تشرق الشمس لتتطفل على بطلتنا النائمة بعمق، لوهلة تظنها الأميرة النائمة من سكون جسدها المتعب والمرهق. تبدأ أشعة الشمس تنير تلك الحجرة المتآكلة والقديمة، ومع تلك الإنارة يبدأ المنبه بازعاج أميرتنا النائمة. تتململ بكسل، تغلق صوت المنبه المزعج وتتجه للحمام، ثم تتوضأ وتؤدي فرضها وتذهب لتيقظ أختها الصغيرة. سلمى: حياة فوقي، الساعة ستة. حياة: نصحى. سلمى: شوية يا أبلة. سلمى: شوية إيه، مفيش وقت وراكِ مدرسة، اصحي يا حياة.
حياة: حاضر، فوقت. صباح الخير لأحلى أخت في الدنيا. سلمى: صباح النور لأجمل بنوتة. يلا البسي، وهاروح أجهز الفطور. تتجه حياة لتحضير نفسها لتبدأ يومها، وتذهب سلمى لتجهيز الفطور، لتخرج من الغرفة وتنصدم بزوج والدتها. صابر: متفتحي يا بت، عامية. سلمى: يا صباح يا فتاح، هو انت يا راجل؟ مستحيل يعدي صباح للي تعكنن عليا. إيه القرف ده يا ربي. صابر: اتعدلي يا بت، وقولي يا صباح لأصبح عليكي، وانتي عرفاني كويس، فلمي الدور أحسن.
وربنا أنا عارفة إن اليوم ده مش هيعدي على خير، أووف. تركته سلمى، ثم اتجهت للمطبخ لتجهيز الفطور. *** في الشقة المقابلة، نجد بطلتنا الثانية تستعد لبدء يومها المرهق كباقي أيامها. فهي تعمل نادلة في مطعم لكي تستطيع أن توفر مستلزماتها ومستلزمات والدها القاسي.
تقوم بوضع حجابها، وتتأكد من لباسها المحتشم الذي قلما ما نراه في أيامنا هذه، ثم تتجه لتخرج لتذهب لغرفة والدها، فتراه ما زال نائماً بعمق، فقد عاد من الخارج الفجر من إحدى سهراته المجانة الذي يقضيها بإحدى الكابريهات الدنيئة. سارة: زي كل يوم سهر وشرب للفجر، ربنا يهديك يا بابا. تخرج لصديقتها سلمى لتذهب معها في طريقها للعمل، لتطرق الباب فيفتح لها صابر. سارة: صباح الخير يا عم صابر.
صابر باستخفاف: أهلاً أهلاً بالأميرة التانية. لتخرج سلمى وهي تضع حجابها. سلمى: ثواني واكون جاهزة. سارة: براحتك، هي حياة فين؟ سلمى: أنا هنا يا سوسو يا عسل، صباح الفل يا فل. سارة: صباح النور يا حياة، ازيك يا قمر؟ حياة: الحمد لله، ازيك انتي يا سوسو؟ سلمى: مش كل يوم بت انتي وهي، أنا ورايا شغل، خلصي منك ليها. سارة: ههههههه، في إيه بس يا أبلة؟ مش بتصبح عليها؟ سلمى: صبحي يختي، صبحي.
سارة: ههههههه، يلا يا حياة على مدرستك، لحسن أختك تنفخنا، ههههه. حياة: خدي يا حبيبتي الفلوس دي، خليها معاكي. سلمى: ليكي، وأياكي تعطيها لحد، فاهمة. ثم تنظر لصابر نظرات حارقة. حياة: حبيبتي، ربنا ما يحرمني منك يا أحن أخت في الدنيا، سلام بقى. ثم تتجه لتغادر. سارة: إيه جو التهديد ده، هههه، انتي مش هتبطلي؟ سلمى: أعمل إيه في أبوها الزفت؟
كل ما أعطيها فلوس ياخدهم منها، ربنا يهده. يلا نمشي، مش ناقصة يعكنن عليا قبل الشغل زي كل يوم. تتجه هي وسارة ليغادروا. سارة: إمتى الدنيا تحن علينا بقى. سلمى: ههههه، مالك ع الصبح؟ مش عويدك يعني، فين سارة المتفائلة؟ تنهدت سارة ثم قالت: تعرفي أنا زهقت، كل يوم سهر وشرب وخمر لوش الفجر، وطول النهار نوم، ويصحى عايز أكل وفلوس، غير السبها، أنا تعبت. سلمى: وأيه الجديد يعني؟
مفروض تتعودي. ما أنا زيك مستحملة زوج أمي عشان حياة، اللي كل ذنبها إن ليها أب مستهتر زي صابر، مش بعيد عن أبوكي يعني. شرُدت سارة قليلاً ثم قالت: على الأقل مش والدك، زوج أمك، إنما أنا ده والدي اللي مفروض يشتغل ويصرف عليا ويهتم بيا، مش أنا اللي أتعب وأشتغل. نفسي أحس مرة إنه بيحبني وبيخاف عليا. آه يا سارة، انسى بقى، لسه اليوم مبدأش لجو النكد ده. أقلك، شو رأيك نغني؟
هههه، الدنيا ربيع والجو بديع، قفل ع كل المواضيع، قفل، قفل. هههه. اضحكي بقى. هههه، والله مجنونة، مش عارفة أنا من غيرك كنت عملت إيه؟ ده أنتِ اللي منسياني تعب اليوم وقرفه. سلمى: أيوة اضحكي، والله مفيش حاجة تستاهل تزعلي عليها. ثم ظهرت فجأة سيارة من العدم اصطدمت بسلمى حينما كانت تسير. سارة: سلمى! سلمى: آه ياني، يما منك لله يا صابر الكلب، أنا كنت عارفة إن اليوم مش هيعدي على خير. سارة: انتي كويسة؟ طمنيني، جرالك حاجة؟
سلمى: رجلي وجعاني، مش قادرة أحركها. فجأة تخرج فتاة جميلة من السيارة، ترتدي فستان أخضر قصير، ذات عيون زرقاء وشعر أشقر قصير. ألمى: انتي كويسة؟ سلمى: بت يا سارة، شايفة اللي أنا شيفاه؟ إيه ده؟ أمريكانية دي ولا إيه؟ سارة: انتي بإيه ولا إيه يا مجنونة؟ خلينا نروح نطمن ع رجلك. ألمى: أنا آسفة والله، جرالك حاجة؟ سلمى: بسيطة يا مزة، فداكي رجلي، هو أنا أطول مزة زيك تضربني. سارة: لا بجد، هتروح تموتيني؟
قومي خليني أساعدك، مش وقت هزارك. ألمى: خليني أساعدك، هوّديكي لدكتور. سلمى: مش عايزين نغلبك معانا، أنا هاخدها. ألمى: طبعاً لا، ده أنا السبب والله ما كان قصدي، يلا تعالوا أوصلكو ع المستشفى. بدأت الفتاتان بمساعدة سلمى لركوب السيارة. سلمى: بشويش، رجلي بتوجعني. ألمى: معلش يا سلمى، استحملي يا حبيبتي، اركبي. تركب الفتيات السيارة، ثم تتجه ألمى لأقرب مستشفى. ***
في مكان آخر، مكان لا يشبه أي مكان، فهو قصر ليث المهدي، قصر بمعنى الكلمة. الأسوار العالية المحيطة بالقصر، والحرس ينتشرون بكل مكان، تشعر إنه قصر رئيس من جماله وحراسته المشددة. داخل القصر، تجلس امرأة يبدو عليها الصرامة والشدة على مائدة كبيرة مليئة بمختلف أنواع الطعام. فريدة: ليث باشا فاق؟ الخادمة: لأ يا هانم، رجع البيت متأخر. فريدة: أنا مش عارفة إمتى راح يبطل سهروا لأخر الليل ده. الخادمة: ألمى فاقت؟
فريدة: آآآلهانم الصغيرة خرجت من بدري. الخادمة: إيه؟ راحت فين من بدري؟ فريدة: معرفش يا هانم. الخادمة: إزاي متعرفيش؟ هو انتي بتعملي إيه في القصر؟ مش دي وظيفتك؟ الخادمة: والله يا هانم ما شفتها خرجت إمتى. إيه إيه ع الصبح؟ نطق هذا الشاب الوسيم كلماته، ثم اتجه ليقبل رأس جدته. ليث: صباح الخير يا تيتة. فريدة بوجه غاضب: صباح النور ليث باشا. ليث بهدوء: فريدة هانم، العصبية مش كويسة عشانك. فريدة: فارقة معاك يعني متعصبة ولا لأ؟
هو انت فاضي طول النهار في الشغل، بعدين سهر لأخر الليل، والهانم رجعت من أمريكا ليلة امبارح وأصحى ملقاهاش. ليث وهو يتناول طعامه بهدوء: أكيد راحت تشوف صحابها، ما أنتي عارفة 5 سنين بأمريكا بتدرس، أكيد متشوقة لنزولها تاني. فريدة: ماشي، بس مش كده، دي حتى مفطرتش، دي نزلت من غير ما نحس. ليث: تيتة، ألمى كبرت يعني، مش ألمى الصغيرة اللي ربيتيها، اللي كانت تاخد إذنك قبل كل حاجة تعملها، لازم تراعي الكلام ده.
فريدة: بزمتك انت مش خايف عليها؟ ليث: وأخاف عليها ليه؟ وأنا معاها بكل خطوة، انتي عارفة أنا مش أي حد. فريدة: يا بني يا حبيبي، انت مدلعها أوي، مش كل حاجة عايزها تعملها، خلتها تسافر وتتغرب وتبعد عنا بحجة الدراسة، ما كانت درست هنا، ما فرقتش هنا عن هناك، كان لازمتها إيه تروح تدرس بأمريكا. ليث: تيتة، أنا عمري ما أجبرتها على حاجة، وسيبها ع راحتها، ألمى كبرت، استوعبي الكلام ده أحسن ليكي وليها.
فريدة: عارفة يا حبيبي، بس اختك متهورة، وكل حاجة عايزها بتعملها حتى لو مش مناسبة ليها ولمركزها، غير عناد راسها دي، مش شايفة حد غير نفسها، نفسي تبطل عناد وتنزل الشركة معاك. ليث: متخفيش يا حبيبتي، كل اللي عايزاه هيحصل قريب، اطمني. فريدة: ربنا يخليك ليا يا حبيبي ويهديك وتبطل سهر آخر الليل ده. بعد ما قالته الجدة، قام مسرعاً، فهو يعلم أن هذا الحديث لسبب. ليث: أنا اتأخرت وعندي اجتماع مهم، بشوفك بليل.
فريدة: انت بتتهرب مني يا ليث؟ شيفني بنت صغيرة. ليث: تيتة، دي حياتي وعجباني، اطمني انتي وما تشيليش همي. فريدة: يعني إيه مش أشيل همك؟ اسمعني بقى، أنا خلاص جبت أخري معاك، مش معقول هتعيش حياتك شغل وسهر، لازم تتجوز، حياتك دي مش حياة. ليث: تيتة، أعتقد السيرة دي منتهية. فريدة: أنا مش هسيبك تدمر حياتك بسببها، قلتلك مية مرة، مش كلهم زيهالي. ليث بوجه غاضب: تيتة، أرجوكي. فريدة: لا يا ليث، انت لازم تسمعني المرة دي.
ليث: يووه، أنا خارج. انطلق ليث بسرعة نحو السيارة وهو غاضب، لا يعلم سبب غضبه، هل إصرار جدته على زواجه أم لأنها ذكرت أمه أمامه؟ كم يكره تلك المرأة، لا يطيق سماع اسمها. أوقفه أحد الحراس المكلفين بمراقبة ألمى. الحارس: ليث باشا. ليث: خير، ألمى جرالها حاجة؟ الحارس: أصلو يا باشا، الأنسة ألمى قدرت تهرب مننا. ليث: إيه؟ إزاي؟ انتو أغبية مش عارفين شغلكم؟ مشغل بهايم أنا. الحارس: يا باشا، والله ما أعرف... ليث: اخرس و غور من وشي.
ركب سيارته وهو لا يرى من شدة غضبه. ماشي يا ألمى. *** في المشفى. الطبيب: متقلقوش، هي كويسة، ده التواء بسيط برجلها، يعني مش كسر. سلمى: بس دي بتوجعني أوي. الطبيب: معلش، لسه الضربة حامية، أنا هكتبلك ع شوية مسكنات للوجع، محتاجة راحة، ممنوع تمشي عليها ليومين، أقل حاجة. سلمى: يومين؟ مينفعش، والشغل. الطبيب: اهدي يا بنتي، شغل إيه اللي بتفكري فيه ده؟ عموماً، شكراً يا دكتور. غادر الطبيب الغرفة.
ألمى: أنا آسفة والله، غصبن عني، انتي ظهرتي فجأة وأنا مش شفتك. سلمى: آه ياني، أنا كنت عارفة يعني هشوف وش صابر ع الصبح وانفد؟ مستحيل طبعاً. ألمى: ههههه، والله الراجل ده غلبان معاكي، سبيه بحاله. سلمى: متشكرين يا آنسة، تعبناكي معانا. ألمى: لا تعب ولا حاجة، أنا السبب بالجرالها، لو في حاجة ممكن أعملها تعوض ع اللي صار. سلمى: متشكرين يا مزة، هو صحيح انتِ منين؟ أصله شكلك غريب أوي، شكلك بنت ناس أكابر.
ابتسمت ألمى وقالت: نسيت أعرفكم عن نفسي، أنا ألمى المهدي. سارة بتفكير: المهدي. مممم، معموماً، أنا سارة، ودي صحبتي سلمى. ألمى: تشرفت. سلمى: والله طالعة من بوئك زي العسل، مرسي بتاعتك. ألمى: هههه، مرسي، انتِ اللي عسل. سارة: ممكن بقى نتحرك؟ أنا اتأخرت ع الشغل. ألمى: أنا هوصلكم. سارة: مش عايزين نشغلك معانا. ألمى: دي أقل حاجة أعملها. توجهوا للخارج بعد أن دفعت ألمى مصاريف المشفى والدواء. سلمى: يا بنتي، انتي دماغك عنيدة ليه؟
مكنش له لازمة تدفعي. ألمى بابتسامة جذابة تسحر: إزاي بس، ده أنا السبب بوجعك، بجد آسفة. سارة: شايفة يا سارة، البت دي كأنها طالعة من الأفلام الأجنبية اللي بنشوفها بالتلفزيون. ألمى: هههه، يا بنتي ارحميني، أنا اتأخرت ع شغلي. سارة: امشي يختي، اللي يسمعك يقول بتشتغلي مديرة شركة، ده انتي كل اللي بتعمليه بتشيلي الصنية من ترابيزة لترابيزة. سلمى: بجد، ده وقت هزارك.
سارة: خلاص سكت، مش كفاية، هروح وأشوف المنيل ع عينه. صابر، اركبي يا خيتي، اركبي. انطلقت السيارة بهن لتصل الحارة، لينبهر كل من فيها من السيارة التي لا يرونها إلا بالأفلام، وتوقفت أمام بناية قديمة. سلمى: متشكرين جداً، إحنا تعبناكي معانا. ألمى وهي تتلفت يميناً ويساراً وهي متفاجئة من جموع الناس التي احتشدت لترى ما الذي يحدث: مش مشكلة، المهم سلمى تكون كويسة.
ثم مدت يدها لتودعهم، لترحل بعيداً عن أصوات الأطفال التي انطلقت وراء سيارتها يصرخون ويهللون. سلمى: شايفة العيال، اللي يشوفهم يقول ما شافوش سيارة قبل كده. ألمى: خليني أوصلك لفوق وأروح ع شغلي. ثم انطلقت الفتاتان للصعود. أوصلت سارة سلمى لبيتها، ثم انطلقت لعملها، لتتذكر مدير المطعم وتتذكر نظراته لها التي تربكها وتشعرها بالخوف، فنظراته ليست بريئة.
سارة: ربنا يستر، ده عايز حجة يتلكك علشان يحتك بيا، وأنا اتأخرة، أوي، ربنا يستر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!