تعبت نهال من نظراته المتشفيه قائله: -في حد تاني سفيان عمل معاه كده؟ مستحيل أن لا يمكن أصدقك. أنت طول عمرك بتحقد عليه علشان هو دايما البنات كانت بتنجذب ليه. هز رأسه رداً منه بنعم، وكان ينظر لها بكل شماته. شعرت نهال بالارتباك، ولكنها حاولت التحدث، ولكن أوقفها قليلاً بابتسامته الخبيثه وهو يقول: -ليه البنات كانوا بينجذبوا لسفيان وأنا لا يا نهال؟ ردت بوضوح: -لأن مفيش أي سبب إنهم ينجذبوا ليك. رد عليها بكل
ثقة لم تشهدها من قبل فيه: -بس في سبب كبير يا مدام نهال إن أنا إنسان عندي شرف وأمانة ولا يمكن أحطم شرف أي بنت زيه. نظرت إليه متسائلة، فهو ما زال السؤال يلح عليها، هل هناك أخريات لدى سفيان؟ قام بمراوغتها ليستطرد هادي قائلاً: -أنا من زمان وأنا عايز أفهمك مين سفيان، بس انتي وفرتي عليا كل ده لما اتجوزتي. مجاش في بالي إنك ممكن تعملي كده. كادت أن ترد عليه ليقاطعها هو قائلاً بنفس الثقة التي تفاجئت بها اليوم:
-حتى لو كنتي قولتي له "أنا هستناك لحد ما تكون نفسك"، كان هيغدر بيكي يا نهال. واستطرد بقية حديثه وهو يشير إلى فراش الكشف: -المستوصف كله يشهد بالحالات اللي سفيان قام باغتصابها، وفي الأوضة دي تحديداً، وعلى السرير ده. منهم اللي كان بمزاجها زيك، ومنهم اللي صحيت اتلاقت كل حاجة راحت منها خالص.
لا تدري إن كان الحديث أن يبدو هكذا، أغلبُه شماتة، لكنها كانت تؤمن في قرارة نفسها أنه له الحق في أسلوبه هذا، فهو استشاط غضباً منذ لحظة تركها له خصيصاً من أجل غريمه، الذي تخلى عنها، ولجأت إلى الآخر الذي لم تحافظ على شرفه، الأمر الذي بدا له أشبه بأنها امرأة تحمل كل مواصفات الخيانة التي لم يقبلها في شريكه حياته.
انهارت على الكرسي خلفها تحاول جاهدة التحكم في حزنها، وقلبها يخفق وهي تحاول التقاط أنفاسها بانتظام. ولوهلة بدأ ينظر لها نظرات متفحصة، توترت الأجواء ورق قلبه لما يحدث معها، وهو ينكر أن بداخله توتر أكثر، كان يوشك أن يثور عليها لما اقتعلته. تحدثت بتلعثم، حيث إخراج الكلمات كان صعباً عليها للغاية: -إزاي دكتور حالف اليمين يعمل كده؟
طب أنا قلت إنه اشتاق ليا، وعشان أنا متجوزة مش هتفرق معاه فضيحتي. لكن البنات دي نهايتهم كانت إيه؟ ضرب هادي على سطح مكتبه بغضب حتى أصابتها الضربة: -هتكون إيه في نظرك يا ست نهال؟ كلهم اترَموا في الشارع، ولو حد منهم اعترض أكيد هتبقى نهايتها الفضيحة. بس زي ما قلتي، دول مش حيلتهم غيره. ابتلعت غصة في حلقها ليستطرد قائلاً: -إيه بقى اللي يجبر واحدة متجوزة إنها تعمل كده معاه؟ حب مثلاً؟
طب إيه اللي صحي الحب ده بعد السنين دي كلها؟ على فكرة اللي حصلك ده استحالة يكون فخ. تنهدت بعمق بالرغم من سحقه لها: -لا فخ يا هادي. لما تلاقي الإنسان اللي مش حبيت غيره ولا قادر تتعايش ولا تتأقلم إلا معاه بيمد ليك إيده من جديد، يبقى فخ. فخ اسمه الحب. ابتلعت ريقها واستطردت قائلة: -في حاجات مقدرتش أحسها مع جوزي. خصوصاً لما قالي إني عقيمة. همس كفحيح الأفعى: -لا كده كتير، وكمان جايه تكذبي وتقولي إنك حامل من سفيان؟
جربي كده تروحي تكذبي نفس الكذبة على سفيان وشوفي هيعمل فيكي إيه. تنهدت نهال بوجع: -الحمد لله ولا الهوا، كأني بكلمه عن واحدة قرايبته من بعيد، وده اللي خلاني ألجأ ليك، لعل وعسى تقدر تأثر عليه. وبعدين أنا حامل فعلاً، خالد كان بيكذب عليا. نظر هادي إلى ساعة يده، وجدها اقتربت على موعده بملك، فنهض وتوجه نحو باب غرفة المكتب وأردف قائلاً:
-أه معلش يا مدام نهال، عندي ميعاد مهم. انتي طبعاً عارفاني من أيام الجامعة، بحترم مواعيدي جداً. ما بالك بقى ده ميعاد شخصي ومش مع أي حد. نظرت إليه نهال بذهول: -إيه هتتخلى عني وتسيبني غرقانة في المشكلة دي ومش هتحاول تحلها معايا يا هادي؟ طب ليه؟ أنا يمكن كنت وحشة معاك زمان، بس انت شايف حالتي. رفع هادي حاجبيه باستعلاء قائلاً: -مالها حالتك؟
عادي جداً. ست متجوزة وكنت عايشة أحسن عيشة دمرتيها عشان نزواتك. بلاش توقعي نفسك في فخ أكبر مع سفيان. جحظت نهال بعينيها، فهي ترى هادي جديد يتحدث: -يعني أنا لو فضلت أزن على سفيان وبالحمل تفتكر ممكن يفضحني؟ بس لا يمكن حد هيصدقه، وخصوصاً جوزي ده معاه كل الأدلة إني مش بخلف. رد عليها بجمود قائلاً:
-أنا قلتلك سفيان معندوش قلب. شاله من بين ضلوعه يوم ما انتي اتجوزتي. أنا مش بحملك الذنب يا نهال، أنا هنصحك نصيحة كأخت، ابعدي عنه. خالد نفسه هينتقم منك لو عرف. تركها هادي في حيرتها ولم يعطِ لها أي حلول لتخرج من هذه الأزمة التي اصطنعتها لنفسها.
في وسط محيط زيارتها له خرج عن السيطرة، ها هي بظهورها الآن ذكرته بفساد والده وابن عمه، حيث هي التي هدمت ما كان ينوي بنائه معها، كان حبها مثل الثورة التي هزمت ديكتاتور، وهزيمته بدت جلية حيثما غادر مقعده بعشوائية متوجهاً نحو باب المكتب، لأنه لا يريد أن يجلس أمامها كثيراً، يكفيه الانفعال الذي يسري في أوصاله وهو يحاول أن يكتمه، ويخفض معه دقات قلبه. كان يود أن
يقول لها في بداية زيارتها: "أنا مش قلت لك مش عايز أشوف وشك تاني يا نهال؟ " ولكن وجد منها أنها كانت على أتم استعداد لمواجهة كتلك، بل وحسبت لها حساباً طول فترة فراقهما، لكنها الآن في حالة من الصدمة لا تغادرها.
أما عنه، كان يود أن يخرج من جسده ويحلق بعيداً ويعود إلى أيام الجامعة بعد كل ما وصل إليه، لا يعلم متى كانت آخر مرة حزن بها دون أن يلجأ إلى عالمه الجديد، وهناك عاد يلتقي بأميرة أخرى، تلك الأميرة التي صادفته في أحلام الغفلة وعاد ليلتقي بها في أحلام الصحوة.
لمحها من بعيد، في إحدى أحلام المطاردة التي كان يبحث بها عن شبيهة لنهال، وجدها لم تحدثه مثلها وتجاهلته ولم تقربه، بل تركته يطفو ويعدو في عالم غريب لأول مرة يراه، وكان قلبه يتمسك بها في كل فعل يصدر منها، لقد كانت والدته على حق، الأخلاق كلها يمكن إيجادها ولكن بالتريث، ويتم استكشاف ذلك بالصبر والنظر بأعين ثاقبة، الأخلاق هي كل الجمال الذي يسمو إليه القلب والعقل الواعي، وكل أخلاقها وصفاتها أثارت خياله.
خرج وترك نهال بمفردها في الغرفة، مما أثار استغراب وفاء وذهبت إليه قائلة: -دكتور هادي! حضرتك سبت المريضة جوه ليه لوحدها وخرجت؟ فيه مشكلة؟ لو فيه أنا موجودة، أو حتى كنت استدعيت أي حد من الممرضات. رد عليها هادي: -تعالي يا وفاء ادخلي ليها وبلغيها تروح. دي مش مريضة، دي واحدة من بلاوي الدكتور سفيان. بس بلوى كلاس شوية، ملهاش في جو المستوصف. جحظت وفاء بعينيها: -وجت هنا برجليها. ودلوقتي؟
وقت الشغل بتاع المستوصف. ده إيه العالم اللي غاوية تفضح نفسها دي. الله يرحمها ملاك. كانت بتحاول تداري نفسها. نظر إليها هادي بحدة: -أيوه لأن اللي جوه دي مش عبيطة زي ملاك ولا ملك. دي عايزة تاخد حقها تالت ومتلت وترجعه لجوزها. رغم إن الهانم أصلاً متجوزة. لاحظت وفاء ضيقه: -دكتور هادي. ممكن تهدي شوية. الانفعال ملوش لازمة. اللي حصل حصل لملاك وأي حاجة مش هترجعها. بس معلش استحمل ملك، هي عندية. نظر إليها هادي قائلاً:
-مش قادر يا وفاء على عنادها، تعبت. أعمل إيه تاني عشان تقتنع. هي غبية مش عارفة إني خايف عليها. مفكرة إني زيه. رغم إني أمي أكدت لها غير كده. هزت وفاء رأسها قائلة: -طب بالراحة عليها. دي برضه موجوعة بسبب أختها. والوجع جاي من عندكم يا دكتور. فأكيد كل أما هتقرب من عيلتكم هتفتكر. ما بالك بقى لو شافته. هز رأسه بتفهم، وكادت أن تدلف إلى حجرة الكشف لتخرج نهال، إلا أنه أوقفها قائلاً:
-خليكي مع ملك الأيام دي يا وفاء. حتى لو هي رفضت ده. هي إن شاء الله الليلة هتكون في بيتي، وأنا هحاول أنقل بيت جدي على بال ما نكتب الكتاب. ودت وفاء أن تتم الأمور على ما يرام: -طب ما تطلب المأذون الليلة وتكتب كتابك عليها. بدل ما تنقل بيت تاني وترجع ملك تاني تعاند أو تهرب واحنا ما صدقنا تقتنع بالعيشة معاكم. هز رأسه بالرفض:
-لا يا وفاء. أنا قايل لها مش هكتب كتابي عليها ولا ألمسك إلا لما تكوني مقتنعة. أنا قصدت أخلي الحاجة شريفة تطردها عشان تعرف إن مالهاش غيري. فجأة وجدوا نهال تخرج من الغرفة، فترك وفاء وتوجه إلى خارج المستوصف كي يتحكم في أعصابه أمامها.
ياله من مشهد مثير للعجب، فهو الذي وقع تحت سحر الأنثى المتساوية في كل شيء، ليقع تحت سحر أنثى أخرى متعاكسة لها تماماً، ولكنها متناسبة له، الجمال كله يكمن فيها وفي تناسبها له وتقابلها معه وانعكاسها عليه، هي تعكس عليه الضوء من بعيد، رغم أن ضيائها أصبح باهتاً حيث طغى لون الدماء الأحمر فوق خضار قلبها، أصبح قلبها بعد أن كان بياضه مثل بياض القطن اللامع تحول إلى لون الرمال، ونهر حبها ود أن يكون فردياً إلى آخر العمر، سريع
الجريان لا يوقفه إلا نهر روح أخرى هائمة مثله، روح تجسدت بهيئة رجل، ذي شعر أسود وملامح حادة، متجسد الدفء به، ولكنها لا تريد أن تقترب منه، رغم فضولها، لأنها المرة الأولى التي تصادف بها طيفاً آخر غير طيف شقيقتها التي اعتادته، وانتظر ربما تلاحظه، لكنها كانت ساهية، ولا تريد أن ترفع رأسها إليه، تعبث بأصابعها فقط وهي تطيل النظر إلى الفراغ، وعندما أطال هو النظر إليها، فاز فضولها فحط طيفه وعادت بقلبها إلى لون القطن اللامع
تاركة لون الرمال.
عادت إلى المنزل لتجد حقيبة ملابسها على باب الشقة. حاولت فتحها لم تفتح. طرقت باب جارتهم لتفتح لها السيدة شريفة وملك تنظر إليها: -فيه إيه يا حاجة شريفة وليه شنطة هدومي مرمية على السلم والكالون متغير؟ هو انتوا كده طردتوني؟ طب أروح فين وأنا مليش غيركم؟ ردت شريفة: -الساكن الجديد على وصول. انتي عارفة العيشة بقت صعبة واحنا عايزين نجوز نادر ونفرح بيه. ووجودك قدامه موقف، وانت حالياً في واحد يتمناك، روحي له.
كان يعلم أنه يصارع مع القدر، خاصة عندما يرى كل سنة تمضي من عمره، وهو يعاكس التيار ويلغي كلمة الحتمية، يدرك أيضاً أنه مغامر، واتخذ قرار ألا يضيع اليوم والساعة، قرر أن يؤجل المواجهة والتحول في شخصيته فقط حتى يدخلها إلى عالمه، ويقضي ما بقي له من وقت في رسم الطريق المنقذ لما يواجهها في الزمن، ويعلم أن المواجهة ستحدث في النهاية بينها وبين ابن عمه، لا يعلم ما الذي استخدمه سفيان لمعرفة أخبارها، لكنه يعلم أنها هناك في أرض
جرداء بعد أن كشفت لها صاحبة المنزل أنها لا تريدها، وذلك بعد أن أكدت له زوجة صاحب المنزل أنها غيرت مفتاح الشقة، أصبحت تهيم هناك في عالم لا يريدها، لتكتسب القدرة على التحكم في أحلامها وأوقاتها، بل وصل بها الأمر أن تخرج عن السيطرة وتحنق شديداً.
تتذكر عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها، لا تعلم إن كانت طفلة أم مراهقة مثل قريناتها من البشر، وخاصة شقيقتها، وكان اسمها لا يهم أحداً، يستكفوا بمناداتها ملاك مثلها ولا يتطرقون إلى اسمها الخاص بها. اعتاد والدها ووالدتها على ذلك، والعائلة كلها على تلقيبها بملاك لدرجة أنها نسيت اسمها الحقيقي، وكادت تطلب منهم تغيير اسمها في شهادة الميلاد إلى ملاك، وتذكرت أنه كان عليهم أن يفتعلوا ذلك منذ بادئ الأمر حتى يوفروا نقودهم، حيث كان أبوها لا يستطيع تغطية حاجاتهم الأساسية ليدفع نقوده في الهواء لأجلها، ولاعتقادها أنها لا تستحق ذلك.
هتفت ملك بضيق: -تحدث السيدة شريفة: خليهم ينفعوكي يا ست شريفة. فعلاً كل حاجة في حياتنا مهمة وأهمها الفلوس لأنها هي اللي بتعمل البني آدمين. بس أنا كنت مفكرة غيرهم. ذهبت إلى لوكانده قريبة من الحارة، وأخذت تتلفت نحوها إلى أن استمعت إلى صوت عامل الاستعلامات وهو يحدثها: -بطاقتك يا شابة. ولو مش معاكي بطاقة عادي، أهم حاجة تدفعي، ولو مش معاكي فلوس نصبر. الجمال ده كله له تمن وغالي أوي. يا حلوة. همت أن تعطيه
هويتها الشخصية قائلة بخوف: -عايزة أوضة بسرير واحد ودي بطاقتي ومعايا فلوس الليلة دي. مفيش داعي للي قلته من شوية. أنا مش من الأشكال المشبوهة دي. وعلى فكرة هي ليلة واحدة. كاد أن يتحدث عامل اللوكانده لولا دخول هادي وضمه إليها من خصرها قائلاً: -إيه يا ملك؟ هو عشان اتأخرت عليكي في المحطة تزعلي وتتقمصي وتيجي تباتي هنا؟ بلاش لعب الأطفال بتاعك ده. ويالا على بيتنا، ماما مستنيانا. اتسعت حدقة عينيها بذهول: -إنت!
عرفت منين إنك هنا؟ انت بتراقبني يا هادي؟ ولا انت السبب في كل اللي حصل ليا من شوية؟ أيوه أنا عيلة ومش هاجي معاك. وأنا وانت مالناش بيت. نظر إليه عامل الاستعلامات بتدقيق، فقبض بيده على خصرها: -مالك يا ملوكة؟ انتي رجعتي للتهيؤات تاني ولا إيه؟ بقي أنا سفرتك تتعالجي ترجعي زي ما انتي. لا ده أنا كده هشرف على علاجك بنفسي. ما هو تخصصي. صرخت ملك في وجهه قائلة:
-أنا مش مجنونة. انت اللي مصر تعيشني معاك غصب عني. وزودتها، أنا عايزة أعيش حرة. وأنسي اللي حصل زمان. اللي كل أما أشوفك هفتكره. انحنى هادي وحمل حقيبتها ونظر إليها بازدراء: -خلصتي كلامك. أنا هسبقك على العربية. مش هتباتي هنا من غير هدوم. وانت رجع لها بطاقتها. أظن فهمت أنا بشتغل إيه وممكن أعمل فيك إيه.
ظلت متسمرة في مكانها إلى أن عاد إليها وجذبها من معصمها نحو سيارته، وهي تتملص منه ولا تريد ركوبها، فقام بصفعها بقوة، ولأول مرة يصفع بها امرأة، فصرخت قائلة بذل: -ملكش دعوة بيا. ابعد عني. انت ملكش تضربني. لا انت أبويا ولا أخويا. ولا يمكن تكون جوزي في يوم من الأيام. حتى حبيبي الكلمة دي ماتت. أدخلها سيارته عنوة وتوجه إلى مقعد القيادة قائلاً:
-زمان كنت حبيبك وهفضل طول عمري حبيبك. وهتجوزك يا ملك. يا إما هشهر بيكي، والدليل أهو جايه لوكانده ملهاش اسم ولا ترخيص. أخذت تسدد له الضربات قائلة: -يبقى تشهر بيا أحسن، وساعتها هنتحر وأخلص من حياتي لأن خلاص مبقاش ليها لا سعر ولا قيمة. انت بدل ما تجيب حق ملاك جاي تتجوزني؟ كانت تريد منه إنقاذ لحالتها المدمرة وليس زواجاً، وانهارت أمامه قائلة:
-لازم آخد حقي منه يا هادي. مش قادرة أتنفس وأعيش وهي ماتت، حتى لو كانت غلطت، بس ده مش جزاتها إنها تموت. من حقها تاخد تارها.
تخبطت في كلماتها وتذكرت شيئاً طالما استمعته من والدها، أن سبب ما كان به هو وجوده في الحياة، حيث كان لا يرغب في الإنجاب وكان يريد تحقيق ذاته واللف حول العالم، حيث عندما علم بمولده خسر أكبر صفقة كانت ستساعده على تغيير مسار حياته دون اللجوء إلى والده، ومنذ تلك اللحظة لم تنجح له أي صفقة وترك عمله وعاد إلى مصر، الذي زاد من الأمر سوءاً هو استئصال الرحم لوالدته في يوم مولده أيضاً لحدوث مضاعفات أثناء ولادته وتخيير الأطباء لها بينه وبينها، فاختارت ولادته واستئصال رحمها. هنا عندما عاد والده رفض وجوده واعتبره نذير شؤم، هو أيقن ذلك الآن عندما شعر أنه نذير شؤم أيضاً لملك، وكأن التعاسة خلقت من أجله وحده.
وجد نفسه يهمس بدون شعور قائلاً: -إزاي؟ وإمتى؟ اندهشت لشروده وهمسه... هو كان في عالم آخر يتذكر حديثه مع جده عندما أشار له بكل ما حدث منذ ولادته وحتى هذا اليوم، وهادي يستمع إليه في صدمة أجاد إخفائها جيداً خلف ملامح وجهه الثابتة. كيف حدث كل ذلك بتلك الطريقة؟ وكيف استطاعت والدته تحمل كل ذلك بمفردها؟ ولكن صوتاً أتاه معانداً ليقول...
هذا هو الأفضل للجميع، فلو كانت اختارت التضحية به لكانت ستعاني ما تلاقيه من خزي وعدم اهتمام من والده، يكفيه إنكاره له، فمهما حدث ما كان ليقبل بطفل آخر، فهو لا يريد إثبات نسبه في تلك الأرض، يريد البعد دائماً. ردها كان مفاجئاً لأسئلته لتفيقه من حالة شروده: -بقولك لازم يموت زيها. هو إيه اللي إزاي؟ هو انت مش دكتور وبتساعد الناس يعيشوا. ساعدني أموته بإيدي وأبعته ليها. وإمتى في أقرب وقت.
على الجانب الآخر فور سحبه لها من اللوكانده التي كانت تنوي المبيت فيها، دلفت صاحبة هذا المكان المهترئ وهي تقطب جبينها وتسأل الموظف: -مش دي ملاك اللي كانت بتيجي مع دكتور سفيان ولا أنا بتهيألي. بس مين اللي ساحبها وراه زي البهيمة كده؟ إيه هو سفيان بقى بيسيب اللي يخصه لحد تاني؟ جحظ العامل بعينيه فقد تذكر للتو أين رأى تلك الفتاة، لتستطرد السيدة قائلة:
-فيه حد أهبل كده زي البت دي. تيجي هنا ومع واحد تاني. أما عجايب. أنا لو منها أستخبى لا يقفشني تاني. ده لو عرف هيعمل منها بطاطس محمرة. ثم أردفت قائلة: -أنا كان نفسي أقولها من أول يوم جت المكان هنا. يا ملاك انتي ملكيش في العك ده. انفدي بجلدك. انتي لا أول ولا آخر واحدة جت معاه. تذكر العامل شيئاً وأردف قائلاً:
-اسمها ملك يا ست إحسان. مش ملاك. أنا أخدت بطاقتها وكنت لسه هملي البيانات بس خطيبها دخل وأخدها من هنا وقال إنها مجنونة. ابتسمت بسخرية قائلة: -ما هي يا أهبل مكنتش هتقول اسمها الحقيقي لينا. فقالت تشيل ألف عشان منعرفهاش. بس الغريبة إيه اللي جابها هنا تاني. وخطيبها إزاي وهي لا مؤاخذة. مش هستغرب، جايز ضاحكة على الزبون ده عشان يتجوزها وعاملة فيها مجنونة. ما هو اللي زيها لازم يعيش حياته بقى.
ترك كلا من هادي وملك بوابة لو فتحت على مصراعيها لن تكون أقل ضخامة من اللي صادفت شقيقتها، حيث صادفت بوابات كثيرة فيها يعظم الشر، والشعور الساحق أن لكل بوابة قصة خلف قصة، كل بوابة بنقوشها نكبة وانعدام الأمل لها، لكن هذه البوابة التي تركتها ملك تحوي الكثير، بالرغم من أنها مواربة إلا أنها ليست بسيطة، فهي تمويه عما خلفها، وعندما تم فتح تلك البوابة أصبح سفيان ينتظرهم، فكرت إحسان أن سفيان تغير، ولكن كيف لرجل مثله يملك ملامح
ضبابية وكل أفعاله لم تمحو من الذاكرة، كل النزلاء الذين صادفتهم لم يحاولوا أن يهددوها، رغم أنها أعلنت له عدم رضاها عن وجوده، لكن سفيان الوزير مختلف، ربما تناست أو نست أن كل هؤلاء الرجال بسيطون أمامه، أمر غريب كيف لهؤلاء يخضعون في كيفية النزول عندها عدا هو.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!