كانت تعتبره حارسها، ولكن نظراته بدت كالأفعى. نظرات لم تعتدها من قبل. هذا الذي كان يتمنى أن يطلب ود شقيقتها يومًا ما. ولكنه بدا الآن كالمشعوذ الذي يريد قتلها. ومع ذلك كان كالحزين. والفيصل في تغييره هو معرفته بما حدث لشقيقتها وتركها والاستهزاء به. صباح يوم جديد، ذهب فيه إلى الجامعة ولم يجدها، مثلما صدق حدسه. وجد من يربت على ظهره:
"ما تقلقش يا دكتور هادي، كلها يومين وتنسى وترجع تاني. ملك معندهاش إمكانيات تحول جامعة تانية. كمان مش هتضيع مستقبلها عشان موقف." التفت إليه هادي: "يعني أنت مفكر إني مش عارف كل اللي بتقوله ده. بالعكس، أنا عارفه كويس ومُتأكد إنها هترجع. بس أنا مش عايزها ترجع وبس، أنا عايز ملك نفسها بروحها." عض شاهر على شفتيه بحيرة:
"في حل واحد، إنك بلا ش تضغط عليها في الفترة دي وتسيبها على راحتها. أكيد مع الأيام كل هيتنسي وهيُداوى. إنما المحاصرة هتخليها تشك أكتر." اندهش هادي قائلاً: "مين اللي بيتكلم؟ شاهر؟ كان فين العقل ده وأنت بتنفذ خطط نادرة كلها؟ سبحان مغير الأحوال. كان نفسي شخص تاني يتغير زيك، بس للأسف ما حصلش." قطب شاهر جبينه، لا يعلم عن من يتحدث هادي. انتبه هادي إلى استغرابه فعدل عن حديثه: "هو أنت مش وراك محاضرات ولا هنتصاحب ونقعد نحكي؟
أصل الموضوع مش مستاهل يا شاهر كل شوية تنط ليّ، ولا كأنك صاحبي." هاتفَته والدته بعد خروج شاهر قائلة: "الست صاحبة البيت بلغتني إنها خرجت وأخذت كتبها وهي نازلة. ربنا يهديها يا ابني وتكون رايحة الجامعة. عشان خاطري بلاش تضغط عليها." زفر هادي: "وبعدين يعني يا أمي في ملك دي؟ هو أنت مش عرفتيها إن ما فيش بيني وبين نادرة حاجة؟ أنا بجد طاقتي نفذت، ما كنتش متوقع منها الدلع ده." تنهدت غالية:
"ملاك واللي عملته زمان هز ملك من جوه، واللي حصل من ابن عمك الله يسامحه بقى. كمان ارتباطها بيك ممكن يرجع سفيان تاني، وأكيد هي خايفة." عقد هادي ما بين حاجبيه وهو ينظر إلى نافذة مكتبه، حيث شاهد دلوفها الجامعة وهي ترتدي لُفَّة أُخرى وليس بالأسود: "فعلاً هي خايفة، بدليل جت بألوان الجامعة أهو وماشية وفارِدة شعرها وبتدلع، ولا كأن في حاجة. العملية بقت صعبة أوي يا أمي. شكلي هتعب." انتفضت غالية:
"لا بالله عليك افهم. اللي بيحصل ده لصالحك. هي شكلها بتغير ألوان حياتها عشانك مش عشان تستفزك. اهدي كده واتعامل معاها عادي." أثناء مهاتفته لوالدته، اختفت من محياه. ولكن مما أثار استغرابه هو دلوفها إليه بدون استئذان، فاستدار على صوتها قائلة: "في إمكان إننا نتكلم مع بعض شوية يا دكتور هادي إذا عندك وقت؟ وخلصت تليفونك بلغني، أنا مستنية حضرتك بره. عن إذنك وأسفه على دخولي بدون استئذان."
وأوقفها بإشارة منه، وأغلق الهاتف ووضعه في جيب بنطاله قائلاً: "أنا خلصت خلاص، كنت بكلم حماتك وبتسلم عليكي كتير وبتقولك وحشتيها، رغم إنها كانت عندك امبارح. امتى بقى تيجي عندنا وتونسيها؟ ارتبكت ملك وتوترت قائلة: "أصل أنا كنت مفكرة إنك بتكلم والدة نادرة باعتبارها منهارة من امبارح. عموما، أنا كمان حماتي وحشتني جداً، وقريبًا هكون معاها وهونسها." اتسعت حدقة عينيه بذهول على تغير رأيها:
"أنا قمت لنادرة محامي خبرة. يعني أكيد قريب هتطلع منها. وبعد كده شفت لها شغل بره البلد عشان محدش يزعجنا، وبرضه اللي بتفكري فيه بره البلد." هزت ملك رأسها: "أيوه عارفة. بس لسه بيبعت رسايل على موبايل ملاك. ببقى كل مرة نفسي أقول له إنها ماتت، بس هيسأل أنا مين، لأن عندي نفس بحة صوتها." عقد هادي ما بين حاجبيه وهو ينظر إليها قائلاً: "ده اسمه إيه ده؟
أول مرة يورد عليا توأم بالشكل ده. ويا ترى بقى أنتِ هتجيبي لنا توأم كده ولا إيه... استني كده، تقارير حمل ملاك أثبتت إنها كانت حامل في توأم." جحظت ملك بعينيها: "هااااا... بتقول إيه؟ توأم؟ إزاي وأنا ما أعرفش؟ ولا هي كالعادة عملته سر؟ طب افرض كانت ولدت، كانت هتعمل إيه في الغربة بالاتنين؟ هنا تذكرت إصرار عبد الغفور:
"عشان كده الراجل الشايب العايب كان عايز يتجوزها. قال لك أنا كبرت في السن ومش اتجوزت. أهي جوازة ببلاش وأحقق حلمي بعيلين." هز هادي رأسه متفهمًا لحالتها المثيرة: "تمام، واضح إن مهما حد هيعمل قدامك خير هتفهمي غلط، وهتفضل الشكوك ماسكاكي إن الكل بيبقى له غرض دنيء. بس الحق مش عليكي." واستطرد وهو يقترب منها مواجهًا لوجهها قائلاً بحِدة: "عارفة الحق على مين؟
عليا أنا اللي عمال أسايس وأدادي من ساعة ما عرفتي الحقيقة. بس اسمعي، بعد كده مفيش طبطبة، كله بحساب وبالغصب." يعلم جيدًا، هو لن يكرر خطأ والده مع والدته معها. لذا ما لبث أن رأى تبدل وجهها خوفًا منه، حتى سألها بمراوغة لطيفة: "مش أنتِ كنتِ عايزة يبقى يكون عندك أم زي بقية البنات؟
أومأت برأسها، واللمعة عادت لعيونها العسلية التي كانت تفرقها عن عين توأمتها الخضراء، ولكن دومًا ما كانت ترتدي عدسات خضراء لتكون شبيهة طبق الأصل لها. فوجد نفسه يعانقها من شدة جمال تلك اللمعة وتأثره بها، وهو يسألها سؤالاً آخر: "دي هتبقى أمك. بذمتك مش نفسك في أب بالمرة ويكون شبيه ليّا ويكون حامي ليكي ويدافع عنك ويشد على إيدك؟ تحدثت ملك بينها وبين نفسها من خلف ظهره:
"يادي الحضن اللي جه على غفلة نساني كل اللي حصل. أنا خلاص بنهار من كل مطاردتك ليا ومش قادرة أبعد عنك يوم واحد. الرحمة يارب." "هادي الخارق." نطقتها ملك بتلقائية كعادتها، فأخرجها من أحضانه وأخذ بيدها وأجلسها على الأريكة وجلس بجوارها مربتًا على خصلاتها. وقتما انطلقت شريفة لتهاتف غالية لتخبرها غالية أن سيكون كل شيء على ما يرام ولن تكون ملك بعيدة عنه بعد اليوم، ولا داعي للقلق عليها أن يخطر ببالها السفر من جديد.
هكذا تسير الأمور، هكذا تسيرها وتفرض عليها منذ قدومها من الغربة ذاك النمط. لا يريد أن تعنيها أعباء الحياة، ليس عليها إلا أن تعيش بسلام، وتترك العناء لأهله، فهي ليست أهله. في مكتبه وبعد خروجها لأداء محاضرتها، هاتف المدعوة شريفة، صاحبة المنزل، قائلاً: "الشقة ترجع. لازم تلاقي سكان غيرها. عارف إن الأمر صعب عليكي وإنتي بتعتبريها بنتك وكان نفسك تخرج من عندك عروسة، بس صعب." ردت شريفة:
"أيوة معاك حق صعب. خصوصًا بعد ما شفت بعيني بصات الواد ليها. بعد ما كان أكتر واحد بيفرق بينهم. بقت هي عنده أختها. ومصر على كده." ما إن استمع إلى هذا الموقف وتخيله، حتى رد عليها بحِدة: "طب مستنية إيه؟ لما الفأس تقع في الراس ونقول ياريت اللي جرى ما كان. أنا طبعًا مش عايز أخليها تحس إنها بغصب عليها، بس مش قدامي بديل." ثم أردف قائلاً:
"ده ابنك يا ست شريفة وإنتي مش بس بتأذيها، إنتي بتأذي هو كمان. زي زمان لما كنتي معيشاه على أمل إن ملاك له، والنتيجة إيه؟ ضاع منك." كادت أن ترد عليه لولا دلوف ولدها نادر وانتزاع منها الهاتف: "وإنت مالك بينا ولا بيه يا جدع انت؟ أنا غلطان إني ما قطعتش رجلك يوم دخولك الحارة. أنا عارف إنها مش ملاك، بس ربنا عوض عليا بيها." زفر هادي بحنق: "لا يا نادر، أنت أضعف من تفكيرك ده. عارف ليه؟
لأني ببساطة ممكن أسجنك باللي أنت بتعمله آخر الليل، وساعتها لا هيهمني أبوك ولا أمك." حينما وصل هادي إلى مبتغاه في تخويف نادر، وجه حديثه إلى شريفة قائلاً: "أنا مش عايز أتصرف تصرف وحش معاكي ولا مع الراجل الطيب. ابنك زي ما دافعتي عنه زمان، عارف إنك عايزة تعملي له اللي نفسه فيه، بس دلوقتي صعب." هزت شريفة رأسها باستكانة:
"لما تيجي هتلاقي تحت شنطة هدومها، ومش هتلاقي ليها مكان وسطنا. أنا عملت زي ما طلبت بالظبط. بس دي أمانة عندك يا دكتور هادي."
كانت تريد أن يتزوجها وتصبح طليقته. كيف هذا وهو لم يكن يطيقها منذ أن رآها، ولكن بلحظة استجاب لها بكامل إرادته. ابتسم ابتسامة استهزاء وهو يفكر. هو الذي كان يحتقرها كثيراً لظنه في نيتها جيداً، والذي أكد له ذلك عندما أتت إلى قصر جده وقصت عليه ما حدث منه. وربط ذلك بنظراته القديمة له. الآن يجدها لا تختلف كثيراً عن أي أنثى، بل أصبحت أسوأ. فهي الآن أصبحت خائنة، هي لم تتعد خيانتها لنفسها فقط، بل أسقطت خيانتها وعاشت على أهوائها تتصيد الآخر. بالمجمل العام أصبحت وقحة. بينما هو فعل الأسوأ، خان غيرها.
تلك التي كانت تعشقه أيام الجامعة وسلمت له نفسها قبل السفر، ولكن استباح ذلك تعويضًا عن رفضها له من قبل. ها هو الآن يفكر في الاثنتين وكأنهم كانوا يفكرون به. ليجد صديقته تتصل به. نظر إلى الهاتف في فزع وقطب جبينه، لما دائمًا عندما يتذكرها يجدها تهاتفه، والأخرى لا، رغم أنه يهاتف الأخرى ويبعث لها رسائل من هاتفه ولا تستجيب له. هل لم يراودها في أحلامها مثل صديقته أم ماذا؟
"سفيان، أنا حامل منك، وخالد مش بيقرب مني بقاله فترة. الدكتور رافض يعملي إجهاض، لو عملت ممكن أموت فيها. أرجوك، أنا هطلق وأرجع لي." اكتشفت الحقيقة بعد خداعها من خالد أنها لم تنجب بعمرها لأنها عقيمة. ولكن لعلها تكون سببًا في بداية لين لصلابته. لا تعلم أنه صخر صلد لا يرق أبداً. قام برفضها ورفض حملها مثل ما افتعل مع ملاك، لتذهب إلى نفس المكان الذي لجأت إليه ملاك.
أمام بوابة المكان المنشود، صفت سيارتها، وترجلت تخفي وجهها بنظارة سوداء قاتمة حتى لا تظهر معالم وجهها. ثم بخطوات متأنية وصلت قرب بابه، سمعت عندها صوته، فثبتت وتجمدت. وعطرها الأثير وصله، فالتفت إليها جاحظًا بعينيه. مرت الدقيقة بينهم كالساعة، حتى وقف وتعمد أن يمد يده ليصافحها بنظرات متحدية منه، مقابلة منها بنظرات يائسة استبطن منها أنها أصبحت أميرة ضعيفة فقدت السيطرة على كل شيء تمتلكه وأصبح حالها مرزيًا وتعمها الفوضى.
تحاملت على نفسها وهي تقص عليه الأمر برمته، لعله ينجيها مما فعله بها سفيان. من من طلبت العون؟ من الذي أحبها يومًا بإخلاص وتركته وذهبت إلى ابن عمه وتلاعب بها وتركتهما الاثنين وذهبت إلى الآخر ولم تنعم بالحب المنشود. وما إن اقتنصته من سفيان، دمرت خلايا عقلها وجسدها بأن واحد. بعد ما سرد لهادي كل شيء، رد عليها بلا مبالاة قائلاً:
"خليه ينزل مصر ويتجوزك لو قدرتي. إنتي مش أول حالة سفيان يعمل فيها كده. الفرق إن كلهم كانوا عذرى، إنتي بقى كان لازم يعمل معاكي كده وعملها." على الجانب الآخر، توعد نادر لهادي ألا يتهنى بملك دقيقة واحدة، وهاتف سفيان، حيث أن سفيان استطاع الوصول إليه. ولكن الأدهى من ذلك أن نادر لم يسرد حقيقة أمر ملك وملاك، بل طاوع سفيان في تفكيره حتى يغتنم ملك عوضًا عن ملاك.
"ده شرفها بقى على كل لسان يا سفيان بيه. خصوصًا بعد ما سقطت العيل اللي في بطنها. دلوقتي بقت براحتها بتخرج وتدخل وبتجيب فلوس." ابتسم سفيان بشماتة: "خير خير خير، عشان بس محدش يقولي دي بنت مسكينة وأنت اعتدت عليها. عمومًا يا نادر يا حبيبي، أنت فلت. كان فاتك دلوقتي لابس." رد عليه نادر: "والله ما كنت هسكت. كنت هقتلها وأشرب من دمها وأشرب الناس قهوة سادة على روحها. بقولك إيه يا سفيان بيه، ما تنزل تاخدها أو تبعت تجيبها."
مط سفيان شفتيه: "كنت هنزل فعلاً وأبدأ معاها من جديد. متعرفش ليه يا نادر؟ أنا برتاح معاها هي بالذات. بس للأسف بقى نزول الأيام دي هيعمل مشكلة كبيرة." نظر نادر في الفراغ بتفكير، واعتقد أن المشكلة تكمن في وقوعها في الوسط الشعبي، فأوضح له: "لااا. متقلقش. مش الهانم هتسيب الحارة وتروح تسكن في منطقة عيليوي. ولو حابب أقولك فين أبلغك فورًا. أصل شكلها اتلمت على واحد ابن ناس." عقد سفيان ما بين حاجبيه:
"طب اعرفلي هتروح فين بالظبط ومين الراجل ده، عشان أبقى عامل حساب لكل خطواتي. آه وكله بتمنه يا نادر، أنا عارف إن أبوك منشفها عليك." رد عليه نادر بحزن مصطنع: "أيوه يا دكتور سفيان. أصله مصر يجوزني للبت بنت أخوه من البلد، وأنا مش طايقها. منك لله يا ملاك، إنتي السبب في اللي أنا فيه دلوقتي." ما إن ذكر اسمها، تراجع سفيان بذاكرته ليستعيد شكلها قائلاً:
"يا ترى شكلها بقى إيه دلوقتي يا نادر. لسه حلوة ولا اتبهدلت بعد اللي حصل فيها. ولا يمكن الهانم احلوت بعد ما اتعرفت على الضيف الجديد." قام نادر ببخ السم: "الحقيه يا دكتور سفيان، هي احلوت أوي. ولبست واتبغددت. ولا عاد بيهمها كلمة على شرفها ولا حاجة. اللي زي دي محتاجك تيجي تلمها." ابتسم سفيان بخبث:
"طب ما أنا بقولك أهو، همتك معايا. اعرفلي مكانها الجديد ومين الراجل اللي عايشة معاه ده، حتى لو اتجوزها. هي كده كده مش فارقة. غيرها كان مجوز ومعايا." قطب نادر جبينه بمعنى أنها لم تكن الضحية الوحيدة لسفيان: "ثواني كده يا دكتور. مش حضرتك بتقول إنها هي اللي غوتك وقالتلك أنا عايز أبعد عن نادر وعن الحارة؟ أومال مين دول اللي كانوا معاك؟ واستطرد قائلاً: "هي ملاك كانت متجوزة؟ يا بنت ال...
بقي تتجوزي وتدوري على حل شعرك وتثبتي فيا، وكل ده وهسكت؟ لازم آخد حقي." ذهل سفيان من الفهم الخاطئ لنادر، ومع ذلك كان في صالحه: "يا نادر يا حبيبي. دي ممرضة، يعني تعرف كويس في عمليات الترقيع. وكان ممكن بعد ما تخلص معايا ومع جوزها اللي يمكن يكون هو اللي هتعيش معاه دلوقتي، كانت تجيلك كيوم ولدتها أمها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!