الأسوأ قد حدث.. إنه الآن يجد نفسه فجأة وسط الماء وقد تقطعت به السبل. لا يعلم هل كل فرص الإنقاذ معدومة أم لا؟! لقد فقد كل الآمال وهو الآن نحو طريقه إلى الموت البطئ! ظل يتلفت حوله في جميع الجهات لا يدري هل يتقدم أم يتراجع وأي الطرق يسلك حتّى مر من فوقه سرب من طيور النورس فسبح في نفس اتجاهه حتى ظهرت اليابسة. خرج من الماء وألقى بجسده على الأرض وظل ينظّم أنفاسه المضطربة مغمضاً عينيه وهو يحمد الله على نجاته.
اعتدل في جلسته ثم نهض بغتة ونزل إلى الماء مرة أخرى محاولاً إنقاذ من يمكن إنقاذه. ظل يبحث بداخل الماء ولكنه لم يجد أحداً فعلم أنهم قد سقطوا إلى القاع بداخل الطائرة المنكوبة. همّ أن يسبح نحو الخارج فوقع بصره على يدين ممتدتين إلى خارج المياه وكأنها تستغيث فسبح نحوها بأقصى سرعته حتى وصل إليها ثم جذبها إلى الأعلى بسرعة. نظر إلى وجه صاحبة اليدين المستغيثتين فوجده شاحبًا للغاية مستكينًا لأبعد حد.
أحاطها بيمناه ثم سبح بها إلى الخارج ووضعها أرضاً على ظهرها واستلقى بجانبها هنيهة يلتقط أنفاسه ثم نظر إليها وإلى شحوب وجهها ثم وضع يده موضع قلبها فوجدها تتنفس ببطء فوضع إصبعيه بجانب حنجرتها يراقب نبضها فوجده مضطربًا بعض الشيء.
حاول إسعافها عن طريق القيام بعملية الإنعاش الرئوي فوضع يده فوق الأخرى ضاغطًا على صدرها عدة ضغطات حتى بصقت الماء الموجود بحلقها ولكنها لم تحرك ساكنًا فاقترب منها وبدأ في مباشرة عملية التنفس الصناعي فأرجع رأسها للخلف وأغلق فتحتي أنفها ثم أخذ نفسًا عميقًا وأحكم شفتيه على شفتيها ونفخ بقوة فباغته هي بصفعة قوية على وجهه اتسعت لها عيناه مذهولاً. "بتعمل إيه يا عديم الرباية ياللي تنشك في محاسيسك؟!
قالتها "فرحة" وهي تجاهد كي تلتقط أنفاسها بصعوبة ثم أكملت: "فاكرني ميتة وآخد راحتك أوي لكن يشاء السميع العليم إني ماموتش وأكشفك على حقيقتك! لم يجيبها ولم يتفوه ببنت شفة بل ظل ينظر لها بعينين مشدوهتين لما فعلت فأشارت هي بيديها أمام عينيه قائلة: "إيه ده يا أفندي يا محترم؟! اتصدمت إني طلعت عايشة.. صح؟! "إنتي إيه اللي عملتيه ده؟! قالها وهو يضع يده فوق وجنته فنظرت إليه بريبة قليلاً وقالت: "إيه عملت إيه؟!
ما أنت اللي مش محترم! قضم شفتيه غاضبًا في غيظ شديد فتوجست هي وبترت كلمتها فقال: "تصدقي أنا فعلاً أستاهل! .. ده جزاء الإحسان! .. كان المفروض أسيبك في المية لحد ما تبوشي وتتحللي من الملح." نظرت له بامتعاض وقالت: "وهو اللي يعمل خير يقعد يقول أنا وأنا ولولايا ومش عارف إيه؟! قاطعها قائلاً: "ششششش.. إسكتي خاالص عشان مش ناقصاكي بجد.. خلينا نشوف هنتصرف إزاي في المصيبة دي." تمتمت حانقة: "ماله ده!
زي ما أكون أنا اللي وقعت الطيارة؟! نظر لها وكأنه تذكر شيئًا ما وتحدث قائلاً: "هو إنتي اللي كنتي جمبي وعمالة تقولي عاوزة أقعد جنب الشباك؟! اتسعت ابتسامتها بفخر وأومأت بموافقة فصرّ على أسنانه من الغيظ وتمتم: "بوومه! التقطت أذنيها الكلمة فقالت بحاجب مرتفع ونبرة متذمرة: "ما تتلم يا أفندي إنت مش عاوزة أغلط فيك! قال ساخطًا: "أفندي؟! ليه شايفني ماسك منشة ولابس طربوش!
رمقته باستهزاء ثم قالت: "إلا قوللي يا أفندي.. إنت عرفت توصل للشط إزاي؟! شكلك كده سبّاح ماهر." قالت الأخيرة بسخرية فأجابها قائلاً: "اتريقي! أهو لولا السباح الماهر اللي مش عاجبك ده كان زمان سمك القرش عامل عليكي حفلة تحت! قلبت عينيها بملل وقالت: "بردو هيشكر في نفسه ويقوللي لولايا! دي مش أصول على فكرة! ها؟! هز رأسه متسائلاً فقالت: "عرفت توصل للشط إزاي؟!
أجابها: "لقيت سرب طيور تقريباً كده نورس فـ عرفت إن في يابسة قريب فـ عومت في اتجاههم لحد ما خرجت! بس." "يحلاوة.. صحيح العلم نور يا ولاد! "العلم نور أه.. إنتي مش متعلمة ولا إيه؟! "لا إزاي.. متعلمة طبعاً معايا شهادة الإعدادية." ضحك بشدة فعبست جبينها مستنكرة وقالت بحدّة: "بتضحك على إيه يا حضرة؟! لمح علامات الضيق بادية على وجهها فقال: "أنا آسف مقصدش سخرية ولا حاجة بس طريقتك ضحكتني!
هزت رأسها بإيجاز وأشاحت بوجهها بعيدًا فقال بنبرة أكثر لطفًا: "طيب ومكملتيش تعليمك ليه؟! تناست سخريته سريعًا وقالت: "أصل أمي ماتت وأنا في آخر سنة في الإعدادية فـ اضطريت أسيب المدرسة عشان أراعي إخواتي وخصوصًا إن أبويا كبير في السن ميقدرش على خدمتهم! نظر لها بتقدير وقال متسائلاً: "عندك إخوات أصغر منك؟! "أيوة "رامي" أصغر مني بسنة وبعده "كرم" عنده 15 سنة وبعده "بدر" عندها 10 سنين وفي "رضوان" ده أكبر مني بسنتين."
"بسم الله ما شاء الله.. ربنا يرجعك ليهم بالسلامة إن شاء الله." ابتسمت باقتضاب وقالت: "وإنت؟! "أنا عندي أخت واحدة اسمها "رضوى".. ووالدي ووالدتي متوفيين من زمان." "ربنا يخليهالك.. وترجع لها بالسلامة يا رب." ضحكة ساخرة أطلقها وأردف: "يااارب.. مع إنه مش باين إننا هنخرج من هنا.. حتى الطيارة اللي كانت ممكن تكون علامة غرقت! ثم أكمل مستفهماً: "أه صح.. إنتي خرجتي من الطيارة إزاي؟! "خرجت من الخرم اللي في ديل الطيارة!
أجابت بتلقائية فامتعضت ملامح وجهه من أسلوبها وقال: "تقصدي فتحة يعني! "أيوة يا أفندي.. الفتحة! .. وبعدين متركزش معايا حضرتك وبسّط الأمور كده عشان شكلنا هنقعد سوا كتير وعايزين الأيام تعدي كده ونخلص." أومأ مؤكدًا وقال: "معاكي حق.. طيب عايزين نحاول نوفر موارد للأكل والمية وكمان مكان نقعد فيه على ما يلاقونا." "يااا سيدي متشيلش هم أكل وشرب ما البحر قدامنا أهو نشرب براحتنا! نظر لها بتعجب وقال: "نعممم؟!
عايزة تشربي من البحر؟! إنتي معتوهة يا بنتي؟! فرغت فاها بصدمة وقالت: "على فكرة كده مش حلو ولو غلطت تاني هغلط أنا كمان وبعدين فيها إيه يعني لما نشرب من البحر؟! هيخلص ولا هينقص؟! قال بسخرية: "لا يا فيلسوفة زمانك مش البحر اللي هيخلص.. عمرك اللي هيخلص إن شاء الله. إنتي متعرفيش إن الملح اللي في المية ده هيخلي جسمك يفقد المية اللي موجودة فيه ويحصلك جفاف وتموتي؟! "ياخويا متفسرش في وشي." قالتها وهي
تشيح بوجهها عنه ثم أردفت: "طب والعمل؟! ده أنا معرفش أعيش من غير ميه! "هنتصرف بقا وندور ممكن يطلع حظنا حلو ونلاقي بير." قالت بتشاؤم: "ولو ملقيناش؟! "يبقى لازم نقطر مية البحر ونشربها." "هنقطّرها إزاي يعني؟! "يعني لازم الأول نولع نار وبعدها نحط المية في حاجة ونغليها عشان نغرف نشربها." "أيوة الله لا يسيئك اتصرّف.. بس ماشاء الله عليك يعني بتفهم في كل حاجة.. هو إنت دكتور ولا إيه؟!
"لا مش دكتور.. بس عندي معلومات في كل المجالات ودي حاجة مترتبطش بماهية عملي! نظرت له بعدم فهم فقال: "بصي أنا حالياً مش مهيأ نفسياً إني أتكلم.. قومي بينا خلينا ندور على أي حاجة تتاكل قبل ما الليل يدخل علينا ولازم كمان نولع نار عشان لو في حيوانات ولا حاجة؟! قالت بذعر: "إيه؟! حيوانات؟! "أيوة طبعاً حيوانات.. هو إنتي فاكرة نفسك واقعة في صالة بيتكم؟! إنتي في جزيرة مهجورة يا ماما."
"طيب يلا بسرعة نشوف هنولع نار إزاي قبل ما الليل يليل." ذهبت برفقته إلى داخل الغابة يستكشفونها فقال: "ألا قوللي يا اسمك إيه." قاطعته قائلة: "إيه اسمك إيه دي؟! اسمي "فرحة" يا أفندي! "قوليلي يا "فرحة" كنتي رايحة تركيا تعملي إيه؟! " ثم أكمل ساخراً وقال: "جايلك عقد عمل هناك ولا إيه؟! رمقته بسخرية مماثلة وقالت: "لا يا خفيف.. أختي هناك بتعمل عملية وكنت رايحالها! وإنت بقا كنت رايح تعمل إيه بسلامتك؟! "كنت مسافر في شغ...
بتر كلمته ونظر إلى الأمام بدهشة فنظرت هي إلى حيث ينظر وسقط فمها أرضاً لما رأت!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!