التقطها فوراً بكفيه الغليظتين ورفعها عن الأرض، ثم أجلسها على المقعد أمامه بينما تحاول خالتها إفاقتها. أحضر زجاجة مياه ونثر بضع قطرات على وجهها بيديه، فبدأت تفتح جفنيها بوهن شديد. حدثهم قائلاً: "ربنا يصبركم ويصبرنا.. عن إذنكم." ثم انصرف مصطحباً والده وأشقاءه إلى الخارج، ففاجأهم والدهم قائلاً: "أنا مش هرجع البلد.. أنا هفضل في مصر." نظروا جميعهم إلى بعضهم البعض بتعجب، وبادر رضوان متسائلاً: "هتفضل في مصر إزاي يابا؟!
وليه؟! وفين؟! "هنرجع البلد من غير فرحة نعمل إيه؟! عايزني أرجع الدار وهي ريحتها ونفسها في ركن في البيت؟! وهرجع البلد ليه؟! آخد عزاها وأنا مش عارف أدفنها؟! اعتلى نحيبه، فالتف حوله أبناؤه يواسونه وهم يحتاجون لمن يقوم بذلك، فقال رامي: "إحنا كمان مش متقبلين الفكرة يابا والموضوع صعب علينا زي ما هو صعب عليك.. بس على الأقل نرجع البلد نساوي حالنا ونرجع تاني."
قال والده بإصرار: "لا مش هرجع البلد تاني.. بعدين تسافر إنت وأخواتك تشوفوا هتعملوا إيه.. يلا يا رضوان كلم صاحبك المصراوي يشوف لنا سكن.. عليك العوض ومنك العوض يا رب." مع صباح يومٍ جديد، استيقظت "فرحة" عندما داعبت الشمس وجهها كعادتها كل صباح. فتحت عينيها ببطء ونظرت إلى جوارها فلم تجد رفيق الرحلة وونيسها الأوحد. انقبض قلبها ونهضت فجأة تجول ببصرها هنا وهناك، حتى وقعت عيناها عليه يسبح بالماء. ذهبت إلى الشاطئ ورفعت
يديها تلوح بها قائلة: "صباح الخير يا أحمد أفندي." لوح بيديه وقال: "صباح النور يا فرحة.. اتفضلي معانا." وضعت يدها فوق عينيها تحجب عنهما أشعة الشمس وقالت: "ألف شكر.. لسه ميعاد الشاور بتاعي مجاش." سبح ناحيتها وخرج من الماء، فأشاحت بوجهها جانباً في خجل لرؤيته بسرواله فقط. استوعب الموقف، فقال وهو يسرع للخارج لارتداء ملابسه: "أنا آسف يا فرحة.. اعذريني."
ارتدى ملابسه على عجالة من أمره وعاد إليها وتابع قائلاً: "حسيت إني مخنوق فقولت أطلع الطاقة السلبية اللي عندي في العوم." "ياريتني بعرف أعوم يا أحمد أفندي.. كنت لقيت حاجة أطلع فيها خنقتي أنا كمان." "إيه ده؟! عمرك ما نزلتي الميه؟! "هي مرة اللي نزلت فيها.. كنا في إسكندرية عند خالي الله يرحمه." "هاا كويس." "لا مش كويس.. ما أنا المرة دي شربت نص مية البحر وطلعوني بأعجوبة وطلعت زرقا وورمة." "مبتعرفيش تعومي؟!
"نهائي.. ده أنا أغرق في البانيو." كتم ضحكته بصعوبة وقال: "طب إيه رأيك لو أعلمك؟! "لاااا.. مستغنيين عن خدماتك المرة دي." "متخافيش مش هغرقك.. ده أنا بعوم كويس جداً." "أيوة ما أنا شايفاك ماشاء الله بتبلط في الميه ولا قرموط الترعة." قهقه قائلاً: "طيب أدي آنتي شوفتي بنفسك.. خايفة ليه؟! "وإفرض هاجمتنا سمكة قرش هيبقا إزي الحال! "سمك قرش إيه يا فرحة اللي هيخرج برة كده.. إحنا مش هندخل لجوة متخافيش."
"وإنت لامؤاخذة يعني هتعلمني العوم وإنت لابس لبس السباحة؟! "لا متقلقيش أنا هدخل معاكي بهدومي كده.. يلا." ترددت كثيراً، فقال: "بصي يا فرحة.. أنا اتعلمت حاجة مهمة جداً وأحب إنك تعمليها بردو." "حاجة إيه؟!
"الحاجة اللي تتغصبي عليها لازم تستفيدي منها.. بمعنى إنك دلوقتي موجودة في المكان ده غصب عنك بس بما إنك هنا يبقى على الأقل تخلقي لنفسك جو حلو أو تخطفي لحظات حلوة وذكريات حلوة عشان لما نرجع إن شاء الله تفتكري المواقف دي وتضحكي." أشار برأسه بمعنى "هيّا"، فأمسكت بذراعه بكلتا يديها ودخلت معه إلى الماء. نظرت له بريبة في البداية، سرعان ما تحولت لحماس. توقف بها في الماء، فقالت: "تعالي ندخل جوا شوية."
ضحك وقال: "حيلك يا فرحة هانم.. واحدة واحدة." قالت بسعادة: "الميه حلوة أوي.. أنا مبسوطة." ابتسم لسعادتها وقال: "وأنا مبسوط إنك مبسوطة يا فرحة.. يلا افردي إيديكي وبعدها افردي جسمك كله على الميه." فردت ذراعيها كما أخبرها وحاولت الاستلقاء على ظهرها، فغاصت تحت المياه. أخرجها مسرعاً وهو لا يستطيع كبح جماح ضحكته. سعلت كثيراً وأخذت تشهق وتزفر قائلة: "كنت هغرق.. كنت هغرق.. مغرقتش في البحر وكنت هغرق على البر."
ارتفعت ضحكاته، فنظرت إليه بغضب عارم وقالت بصوت عالٍ نسبياً: "إنت بتضحك على إييييه؟! ازدادت ضحكاته وقال: "تغرقي إيه يا فرحة؟! ده إحنا الميه مش واصلة لركبنا.. وبعدين إحنا لسه على البر.. عمرك شفتي غريق بيغرق على البر؟! "أنا يا خويا.. ده أنا بغرق في شبر ميه.. وسع كده أنا خارجة." أمسك بيديها بإحكام وقال بجدية: "مش من أول محاولة تيأسي وتستسلمي.. بطلي شغل عيال صغيرة." استفزتها كلماته، فقالت: "ماشي.. اتفضل علمني."
"افردي إيديكي زيي كده وبعدها افردي جسمك كله.. يلا." فعلت كما أخبرها، فوجدت الماء يرفعها، فقالت بحماس وسعادة: "إيه ده؟! ده أنا طلعت بعرف أعوم أهو." "هو فين العوم ده.. لسه يا فرحة معملناش حاجة.. يلا حركي إيديكي بالعرض وميلي بكتفك وإنتي بتحركي إيديكي." فعلت المثل، فقال مشجعاً: "برافو يا فرحة.. يلا.. بدلي برجليكي كأنك راكبة Bicycle." "كلمني عربي الله لا يسيئك.. أنا هعوم ولا هترجم! "كأنك راكبة بسكلتة يا فرحة.. يلّا بدلي."
فعلت كما أخبرها، فقال: "برافو يا فروحة.. خدي نفس بانتظام و........... لم تستمع لبقية ما تفوه به، جذب انتباهها بأكمله نطقه لاسمها بتلك العذوبة، بل ويدللها أيضاً. توقفت يداها وقدماها شاردة به، فنزل رأسها إلى الأسفل مرة أخرى، فأسرع بإنقاذها وإخراجها من الماء، فإذا بها تنظر له نظرات لم يستطع هو فهمها، ولكنها كانت تحمل الكثير والكثير. نظر بداخل عينيها لأول مرة، ولأول مرة يكتشف جمال عينيها وصفاء لونهما.
نظرت داخل عينيه بدورها، فوجدتهما تفيضان بالدفء الذي لطالما افتقدته. انتبها على حالهما، فحمحم هو قائلاً: "كفاية كده النهارده.. يلا نخرج." "لا يا بابي هنزل النهارده.. الحزن ملوش علاقة بالشغل.. وأديني أهو بقالي يومين منزلتش كان إيه اللي اتغير؟! "معلش حبيبة بابا.. ده نصيب وقدر.. ربنا يرحمه ويعوض عليكي." "ونعم بالله.. هستأذن دلوقتي يدوب أنام ساعة وأصحى أنزل... مع السلامة."
استندت برأسها إلى الوراء وأغمضت عينيها وغطت في نوم عميق. "نورااا.. نوراا فوقي إحنا خرجنا على الشط خلاص.. نورااا حبيبتي فوقي.. إحنا في أمان دلوقتي.. نوووورااااااااااا." أتاها صوته كأنه صدى صوت يتردد في جُب عميق، فأفاقت من نومها فزعة. ظلت تتلفت حولها حتى استوعبت أنه منام، فنهضت على الفور واستعدت للذهاب إلى عملها. "أنا بعت كل البهايم لشريف ابن عمي يابا وأدي فلوسها أهي." وضع "رضوان" المال أمام والده على الطاولة،
فقال والده بهدوء: "خد فلوس الشقة اعطيها لصاحبها وهات التاكسي اللي قلت هتشتغل عليه إنت وأخوك.. وباقي الفلوس انقل بيها مدرسة بدر وكرم.. وإذا مكانتش تكفي انزل بيع فدانين وهات فلوسهم وتعالى." "لا إن شاء الله هيكفوا.. دلوقتي حالاً هنزل أقابل صاحب الشقة وأديله فلوسها وأقابل كمان صاحب التاكسي ونخلص الورق عشان من بكرة إن شاء الله هشتغل عليه أنا ورامي." أومأ والده موافقاً وتمتم باقتضاب: "اللي فيه الخير يقدمه ربنا."
"أنا بطني وجعتني يا أحمد أفندي من أكل جوز الهند.. بقالنا 3 أسابيع مبناكلش غيره.. وكل ما أقوللك أنا شامة ريحة موز تعالي ندور تقوللي الغابة جوه مش أمان.. طب حلها إنت."
"يا فرحة أنا خايف عليكي.. أنا مقدرش أجازف وإنتي معايا.. أول حاجة لو دخلنا ممكن يكون جوه حيوانات مفترسة.. تاني حاجة ممكن منعرفش نرجع مكاننا تاني ويبقى لو احتمال 1% إننا نرجع بكده هنخسره.. ف الأحسن منتحركش من هنا.. أو لو مصممة يبقى هدخل لوحدي زي ما قولتلك." "لا طبعاً مش هسيبك تدخل لوحدك ورجلي على رجلك مكان ما تروح.. وبعدين يعني هنقابل إيه أوحش من اللي إحنا فيه؟! بالعكس ممكن نوصل لمكان أحسن من ده!
"يا فرحة في الغابة أكيد مش هنلاقي مكان أأمن من ده." "يا سيدي نجرب مش هنخسر حاجة إن شاء الله.. آحنا نولع عصايتين نار ونتكل على الله.. لعل وعسى نلاقي طريق نرجع بيه بقا ألا أنا لو فضلت هنا أسبوع كمان هيطلعلي شعر في كل حتة في جسمي شبه أبو الليف من كتر قعدتي مع القرود." ارتفع صوته عالياً بضحك، ثم أومأ موافقاً وقال: "ماشي يا فرحة اللي تشوفيه.. اتفضلي قدامي."
صفقت بفرحة كالأطفال وأشعلت عصاتين ناراً وأعطته واحدة وأمسكت بالأخرى، ثم قالت مازحة: "جواز عتريس من فؤاده باااطل.. بااااطل." ضحك حتى أدمعت عيناه وقال لها: "قدامي يا آخر صبري." "لا قدامك إيه.. ليديز فيرست.. والله لـ تتفضل الأول." لم يتعجب تلك المرة، فقد اعتاد جنونها ومزاحها. سار أمامها وأمسكت هي بقميصه من الخلف تتشبث به، فقال: "خايفة يا فرحة؟! أجابت بصدق: "هخاف وأنا معاك يا أحمد أفندي؟!
اتسعت ابتسامته وقال: "لو حصل أي حاجة وكان بإمكانك ترجعي ارجعي إنتي يا فرحة وسيبيني." "وهو لو طلعلنا حنش ومسك في زمارة رقبتي هتسيبني وتمشي؟! "يستحيل طبعاً." "طيب.. اومال بقا؟! هو إنت أجدع مني ولا إيه؟! "لا العفو دا انتي اجدع خد قابلته." تقدما بسيرهما، فصرخت فرحة قائلة فجأة: "شجر موز يا أحمد أفندي!! نظر إلى حيث تشير وقال: "برافو عليكي يا فرحة.. إنتي هايلة فعلاً.. بس هنجيبه إزاي؟!
ظلّا يتلفتان حولهما، حتى وقع بصره على مجموعة كبيرة من العصي المدببة المتساوية الطول والسمك، فنظرا إلى بعضهما البعض وقد واتتهما نفس الفكرة سويّاً....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!