فتح هادي عينيه ونظر إلى نادرة قائلاً: "نادرة! ... عرفتي منين إني فوقت؟ ده لسه محدش جاني." "لأن طلبت من الدكتور ميبلغش البيت عشان أعصاب أمي... إنتي عارفة كفاية اللي كنت فيه." نظرت له نادرة بهيام: "صباح الخير الأول يا هادي.. حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. خوفتنا عليك.. وبعدين صعب أوي إني مش أتابع حالتك، ده أنا أول واحدة عرفت." اقتربت منه تكاد تقبله، ولكن ابتعد عنها.
"إيه مش وحشتك ولا إيه.. ده أنا قلت الحادثة هتغيرك.. إنت لسه زعلان مني.. ده أنا بحبك يا هادي.. كنت هتجنن عليك الأسابيع اللي فاتت." نظر إليها مجدداً: "أنا عايز تليفون جديد لو سمحتي وعايز حد يرجعلي الخط ده لو كان ضاع.. إنتي كنتي معايا الفترة دي كلها صح؟ حد اتصل بيا أو حتى بعت رسالة." هزت رأسها بتفهم لما يرنو إليه، والمفاجأة أنها كانت صريحة:
"آه، رقم خارجي أعتقد مدريد لواحدة اسمها ملاك.. اتصلت كتير وكنت ديما أرد عليها مش بترد.. بس في الآخر بعتت رسالة وقالت إنها كده اطمنت عليك." رد هادي باقتضاب: "طيب.. لو سمحتي رجعيلي الموب والخط لأني محتاجهم.. والمفروض إن الموب ده خاص بيا، لو هيبقي مع حد يبقى مع أمي مش معاكي." تضايقت نادرة من رده وزفرت بحنق قائلة: "إيه يا هادي هو أنا أجرمت؟
وبعدين ما هي مامتك هي اللي عطتني التليفون باعتبار إننا زمايل وفي مكان واحد عشان لو في حاجة أقدر أحلها." لاحظ في عيونها الغيرة القاتلة، فاحتد عليها قائلاً: "وماله، معنديش أي مانع بس لما تلاقي رقم بيتصل بيا كتير، ساعتها هنا أمي اللي تدخل مش إنتي.. إنتي مش بس ادخلتي، لا إنتي بحثتي عن الرقم." ردت عليه بنفس الحدة:
"بقولك إيه.. اصرف نظر عن الحوارات دي خالص، إنت بتاعي وبس يا هادي.. وعلى فكرة فترة الغيبوبة أمي وأمك تقريباً اتفقوا، ده حتى مامتك بتشتكي منك أوي." نظر إليها بغضب، لتتبسم بشماتة وترحل. ظلت طيلة الطريق تتأكل من الغيظ وعزمت أمرها مهاتفة شاهر ليتضايق من اتصالها: "إيه يا دكتورة.. مش قلت ليا أبعد عنك عشان الدكتور هادي.. أديني بعدت أهو.. خير، الدكتور مش سادد معاكي ولا إيه.. بس إنتي اللي غلطانة." ارتفع صوتها بغضب:
"أنا فعلاً غلطانة عشان بتصل بواحد زيك.. أنا كان قصدي مصلحتك وبعرفك إن أنا عرفت مكان الهانم.. بس حتى لو قلت ليك إنت خايب." ضحك بشيطانية: "شطورة، أزغرط.. حتى لو قلتي ليا مكانها وفرضاً إني حبيت أروح ليها، هي هترفضني حتى لو هي في احتياج ليا.. يا دكتورة نادرة، ملاك مش من النوع المجازف." جزت نادرة على أسنانها:
"إنتي عبيط يا شاهر.. هي هربت بعد اللي عملته معاها لأنها اتأكدت إنك هتفضحها.. بس ده كان اعتقادي واعتقادك.. للأسف بقي إحنا طلعنا عبطة بجد." ابتسم شاهر بسخرية: "أيوه إحنا عبطة فعلاً.. بس مش عشان هي ذكية.. لااا.. عشان حاولنا نلعب بمشاعر وسمعة بنت ملهاش ذنب غير إن الدكتور بتاعك حبها." استمعت إلى كلمة الحب الذي ألصقها شاهر بهادي ليزيد الحقد بقلبها، ليستطرد هو بتلاعب قائلاً:
"دكتورة نادرة، أنا رأيي تحلي عنه وتبعدي، أكيد هتلاقي حد يحبك في يوم من الأيام.. ولو ملقتيش أنا موجود.. أينعم أصغر منك بس ممكن أكبر على إيدك." عادت إلى منزلها تجر أذيال الخيبة، شارده. "نادرة." أفاقت على صوت والدتها حسناء تنظر لها: "سوري يا ماما، بالي مشغول شوية." أومأت حسناء رأسها بابتسامة: "وإيه اللي شاغل بال نادرة حبيبتي؟ ابتسمت نادرة بمرارة: "مفيش غيره."
كان بمفرده في غرفته بالمشفى وأراد جذب كوب، فأسقط الكوب والزجاجة لتهرع الممرضة الجميلة شدوة التي أخذت بيده لكي تعدله على الفراش ليتحدث بأسف قائلاً: "أنا آسف معلش، نسيت إن المفروض أضرب الجرس عشان أي حد يجيبلي مياه.. معلش بقي لسه فايق امبارح.. رغم إني دكتور وعارف." ابتسمت شدوة: "بسيطة ولا يهمك، وحمد الله على سلامتك مرة تانية.. متتبقاش تتعب نفسك وتقوم تاني علشأن الجرح." "احم، ممكن سؤال.. إنت أخو الدكتور سفيان؟
نظر إليها بتوجس: "لا، ابن عمي.. وعلى سيرته ياريت متتهربيش وتقولي أعرفه معرفة سطحية.. ياريت تقوليلي الحقيقة عشان لو ليكي حق إنتي كمان أجبهولك." ابتسمت شدوة بسخرية: "شكراً يا دكتور، أنا حقي عرفت أجيبه بإيدي.. الكاس اللي كان هيشربه ليا شربه هو وأنا هربت ومعرفش يوصلي، بس للأسف وصل لواحدة تانية."
اعتدل هادي في جلسته واستمع إلى كل التفاصيل التي سردتها عليه شدوة، وأخذ يفكر في طريقة يصل بها إلى ملك. إلى أن أخبرته شدوة بمن يعرف طريقها، ألا وهو ممرض كان يقوم بتوزيعهم على المستوصفات، من الممكن أن يكون لديه هذه البيانات. بعد مرور سبعة أشهر.
لم يبدأ استقرار تلك الفتاة المعزولة في المنزل إلا بعد عدة أيام من عثوره عليها. هبط من سيارته الفارهة والتي أثارت استغرابها عندما كانت تنظر من نافذة منزلها. التف حوله مجموعة من العاطلين من شباب الحارة، بدأ بالسؤال عن أي منزل تقطن وتراودت الأسئلة حوله، ومنهم من كان يريد إثارة الفضيحة لها، ولكن صاحب المنزل الذي تقطن به جلس معه وتفهم طلبه جيداً ومن ثم صعد معه.
جلست ملك أمامه تنظر إليه تريد معرفة ما بداخله، حتى نطق هادي قائلاً: "شهور بدور عليكي." كاد أن يرق قلبها، ولكنها حاولت إخفاء ذلك وأظهرت بعض الغضب، ليسألها بتوجس قائلاً: "ليه محضرتيش الترم ده وضيعتيه عليكي.. لسه برضه بتفكري في موضوع شاهر؟ شردت ملك في الفراغ وتذكرت أن هذا الموضوع تزامن فيما حل معها، وأنه يريد عدم التحدث عن شقيقتها، ليتأكد أنها من النوع المتهرب، ليواجهها قائلاً: "ملك... إنتي جبانة؟
انتبهت لنعته لها بالجبانة وأفاقت من شرودها قائلة: "اعتبرني جبانة.. وجبانة من مجيتك هنا اللي هتخلي أهل الحارة يتكلموا عني.. مجيتك اللي مش عارفة سببها إيه." رد عليها بثقة قائلاً: "أنا جاي أطلب إيدك للجواز يا ملك."
اتسعت حدقة عينيها بذهول وتسمرت بمكانها وهزت رأسها تعبيراً منها للرفض. كان كل هذا يحدث أمام صاحب المنزل محمد وزوجته شريفة، وما كادت أن تعترض على طلبه وهي تنظر إليهم ليدعموها لشعورها بالتقزز منه ومن عائلته، حتى ارتفعت نبرة صوته قائلاً: "الحاج شريفة والحاج محمد موافقين.. أساساً أنا بقالي ساعة تحت واتفاهمت معاهم على كل حاجة كأنهم والدك ووالدتك." انتفضت ملك بغضب وصرخت بعناد وكبرياء أنثى مجروحة قائلة:
"لا يمكن مستحيل.. هما ميعرفوش حاجة عنك عشان يوافقوا عليك بالسرعة دي.. إنت يدوب الدكتور بتاعي في الجامعة.. وأنا كنت طالبة عندك." كادت أن ترحل إلى غرفتها وتتركهم، حتى أوقفها الحاج محمد ممسكاً كتفها يهمس في أذنها بكلمات جعلتها تضطر إلى الموافقة على الدكتور هادي، ولكن على مضض حيث قال: "أهل الحارة بعد مجيته مش هيسيبوكي في حالك." ليبْتَسِم هادي قائلاً:
"إنتي كمان متعرفيش الحقيقة عني ولا تعرفي وضعي المادي اتحسن إزاي بالسرعة دي.. وضعي المادي اللي كان موقفني عن الارتباط بيكي." كان يتحدث بعجرفة وهو يعقص أنفه وصوته يحمل لمحة غباء.. حتى يريها أنه ليس لديه أدنى استعداد أن يفقدها مجدداً. أحياناً عليكي أن تضحي بحنانك وتخبيء الوجه الأصلي وتظهري وجهك القبيح حتى لا تكشفي أوراقك وما ترنو إليه. تمرر الكلام بشكل خادع كي يأتيك الرد كما تريد. نظرت له السيدة شريفة بإعجاب:
"دخالتك خرافة يا دكتور." بعد مرور أسبوع من هذا الاتفاق، جاءت السيدة غالية لتستقل ملك بسيارة هادي التي يقودها السائق، ولصعوبة صعودها إليها طلب الحاج محمد من زوجته شريفة أن تخبر ملك. طرقت شريفة على ملك التي عقدت ما بين حاجبيها: "هي مامته فعلاً جت؟ أنا فكرت بيقول كده وخلاص.. طب ما طلعتش ليه ولا إحنا مش قد المقام.. شفتي يا ماما شريفة من أولها بتتكبر عليا؟ هزت شريفة رأسها:
"أيوه جت يا حبيبتي ومتنظراكي تحت.. الشهادة لله هادي طلع راجل وابن أصول ووعد ووفى.. وبعدين الست مش قادرة تخرج من العربية." لوت ملك شفتيها وأغلقت الباب وهبطت معها، وكان أهل الحارة يلتفون حول السيارة كأنها سيارة زائر مهم، وهي تنظر لهم بكل حب يتنافى مع نظرة ملك له. نظرت غالية إلى ملك باندهاش وخرجت لها من السيارة قائلة: "إنتي هي مش كده؟
.. وهو أكيد بيضحك عليا عشان يداري غلطه.. أصل مش معقول الشبه اللي بينك وبينها.. قولي إنك هي وأنا هتغاضى عن أي شيء."
غيمة أطاحت بنظرها عندما وجدتها ماثلة أمامها، فهي مثلها في كل التفاصيل حتى منحنيات جسدها ولون شعرها حتى نوعه وطوله وطريقة لمه. رفيعة من مناطق في جسدها مثل الأخرى. نعم، هي لم تستطع إدراك كل تفاصيل شقيقتها إلا أنها لن تنساها مطلقاً. دقدقت ملاحظتها لمحت تلك النظرة الشفافة في عينيها، هنا وجدت الاختلاف حيث تمثلت لها الأخرى في صورة حرباء تتلون بلون المكان المحيط. تلك يكمن الاختلاف. ولكن رغم وجوده، فهي تراها محاطة بوابل من العقبات الواضحة تماماً لها. لكن ابنها لا يراها.
تنحنحت ملك: "لا، أنا مش ملاك.. أنا ملك أختها التوأم.. الدكتور هادي مش بيكذب عليكي.. متستغربيش الشبه بينا ده بيحصل وكتير كمان.. أمنا كان ليها توأم والاتنين ماتوا في وقت واحد." ابتسمت غالية ابتسامة حزينة وجذبتها برفق من يدها نحو السيارة لترحل معها: "تعالي نروح مشوارنا وإحنا في الطريق ندردش سوا.. اتشرفت بمعرفتك يا بنتي.. يعلم ربنا أول ما شفت المرحومة وفكرتها إنتي انهارت." جحظت ملك بعينيها لتستطرد غالية بحنق:
"منه لله سفيان.. وأنا اللي شكيت في هادي.. بس غصبن عني.. أبو هادي كان بيعمل زي سفيان بالظبط.. وطبعاً أي أم هتحس إن ابنها زي أبوه." هزت ملك رأسها: "أيوه، حضرتك حق.. بس مش فاهمة إزاي شفتي ملاك وفكرتيها أنا؟ هو حضرتك تعرفيني؟ .. أقصد يعني إن اللي جت عندكم هي ملاك." ربتت غالية على رجلها: "هادي مش ابني وبس، ده صديقي، أنا يعتبر مخزن أسراره وخصوصاً العاطفية.. أول يوم ليكي في الجامعة جه وراني صورتك وقالي لقيتها يا ماما."
قطبت ملك جبينها بعدم فهم: "وحضرتك عملتي إيه؟ أكيد طبعاً رفضتي لما عرفتي ظروفي.. أها، أنا كده فهمت.. حضرتك شكيتي إن الدكتور هادي اغتصبني عشان يحطك قدام الأمر الواقع." هزت غالية رأسها بالنفي وربتت على كتف ملك: "متظلمنيش يا ملك زي ما إنتي ظالماه.. أولاً أنا رفضتش، بالعكس إنتي بنت تشرف أي عيلة.. أنا خفت عليكي إنتي يا حبيبتي، ذنبك إيه تروحي ضحية." ابتسمت ملك بسخرية: "طب وملاك لما هو أكد ليكي إنها مش أنا مصعبتش عليكي؟
ولا عشانها مش هتبقي دكتورة؟ ولا عشان الموضوع مش يخص ابن حضرتك؟ ربتت غالية على يدها: "مين قال إنها مصعبتش عليا؟ بالعكس، دي ست زينا.. بس مقدرتش أعمل حاجة.. وهادي الله يباركله ساعد إنه يهربها بعيد عن سفيان اللي كان عايز يأذيها تاني." ردت عليها ملك بكل حدة: "النهاية واحدة يا غالية هانم.. سبتوه ومحدش افتكر ياخد حقها.. هربتوها الله أعلم منه ولا خوفاً عليه.. الله أعلم جوازتي من ابنك حب ولا تسهيل." انهارت ملك لتحتضنها غالية:
"إنتي حب هادي يا ملك.. صدقيني وثقي في كلامي.. وطول ما أنا عايشة هدافع عنك.. مش هسمح لا لهادي ولا لسفيان إنهم يمسوا شعرة منك." وضعت ملك يدها على صدرها تتنهد بحرقة على فقدان نصفها الآخر: "أنا هبقى كويسة لو نسيت اللي حصل ليها.. أرجوكي قوليله إننا مينفعش لبعض ويبعد عني.. أنا والله بحبه بس مش عايزة كل أما أشوفه أفتكر كل حاجة."
تركتها وترجلت من السيارة وذهبت نحو النيل. جلست على الكرسي الموضوع أمامه وهي ما زالت واضعة يدها على صدرها تنتحب. أخذت نفساً عميقاً تريد عدم إخراجه من جسدها. وجدت أمامها فتاة صغيرة تبيع الورد لتشتري منها زهرة لطالما ملاك تعشقها كثيراً. أخذت منها الفتاة النقود وركضت لتبتاع الحلوى المفضلة لديها ألا وهي غزل البنات، لتعتصر ملك جفنيها من الألم وهي تتذكر طفولتها مع ملاك وعشق ملاك لتلك الحلوى. وجدت الفتاة تعطيها قطعة الحلوى كمن تعطيها الدواء، أخذتها منها وأغمضت عينيها تريد أن تغط في سبات عميق تشتهيه منذ فترة طويلة.
تكمن سعادته في اتخاذ الخطوة الأولى بمعرفة مكانها. عندما خطى أول خطواته خارج المشفى عزم أمره أن يذهب لها. شعر أن العمر قصير خاصة بعد حادثته، ولم يتبق به مثل الذي مضى. ذهب إليها بعد ما أخبرته والدته بمكانها. وجدها تقف أمام سور الكورنيش، تستمتع بهطول أمطار الشتاء التي تداعب قطراتها شعرها بالكامل. فملك تمتلك شعراً كستنائياً فاتحاً عندما يغمرها الماء يتحول إلى غامق، وهذا ما يثيره. قرر هادي تركها أمام الكورنيش لبضع دقائق،
ثم أتى بمعطفه من السيارة وتوجه إليها ووضعه على ظهرها لتشهق فجأة وتلتفت إليه تريد التحدث عن أسباب مجيئه إليها، ولكن عيناه منعتها عن التحدث لوهلة. أيضاً عقلها قرر أن ينفض تلك الأفكار السلبية التي تتضارب به، وتتخذ الصمت ولو للحظات قليلة كهدنة ترتاح فيها من أعباء التحدث في نفس الموضوع. هو أيضاً منعها بنظراته لأنه لا يريد سماع تلك الجملة التي تتكرر مراراً له. الجملة التي تبعده في كل مرة آلاف الأميال عنها، حتى وإن تحدثت
بها لن يتركها الآن. هي لا ترى ما يفيدها، هي تنظر للسراب العالق تحت قدميها الذي يذكرها مراراً وتكراراً بما حدث لشقيقتها. وهو لا يريد ذلك، بل يريدها مثل ما عرفها في بادئ الأمر، تلك الفتاة اليافعة المتفائلة الصبورة على فقرها ويتيمها المتطلعة إلى مستقبل أفضل. نعم، شقيقتها كانت متطلعة ولكن بشكل أوقعها في الخطأ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!