"إستني! قالها أحمد صارخاً بفرحه. فألتقت ما بيدها أرضاً. نظرت له بفزع ووضعت يدها على صدرها وقالت: "خضيتني يا أحمد أفندي، يخربيتك! رفع حاجبه دهشة وقال: "هو إنتي شبه الأطفال كده؟ كل حاجة على بؤك؟ نظرت له مغتاظة وظلت تلهث وتزفر بعصبية. فقال: "لا، تعالي خديلك قلمين أحسن. إنتي تعرفي إذا كان المشروم ده صالح للأكل ولا مسمم؟ رفعت شفتها بنزق وقالت:
"إسمه عيش الغراب على فكرة، ماسموش البتاع اللي بتقول عليه ده. وبعدين يعني ما هو كان بيطرح جنب البيت وكنا بناكله وإحنا صغيرين، مموتناش يعني." "يطرح؟ يطرح إيه هو بلح؟ إنتي هتجيبي أجلي قريب يا فرحة." "لا يا أحمد أفندي، بعد الشر عنك." نظر لها حانقاً ثم انحنى والتقط الفطر بيديه. ففركه بين أصابعه، فسرعان ما أصابتها الحمرة والتهبت. نظر لها بمعني "أرأيتي" ثم قال: "كان زمانك متسممة دلوقتي يا فرحة هانم! قالت ببلاهة:
"إنت عملت إيه؟ "زي ما شوفتي.. فركته بين صوابعي فإلتهبت.. معني كده إنه مسمم وكان هيسممك." "يحلاوة... قاطعها مكملاً جملتها: "العلم نور يا ولاد." اتسعت ابتسامتها فابتسم أيضاً وقال: "متبقيش مستهترة كده يا فرحة.. فكري الأول قبل ما تتصرفي أي تصرف." "معاك حق يا أحمد أفندي! زفر قائلاً بملل: "وإيه أحمد أفندي دي يا فرحة؟ إسمي أحمد بس.. ارفعي الألقاب." فاجأته عندما قالت:
"لاااا يا أحمد أفندي، ماهو أنا مش بقولك يا أفندي احتراما ليك لا سمح الله.. لا ده أنا لساني اللي واخد على كده.. يعني حتى كل يوم الصبح عندنا في البلد لما كنت أشوف عمي حمدان راكب الحمارة كنت بقول له صباح الخير يا حمدان أفندي! الموضوع ملوش علاقة بيك متقلقش." نظر لها نظرات فارغة وقال: "قدامي يا فرحة.. إمشي! *** في بيت أهل فرحة.. دق الباب فأسرع كرم بفتحه. وكان الطارق رضوان بصحبة بدر. أسرع كرم في احتضانهما بشوق ولهفة.
بعد مرورهم للداخل وبعد أن استقبلهم الكل بحفاوة قال والده: "مفيش أخبار بردو يا رضوان؟ هز رضوان رأسه بأسف وقال: "لسه يابا مفيش خبر.. لسه البحث شغال بس كل اللي طلعوهم مش عارفين يحددوا هويتهم.. بس أنا حاسس يابا إن فرحة بخير.. والله هترجع إن شاء الله." والده رأسه بحزن شديد وقال: "يااارب.. ملناش غيرك يارب.. وإنتي عاملة إيه يا بدر البدور؟ قالها مقبلاً تلك الصغيرة التي تجلس فوق قدميه. وقالت: "أنا شوفت فرحة وأنا نايمة."
استرعت انتباه الجميع فأسرع والدها يسألها: "شوفتي إيه يا بدر؟ "شوفتها بتعوم في الميه ومبسوطة وفرحانة وعمالة تضحك وكان معاها حد كمان بيضحك." "أكيد رجب.. قالها رامي متأففاً." "لا مش رجب.. ده كان واحد حلو أوي." ابتسم الجميع. فقال رضوان: "بكرة هنزل مصر يابا." ثم أكمل بتلعثم: "بعد بكرة آخر يوم في البحث.. إن شاء الله هرجع بفرحة.. متقلقش يابا." قال والده: "اللي ربنا رايده هيكون يا رضوان." *** "وبعدين يا أحمد أفندي؟
"بقالنا أسبوعين على الجزيرة دهين ولا حد قال لنا إنتوا فين." قالتها فرحة متسائلة بيأس. فأجابها بيأس مماثل: "على الأغلب يا فرحة فرص النجاة بالنسبة لنا بقت معدومة.. النهاردة بقالنا أسبوعين.. يعني أكيد سفن البحث هترجع لأنهم مبيقعوش أكتر من أسبوعين." "طب ما أنا عندي فكرة.. ليه نستناهم هم يلاقونا؟ هز رأسه بتساؤل. فأكملت: "نروحلهم إحنا! "نروحلهم فين؟ "مكان ما الطيارة وقعت! "إنتي عبيطة يا فرحة؟
هو إنتي مفكرة إن إحنا واقعين في بول؟ "وإحنا إيه اللي هيوقعنا في البول.. ده إيه القرف ده؟! "بول إيه يخربيت تفكيرك المعاق.. بول يبنتي اللي هو حمام السباحة." "آااااه.. البسيم يعني." "بسيم؟ آه هو البسيم ده بالظبط.. أهو إحنا بقا مش واقعين في البسيم.. إحنا واقعين في بحر ملوش أول من آخر.. يعني لو دخلنا احتمال منخرجش تاني." وضعت يدها على خدها بإحباط وقالت: "طب وبعدين.. هقضي بقية عمري في الجزيرة كدهون.. بين السناجب والقرود!
خطرت بباله فكرة فجأةً فقال متمتماً: "إشارة الاستغاثة.." ثم قال: "قومي بسرعة يا فرحة." "على فين يا أحمد أفندي؟ "لازم نجمع حطب كتير ونقسمه على 3 كومة ونرصهم على شكل مثلث.. دي إشارة استغاثة ممكن الطيارات تشوفها لو بالقرب مننا.. بسرعة يا فرحة." ركضت فرحة بحماس شديد تجمع ما تستطيع جمعه من الحطب وفعل هو المثل حتى فرغا بعد ساعة. قسم أحمد الحطب لثلاث مجموعات ووضعهم على هيئة مثلث وجلس ينتظر برفقة فرحة مرور أي طيارة.
حدث ما تمنوه واستمعا إلى صوت مروحية تلوح في الأفق. فوقفا يصرخان وارتفع صوتهما بطلب النجدة مشيرين إلى أنهما هنا ما زالا حيان يرزقان. ولكن ثبطت محاولاتهما عندما اختفت الطيارة وعاد الجو ساكناً كما كان. لأول مرة يشعر هو بالعجز الشديد ولأول مرة تشعر هي بأن النهاية تقترب. ألقت بجسدها إلى الأرض وانفجرت باكية فجأةً. فنظرت لها وشيء ما قد أصاب قلبه لرؤيتها تبكي هكذا. فجلس بجوارها ور بت على ظهرها محاولاً مواساتها فقال:
"متعيطيش يا فرحة.. إن شاء الله هترجعي لأهلك بالسلامة." قالت بنشيج: "إمتا يا أحمد أفندي؟ بقالنا أسبوعين ومحدش لاحظ إننا موجودين هنا.. إذا كانت الطيارات والسفن وهي جنبنا ملقوناش.. أومال لما يمشوا هيحصل إيه؟ "متفقدش الأمل يا فرحة وسيبها لله.. ثم قال ممازحاً: وبعدين يعني هتعوزي إيه أكتر من كده.. ماء وخضرة ووجه حسن." قال الأخيرة مشيراً إلى نفسه فضحكت بخفة. فأكمل: "ولا خطيبك وحشك ومبقتيش قادرة على بعده؟ سألها فأجابت:
"وحشني؟ ويوحشني ليه؟ أجابت بجدية. فضاق بين حاجبيه متعجباً وقال: "يعني إيه يوحشك ليه؟ مش المفروض أي اتنين بيحبوا بعض لما بيبعدوا عن بعض بيشتاقوا لبعض؟ ولا إنتي مش بتحبيه من الأساس؟ أطلقت لسانها وقالت: "لا بحبه.. وأنا هكرهه ليه؟ تعجب لمنطقها وقال: "لا تفرق يا فرحة.. بين إنك مش بتكرهيه وبين إنك بتحبيه! "تفرق في إيه.. ما هو نفس المعنى."
"لا يا فرحة مش نفس المعنى.. إنك تكوني بتحبيه ده يعني إنك بتشتاقيله، بتهتمي لأمره، بتتمنيه زوج ليكي وأب لأولادك،، بتتمني يشاركك حياتك بكل تفاصيلها.. ده الحب يا فرحة.. لكن مش بتكرهيه دي كلمة مايعة متعرفيش تفسريها.. يعني إنسان عادي في حياتك لا بتحبيه ولا بتكرهيه.. وجوده زي عدمه.. مش فارقلك من الآخر." وكأن كلماتها لمست وتر حساس بداخلها فقالت:
"يمكن كلامك صح.. بس بردو أنا عمري ما فكرت بالطريقة دهين.. أنا عمري أصلاً ما فكرت في رجب.. يعني هو بالنسبة لي ابن عمي اللي متعودة عليه من صغري وحافظة شكله وكلامه وتصرفاته وطباعه.. بس." ثم أكملت بحيرة: "بس عمري ما فكرت فيه إنه هيبقي جوزي وأبو عيالي والكلام اللي بتقوله ده.. ومتهيألي هو كمان مفكرش فيا كده خالص.. مش عارفه." "يعني عمره ما قاللك مثلاً.." وصمت قليلاً يفكر ثم أردف: "أنا بحبك يا فرحة! ارتعدت أوصالها وارتبكت.
لأول مرة تختبر ذلك الشعور. لأول مرة تستمع إلى تلك الكلمات. أشاح بيديه أمام وجهها للفت انتباهها وقال: "هيييييروحتي فين؟! "هاا.. لا معلش سرحت شوية! "سرحتي في إيه؟ ثم أكمل بابتسامة متلاعبه: "يبقا أكيد قالها." "هي إيه دي؟ "أكيد قاللك بحبك يا فرحة! قالت بمزاح ساخر: "هه.. لا والله يا أحمد أفندي أنا أول مرة أسمع الكلمة دي منك دلوقتي." "معقوله! .. أومال لما بتقعدوا مع بعض بتقولوا إيه؟
"لا ما إحنا مبنقعدش سوا.. ولو قعدنا سوا بنتخانق! "أومال هتتجوزوا إزاي؟ قالها مستنكراً فقالت: "إيه يا أحمد أفندي إحنا هنقضي النهار كله نتكلم عن رجب.. زمانه مات شرقان." شعر بأن شيئًا ما قد أصابها بالضيق فغيّر مجرى الحديث قائلاً: "طيب قومي يلا نشوف هنتغدى إيه؟ قالت ممازحة ساخرة: "إيه رأيك لو أعزمك على أكلة جديدة؟ "يسلاااام.. يبقا كتر خيرك.. ها هتأكليني إيه؟ "هأكلك سمك." أطلق صفيرًا بإعجاب وقال:
"سمك.. ياااه من زمان مأكلتش سمك.. بجد مش عارف أشكرك إزاي." "لا خد التقيلة بقاا." ضحك وقال: "هاااا؟! "سمك مشوي كمان." "يا وعدي يا وعدي.. بجد إنتي عظيمة.. عايز أقوللك إني مأكلتش سمك مشوي ييجي من 7 ساعات كده." أطلقت ضحكة رنانة انشرح لها قلبه. فظل ينظر لها بابتسامة ثم تركها وسار ناحية المياه الضحلة. *** أمام مطار القاهرة الدولي. ينتظر كلاً من أهالي الغرقى ذويهم بين بكاء وعويل وقلق ودعاء.
تقف عائلة فرحة تدعو من كل قلبها بأن تعود سالمة وكذلك جميع العائلات التي تنتظر أي خبر. تقدم منهم أحد المختصين بالبحث وقال بأسف: "للأسف بعد بحث استمر أسبوعين مقدرناش ننقذ أي حد من اللي كان على الطيارة حتى طاقم الطيارة.." ثم أكمل بعملية شديدة قائلاً: "في جثث تم انتشالها كاملة وفي أشلاء وفي جثث مقدرناش نوصل لها، أقرب تقدير إنها اتحللت.. إحنا آسفين جداً.. البقاء لله." تقدم والد فرحة بوهن وحدثه قائلاً:
"عايز أستلم جثة بتي عشان أدفنها.." ثم انفجر باكيًا. ربت الرجل على كتفه بأسف وقال: "للأسف يا حج الجثث اللي تم انتشالها مفيش فيها سيدات.. شد حيلك." هوى والد فرحة أرضاً وارتفع صوت نحيبه وعويله وأخذ يردد: "إن لله وإن إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي." على الجانب الآخر.. وثبت رضوى ناحية رئيس فريق البحث وسألته باكية بخوف وقالت بتلعثم: "أحمد إدريس.. أخويا أحمد إدريس.. هو طويل وعريض كده.. أخويا.. على الأقل أستلم جثته!
فتح ملف بيده يحتوي على أسماء الضحايا وقال: "للأسف.. الجثث اللي تم التعرف على هويتها مش موجود فيها الاسم ده.. البقاء لله.. عن إذنكم." توقفت حواسها وأظلم الكون من حولها. سارت إلى الخارج برفقة خالتها بعدم استيعاب. كانت تنظر أمامها نظرات فارغة.. لا تبكي.. لا تنطق.. لا تصرخ. اصطدمت بصاحب الطول الفارع الذي لم يكن يرى أمامه من كثرة البكاء. نظرت له فتمتم معتذراً. فسقطت تحت قدميه مغشياً عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!