
" لا يا أبويا، معاش ولا كان اللي يكسر كلمتك."
" طيب كويس، من النهاردة صقر واحد منا، وورث أبوه هيكون ليه كله."
نهض عبد التواب وزعق بغضب: " هو انت هتغير شرع ربنا ولا إيه يا أبوي؟"
" بتصلي بينا الخمس صلوات وكنت بتخطب بينا الجمعة، يعني عارف شرع ربنا."
" وشرع ربنا بيقول إيه يا عبد التواب يا ولدي؟ عرف أبوك. أصل عمره كبر وعقله شتت."
" بيقول إنك جردت جبر أخويا من كل حاجة، ووعدتنا هنا في المكان ده توزعها علينا."
" هو انت ناقصك أرض يا عبد التواب؟"
" حتة الأرض البحرية اللي اشتريتها من ورايا مش مالية عينيك؟ انت فاكرني قاعد على ودانى؟"
" والله وبالله اللي يفتح خشمه منكم، لأمنع عنه ورثي خالص."
شعر صقر بالإحراج.
" قال يا جد، مفيش داعي لكل ده، أنا مش جاي هنا عشان ورث أبويا ولا غيره، أنا جاي عشان الدفنة والحمد لله مستورة."
" وشهد شاهدًا من أهلها،" همس سعيد وعبد التواب في نفس واحد.
صرخ عبد الكريم: " بقا كده؟"
" اطلع نام يا صقر، والدي بكرة إن شاء الله تخرج معايا، أفرجك على أرضك وتشوف هتعمل فيها إيه."
" أختك لارا كمان اللي حابسة نفسها في غرفتها هتكون معانا."
" على فكرة، قول لأختك حريمنا مش بتعض، والله جدتها مقعدتش معاها ولا بنات عمامها ولا حتى حريم أعمامها."
" حاضر يا جدي، هطلع أتكلم معاها."
شطف صقر يده من كوز ما وطلع على غرفة لارا.
" اسمع يا واد انت وهو،" صرخ عبد الكريم ما إن خرج صقر.
" والله لو سمعت واحد منكم منع مراته أو بنته من الكلام مع بنت أخوكم، لكون مطين عيشته، جاتكم قرف."
جلس الجد أمام الدار يستقبل شمس العصريه، بينما في الداخل كان الزعيق المكتوم يرتفع والتوعدات على آخرها.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
عندما صعد صقر إلى غرفة لارا، سمع همسًا قادمًا من خلف باب إحدى الغرف الجانبية.
توقف للحظة، أنصت.
كان الصوت مكتومًا، لكنه تميّز بنبرة حادة تشي بحقد دفين.
– “أنا مش هسمح لحد يا سعيد، الأرض دى ارضنا واحنا اللي تعبنا فيها، انا شربت المر فى الأرض دى ايام ما كان جبر بيه بيلف على حل شعره فى مصر، والله عال يا سعيد، احنا نتعب ونطفح الكوتة ويجى حتت عيل يقلك ورث ابوة.”
– “بس ابوك مصمم يا عبد التواب.”
عرف صقر الصوتين فورًا، كانا سعيد وعبد التواب.
ابتسم بسخرية وأكمل سيره، لكنه لم يستطع منع عقله من التساؤل عن دوافعهما الحقيقية، ولماذا كل هذا الغضب من أجل أمر تافه.
وصل صقر إلى باب غرفة لارا وطرقه برفق.
لم تأتِ إجابة.
حاول مرة أخرى.
هذه المرة، فُتح الباب قليلًا لتظهر عينان خائفتان خلفه.
– “ايه يا بنت ابوى مالك عامله كده؟ خايفه من ايه؟”
– “انت بقيت تتكلم زيهم؟?”
خاطبته لارا بانفعال.
امسك صقر الباب بأيده وهمس.
– “مش هتنزلي؟”
– “أنا مش عايزة أشوف حد، يا صقر، الدنيا هنا غريبة، وأنا مش مرتاحة ومش عارفه اتعامل معاهم ولا اتكلم معاهم.”
– “هتعرفى ازاى وانتى حابسه نفسك فى غرفتك ليل نهار من اول ما وصلنا؟ دا حتى جدتك مسلمتيش عليها ولا تعرف شكلك.”
– “صقر!؟” همست لارا بشك، “بتقول بجد؟ دا انت مكنتش بتطيق الناس دول ولا تسمع سيرتهم، ايه إلى حصل؟”
– “جدى عبد الكريم باين عليه راجل حكيم وطيب وانا ارتحتله.”
وطت لارا صوتها وهمست.
– “دا بيعمل كده لانه حاسس بتأنيب ضمير، بكره هتلاقيه اتغير.”
قبل أن يرد عليها، سمع صوت صراخ عالٍ في الأسفل، تبعه ارتطام قوي وكسر زجاج.
عاد بسرعة إلى الطابق السفلي ليجد الجد عبد الكريم يقف في منتصف الغرفة، وفي يده عصا غليظة، بينما سعيد وعبد التواب ينظران إليه بوجوه شاحبة.
– “جدى هو فيه حاجه حصلت؟” همس صقر.
– “بيحصل إن البيت ده فيه ناس نسيوا الأصول!” قال الجد بغضب. “وأنا موجود علشان أفكرهم بيها.”
– “أنا ما فتحت الموضوع ده بالعاني علشان أسمع الاعتراضات، الأرض دي ليها صاحب، وهو ابن جبر الله يرحمه واللي مش عاجبه كلامي، الباب يفوت جمل.”
أراد عبد التواب أن يرد، لكن نظرة حادة من الجد أخرسته.
عندها، تدخل سعيد بصوت مخنوق.
– “يا ابوى، مش اعتراض، لكن… صقر ميعرفش حاجه فى أمور الأرض الزراعيه ولا يعرف يديرها.”
ابتسم الجد ابتسامة ساخرة وقال.
– “وانت إلى هتعلمه يا سعيد صح؟ صقر لازم يديك أرض ابوه علشان تديرها انت وتاخد بالك منها؟ دا ابن بندر يا ابوى واول ما هيملك الأرض هو والست والدته هيقول هاتك يا بيع، وانت عارف ليلى هانم اكتر مني.”
وكان عبد التواب تخلى عن صمته وركن اخيرا للحكمه والخداع.
صقر، إلى كان بيسمع بصمت، قرر أن يتدخل.
نزل ببطء درجات السلم وقال بصوت ثابت.
– “يا جدي، مفيش داعي لكل ده. أنا مش عايز أكون سبب في مشاكل بينك وبين ولادك!”
ارتفعت أصوات استنكار من الجد.
– “تسيب إيه؟ الأرض دي حقك، وما حدش هيحرمك من حقك طول ما أنا موجود.”
ألقى سعيد نظرة جانبية على عبد التواب، الذي بدا وكأنه على وشك الانفجار، لكن قبل أن ينطق بكلمة، قطع الجد النقاش وقال.
– “بكره الفجر، هنروح للأرض. وأنا هحدد كل شبر لصقر قدام عينيكم التخينة إلى هياكلها الدود دي.”
بعد العشاء، تسللت هند إلى غرفة سادين، التي كانت تجلس بجوار النافذة تنظر إلى القمر.
– “فيه حاجة غريبة بتحصل يا سادين، أبوكى وابويا شكلهم بيدبروا حاجة.”
نظرت سادين إليها بقلق.
– “تقصدي إيه؟”
– “مش عارفة، لكن سمعتهم بيتكلموا عن صقر.،حاجة ليها علاقة بالأرض والورث.”
سادين، التي كانت تشعر بالتوتر منذ دخول صقر المنزل، شعرت بقلق مضاعف.
هل يمكن أن يتحول الأمر إلى صراع علني؟
ان ابوها عبد التواب قاسى القلب ولا يعرف إلا مصلحته وهذا الفتى القادم من القاهره لن يزيد الطين الا بله.
كانت الدار الكبيرة نابضة بالحياة، رغم التوتر الذي يتخلل هواءها.
أصوات العائلة تتردد في الأرجاء، بينما يتنقل الخدم بين الغرف يحملون الأطباق الثقيلة.
في تلك اللحظة، كانت سادين تنقل سلة مملوءة بالفاكهة من المطبخ إلى غرفة الطعام.
بينما كانت تسير في أحد الممرات الضيقة، اصطدمت بشخص قادم من الاتجاه الآخر.
السلة سقطت على الأرض، وتناثرت الفاكهة في كل مكان.
– “آسف، ما كنتش شايفك.”
جاء صوت صقر، الذي كان يحمل كومة من الكتب بين يديه.
– “ما فيش مشكلة.” قالت بصوت منخفض، وهي تنحني لتجمع الفاكهة المتناثرة وعيونها تبحث عن والدها.
صقر انحنى بجانبها بسرعة.
– “شكلي دايمًا بعمل مشاكل في المكان ده.”
سادين لم ترد مباشرة، لكنها نظرت إليه بنظرة خاطفة قبل أن تعود لجمع الفاكهة.
كان صمتها يحمل شيئًا لم يستطع صقر تفسيره.
– “أنتِ سادين، مش كده؟”
سادين توقفت للحظة، ثم أجابت وهي تنظر بعيدًا.
– “أيوه.”
وكان صوتها مرتعب خائف.
– “وانت صقر؟”
– “بالظبط.” همس صقر، “أنا اللي الكل بيحب يكرهني هنا.”
سادين شعرت بظل ابتسامة يظهر على وجهها، لكنها أخفته بسرعة وهي تقف وتضع الفاكهة مرة أخرى في السلة.
– “انتى يا مقصوفة الرقبه واقفه بتعملى ايه عندك.”
صرخ عبد التواب وهى بيتحرك ناحيت سادين.
– “الفاكهه وقعت منى يا ابوى.” ردت سادين بخوف.
– “ليه عميتى يا بت سكينه ونزل القلم يغنى على خدها. امشى غورى من هنا ومش عايز اشوف وشك تانى.”
ثم نظر إلى صقر بقرف وضيق حاجبيه وهمس.
– “وانت خليك فى حالك.”
رصت الأطباق على السفره وجلس الجد على الطاوله وكان الرجال ينتظرون أمره ليجلسوا.
ثم ارتفع صراخ عوض العلاف.
– “يا جد يا جد اولاد صقر هجمو على الأرض إلى جنب السكه وبيعزقو فيها، ضربو الرجاله إلى شغالين فيها وبيقولو الراجل يقف قدامنا.”
انهض عبد الكريم بسرعه وتناول عبد التواب عكاز وسعيد عصا طويله وبقية الأخوة كل واحد منهم امسك عكازه وانطلقوا خلف عبد الكريم الذى كان يتحسس الطبنجه فى جيبه.
– “عثر صقر على عكاز جنب الباب وضعه فى ايده وركض خلف جده الذى اخترق الحقول المخضرة.”
– “مش كنا نجمع الرجاله الأول يا ابوى؟” سأل عبد التواب وهو يلهث.
– “قال عبد الكريم خايف منهم يا عبد التواب؟”
– “برضه يا ابويا عتكول كده؟ انا بس عارف ان ولاد صقر عيالهم كتير وميعرفوش الأصول.”
– “متخفش يا عبد التواب لو قلو ادبهم هنربيهم.”
وعندما وصل عبد الكريم وجد عائلة اولاد صقر كلها متجمعه.
وأدرك انه امر خطط له بليليحتلون أرضه ويزرعونها.
صرخ عبد الكريم.
– “وقف عندك انت وهو.”
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
كان أولاد صقر، وعددهم الكبير، متسلحين بالعصي والشوم والخرزانات والعكاكيز، من أكبرهم لأصغرهم.
وكان الطريق ناحية المحطة مسدوداً باتباعهم.
أدرك عبد الكريم أنه وقع في فخ، لكن لا سبيل للتراجع. فهو من كبرات القرية، بل أكبر شخصية فيها. وإذا تراجع الآن سيفقد احترامه.
وعبد الكريم يفضل أن يفقد حياته ولا يفقد كرامته.
صرخ عبد التواب:
اطلع يا كلب منك له من أرضنا، والله اللي يحطه رجله في أرضنا لأضربه بالشومة.
ظهر فرغلي، وهو شاب قوي مفتول العضلات من عائلة أولاد صقر، معروف بتهوره، وصرخ:
اقفل خشمك يا عبد التواب، لحسن أدفنك مطرحك أنت وأبوك.
ولوح بعكازه في الهواء.
من بعيد، صرخ دياب:
الزم حدك يا فرغلي، بلاش قلة أدب. دي أمور يحلها الكبار.
صرخ فرغلي:
معدش فيه كبار ولا صغار يا أولاد عبد الكريم.
وفي لحظة، أحاط أولاد عائلة صقر بعبد الكريم وأولاده.
أمسك فرغلي عبد الكريم من ملابسه وهزه مثلما يهز دجاجة:
هدفنك هنا يا عبد الكريم، فاكر جدي الله يرحمه؟
أنت هتحصله يا عبد الكريم.
وفكر عبد الكريم أن يخرج الطبنجة، لكنه لاحظ أن هناك أشخاصاً مختفين بين الأشجار يحملون بنادق آلية، مطاريد الجبل المطرودين والمطلوبين من الشرطة.
ولم يتحمل جسده الضعيف يد فرغلي القوية، التي تهرس غلة الفول وتطحنها مثل الفرّامة.
ترغرغت عيون عبد الكريم، وضاقت اللياقة على رقبته، وشعر باختناق.
وشعر عبد التواب أن والده يموت، فرفع العصا وضرب بها يد فرغلي بكل قوته.
لكنه تلقى ضربة على رأسه من الخلف.
سقط عبد الكريم على الأرض.
وكان عوض العلاف يصرخ من بعيد ويطلب النجدة، ويصيح أن الجد سقط على الأرض.
وكان سعيد ودياب وعقل يصارعون بعض الرجال، وقد تلقوا العديد من الضربات.
والنساء تصرخ من البيوت القريبة.
وفرغلي وأولاد عمه يضربون أولاد عبد الكريم من كل جهة.
وفرغلي يصرخ:
يا بلد مالكيش كبير، ويا عيلة ما فيهاش راجل.
عبد الكريم يسعل، غير قادر على بلع ريقه.
تكوم دياب على الأرض وقد تخضبت رأسه بالدماء.
وكانت يد سعيد المكسورة ممدودة إلى جواره.
ودياب الصغير وعقل قيدهم أولاد صقر وألقوا بهم على الأرض.
وفرغلي يصرخ:
يا عيلة مشيفش فيكي راجل.
والبلد كله تعرف من أولاد صقر، وإيه اللي يحصل لأي حد يتجرأ يتحدّاہم.
ويصرخ بسخرية:
متقوم يا عبد التواب تدافع عن أبوك الكبير؟
ولا خلاص معادش فيه رجالة.
وعبد التواب غير قادر على نصب طوله.
والرجال تضحك على المنظر المخجل.
فرجال عائلة عبد الكريم ساقطين على الأرض.
وكان نساء دار عبد الكريم حضرن يركضن، وعندما رأين جدهن وأبائهن ساقطين على الأرض، راحن يصرخن ويلولون.
وسعادين تصرخ:
سيب أبويا يا فرغلي.
صرخ فرغلي:
مبقاش غير النسوان في عيلة عبد الكريم، ولا إيه؟
بقا جايب الحريم تدافع عنك يا عبد الكريم؟
أحنى عبد الكريم رأسه في خجل.
وكانت الشرطة ورجال العائلات الأخرى قد تأخروا في الحضور، والعار طالهم جميعاً.
وكان صقر لازال يركض في الحقول، لا يعرف طريق الأرض ولا سكتها.
حتى سمع بعض الأطفال يتصارخون فيه:
عركة يا عيال، فرغلي بيضرب عيال عبد الكريم.
صرخ صقر:
فين العركة يا ابني.
أشار الولد إلى أرض بعيدة، وهو يتساءل:
أنت مين؟
ركض صقر بكل سرعته، وعندما وصل، كان العرق يتصبب من كل جسده.
اندفع بسرعة داخل الدائرة نحو جده عبد الكريم.
دفعه فرغلي بيده في صدره:
ابعد بعيد يا جدع، أنت ملكش دعوة.
همس صقر:
ابعد إزاي، دا جدي.
صرخ فرغلي:
والله وحلوت أنت بقا ابن البندر؟
همس صقر:
أيوه أنا ابن البندر.
وتلقى دفعة أخرى من يد فرغلي.
صرخ فرغلي:
طيب روح العب بعيد يا حبيبي، وسيب الرجالة للرجال.
رفع صقر رأسه:
وأنا راجل، ولا أنت مش شايف؟
قال فرغلي:
لا مش شايف، وامشي انجر من هنا، متركبناش العار ويقولوا ضرب ضيف.
همس عبد الكريم:
ابعد يا صقر، ملكش دعوة.
صرخ فرغلي:
اسمع كلام جدك يا ولد، انت وغور من هنا.
رفع صقر العصا، لكنه تلقى ضربة عكاز قوية على ظهرها.
استدار صقر ناحية الضربة، وأمسك الرجل الذي ضربه من عنقه، ورفعه عن الأرض، ومشى به وهو يتلقى الضربات من كل ناحية، لكنه استمر في السير حتى ألقاه وسط الزرع.
ثم رفع عكازه وضرب به كل من كان يقترب منه.
قلع فرغلي جلبابه، وارتفعت صيحات الأطفال:
فرغلي دخل العركة يا ولاد.
وكان صقر ينقل العكاز من يد ليد برشاقة، ويضرب أولاد صقر حتى صدت عصاه عصا فرغلي، الذي كان يرتدي الصديري، وشعر صدره الأسود منتصباً مثل أشواك النخل.
صرخ صقر:
بتتكاتروا على راجل كبير في سن أبهاتكم؟
قال فرغلي:
وأنت بقا اللي هتخدله حقك يا صقر؟
نطقها صقر بلهجة مصرية:
أيوه أنا يا فرغلي.
جعلتهم يضحكون.
قال فرغلي:
طيب قابل الحديد يا ولد.
وضرب صقر بعكازه.
تلقى صقر العصا بعكازه، وانفتحت دائرة تشاهد العركة بفضول.
فرغلي لم يخسر معركة أبداً، ولو كان هناك فتوى لأصبح هو فتوى القرية بلا منازع.
عندما صد صقر الضربة، اغتاظ فرغلي ووجه عدة ضربات متتالية تجاه صقر، أجبرته على التراجع تحت الضغط.
رفع عبد الكريم عيونه ورمق صقر.
إنه يذكره بابنه جبر عندما كان شاباً صغيراً، فقد كان يتلاعب بالعصا بكل سهولة كأنه ساحر.
تفادى صقر ضربة قوية من عصا فرغلي، ثم قفز حوالي متر، وضرب فرغلي ضربة فجائية بكل قوته.
تلقاها فرغلي بتعريض عصاه قبل أن تصل رأسه.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
لكن الضربة كانت قوية بما يكفي لتجعل فرغلي يتراجع خطوة للخلف. ورغم أنه نجح في صدها، إلا أن ألمها ظهر على وجهه للحظة، مما أثار دهشة الجميع.
صقر، الذي كان يلهث قليلاً، أعاد التوازن لعصاه ونظر لفرغلي بثبات، وقال بصوت مليء بالتحدي:
“مش كل حاجة تتحل بالعافية … لكن لو العافية هي لغتكم، أنا جاهز أتكلم بيها.”
تطايرت نظرات الحشود بين صقر وفرغلي، حيث أدرك الجميع أن المشهد قد تغيّر. لم يعد الأمر مجرد هجوم عشوائي من أولاد صقر، بل أصبح اختبارًا لهيبتهم أمام هذا الفتى الذي لم يكن أحد يتوقع أن يمتلك هذه الجرأة.
أطلق فرغلى ابتسامة باردة، ونجح فى إخفاء اضطرابه.
” ثم جارى صقر فى كلامه أنت جاي من البندر عشان تعلمني إزاي أتصرف في أرضي؟”
رد صقر بثقة:
“مش بعلمك حاجة، لكن دى مش أرضك.”
ازدادت همسات الجمهور، وأصوات النسوة. بينما فرغلي حسم أمره، وهاجم صقر بضربة عنيفة مستهدفًا كتفه.
صقر، بخفة حركته، انحنى إلى الجانب، واستدار بسرعة ليضرب فرغلي في ركبته، لكن فرغلى قفز برشاقه.
لف فرغلى العصا بين يديه بخفة.
ثم انحنى نصف انحنائه وهمس:
“تعالى يا ولد البندر.”
اندفع صقر بحماس الشباب وصوب على فرغلى الذى تحرك فى اخر لحظه وصفع صقر على ظهره بخفه.
ثم همس بسخريه:
“جرب مره تانيه يا واد ليلى.”
ولما سمع صقر اسم امه غلى الدم فى عروقه. وهجم على فرغلى مسدد عدت ضربات متتاليه يمين وشمال وفرغلى يصد الضربات بحرفنه.
وعندما لاحظ تعثر قدم صقر اليسرى صوب ضربه قويه نحو ركبته اجبرته على الاهتزاز. وقبل ان يدرك ما حدث تلقى ضربة عصا قويه على كتفه جعلته يصرخ من الألم.
لم يبتسم فرغلى كعادته. وبسرعه شديده بادل العصا فى اليد الأخرى وصوب ضربه أخرى على ذراع صقر اليمنى.
طار العكاز من يد صقر على الأرض. وانقلب صقر على الأرض بلفه دائريه وامسك بالعكاز بيده اليسرى فقد كانت يده اليمنى تتآلم بشده.
هجم فرغلى على صقر الذى كان يعارك بيد وقدم واحده.
وصقر يصد ضربات فرغلى العفيه والعرق يتصبب منه وقد نال منه التعب حتى تلقى ضربه طوليه بنصل العكاز فى صدره احدثت كسر فى قفصه الصدرى.
“كفاية!” جاء صوت صارخ عميق وقوي من بعيد، جعل الجميع يلتفتون.
اقترب شيخ البلد بخطوات واثقة، وعيناه تتفحصان المشهد.
“عار عليكم!” قال الشيخ بصوت غاضب. “دي بلدكم ولا ساحة حرب عاد؟”
في هذه اللحظة، ساعد عوض العلاف عبد الكريم على الوقوف، بينما صقر تقدم بخطوات ثابتة نحو جده، داعمًا إياه بذراعه السليمه.
“خلص الكلام يا شيخ البلد، ومن النهرده الحقوق هتتاخد بالعافيه.”
ارتفع صياح عيال صقر، فرغلى الناجى اصمله عليها.
هز الشيخ رأسه باحترام وقال: “حقكم محفوظ يا عبد الكريم ، بس بلاش الدم يولع البلد. واللي غلط هيتحاسب قدام الكل.”
ابتعدت الحشود ببطء، وكل عينٍ تراقب صقر الذي أثبت أنه ليس مجرد “ابن البندر”، بل رجل يحمل إرثًا من الكبرياء والشجاعة.
وكان فرغلى رغم نصره شارد لبعيد حيث يساعد صقر اعمامه على النهوض ويسند جده عبد الكريم من ذراعه.
نصب صوان امام منازل اولاد صقر وارتفع المزمار والطيب البلدى. وحضر الكثير من عائلات القريه يمسون ويدعمون اولاد صقر فى فرحتهم.
وكان بيت عبد الكريم صامت كأن لهم ميت لم يدفن بعد، وارتدت النساء الأسود وعبد التواب يصرخ داخل الدار ويهشم فى الأثاث ويضرب الحيطه بيده.
وسعيد ودياب وعقل يصرخون:
“مش هنقدر نرفع راسنا تانى فى البلد.”
بينما جلس عبد الكريم امام البيت يدخن الجوزة وامامه موقد من الحطب وضعت فوقه كنكه وعوض العلاف جالس تحت قدمه يضع الفحم فوق الجوزه ويصنع الشاى.
اخذ صقر حمام طويل وسرعان ما انتشر التورم فى ذراعه وقدمه وشعر بألام فى صدره وهاتفته والدته ليلى هانم بعد أن وصلت إليها انباء العركة وامرته ان يترك القريه ويعود.
لكن صقر رفض.
حيث رافقها إلى المحطه ومن هناك ذهب بمفرده نحو المشفى.
وبعد الاشعه التى وضحت وجود كسر فى عظام الصدر وشعره فى اليد اليمنى احتاج الى علاج ووضع جبيره.
ثم عاد إلى الدر فى الحنطور.
وعندما نزل من الحنطور رمقه عبد التواب بغضب.
“ايه إلى انته عامله ده؟ مش كفايه العار إلى احنا فيه؟”
همس صقر باستغراب:
“انا عملت ايه يا عمى؟”
صرخ عبد التواب:
“ايدك الى فى الجبيره دى؟ لو حد شافها من أهل البلد هيمسكو سيرتنا وتبقى على كل لسان.”
ولم يفهم صقر كيف تكون جبيره سبب فى كل ذلك العار.
بينما عمه الذى سقط فى العركه وبطح فى رأسه وكل حته فى جسمه تنز دم لا يشعر بالعار.
صرخ عبد الكريم:
“كافيه يا عبد التواب سيب صقر فى حاله. لولا ولد اخوك النكسه كانت هتبقى اكتر. ولد اخوك وقف قدام فرغلى لوحده، عارف دا معناه ايه؟ فرغلى إلى كان بيسوق بالعشرة رجال قدامه صقر عاركه بمفرده وهو لا خبره لديه فى ضرب العصا.”
ولم يتحمل صقر كل ذلك، سحب عكازه وانطلق وسط الحقول. أراد أن يبتعد عن كل هذا الهراء ويجلس فى مطرح هاديء يعيد ترتيب أفكاره.
وصل شاطيء النيل وجلس تحت الصفصافه ورمق غليون يعبر ماء النهر الصافي.
شاهد صياد يرمى شباكه داخل النهر مرتدى جلباب ابيض ومعه طفل صغير يجدف.
لفحته نسمه بارده ورغم الألم فى صدره هدأت روحه وتذكر العركه وكيف كان فرغلى يتحرك برشاقه مستخدم كل جزء فى جسمه بينما كان هو مندفع مثل الثور بلا عقل.
إلى جواره فى غيط من البرسيم كانت صبيه تحش الربيع وترصه فوق بعضه ثم ربطت الشيله بحبل وتلفتت يمنه ويسره لم يكن هناك غير صقر فهمست بخجل:
“انت ياجدع انت ممكن ترفع عليه شيلة البرسيم لحسن الوقت تأخر وابويا مش هيرحمنى.”
نهض صقر واقترب منها ولما لاحظت يده فى الجبيره همست:
“انا اسفه انت متعور؟”
“دى حاجه بسيطه متقلقيش.”
ثم مد يده السليمه وامسكت البنت بيده من الناحيه الأخرى ورفعت شيلة البرسيم فوق رأسها ثم شكرته ومضت إلى حالها.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
قال عبد الكريم كأنه يتحدث مع نفسه:
"انت قسيت على ولد اخوك جبر يا عبد التواب، لو كان عندك ذرة فهم كنت عرفت ان صقر هو إلى حافظ على شوية الكرامه إلى فاضلين لينا."
همس عبد التواب:
"المصيبه كبيرة قوى قوى يا ابوى، وانا مكنتش عارف بقول إيه."
ولم يرد عبد الكريم أن يوبخ ابنه، كان يعرف ما يجول في صدره، الذل والمهانة التي يشعر بها، الطبل والزمر الذي يصدح في بيوت أولاد صقر، والزغاريد التي وصلت عنان السماء.
همس عبد التواب:
"وحياة شيبتك يا ابويا إلى اتهانت، لاخد حقنا تالت ومتلت، ولاخلى فرغلى يبوس ايدك قدام كل اهل البلد."
"فرغلى قاسي يا عبد التواب وانت وقفت قدامه قبل كده وخسرت."
صرخ عبد التواب:
"كان فرح يا ابوي، لكن إلى جاى انتقام."
قال عبد الكريم وهو يكتم غيظه:
"إلى مأثر فيه ولاوى دراعى انى مش هقدر اضربهم بالرصاص. لو عملت كده هبقى كسرت الأصول، اولاد صقر هزمونا بالعصا ولازم نهزمهم بالعصا."
صرخ عبد التواب:
"انا لها يا ابوي وحياتك ما هسيبه."
ثم ظهر دياب:
"واحنا كمان مش هنسكت يا ابوي، احنا مش صغيرين."
رمق عبد الكريم الحقول في شرود:
"بقا على اخر الزمن الواحد يتبهدل يا اولاد؟ ابقى شيخ بلحيه ويزقونى على الأرض."
ثم كأنه نسي كل الكلام صرخ:
"بقا انتم رجاله انتم؟ تسيبو اباكم يتمرمط كأن ملوش عزوه؟"
وكان شيخ البلد ومأمور القسم قد وصلا يطلبان الصلح بين العائلتين، لكن عبد الكريم رفض.
"إلى بداء بالعصا، ينتهى بالعصا يا شيخ البلد، مش هى دى الأصول ولا إيه يا شيخ بلدنا؟"
وصمت شيخ البلد في حضور المأمور وهمس لعبد الكريم:
"فرغلى مفيش بنى ادم هيهزمه فى العراك بالعصا يا عبد الكريم، بكفايه إلى حصل!"
صرخ عبد الكريم:
"الكلام خلص، ليكم واجب تأخدوه لكن صلح مفيش."
وشعر المأمور بالاختناق، فهو لا يفهم تلك القواعد التافهة التي يتحدثون عنها، ولا يعرف كيف أن الأصول تقول إن يتعاركا بالعصا حتى يموت واحد منهم. وكان يستعد للنقل إلى الاسكندريه ولا يرغب في وجع دماغ.
"لو أي جريمة حصلت في القرية أنا بحملك المسؤولية يا شيخ البلد."
ثم ركب سيارة الشرطة وغادر المكان.
لكن الولد صقر ابن أخوك دا ولد يا عبد الكريم، لو كنت عايز نصيحتي سيب صقر براحته ومتأثرش عليه.
وفهم عبد الكريم ما يقصده شيخ البلد، وغمرته لمحة حزن وهو ينظر لعبد التواب وسعيد وعقل ودياب.
تسللت الشمس ناحية الغروب، وكان صقر جالس في مطرحه غير قادر على فهم ما حصل حتى الآن.
مر من جواره رجلان جلفان يغطون وجوههم بالشال ويعلقون على أكتافهم بنادق آلية.
نزلا من على القيف قرب الماء، ثم حملهما قارب إلى الناحية الأخرى. عبروا جزيرة صغيرة بنيت فوقها بعض البيوت، ثم واصلوا طريقهم حيث يقبع الجبل الشرقي. كانوا من المطاريد الذين استأجرهم أولاد صقر ودفعوا لهم النقود.
لم يعرهم صقر أي اهتمام، لكنه سمعهم يتهامسون باسمه، وكانوا تعرفوا عليه خلال الشباط. وكان واحد منهم يهز رأسه باستمرار، والآخر يتحدث بصوت خافت، قبل أن يختفي القارب في ظلام المغربية.
وكان نساء آل عبد الكريم وبناته يشعرون بالمرارة والخزي، فقد ضرب أولاد صقر أزواجهم وآباءهم وأعمامهم. ونساء القرية يتهامسن عن المعركة ويضحكن خلف ظهورهم.
وسادين تنقل عينها بين والدتها وجدتها التي ربطت رأسها بشال وتنام متربعة مزهولة قرب الباب. فبيت عبد الكريم لم ينكسر على طول عقود طويلة، وها هي الآن وقد شاب شعر رأسها تشعر بالعار، عار ضرب أولادها أمام كل رجال القرية.
وفكرت سادين:
"تعرض والدي لضرب مبرح، لكنهم تكاتروا عليه. لم يكن من المنصف أن يقاتل جماعة بمفرده."
ثم تذكرت صقر، ابن عمها، وكيف كان يقاتل بمفرده مجموعة من أولاد صقر، وكيف تعرض للضرب وكسرت يده اليمنى.
"رغم ذلك لم يترك عكازه."
"لقد كان أولاد صقر على وشك تحقيق نصر مذهل لولا وجود صقر في القرية."
وشردت وهي تتأمل صقر وهو يضرب بالعصا ويقفز ويكيل الضربات لأولاد صقر مثل الوحش، رغم قلة خبرته في ضرب العصا.
"لقد أبقى صقر على كرامتهم والبلد كلها تعرف الآن أن لديهم رجلًا من الممكن أن ينافس فرغلي."
ولم تنس همس الفتيات عن صقر خلال العراك، وكيف تغزلن في قوته وهيبته وجماله.
"لقد أوشكت أن أصرخ إنه ابن عمي، لكن رؤية والدي طريح الأرض أسقطت عزيمتي."
ثم تساءلت:
"أين صقر الآن؟"
فلم يكن موجودًا داخل الدار، ولا تستطيع رؤيته.
وكان هند، ابنة عمها سعيد، حدثتها عن صراخ والدها في صقر واتهامه بأنه جلب لهم العار بوضع الجبيرة على يده، وأنه حتى لو كسرت يده أو شق قلبه أو زحف على الأرض، كان عليه ألا يذهب إلى طبيب حتى يأخذوا بثأرهم.
همست سادين:
"وما ذنب صقر في كل هذا؟ إنه لم يولد هنا ولم يتربى على عاداتنا، وليس مسؤولاً عن ما آل إليه حالنا."
ثم شعرت بالغضب الدفين، لأنه ليس من المستبعد بعد الذي حدث أن يتجرأ أي شاب تافه ليس له أصل ولا اسم عائلة أن يتقدم لخطبتها.
ثم وقفت في الشرفة تنظر تجاه الحقول، وقد اكتسى الغرب بلون قرمزي، والليل يزحف ببطء ليحتل آخر ذرات النهار. والفلاحين يجرون مواشيهم على الطريق المترب نحو منازلهم، والنساء يحملن شيل الربيع أو حاملات القفة خلف أزواجهن بعد نهار مرهق قضوه في عزاقة الأرض.
وكان صقر لم يظهر بعد، حتى أن جدها عبد الكريم أرسل عوض العلاف للبحث عنه بعد أن شعر بالقلق لاختفائه. ولم يكن لأحد نفس للأكل بعد أن تحول الدار لمأتم، والأطفال الصغار يصرخون من الجوع.
حتى دخل عبد الكريم الدار وصرخ:
"أنتِ يا ولية انتِ وهى فين طعام الأطفال؟ ليه مطبختوش أكل للرجال؟ هو إحنا هنموت من الجوع ولا إيه؟"
وكان يحاول كسر حالة الجمود التي أصابت أهل الدار، فهو يعلم أن الثأر قد يتأخر وقد لا يحدث في وجود فرغلي. ولأول مرة يفكر في اغتيال فرغلي.
"رصاصة شاردة تطرحه أرضًا ولن يستطيع أي شخص أن يثبت تورطه."
لكنه شعر بعار أكبر أن عقله يفكر بتلك الطريقة القذرة.
وصل عوض العلاف شاطئ النيل وراح يصرخ:
"يا صقر بيه؟ يا صقر بيه؟"
لكنه بعد لحظة أدرك فداحة تهوره، فمن الممكن أن يسمعه واحد من أولاد صقر ويقوم بضربه. فقد ضربوا أولاد عبد الكريم، فما بالك وهو علاف سيطحنون عظمه.
فراح بهمس:
"صقر بيه ويتحسس طريقه في الظلام."
"وجد صقر جالسًا على شاطئ النيل كأنه في نزهة."
"الجد عايزك يا صقر بيه، بيبحث عنك في كل مكان."
وشعر عوض العلاف باستياء بالغ، أن عبد الكريم أرسله هو ولم يرسل واحدًا من أحفاده لخطورة المهمة، وأنه لو لم يكن علاف ما كان أرسله.
فبلع ريقه وهمس:
"خلينا نروح يا صقر بيه، أنا أعرف طريق غامض يوصلنا بعيد عن عيون أهل البلد."
فقال صقر:
"بل نذهب من الطريق العام أمام كل أهل القرية، فليس لدي ما أخشاه."
وسحب عكازه بيده السليمة.
همس عوض:
"أنت متعرفش أهل البلد زي يا صقر بيه، مش هيبطلوا يتمسخروا عليك ونعمل أكتر من مشكلة في طريقنا."
ورد صقر:
"أنا مستعد."
"لكنك مصاب." همس عوض بخوف.
"حتى لو كنت بيد واحدة يا عوض، فأنا مستعد."
ومشى عوض خلف صقر، لكن صقر قال:
"امشي جنبي يا عوض وارفع راسك."
تركوا الحقول ووصلوا الطريق الرئيسي، وقابلتهم تجمعات لفتية القرية. وكان صقر يرمي السلام ويتلقى التحية. لكنه في بعض الأحيان كان لا يتلقى ردًا. إن ما حدث غير موازين القوة داخل القرية، ولا أحد يرغب في عراك مع أولاد صقر.
وسار صقر وسط الحشود، والناس تنظر إليه بفضول، وعوض غاطس وسط هدومه. لم يعترض أحد طريق صقر، وعندما وصل البيت ولمحه جده:
"صقر؟"
"وكان الظلام يحجب الرؤية."
"أيوة صقر يا جدي."
"انت مشيت وسط البيوت يا صقر؟"
"أيوة يا جدي."
"عفارم عليك يا صقر والله، الناس لازم تعرف أننا لسة فينا روح وأن اللي حصل لا يمكن يكسرنا."
وشعر عبد التواب بالغضب، أن ما فعله صقر أمر مشرف، وأنه لا يخشى أولاد صقر ومشى بين بيوتهم مرفوع الرأس، بينما اختبأ هو داخل الدار يولول مثل النساء.
أشعل ذلك الحقد داخل صدره:
"سيكون هو من يرجع كرامة العيلة وليس هذا الشاب القاهري."
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
جلس صقر إلى جوار جده. كان موقد الحطب يبعث الحرارة إلى الدكة. وضع يده فوق الحطب يستمد الدفء.
"أنا مش عارف يا جدي ليه شاعرين بالعار؟ أنتم وقفتم قدام عيلة أولاد صقر كلها لوحدكم. أنتم كنتم خمسة يا جدي قصاد عيلة كاملة!"
"انت اللي وقفت قدامهم لوحدك يا صقر، انت اللي تصديت لفرغلي وتعركت معاه بمفردك. إن كان فيه حد حفظ كرامتنا فهو انت مش أي حد تاني.
أعمامك كلهم كانوا مطروحين على الأرض قبل وصولك. انت اللي مديت إيدك ورفعتني من على الأرض مش أي حد تاني."
كان عبد التواب وسعيد ودياب وعقل يتابعون الكلام بضيق وهمسات ساكنة تدور بينهم.
نساء الدار جالسات إلى جوارهن يتهامسون.
وقال الجد: "عارف يا صقر؟ مكنتش ممكن أصدق إن فيه شخص في القرية ممكن يقف قدام فرغلي. أصل العراك مش قوة بس، دا فن يا صقر.
وفرغلي حريف عصا. فرغلي بيروح الموالد في كل مكان وفي كل مرة بيرجع منتصر. وداخل القرية هنا مفيش شخص واجه فرغلي وطلع منتصر أو حتى قدر يلمس جسمه بالعصا. انت عملت كل ده بإيد واحدة."
رفع عبد التواب صوته: "بكرة تشوف يا أبوي هعمل فيه إيه. ورحمة أخوي جبر لأجيبه الأرض قدام البلد كلها."
وكان ذكر جبر أمر غريب في هذا المجلس. عبد التواب لا يطيق جبر وابنه وكل ما يمت له بصلة.
واصل عبد التواب حديثه: "عفارم عليك يا صقر يا واد أخوي.
لكن انت مهم، كان يعتبر من البندر ولازم واحد من أولاد عبد الكريم يهزم صقر، ولا إيه رأيك يا أبوي؟"
فكر عبد الكريم: إن عبد التواب أحمق، لكنه نطق الحقيقة.
فجحا أولى بثأر. وانتصار عبد التواب على فرغلي سيعيد له هيبته وللعائلة وقارها.
"معاك حق يا عبد الكريم، جهز نفسك وفي أول فرصة عارك فرغلي واهزمه."
ثم أخذ بعضه ومشى يتكئ على عصاه نحو غرفته.
"أنا هقوم أنام."
ونهض صقر هو الآخر إلى غرفته.
اقترب سعيد من عبد التواب وابتسم بمكر: "خبريه يا أبو جبر؟ الحنين واخدك أوي لجبر وابنه؟
تكونش غيرت رأيك؟ ولا يكون شهر العسل بينك وبين صقر بدأ؟"
نهض عبد التواب بغضب: "هتفضل طول عمرك غبي يا سعيد. خليك انت داير ورا البهايم، لكن أنا ليا عركة لازم أستعد ليها."
ومضى أسبوع. القرية كلها لا حديث لها سوى فرغلي وما فعله في عائلة أولاد عبد الكريم.
حتى شق عبد التواب ظلام الليل بعكازه نحو الكوبري. وكان شباب القرية مجتمعين هناك وفرغلي معهم.
صرخ عبد التواب: "أنا لي حق عندك يا فرغلي وحقي هاخده بالعصا."
همس فرغلي: "روح بيتك يا عبد التواب وبكفاية اللي حصل لك."
لكن عبد التواب صرخ: "أنا لي حق عندك، ولا انت خايف يا فرغلي؟"
رفع فرغلي عكازه: "أنا خايف على مراتك يا عبد التواب بعد ما تترمل!"
ولم يتحمل عبد التواب الإهانة وهجم على فرغلي بعكازه يضربه بكل قوته وفرغلي يصد الضربات يمين ويسار.
وعبد التواب يصرخ: "قابل الحديد يا ولد!" ثم يقفز ويضرب.
وفرغلي يدافع بكل قوته وصوت العصا يرن في جوف الظلام متسلل خلال الحقول الخضراء صوب النهر.
وعبد التواب يستجمع قوته وقد أحس بأفضليته على فرغلي.
همس عبد التواب: "إياك كنت في غرزة يا فرغلي، مقدرش تحرك ركبك؟ أصل أنا عارف أصلك نجس ومش بتسيب حرمة غير لما تجري وراها."
ابتسم فرغلي بوجه قاتم وهو يتساءل إلى متى سيصمد عبد التواب.
"إلى عروقه مثل عروق النساء؟"
وصرخ عبد التواب: "خد يا ولد!" وضرب فرغلي في جانبه الأيمن.
لمست العصا صديري فرغلي، ولأول مرة شعر بالغضب.
عبد التواب استعد جيدًا لهذه المواجهة، لكن فرغلي فنان.
إنه يستعمل العصا مثل نغمات الموسيقى، نوتات وكونشيرتو ومايسترو. انتظر ضربة من عبد التواب، ضربة كانت قريبة.
ثم تراجع خطوتين إلى الوراء وبدأ الهجوم. كان منح نفسه المساحة واستعاد أنفاسه.
أمام دار عبد الكريم صرخ عوض العلاف: "العركة بدأت يا أولاد! عبد التواب بيضرب فرغلي!"
وسار الخبر بين أهل القرية مثل النار في الهشيم.
وعبد التواب يصد ضربات فرغلي. وكانت مضت ربع ساعة بين كر وفر.
وتشمم فرغلي تعب عبد التواب. فقام بضربات سريعة أنهكت جسده وأضعفت حركته.
ثم فجأة مثل الثعلب تدحرج فرغلي على الأرض وضرب عبد التواب في ساقه.
صرخ عبد التواب من الوجع وراح يرفع ساقه ويرجعها إلى الأرض.
وفرغلي ضربه في قدمه الأخرى.
ثم وقف بغرور وعبد التواب غير قادر على الوقوف مكانه.
نغز عبد التواب في صدره بالعكاز ثم ضربه على كتفه ورأسه وظهره.
وراح فرغلي يكيل الضربات لعبد التواب في كل مكان.
حتى أسقطه على الأرض ثم أبعد عكازه عنه.
صرخ فرغلي وسط الناس: "راجل دون عكازه يبقى حرمة!
وانت حرمة يا عبد التواب من يومك!"
ثم أمسك عبد التواب من دراعه وجره نحو الترعة وبكل قوته رفعه بيديه وألقى به في الترعة والناس يتفرجون ويصرخون.
كان عبد الكريم وصل متأخرًا يتبعه صقر وبقية عياله.
فوجد عبد التواب مرميًا في الترعة ولم يتجرأ شخص واحد لمساعدته.
صرخ عبد الكريم: "ساعدوا أخوكم يا عيال!"
لكن فرغلي رفع عصاه وأقسم: "اللي هيساعد عبد التواب هيلحق به في الترعة!
خلي الترعة تنضف عاركم يا أولاد عبد الكريم."
تراجع سعيد اختفى بين الناس. بينما تقدم دياب يحمل عكازه نحو فرغلي.
نزل صقر إلى جرف الترعة غير مبالٍ بقسم فرغلي. مد يده وساعد عبد التواب على الخروج من الترعة.
خرج عبد التواب مطاطئ الرأس، جلبابه ملطخ بالطين والطحالب.
رواية غرام في قلب الصعيد الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
قلت لعمي عبد التواب: "واسيه، وكنت لسه ماسك ايده. متزعلش نفسك."
نفض عبد التواب يده بعدائية وهو يبصلي بغضب ودفعني بعيد عنه وهو بيقول: "ملكش دعوة." ثم اختفى بين الحقول.
كان فرغلي يتعارك مع عقل ودياب، وفرغلي يصرخ وهو يسوقهم بالعصا مثل الغنم: "بقا هي دي المرجلة يا ولد عبد الكريم؟ جايين تتكاترو عليه؟ بتعملو إلى كنتم بتشتكو منه؟ مش قلتو في البلد كلها وعديتو على بيت بيت تبكو وتنحو زي الولاية اولاد صقر اتجمعو علينا؟ امال ايه اللي بتعملوه دلوقتي؟ لكن مش الطير اللي يتاكل لحمه يا ولاد عبد الكريم، لحم فرغلي مر زي العلقم. تعالو اتفرجو يا اولاد اللي فاتته المعركة الكبيرة يجي يتفرج على فرغلي بيطحن عيال عبد الكريم."
وقف جدي بلا حراك مستند على سور الكوبري وعينه مصوبة على النزاع. بينما وقفت أنا على بعد أمتار أتابع المعركة وفرغلي يضرب أولاد عبد الكريم عقل ودياب وعصاه تسمع في أجسادهم. ولم تكن يدي تشكل مشكلة بالنسبة لي، لكن فكرة أن يتجمع أكثر من شخص لضرب شخص آخر لا تروقني.
شافني فرغلي واقف بين الناس، صرخ: "متقرب يا أفندي ولا خايف تخسر إيدك التانية؟"
مردتش على فرغلي إلى صرخ: "خدها عبرة واعتبر يا ولد البندر، لا أحد يقف قدام فرغلي إلا ويخسر حتى انت. وأدي عمامك أهم." ودفعهم فرغلي بعكازه ناحية الترعة.
بصيت على جدي أتأمل ملامحه، لكن جدي كان ساكن، صامت بيراقب المعركة من غير ما يفتح بقه. وفكرت: "هو جدي منتظر إيه؟ ميوقف المعركة وياخد أولاده على الدار؟ هو لسه بيأمل إن أولاده ينتصروا؟"
هرب عقل الصغير ركض بعد أن أخذ عكاز فوق نفوخه، قفز في الترعة وهرب من الجهة الأخرى. بينما دياب، ألقى به فرغلي في الترعة. انسحب جدي، استند على عوض العلاف ومشى ناحية الدار. تابعته يترنح وقد كبر عمره أعوام وأعوام.
لم أتحرك من مكاني، لم تحضرني رغبة للرحيل. وقفت بين الناس أشاهد نهاية القتال. صرخ الرجال: "عفارم عليك يا فرغلي، سبع والله من يومك. تسلم البطن اللي حملتك."
زهو بانتصاره بين الرجال، رقص فرغلي عصاه ثم لمحني أغادر. فصرخ في الرجال: "مين اللي أخرج عبد التواب من الترعة؟"
صمت الرجال ولم يردوا. وقفت واستدرت، مشيت ناحيت فرغلي حتى وصلته ووقفت أمامه: "أنا اللي طلعته من الترعة يا فرغلي!"
صرخ فرغلي: "لكن أنا أقسمت!"
قلت ببرود: "أفدي يمينك يا فرغلي."
لاحظ فرغلي ثباتي ولا مبالاتي وبين صخب الناس رفع عكازه وحطه على كتفي وهمس: "ليه متدخلش في المعركة يا صقر؟"
قلت بصوت غير مسموع: "لأن تجمع اتنين على واحد ليس من شريعتي، إذا أردت هزيمتك سأفعلها بمفردي."
ابتسم فرغلي ولاحظت بريق في عيونه ثم صرخ: "يلا امشِ من هنا قبل ما أغير رأيي." وزقني بالعكاز.
ولم أكن آمل بأكثر من ذلك. رحلت نحو الحقول بعيد عن الدار والمأتم الذي سوف ينصب بداخله. شققت الحقول وسط الظلام وأنا أسمع صرير الصرصار. كانت الحقول ساكنة ولا أحد فيها. صادفني كلب وهرب. درت حول الحقول حتى وصلت الساقية البحرية. كانت هناك نار مشتعلة وفلاح تأخر في الري يدفيء بدنه. جلست قرب النار وصنع الرجل شاي، شربناه معًا وامتد بيننا الحديث حتى انتصف الليل. ثم قصد الرجل بيته وذهبت أنا للنهر. كان الجو برد وفكرت أن أقصد المحطة وأسافر إلى القاهرة وأترك كل ذلك خلفي.
كانت أضواء المنازل تتلألأ في الظلام مثل النجوم. عندما وضعت قدمي في الفحيرة نحو الدار. ثم انطلقت رصاصة سمعتها قبل أن أسقط على الأرض. غطست رأسي في الطين وكنت أرى بصعوبة. اقترب مني شخص يحمل بندقية ويغطي وجهه بوشاح. جرني من يدي فوق وحل الأرض نحو النهر القريب وأنا أفقد وعيي. ثم ألقاني في النهر.