تحميل رواية «غسان الصعيدي» PDF
بقلم سهيلة عاشور
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تجمع من في القصر على صوت صراخه العالي. غسان بغضب: مش هتجوزها يا ابوي. أنا قلت قراري خلاص. إسماعيل بغضب: أنت مفكر نفسك مين. هتكبر عليا يا واد ولا إيه. غسان: أنت عايزني يا أبوي أحط يدي في يد اللي قتلوا أخوي كيف دا يعني. وبعدين دي عيلة صغيرة. هتجوزها كيف. إسماعيل بغضب أكبر: هي كلمة يا واد أنت. أنا مش هطلع صغير قدام الناس بسببك. أنت هتتجوزها ولو محصلش يبقى تعتبر نفسك من غير أب فاهم. غسان بيأس: حاضر يا أبوي. ثم أكمل بخبث: بس لو جاتلك تطلب الطلاق يبقى مليش صالح. إسماعيل: طيب. سمية (أم غسان): أبوك عاوز...
رواية غسان الصعيدي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سهيلة عاشور
في صباح يوم جديد يحمل الكثير من الأحداث.
في قصر غسان.
تململت في نومها بثقل كبير، ثم فتحت عينيها لتجد غسان يحتضنها ويضع يده على معدتها وكأنه يحتضن طفلهما، فخطف قلبها بشدة.
ظلت شارده به حتى أفاق ونظر لها مبتسمًا، ثم عبث من جديد لتذكره الحقيقة المؤلمة.
نجاة بابتسامة: مالك؟
غسان بحزن: أنا بس افتكرت إننا هنسيب بيتنا وهبهدل أمي وأبويا وأبهدلك أنتِ كمان معايا.
نجاة بمقاطعة: تاني يا غسان وبعدين معاك بقا، مش إحنا اتفقنا خلاص. يلا قوم خد دش كده وأنا هلم كل الحاجات في الشنط وهنزل أشوف ماما وبابا لحد ما تنزل، تمام يا حبيبي.
غسان بابتسامة: حاضر.
نجاة: نعم!
غسان بصدق: أنتِ أغلى حاجة عيني شافتتها بعد أمي وأبويا.
نجاة بابتسامة: هتعدي صدقني، كلنا راضيين نبقى جنبك بأقل حاجة.
اكتفى بإبتسامة ودلف للمرحاض لعلى المياه الباردة تخفف تعبه قليلًا.
وبالفعل، عبأت نجاة كل شيء تقريبًا، الثياب وغيرها، وارتدت عباءة من اللون القرمزي ومعها حجاب باللون الأبيض ودلفت للأسفل.
***
في الأسفل.
كانت سمية وإسماعيل يجلسان والرضا ملازم وجهيهما، ولكن يوجد أيضًا بعض الحزن من أجل ابنهما الوحيد.
أما تغريد كانت تعبث في هاتفها وتغيرت تقاسيم وجهها بسبب تلك الرسالة.
: لو مرجعتيش تاني يا حلوة لحضني زي ما أنا عاوز، صدقيني هقول لغسان كل حاجة وخليه يعرف مين السبب في موت أخوه الوحيد وابن عم مراته كمان.
تغريد: أجلك فين يا مجنون أنت، أنت مش شايف اللي أنا فيه خلاص عرف إني عايشة مستحيل يسبني إلا بالطلاق. أنت يعني فكرني مبسوطة وأنا دلوقتي مستنياه ينزل عشان نترمي في الشارع.
: أمال إيه اللي مقعدك عندك، بتصيفي ولا إيه؟
تغريد بغيظ: هي ناقصة هزار أنت كمان، اللي مخليني قاعدة إني بس حاسة إن في حوار في موضوع إنه خسر كل حاجة، ده مش داخل دماغي أصلًا. اصبر شوية.
الرجل باستفزاز: مش هصبر يا مزة مش هصبر، وأنت عارفة آخرك معايا أسبوع لو محتليش اللي عندك وجيتي تاني تترمي تحت رجلي زي الكلب، وده مكانك الطبيعي. ساعتها أنا اللي هسلمك لملك الموت بإيدي، فاهمة؟
تغريد بخوف: أنت عايز مني إيه، أنت عندك كتير زيي.
الرجل بثقة: بس أنا قلتلك قبل كده مش برمي حاجة أنا لسه مزهقتش منها، وأنت لسه مزهقتش منك. خلصينا بقا، هو أسبوع مفيش غيره.
تنهدت بضيق وظلت شارده وتفكر بكيف تخرج من هذا المأزق، فهو رجل غني للغاية ولديه الكثير من النفوذ، وإن أراد قتلها للتو سيفعلها بكل سهولة.
من الأساس قد تعرفت عليه من أجل ماله ونفوذه فقط، ولكن الآن قد انقلبت اللعبة عليها.
قاطع هذا الصمت نزول نجاة ومعها الصغير سلمان، تميزهما ابتسامة ملفته.
نجاة بحب: صباح الخير يا بابا، وماما.
سمية وإسماعيل: صباح النور يا بتي.
سلمان بطفولة: متزعليش يا ستي، أمي قالت إن أبوي هيوديني مكان جميل نقعد فيه شوية وننبسط مع بعض.
سمية بحنان: أي حتة أبوك بيخطي فيها بتبقى الجنة بالنسبالي يا ابن الغالي.
قاطعهم هذا الوسيم: ده أنا محظوظ أوي، أكده هتخليني أتغر يما.
سمية: ومين يليق عليه الغرور غيرك.
إسماعيل بابتسامة: التواضع أهم حاجة في الدنيا.
نجاة بمرح: يلا يا غسان قول الفكرة بتاعتنا لبابا وماما.
نظر لها وابتسم بحب كبير على هذه الداعمة له.
ثم تنهد وقص عليهم الفكرة، الذي نالت إعجابهم بشدة.
إسماعيل باقتناع: والله يا ولدي تفكير سليم.
سمية: فعلًا وهنعيش مرتاحين، كفايا إننا مع بعض.
تغريد بغيظ: وناكل من الأرض بالمرة عادي.
غسان بخبث: بتقولي حاجة يا تغريد؟
تغريد بخوف: لا لا، هقول إيه يعني.
غسان: طيب دلوقتي هروح أبيع الحاجات دي لحد ما نجاة تكلم أهلها، وبعدين نتحرك، عندنا حاجات كتير لازم نعملها بسرعة.
بالفعل، قد ذهب لإحدى متاجر الأجهزة الذكية وقام ببيع اللابتوب الخاص به، حيث أخبره العامل أن اللابتوب الخاص بنجاة لديه بعض العيوب، فإن باعه سيكون بثمن قليل.
وقام ببيع الذهب والساعات، وبالفعل قد جمع مبلغًا لا بأس به من المال.
أما نجاة فقد أخبرت والديها بما حدث واختبرته عن فكرتها، فرحبوا بالفكرة بشدة ولم يوافقوا على أخذ المال، ولكن أصرت عليهم نجاة حتى لا يشعر غسان بالإهانة أو الاحتياج.
***
عند صالح.
أتته الصباح وكأن الليل كانت مائة عام، لم يستطع النوم مطلقًا بسبب التفكير بما حدث لسيده غسان.
فصالح يحب غسان بشدة، فطالما كان غسان يعامل الناس بحب ومودة بالغين.
فعزم أمره أن يذهب له ويسانده في أزمته هذه.
أما نعمة كانت تشعر بنفس الحزن تقريبًا، فهي لا تعرف غسان شخصيًا، ولكن قد أثبت جدارة كبيرة عندما أتى مع صالح لطلب يدها، وكان بمثابة أخ وأب لحبيبها صالح.
وأيضًا عائلته ودودين وطيبين للغاية.
فقررت أن تذهب هي أيضًا لكي تود هذه العائلة، وخصوصًا نجاة.
***
في أرض صبحي.
كانوا قد وصلوا لمكان المنزل.
كان منزلًا بسيطًا للغاية، مدهونًا من الخارج باللون الرمادي الهادئ، ومن الداخل كان مكونًا من ثلاث غرف للنوم وغرفة للضيوف بها بعض الأثاث البسيط، ومطبخ كبير، وحمام متوسط.
وفي مكان في خلف المنزل يوجد جراج صغير للغاية، فهذا مناسب جدًا لفكرة البقالة أو المشروع المنزلي الذي أرادته نجاة.
صبحي بمواساه: إيه رأيك يا أم غسان؟
سمية براحة: رضا يا أم نجاة، المكان جميل ربنا يبارك.
غسان بهدوء: إن شاء الله، يبقى فتحة خير وأنا أوعدكم هعوضكم عن اللي فات.
نجاة بحب: كفايا إنك معانا يا حبيبي.
صبحي بمرح: أباه اتحشمي يا بت أنتِ، إحنا واقفين.
غسان بضحك: دايمًا أكده يا عمي، فضحا.
نجاة بغضب: بقا كده يا غسان، ماااشي.
غسان بمرح: عمي روحني معاك بنتك هتموتني.
ضحك الجميع عليهم، واستأذن صبحي وصباح بعدما سلموهما مفاتيح كل شيء، وأعطوهما الأرض بعقد إيجار هي والمنزل، وأخذوا الإيجار بعد محاولات كثيرة من غسان.
سمية: بقول إيه يا حج، أنا سمعت إن في محل هنا لبيع الخضار ولوازم البيت، إيه رأيك نروح نجيب حاجات للبيت؟
إسماعيل بإيماء: تعالي يلا، وكمان ولدك مش راضي يشغلني وياه في الأرض أكني راقد يعني ولا مريض.
سمية بنبرة حنونة: ولدك وخايف عليه، وبعدين أنت عارف إن راسه ناشفة، سيبه ويلا نجيب الحاجات.
نجاة بمرح: رايحة فين يا سمسم، قليلي بقا عاوزة تستفردي بالراجل صح.
ثم أنهت كلامها بغمزة مرحة.
سمية بضحك: الله يخربيت مخبلة أنت، يلا يا حج البنية دي هتجيب أجلي.
إسماعيل بضحك: ابقي فكريني آخدك في الأراضي واجبلك ورد يا سمسم.
ضحكت نجاة عليهم بشدة، ثم توجهت لتكمل تنظيف المنزل، وكان سلمان مع والدها يناوله بعض الأدوات.
وبالطبع هذه الحرباء كانت تجلس في عالم آخر، وكأن عقلها لا يريد استيعاب أنها الآن بعدما كانت تعيش في قصر ويهاديها زوجها بالذهب والألماس، الآن تجلس في هذا المنزل المليء بالغبار.
تغريد في نفسها: آآآه، أنا أكيد بحلم، مستحيل يكون خسر كل حاجة فعلًا وهو في منتهى البرود كده، أكيد دي خطة أو حاجة عشان يخلص أو عشان داخل صفقة كبيرة. أنا مش قادرة أصدق، حاسة إني هرجع من كمية التراب ده، ولا العفش القديم اللي كله مكسر، بجد هيجرالي حاجة.
قاطعها صوته الصارم: تغريد.
تغريد بشهقة: إيه يا غسان، اتخضيت، في إيه؟
غسان بسخرية: تحبي أعملك عصير لمون تهدي أعصابك يا برنسيس؟
ثم أكمل بغضب جامح: ما تقومي تعملي أي حاجة، أنت مش شايفة البيت كبير على نجاة لوحدها.
تغريد بصدمة: أناااا... أنت عارف إني مش بعرف أعمل أي حاجة في البيت، متنساش يا غسان إنك كنت...
قاطعها بغضب: مش ناسي إني واخدك مصراوية مدلعة وبتخافي على حالك بزيادة. بس دلوقتي الوضع اتغير على الكل، زي ما أمي دي عمرها ما نزلت بيتنا أبدًا ولا حصلت مرة إنها اللي تشتري حاجات البيت، ودلوقتي هي في قلب السوق في دكان بتشتري طلبات البيت، هي وأبويا اللي هي كان كبير البلد دي من ساعة واحدة بس. قومي يلا.
تغريد بخوف: فلأول مرة تكون نبرته في الكلام بهذه الطريقة: طب... طب أعمل إيه؟
غسان بهدوء: نجاة.
نجاة بسرعة: نعم يا غسان.
غسان: سلمان فين؟
غسان بابتسامة: بيلم الورق الناشف من الأرض. خدي تغريد خليها تعمل أي حاجة معاكي عشان أمي راحت تجيب طلبات. عاوزك تعمليلي أي أكلة حلوة من بتوعك كده لأحسن متت من الجوع.
نجاة بضحك: حاضر. بس خلي بالك من سلمان، لبسه أي حاجة فوق راسه عشان الشمس.
غسان بحب: عنيا يا أم سلمان.
تغريد بغضب: مين دي اللي أم...
كادت تغريد أن تعترض، ولكن أوقفها غسان بنظرة جعلت الخوف يسري بجسدها بشدة.
ثم ذهب ليكمل أعمال الأرض، فعليه تنظيف الأرض ووضع فيها بعض الأسمدة لكي تتم عملية الزراعة.
وقد أخبره صبحي ببعض أنواع المحاصيل التي تلبق لهذه الأرض وتضمن له محصولًا غزيرًا.
***
في منزل رشا.
كانت تتناول فطورها وتراجع بعض الأوراق الخاصة بالعمل، حتى شرد ذهنها بهذا البلال.
لقد حلمت به الليلة الماضية أنه يقترب منها ويتنشلها من حفرة عميقة مليئة بالثعابين والنيران.
فلابد أن هذه إشارة.
كانت ترسم ملامحه في رأسها وكأن عقلها يرغمها على عدم نسيانه، حتى قاطعتها هذه المتطفلة المسنة.
أم رشا بسعادة: آآآه أنا النهاردة رايقة أوي يا بت يا رشا. دماغي صافية وأيي زي الفل.
رشا بسخرية: خير استر يا رب.
أم رشا بلامبالاة من تلميحات ابنتها السخيفة: عرفتي اللي حصل؟
رشا: ...
أم رشا: غسان خسر كل فلوسه بسبب الحريق اللي حصل في المصنع. البنك بكرة أو بعده هينزل يحجز على الأراضي كلها والبيت والمزارع وكل حاجة. وهو دلوقتي في حتة بيت كده قديم، أقل من بيت الفلاحين بشوية كمان، ومش لاقي حتى العيش الحاف.
رشا بصدمة: أنت بتقولي إيه؟... أنت متأكدة من الكلام ده؟
أم رشا بثقة: طبعًا أمال إيه، ده كل البلد بتحكي في الموضوع ده. مفيش على لسانهم غير غسان بيه اللي بقى شغال في أرض حماه بالأجرة وبقى حاله أقل من أقل فقير فيهم. وإن حرمه مش هيصبروا على كده وهيهجروه وبكرة يشحت. أقول إيه كلام كتير كتير.
حملت رشا الأوراق وذهبت من أمام أمها البلهاء هذه بسرعة.
أم رشا: أباه مالها البت دي متسرعة كده ليه؟ لما أروح أبل الشربات (أما بومة صحيح).
***
في أرض رشا.
كان يعمل بلال بجد شديد وعقله شارد قليلًا في هذه السيدة التي خطفت قلبه وقلب أخته بحنانها وعطفها عليهم.
حتى قاطعه ندائه له.
بلال بركض: خير يا رشا هانم. في حاجة؟
رشا بغضب: بلاش هانم دي، بضايق منها. ودلوقتي أنت تعرف أرض صبحي حما غسان ابن عمي فين، اللي فيها بيت دي تقريبًا. أوووف مش عارفة.
بلال بابتسامة: الأرض القديمة. أيوه أعرفها، دي جنب البيت بتاعي بالظبط. خير، في حاجة؟
رشا بسرعة: طب كويس. خدني ليها بقا.
بلال بعدم فهم: أيوه بس.
قاطعته وهي تجذبه من يده ليركب السيارة سريعًا، ولكنها أفاقت على حالها، فتحنحت بحرج وأمرته بأن يقود السيارة للمكان.
وكان قلب كل واحد فيهم سيخرج من مكانه من كثرة الدق، ولا يعرفون السبب.
***
في المنزل البسيط.
كان قد عاد كل من سمية وإسماعيل، وبدأت نجاة في تحضير الطعام، وكانت تغريد تسب وتلعن بسبب غسان ونجاة، هي الآن ظلت تعمل لأول مرة طوال اليوم بين الترتيب والتنظيف.
وأيضًا ذهب غسان ليستحم.
أمام المنزل كان سلمان يجلس يشاهد الفراشات بسعادة، فكانت ألوانها جاذبة وجميلة للغاية، حتى لفت نظره قط صغير وجميل للغاية يتمسح في بنطاله وكأنه يريد بعض الحنان.
فحمله سلمان وظل يداعبه بحنان طفولي، حتى وجد فتاة صغيرة تصرخ باسم غريب.
: يا أستاذ مشمش، أنت فين؟ مشمش.
ثم ظلت تبكي بشدة.
ظل يتبع الصوت بفضول حتى وجدها بالقرب من المنزل.
سلمان بقلق: بتبكي لي؟
: كانت تدفن رأسها بين يديها وتبكي.
سلمان: طب تعالي العبي معايا، شوفي أنا لقيت قطة جميلة. تعالي يا صغيرة نلعب.
رفعت رأسها ببطء حتى وجدت أن القط الذي يجمله هو قطها مشمش.
الفتاة بغضب: أنت اللي سرقت مشمش! أنا هوريك يا حرامي.
وظلت تركض خلفه وتصرخ بغضب جامح، مما جعل منظرهم مضحكًا للغاية.
رواية غسان الصعيدي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سهيلة عاشور
في المنزل الجديد
كانت نجاة تضع الطعام على سفرة صغيرة وبسيطة للغاية، وكان الجميع يجلس ويتحدث وتملأ البسمة وجوههم، ما عدا بالطبع المدعوة، ولا داعي لذكر اسمها.
وبعد قليل، خرج غسان من المرحاض يرتدي جلباب صعيدي وشعره مبلل ومتناثر، فكان شكله جذاباً للغاية.
ثم اقترب منها وبدأ في حمل الأطباق.
نجاة بابتسامة: إيه اللي أنت بتعمله ده؟ روح ارتاح يلا.
غسان: أنا مرتاح. أنا بجد آسف إني تعبتك كده، وخصوصاً إنك حامل. بدل ما أجيب لك اللي يخدمك، لا أنتِ اللي بتخدمي الكل.
نجاة بتذمر: وبعدين معاك بقى؟ قلت لك أنا مش زعلانة. بالعكس، البيت ده أنا مرتاحة فيه أوي. بسيط وبعيد عن المشاكل، فيه روح حلوة أوي يا غسان.
ثم أكملت بتنهيدة: يا غسان افهم، أنا بحبك. عارف يعني إيه؟ يعني ارميني في النار وأنت معايا مش هحس بيها. اعمل فيا أي حاجة، أهم حاجة إنك معايا. مش عاوزة غير كده. ربنا يخليك ليا يا حبيبي ونفرح بابننا اللي جاي.
ثم همست في أذنه: بحبك يا بن إسماعيل.
ابتسم بعشق ظاهر، وكأنه ملك الدنيا بأكملها لمجرد استماعه لهذه الكلمات.
غسان بحب: طب أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ بقولك إيه، هو ضروري ناكل يعني؟
نجاة بضحك وخجل: اوعى كده، خليني أكملك.
كاد أن يقترب منها، ولكن قاطعهم صوت أبوها.
إسماعيل بغضب مصطنع: أباه عليك! إيه اللي موقفك يا واد أنت؟ تعالى أهنيه.
غسان باقتضاب: جاي يا حج.
ثم همس في أذنها: كده كده هتجيلي يا بنت صبحي، صبرك عليّا.
تركها وذهب لمكان والده، وكاد أن يجلس ولكن قاطعه دق الباب. فذهب وفتح الباب، ولكنه صُدم عندما رأى رشا ومعها بلال، ومن خلفهم صالح ونعمة.
غسان بقلق: إيه اللي حصل؟ أقصد اتفضلوا.
ثم وجه نظره لرشا بغضب: أنتِ إيه اللي جابك أهنه؟
رشا بخوف: اللي فات مات يا ولد عمي. أنا اتغيرت وكل البلد شاهدة على أكده. أنا بس جاية أشوفكم. ربنا بيسامح يا ولد عمي، أنت مش هتسامح؟ والله عايزة أطمن عليكم وعلى نجاة.
التمس الصدق في حديثها، فقام بإفساح الطريق، فدلف الجميع ورحب بهم إسماعيل وسمية ونجاة بحب شديد. أما عن تغريد، فذهبت لغرفتها التي تخصصت لها في المنزل، لأنها بالطبع لا تود أن تشارك هذا الحديث الحميم.
فا بالفعل، من كان يحمل ذرة واحدة من الحقد أو الكره، لدمر نفسه قبل أن يدمر من حوله.
صالح: قلقتني عليك يا بيه. ثم أكمل بحزن: كيف حصل دا؟
غسان بابتسامة: دا أمر الله يا صالح، وصدقني أنا مبسوط ومرتاح. وربنا يقدرني وأريح أهلي معايا، ومحدش فيهم يكون متضايق.
سمية براحة: والله يا صالح يا ولدي، البيت ده فيه حاجة غريبة. من أول ما دخلته وأنا قلبي مطمئن.
إسماعيل بتأكيد: معاكِ حق والله.
رشا بصدق: يا ولد عمي، أنت ليك في ورث أبويا زمان اتنازلت ليا عنه، ودلوقتي أنت محتاجه. خد ودا حقك، أنا متنازلة عنه.
غسان بهدوء: مش عايز يا رشا. أنا مبسوط، ومبسوط أكتر بتغييرك ده. إن شاء الله ربنا هيعوضك عن كل حاجة.
نجاة بتلقائية: ويهدي أمك العقربة دي.
صُدم الجميع من جملة هذه المعتوهة، فهي لا تعقل الكلام بالمرّة.
رشا بضحك مفرط: الله يحفظك يا نجاة. والله معاكِ حق، دي لسه مديني طريحة من شوية. الله يهديها زي ما هداني.
إسماعيل بتساؤل: ويبعت لكِ راجل يعوضك عن اللي فات. قلبي حاسس إنه هيكون قريب يا بنت أخي.
دق قلب كليهما بشدة، وتلاقت أنظارهما لوقت قصير، ولكن فرّ كلٌ منهما هذا الشعور، وانشغلوا في الحديث مجددًا. وتعالت ضحكاتهم، وقد اقتربت رشا ونعمة ونجاة من بعضهم كثيرًا، حتى إنهم تبادلوا أرقام الهواتف.
وبعد قليل، سمعوا صوت صراخ بالخارج، وكأنه صوت سلمان. فركض الجميع لرؤية ما يحدث.
غسان بضحك: بقا دا ولدي الحيلة!
انفجر الجميع بالضحك، حيث كان سلمان يحمل القط مشمش ويركض بسرعة كبيرة ويصرخ، وكانت زهرة تركض خلفه بغضب كبير وتتهمه بالسرقة. وكانوا يدورون حول المنازل.
زهره بغضب: هصل بالحكومة تيجي تاخدك.
غسان بصراخ: والله يا سرقت دا أنت مخبول.
زهره بغضب: هقطع إيدك يا حرامي.
بلال بسرعة: بس يا زهرة خلاص. في إيه، اهدوا.
توقفت زهرة ونظرت لأخيها، وكانت ستبكي من كثرة الغضب: الحرامي دا سرق مشمش.
غسان بخوف وهو ينظر لسلمان: والله يا أبويا ما خدت المشمش ولا شفت مشمش. أنا لقيتها بتعيط، رحت أحايلها، لقيتها بتجري ورايا كيف المخابيل.
زهره بغضب: أنا مخبولة؟ مش هسيبك.
حملها بلال بسرعة وحاول تهدئتها.
غسان بهدوء وضحك: ممكن تهدوا؟ قولوا لي يا بنتي في إيه.
زهره بطريقة طفولية ظريفة للغاية: دلوقتي يا عمو، أنا كنت بجيب لبن (حليب) لمشمش القط بتاعي، وجيت ملقتش مشمش. دورت عليه وكمان زهرة عيطت كتير. لقيت الحرامي دا سارق مشمش.
غسان بابتسامة: زهرة مين؟
زهره بطفولة: أنا زهرة.
بلال بغضب: أكيد ميقدرش إنه يعمل أكده. تقوم تجري وراه كيف المخابيل وتفرجي علينا الناس؟ دا ينفع؟
زهره ببكاء: مشمش بس اللي صاحبي، وأنت دايما في الشغل. زعلت، فكرته راح عند ربنا زي ماما وبابا.
شعر الجميع بغصة في قلبه لحزن هذه الصغيرة بشدة، فأنزلها بلال لتقف على الأرض، واقترب منها سلمان وأعطاها القط، ومد يده ليعطيها شوكولاتة صغيرة.
زهره بفرحة: دي ليا؟
سلمان بحزن: أنا آسف، مكنتش أعرف إنه بتاعك. هو اللي جه عندي.
نجاة بمرح: خلاص كده، اتصالحنا؟ يلا ندخل ناكل بقى. وأنت يا قمر يا صغننة تعالي معايا.
زهره وهي تنظر لبلال: ....
بلال: روحي، آخرة صبري.
صالح بابتسامة: زي القمر أختك يا بلال، ربنا يخليهالك.
بلال: يارب يا صالح، أنت مش عارف دي عندي إيه؟
غسان: طب ما تتجوز؟ هات لها واحدة تخلي بالها منها.
بلال بحزن: كنت ما أتقدم لواحدة وتوافق في الأول، لكن لما تعرف إني عندي مسؤولية عيلة صغيرة زي زهرة، تقول لأ. محدش بيحب يشيل هم غيره يا غسان بيه.
غسان بابتسامة: أولاً، بلاش بيه دي. محدش فيكم يقولي بيه. وبعدين يا عم، ما تبص حواليك وتدور كويس، يمكن تلاقي اللي تتمنى رضاك.
قاطعهم إسماعيل بصياح: يلا يا ولاد علشان الأكل.
دلف الجميع للداخل وشرعوا في تناول الطعام بسعادة كبيرة، حتى انقضى اليوم وذهب كل منهم لبيته. وأيضًا من في المنزل ذهب كل منهم لغرفته، فكانوا سعداء للغاية. من لا يراهم لا يظن مطلقًا أن هؤلاء خسروا لتوهم كل ما يملكون.
***
في غرفة غسان ونجاة
كانت قد بدلت ملابسها لمنامة قصيرة وأرخت جسدها على السرير، ثم وجدت على المكتب المجاور للسرير اللابتوب الخاص بها، فتعجبت كثيراً.
نجاة: غسان... يا غسان.
وجه نظره إليها بعدما كان ينظر من النافذة يتأمل الحقول.
غسان بابتسامة: نعم يا روح غسان.
نجاة بخجل: هو مش المفروض تكون بعت اللابتوب؟ هو بيعمل إيه هنا؟
اقترب منها وجلس بجوارها واحتضنها بحنان، وظل يمسد على شعرها بعشق وحنان بالغ.
غسان: لقيته مش هيجيب ثمن، لأن محدش بيشتغل في النوع ده في مصر كتير. فقلت نخليه يمكن نستفاد بيه أحسن.
نجاة بتفهم: تصدق صح. أمك دعياله سونه.
غسان بصدمة: أمي وسونه؟ ثم أكمل في نفسه: دا أنا بقيت هفأ والله.
نجاة: هااااي، أنت معايا؟
غسان بابتسامة: معاكِ يا اختي. خير.
نظرت له وضحكت بشدة، ثم جلبت اللابتوب وظلت تعبث به قليلاً، حتى وجدت الكثير من الأفلام التي قد قامت بتحميلها مسبقًا.
نجاة بنصر: الحمد لله. لقيت حبة أفلام وكرتون وحاجات أي زي المسك نتفرج عليها يا سنسن يا جامد أنت.
غسان بذعر: بطلي دلعك الماسخ ده. كل دلعك ماسخ أكده؟ مفيش حاجة عدلة.
نجاة بغضب: مش عاجبك ولا إيه؟
غسان بضحك: عاجبني والله. قليلي حبيب بابا عامل إيه؟
نجاة: سلمان نام. تعب من كتر الجري واللعب.
غسان وهو يقترب منها: لا مش دا. ثم أشار نحو معدتها: أقصد دا.
نجاة بابتسامة: كويس أوي. ثم أكملت بتوتر بسبب قربه منها: مش هنسمع الفيلم ولا تنام علسان تعبت النهاردة.
اقترب منها واحتضنها بذراعيه وقبل يدها بحنان، ثم اختار أحد أفلام الخيال العلمي.
غسان بحب: نتفرج وبعدين ننام يا عمر غسان.
انتظروا يتابعون الفيلم حتى خفتت هذه الجميلة على صدره. ابتسم بشدة، ثم أغلق الجهاز وأخذها بين أحضانه وغرق في نوم عميق للغاية. فمن الآن قد علت عشقهم الأبدي. فحياتنا الروتينية لا تكشف لنا من يحبنا بصدق، فقط الشدائد هي ما تجعلنا نتأكد ونثق. فلا تهجروا شخصاً كان لكم أماناً. هذه الدنيا ليست غادرة، ولكن عليك الحذر منها، ويكون لك شخصاً يشاركك أيامك. فتحلوا في عينيك.
***
أمام منزل نعمة
كان قد وصلوا أمام الباب بعدما قضوا يومًا مميزاً سوياً. فكل يوم يزيد عشقهم أكثر مع الأيام.
صالح بحب: كان لازم اليوم يخلص يعني.
نعمة بضحك: معلش. إن شاء الله تتكرر تاني.
صالح بضحك: لا من الناحية دي اطمني، هتتكرر كتير أوي.
ودعها بحرارة ودخلت منزلها بسعادة كبيرة. استقبلتها والدتها وبدأت نعمة تقص عليها اليوم. وكانت الأم سعيدة بشدة لسعادة ابنتها.
***
أمام منزل رشا
كانوا قد وصلوا بالسيارة، وأغلق الصغير على قدم رشا. ظل بلال شارداً بملامح رشا كثيراً. فلا ينكر أنه يحمل الكثير من الإعجاب لهذه المرأة، ولكن يجب عليه خفية. فمن هو ليعشق سيدته ومديرة عمله.
رشا بمقاطعة لأفكاره: إيه هنفضل كده كتير؟ اقفل العربية، الماتور هيتحرق.
بلال بانتباه: أه حاضر.
ثم حمل منها الصغير وخرج من السيارة: اتفضلي يا هانم، تؤمري بحاجة تانية؟
رشا بحزن: مش قلقتك؟ بلاش هانم دي. أنا مش بحب هانم دي. اسمي رشا بس، ممكن؟
بلال بحسرة: العين متعلاش عن الحاجب يا ست هانم. أنا لازم ألتزم حدودي. أنا...
رشا بمقاطعة: أنا عارفة اللي أنت فيه وحاسة بيك. مش محتاج تتكلم.
بلال بسرعة: أنا مفيش فيا حاجة. أنا بسر...
رشا بحزن: دا مش ذنبك خالص. أنت مش المفروض عليك إنك تتحمل مسؤولية واحدة عاق ومش بتخلف، أو الكل كرهها زيي.
تركته وذهبت من أمامه. أما هو، فكأن دلو ماء بارد قد انسكب عليه. فلا يرى أي شيء أمامه إلا أنها تشعر به حقًا، فهمته دون أن يتحدث. ولكن قد سار الحظ معه بالشكل الخاطئ. فكيف تظن أنه يراها عاق.
حمل أخته الصغيرة ورحل إلى بيته يفكر بها والحزن يملأ قلبه.
***
داخل منزل رشا
قد دلفت للمنزل وهي حزينة للغاية، تشعر أن الجميع يتركونها ولا يريدوها في هذه الدنيا. ولكن ما زاد الطين بلة أن أمها كانت تتابعهم من الشرفة. الغل يملأها.
أم رشا بغضب: كنتي فين يا بت أنت؟ عمالة تتسرمحي مع الفلاحين؟ اختشي على دمك، مش كفايا سيرتك اللي على كل لسان.
لم ترد عليها، بل ذهبت لغرفتها وظلت تبكي بحرقة كبيرة حتى غفت ولم تشعر بحالها.
***
في غرفة تغريد
كانت تفكر في كيفية الخلاص من هذا المنزل وهؤلاء الناس. فبعدما اتضح لها الأمر وأنهم بالفعل لم يعد لديهم أي مال، فعليها الخلاص. ولكن هذا الرجل لا يكف عن التهديد، ولا يكف عن إثارة الخوف بداخلها. فهو الآن يريد كشف ماضي قد دُفن منذ سنين.
تغريد في نفسها: أنا لازم أهرب من هنا. بس إزاي؟ دا غسان عامل زي ما بكون غفير عليا. أوووف، وكمان اللي عايز يفتح عليا أبواب جهنم دا. أنا لازم أتصرف.
رواية غسان الصعيدي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سهيلة عاشور
بعد مرور أسبوع
قد تغير الكثير على أبطالنا.
فقد زال عمل غسان تألقًا، وأيضًا نجح كثيرًا المشروع المنزلي للمربات وغيرها من المنتجات المنزلية.
وقد تم زرع بذور الطماطم وبعض الخضروات في الأرض، وإلى حد ما أصبحت حياتهم مستقرة للغاية.
فقد زاد تقرب غسان لنجاة كثيرًا، وظل يدللها طوال الوقت.
أما تغريد، فكانت تحاول الهرب بكل الطرق، ولا تنفع معها أي طريقة.
فهمي، الآن تريد الخلاص من فتح بؤرة من بؤر الماضي عليها.
فإن فُتح سيكون بمثابة نار جهنم عليها.
أما عن رشا وبلال، فقد تغيرت حياتهم كثيرًا.
فالأول مرة لكل منهم قلوبهم تدق بهذه الطريقة، ولكن كل منهم لا يريد الأذى للآخر.
ولكن لا أحد يعلم ما يخبئه القدر.
أما نعمة وصالح، فقد بدأ صالح مشروع له بالفعل، وفتح ورشة لتصليح السيارات، وبدأ رزقه أن يزيد.
فكان صالح طيب القلب ويحبه الناس بشدة.
وأيضًا تزيد علاقتهم ود وحب سوياً.
في منزل غسان
كان يجلس إسماعيل أمام المنزل يشاهد الحقول وهو يحتسي كوبًا من الشاي.
وكانت سمية ونجاة يعدون بعض الطلبيات من المربى وغيرها.
وكان سلمان يحفظ بعض آيات القرآن الكريم.
وغسان نائم قليلًا فقد تعب كثيرًا في عمل الأرض اليوم، وتغريد في غرفتها كالعادة.
سمية: روحي يا بتي غيري وارتاحي كفايا عليكي أكده.
نجاة بابتسامة: متخافيش عليا يا سوسو يا قمر انت.
سمية بضحك: روحي يا بكاشة ارتاحي جمب جوزك شوية.
نجاة بمرح: انت متفقة مع ابنك عليا ولا إيه؟
سمية بمكر: خلاص خليكي وأنا أبعت تغريد ترتاح جنبه.
نجاة بغضب: على الله المح طيفها بس، وأنا كنت قايلتها بأسناني.
سمية بابتسامة: مع إن غسان ساكت ومش عارفة آخد منه كلمة واحدة في موضوع ظهورها المفاجئ بعد السنين دي، بس برضه أنا مبسوطة بيكوا عقبال لما الحلو يشرف.
الا انتي في الشهر الكام؟
نجاة بتنهيدة: يعني في نص التالت كده، لسه بدري.
سمية بإيماء: لسه شهرين ونص بس مش مشكلة، بكرة يشرف ويبقى ويملى علينا البيت.
نجاة بحب: سلمان مالي وزيادة.
أما أروح أشوف ابنك شكله اتجوز عليا، أنا عارفاه.
سمية بضحك: طب اكتمي لأحسن يسمعك.
نجاة بمرح: هو أنا قلت حاجة ولا إيه.
ذهبت بالفعل لغرفة غسان.
كان نائمًا عاري الصدر بسبب ألم جسده، لا يشعر بشيء تقريبًا.
فهمت، وابدلت ملابسها، ومشطت شعرها، وتمددت بجواره.
ظلت تنظر له بأعين لامعة بعشق شديد.
وظلت تعبث في شعره بحنان بالغ، وتقبله على وجهه تارة وعلى شعره تارة أخرى.
حتى إنها ظلت تحدثه.
نجاة بحب: عارف يا غسان أنا بحبك أوي.
بجد عمري ما تخيلت إني أحبك بالشكل دا.
أول لما بابا قلي على موضوع الجواز منك دا، أنا كنت رافضة جداً وخفت من موضوع التار ده، فاضطريت أوافق وكده.
ولما حصلت المشاكل بتاعت رشا دي، أنا كنت حاسة إني عاوزة أطلب الطلاق بجد.
بس كل مرة كنت أتخيل فيها إنك مش معايا، مش هلاقي حد أرخم عليه، ولا حد يكون حنون عليا زيك، أو إني مش هقدر أشوفك تاني.
كنت برجع أفكر في الموضوع ألف مرة تاني وأقول إني أشوفك بس، دا عندي بالدنيا يا غسان.
عارف أنا كمان بحب أفضل أبص عليك وإنت نايم كده، بتبقى زي الملايكة قمر وإنت نايم وإنت صاحي.
ساعات بحسد نفسي عليك.
بضايق أوي لما الحرباية تغريد دي تفضل تتدلع عليك كده، ببقى عاوزة أقوم أخنق فيها لحد ما روحها تطلع في إيدي وأخلص منها.
ثم أكملت بضحك: عارف كمان مع إننا متجوزين وأنا حامل، بس بجد بحس إني بتكسف منك أوي، مش بعرف أقولك كلام حلو وأنا مش مكسوفة وكمان بتوتر منك.
قاطع كلامها عندما فتح عينيه الرماديتين بسرعة، رادفًا بعشق واضح:
بحبك.
نجاة بشهقة: أنا... أنا... هروح أشوف ماما.
آه ماما في المطبخ لوحدها.
شهقت بشدة عندما سحبها بسرعة نحو أحضانه.
ظل ينظر بها بتمعن، وعيناه تتحرك على جسدها بجرأة وتملك، مما أثار خجلها بشدة، حتى إن وجهها أصبح بلون الطماطم.
نجاة بخجل: لو سمحت... عاوزة أروح لماما.
غسان بهيام: تؤ تؤ مفيش ماما دلوقتي.
في أنا... إنت سيباني بقالك فترة ووحشتيني أوي.
نجاة بخجل أكبر: غسان...
غسان بضحك: يا بت بالله إنت مرتي.
الزهايمر بيجي عندك بدرى.
نجاة بدموع من كثرة الخجل: أصل أنا... أنا...
غسان بتفهم: طب خلاص أهدي يا حبيبتي.
مسح دموعها برقة بالغة، وقبل وجنتيه بحنان.
وأمسك يدها كأنه يطمئنها.
فلم يقابل مثلها في زوجاته السابقات، فلم تكن تغريد تخجل تمامًا.
ورشا تخجل أيضًا ولكن ليس بالكثير، فكانت دائمًا تطبق تعليمات أمها بدقة.
غسان بهدوء: ممكن تهدي.
إنت خايفة مني يا نجاة؟
نجاة بسرعة: لا والله.
إنت أكتر حد برتاح وأطمن معاه أوي.
غسان بابتسامة: طيب أمال ليه الكسوف الزايد ده.
يا بت ده كله شهرين وبطنك هتكبر وهيبقى كرشك كبير.
نجاة بغيظ: والله هبقى كرشي كبير.
ثم أكملت بحزن: وإنت معادتش هتحبني خلاص.
غسان بحب: حتى لو.
إنت أجمل حاجة في حياتي كلها.
يا أحلى نجاة في الدنيا، أنا نفسي اللي في بطنك ده يجي بسرعة، هموت وأشوفه.
نجاة بسرعة: بعد الشر عليك.
إنت عاوز ولد ولا بنت؟
غسان: كل اللي يجيبه ربنا كويس.
أهم حاجة يبقى شبهك علشان أبقى شايف حاجة صغيرة وحلوة كده منك.
نجاة بمرح: لاااا أنا عاوزاه ياخد شكلك.
يعني عيون ملونة، عاوزاه أجنبي زي أبوه.
غسان بضحك: ااااه يا مخبولة إنت.
بقلك إيه أنا جعان، عاملين أكل ولا صيام الليلة؟
نجاة: لا في أكل بس لسه في الفرن.
أجيبلك شوية مربى؟
غسان بابتسامة: وماله.
مربة مشمش ها؟
نجاة بضحك: عنيا ليك.
ارتدت عباءتها وحجابها، وذهبت للمطبخ، وحضرت بعض السندوتشات من مربى المشمش، وصنعت لسلمان أيضًا.
حيث أن الطفل ووالده يعشقون هذا النوع من المربى بشدة.
جلبت السندوتشات وذهبت للغرفة.
نجاة بصوت عالٍ: سلمان... يا سلماااااان.
سلمان يركض: نعم يما.
نجاة بحب: يلا يا حبيبي علشان تاكل مع بابا حاجة خفيفة كده قبل ما تروح الكتاب بتاعك.
سلمان: لا يما مش جعان.
غسان بمكر: طب كويس يا نجاة.
أصل مربة المشمش دي حلوة أوي أوي.
سلمان بسرعة: لا أنا جعان هات.
ضحك الجميع بشدة، وانضم لهم كل من في المنزل بسبب صوتهم العالي، وهو يقسمون آخر سندويتش عليهم.
غسان بغضب: إنت نصاب والله.
الحتة بتاعتك أكبر.
سلمان بصراخ: إنت الكبير تتحمل الجوع.
وبعدين أنا رايح الكتاب وهتأخر هناك، أما إنت هتاكل معاهم دلوقتي.
غسان بغضب: مليش فيه، نقسم بالتساوي بلاش طمع.
سلمان: بلاش أنانية.
إسماعيل بضحك: خبر إيه؟
هتفضحونا علشان سندويتش، اهدوا امال.
وإنت يا سلمان روح خد زهره ويلا روحوا الكتاب.
سلمان بغيظ: طلعتلي منين زهره دي كمان.
دي عيلة رخمة أوي.
نجاة بضحك: بتقول حاجة يا حبيبي.
سلمان وقد أخذ السندويتش كامل، وأخرج لسانه لأبيه.
ضحك الجميع عليهم بشدة، ولكن قد لاحظ غسان صمت تغريد ويبدو عليها التوتر.
غسان بغموض: مالك يا مرتي.
تغريد بخضة: لا لا... أنا بس عاوزه أنام.
هروح أنام.
أو أقولك أنا عاوزه أروح لرشا ممكن؟
غسان بتعجب: ومالو.
بس إيه السبب يعني؟
تغريد: ولا حاجة، زهقت من القعدة بس.
تركتهم وذهبت لبيت رشا.
أما هم، فقد أعدوا الطعام للغداء، وشروعوا في تناوله بسعادة كبيرة.
ولكن هل تدوم السعادة؟
في منزل رشا
كانت في غرفتها تشعر بالحزن بشدة، فالأول مرة قلبها يدق بهذه الطريقة لشخص ما.
ودت لو تذهب إليه وتبوح بكل شيء، ولكن ما الجدوى؟
فهل سيحب امرأة مثلها؟
إنها عاق لا تنجب، وأيضًا قد تزوجت من قبل وكان لديها سمعة مثل التكبر والغرور وحبها للمال.
(حتى لو تغيرت للأفضل، فألسنة الناس مثل السيوف الحادة تذبح دون رحمة).
قاطعها صوت الجرس، فذهبت أمها لتفتح الباب ووجدت أمامها تغريد.
فهي قد علمت أنها حية، ولكن تعجبت كثيرًا أن تراها بعد كل هذه السنوات.
أم رشا: خير يا مرة الغالي.
إيه الزيارة اللي مش محبوبة دي؟
تغريد باستفزاز: أهلاً يا أم رشا.
أنا مش جايلك إنت، أنا جايه لبنتك.
وحشتني قلت أجبهالك.
أم رشا بسخرية: ومالو يا أختي.
منتو الاتنين فاضيين زي بعض.
أنا ماشية بلا هم.
في ذاك الوقت، قد نزلت رشا السلم وتوجهت نحو تغريد.
فلابد أنها قد جاءت لهنا من أجل مصيبة كبيرة، فهذه الحية اللعينة لا تخطو خطوة واحدة في مكان إلا لو لها مصلحة به.
رشا بابتسامة مصطنعة: أهلاً يا تغريد.
اتفضلي.
تغريد بابتسامة: مال وشك يا رشا.
أكيد أمك زعلتك، أصل غير كده أنا لو منك أرقص وأنا عايشة في القصر ده.
رشا بضيق: المظاهر مش كل حاجة.
والفلوس كمان مش كل حاجة.
تغريد بغضب: طبعًا منتي مش عايشة زيي.
دا أنا هو أسبوع واحد في البيت الجديد ده ومش قادرة أتنفس.
طول النهار شغل شغل شغل.
إيييي هدوا حيلكم.
رشا بابتسامة صفراء: أنا لو مكانك هكون سعيدة جداً.
بس قليلي إيه اللي فكرك بيا يعني غريبة؟
تغريد بمكر: هي فعلاً غريبة.
بس أنا عارفة إنك من بعد غسان وإنت متبدلة بسبب كلام أمك والشغل الكتير.
وبرضه أنا وإنت ستات زي بعض، كل واحدة فينا عاوزة ظل راجل تتحامى فيه.
فا أنا بقا جايبالك عرض حلو أوي.
رشا بعدم فهم: وضحي يا تغريد مش فاهمة حاجة.
تغريد: أنا أقولك.
أنا أعرف راجل غني أوي أوي معاه فلوس تسد عين الشمس.
وهو عاوز واحدة زيك كده تكون حلوة ومش بتخلف.
كل اللي عليكي تساعديني أخلص من نجاة وأنا هاخدك ونهرب من هنا وهعيشك ملكة.
كانت تتحدث وكأنها تقول كلام طبيعي وعادي.
بينما كلام رشا يعبث في هاتفها بغضب وهي تستمع لحديثها هذا.
ماذا تقصد بكلامها هذا؟
هل تقصد بأن تبيع رشا شرفها لهذا المدعو الغني؟
تغريد بتنهيدة: هااا.
أكلم الراجل إمتى؟
رشا بابتسامة: إنت متأكدة من اللي إنت بتقوليه ده؟
تغريد: آه طبعًا.
أمال.
قاطع كلامها دخول بلال ومعه اثنان من الرجال وقد كتفوا تغريد وأحكموا قبضتهم عليها بشدة.
بلال: هنروح بيها فينر.
رشا بهدوء: هنخبيها في المخزن لحد ما غسان يقلنا نعمل إيه.
وبالفعل قد خدرها.
أخذ الرجال وأخذها للمخزن وقد ظلت سجينة هناك.
أما بلال، ظل ينظر لرشا التي كانت تجلس بجواره في السيارة، فقد طلبت منه التوجه للمزرعة.
كانت تجلس صامتة شارده للغاية، ألف سؤال وقصة يدورون في رأسها الآن.
رشا في نفسها وبدأت عينيها تلمع بالبكاء: هي معاها حق.
فعلاً مفيش ست بتعيش من غير راجل أو من غير حب.
ودلوقتي أنا حبيت ومش عارفة أوصل.
أنا مليش لازمة، محدش عاوزني.
حتى أمي بدل ما تكون حنينة عليا، لا دي بتتكلم عني وبتعايرني كمان.
أعمل إيه بس ياربي.
بلال بقلق: رشا.
إيه بتبكي ليه؟
رشا بصدمة وسعادة: إنت قلت إيه؟
بلال بحرج: بتبكي ليه؟
رشا: لا إنت ناديتني بإسمي.
بلال بتنهيدة: أنا بحبك.
أنا عارف إننا مش زي بعض في أي حاجة، بس أنا قلت الكلمة دي علشان أخلص ضميري وأريح قلبي.
رشا بصدمة: بتحبني أنا؟
بلال بحرج: أنا آسف يا هانم بجد والله.
أنا...
توقف عن الكلام عندما ارتمت رشا بين أحضانه وظلت تبكي بشدة، مما جعله يوقف السيارة.
رشا ببكاء: أنا كمان يا بلال.
أنا عاوزاك معايا، أنا مش عاوزة غيرك في الدنيا.
محدش بيحبني، حتى أمي.
إنت الوحيد اللي بحسه حنون عليا، حتى لو شفقة أنا راضية بيها والله.
بلال بحزن على هذه المعتوهة: طب ابعدي كده.
مش عاوز أغضب ربنا فيكي.
أنا عمري ما كنت شفقان عليكي، أنا حبيت قلبك الطيب ده وحبيت كل شيء فيكي.
جايز في وقت قليل، بس ربنا وحده يعلم.
ثم تنهد بقوة:
تتجوزيني؟
رشا بسعادة وهي تؤمي برأسها: آه آه.
بلال: يبقى هكلم عم إسماعيل وغسان الليلة يا حبيبتي.
بس قليلي إيه اللي خلاكي تبعتلي رسالة إني أجيب رجالة وأجي بسرعة.
ولي خدنا ست تغريد للمخزن؟
رشا بتنهيدة: قالتلي كلام صعب يتحكي.
وكمان حاسة إن ليها علاقة بالماضي.
خوفها ده بيخوفني أنا أكتر وبيخلي شكوكى حقيقي.
بلال بعدم فهم: أنا مش فاهم ولا كلمة.
رشا بابتسامة: يلا على بيت غسان نلخص.
بلال بضحك: تبقي مراتي بس وهنشوف طريقتك في الكلام ده.
في ورشة صالح
كان يعمل بجد شديد، فكان لديه الكثير من الطلبيات التي لابد أن يجهزها.
ولكن قد أتت الليلة بوجهها الملائكي، فالآن موعد الغداء وهي تحرص على صحة حبيبها بشدة.
نعمة بخجل: السلام عليكم.
صالح بابتسامة تعبر عن مدى سعادته: وعليكم السلام.
دا إيه اليوم الحلو ده.
نعمة بخجل أكبر: الغداء.
لازم تأكل.
صالح وهو يلقي الأدوات أرضًا: معلش يا عم عدي عليا كمان ساعة استراحة غداء وكده.
على راسي يا ولدي.
صالح: يلا ناكل يا قمرين.
نعمة بخجل: لا لا.
أنا كنت جايه أجيبلك الأكل بس.
هروح أنا.
صالح بسرعة: لو روحتي خدي أكلك معاكي، مش عاوز.
نعمة بحزن عليه، فهي تعلم أنه يمل وحده ولا يحب أن يأكل وحيداً: خلاص هاكل معاك.
بدأوا في الطعام وتناولت عي بعض اللقمات الصغيرة.
وكانت تحرص على أن يأكل الكثير.
صالح: تسلم يدك.
حقيقي أنا محظوظ.
نعمة بخجل: الله يعينك.
أنا هروح البيت علشان اتأخرت.
صالح بابتسامة: طيب وأنا جاي أخده الليلة معزومين على سهرة كده في بيت غسان بيه.
نعمة بفرح: بجذ ورشا جاية هي وزهرة.
صالح بضحك: أكيد.
يلا روحي انت.
في منزل غسان
كان يجلس الجميع يتابع التلفاز.
أما سلمان كان يحاول أن يعلم زهره كيف تنطق الأرقام في مادة الرياضيات، وكانوا يتشاجرون بشدة.
سلمان بغضب: اباااااااه.
إنت راسك يابس ولا إيه.
قلنا 1 بعدها 2 مش 3.
جننتيني.
زهره بصراخ: إنت غبي.
مش عارف تفهم زهره حاجة.
أوووف.
سلمان بغضب: بقا كده.
يلا روحي افهمي لوحدك.
غسان بضحك: براحة عليها يا واد انت.
سلمان: مخها خربان.
دق الباب وظل الأطفال يتشاجرون بصوت عالٍ، ولكن جلس معهم إسماعيل وبدأ يودهم ليهدأوا.
في حين ذهب غسان لفتح الباب.
غسان: أيوه مين حضرتك؟
أنا اللي هتسمع مني اللي يريح قلبك.
رواية غسان الصعيدي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سهيلة عاشور
أنا اللي هيريح قلبك. أنا اللي معايا مفاتيح الماضي.
غسان بتعجب: بتقول إيه يا راجل انت؟ انت مين وعاوز إيه؟
الرجل: أنا جاي من طرف شخص يعرف عنك كتير، وانت محتاج تعرف اللي هو عارفه ده.
غسان بنفاذ صبر: أنا مش فاهم كلمة واحدة من اللي انت بتقوله ده. لو ينفع توضح أكتر.
الرجل: طب ممكن ندخل جوا. الكلام على الباب مش هينفع.
غسان بحرج: وه... أنا آسف، بس محدش بالي دقيقة.
ثم نظر للداخل وأمر والدته وزوجته أن يأخذوا الأطفال ويدخلوا للغرفة حتى يدخل الضيف.
غسان: اتفضل، تعالي.
إسماعيل بتعجب: أهلًا يا ولدي. انت مين؟
الرجل بتنهيدة: أهلًا يا غسان بيه وإسماعيل بيه. كل اللي أنا طالبه من حضراتكم دلوقتي إنكم تهدوا تمامًا، لأن اللي هقوله ده صعب جدًا وجايز محدش فيكم يصدق من الأساس.
إسماعيل بقلق: خير يا ولدي. قول اللي عندك.
غسان: ... اتكلم.
الرجل: أول حاجة تضمن لي الأمان إني أطلع من هنا زي ما جيت.
غسان بصدمة وقلق: أضمن لك. قول.
الرجل: الموضوع ببساطة إني جاي دلوقتي عشان أعرفك أخوك المرحوم مات إزاي. طبعًا انتوا المعلومات اللي عندكم إنه توفى بسبب خناقة ما بينه وما بين شاب من هنا من البلد، اللي هو تقريبًا ابن عم المدام بتاع غسان بيه، مظبوط؟
غسان بهدوء: مظبوط.
الرجل: معلوماتكم اللي لحد ما مظبوطة، ولكن فيها حاجات كتير جدًا ناقصة. الخناقة اللي حصلت كان ليها سبب ودافع قوي جدًا يا غسان بيه.
غسان بنفاذ صبر: واللي هو!؟
الرجل بخوف: مرات حضرتك الأولى، تغريد هانم.
غسان بصدمة ولكنه نجح في الهدوء: يا ريت تدخل في الموضوع على طول، وتحكي اللي عندك.
إسماعيل بقلق: خلصنا يا ولدي. بلاها لعب في أعصابنا.
الرجل: من سنين ومن قبل ما يحصل جوازك من تغريد هانم، كان... أنا آسف يعني، تغريد مكنتش عاوزاك انت. يعني مكنتش عاوزة تتجوز حضرتك. كانت عاوزة تتجوز أخو حضرتك المرحوم وحاولت معاه كتير ولكنه كان رافض تمامًا. فلما لقت إن مفيش أي فايدة من محاولتها معاه اتجهت لحضرتك وحصل الجواز، طبعًا بعد تمثيل الحب والخطه المحكمة اللي كانت هي عاملاها. طبعًا هي ذكية جدًا ومحدش ينكر دا. فا بعد الجواز برضه مملتش من محاولتها مع أخوك وفضلت تحاول معاه بكل الطرق، حتى إنها عرضت نفسها عليه (أي حاولت فعل محرمات الله معه، عن طريق إثارة شهوته وغيرها). ولكنه طبعًا كان بيرفض بشدة ودا سبب بعده عن البيت فترات كبيرة. ولكن في يوم أخوك شافها ماشية في البلد وكان وراها ابن عم نجاة هانم وكانت عاملة تتكلم معاه وتضحك بصوت عالي وتحط إيديها عليه. وطبعًا انتوا صعيدة، الدم غلي في عروقه وراح اتخانق معاها. وطبعًا دا أدى إن يحصل خناقة بين أخوك وابن عم نجاة هانم. كانت خناقة كبيرة جدًا. وطبعًا أخوك كان هددها إنه هيعرفك كل حاجة ودا طبعًا بعد ما اتأكد إن في بينهم كلام ومقابلات كتير كانت بتحصل من وراك. ولكن محصلش بينهم محرمات الله. فا في يوم هددها وقال لها إنه هيعرفك كل حاجة وإنك هترميها في الشارع بعد ما بقت هانم. فا هي وزته على أخوك. فا أجر رجال وحاوطوه في يوم في أرض فاضية وطبعًا خدوه على إخوانه وانضرب طلقة في صدره. ولكن قبل ما يموت وهو في الأرض ودمه سايح قدر إنه يمسك المسدس وضرب ابن عم نجاة هانم طلقة، ومن الحظ إنها كانت في دماغه وماتوا الاتنين.
غسان بصدمة وغضب: انت متأكد.
إسماعيل وكاد أن يبكي: معاك إثبات؟
الرجل بخوف: أنا معايا شات (محادثة) ومعايا كمان تسجيلات صوتية ليهم مع بعض.
بالفعل أعطاهم الهاتف وظلوا يقرأون المحادثات وكان كلام هذا الرجل صحيح تمامًا، وأيضًا استمعوا للتسجيلات الصوتيةتمعن حتى لفت نظرهم أحد التسجيلات لهذه الحية اللعينة وهي تقول: (الواد دا لازم يموت. الليه... انت فاهم. الليلة لازم أسمع خبر موته والبس عليه السواد).
اعتل الغضب وجه غسان وكأنه قنبلة موقوتة وستنفجر في أي وقت. مما أثار الرهبة في الرجل بشدة، وإسماعيل الذي لم يكن يرى أي شيء بعد هذه الكلمات القاسية.
الرجل بخوف: غسان بيه. أنا كده وجهت الرسالة اللي أنا جاي عشانها ولازم أمشي.
غسان بهدوء عكس ما في داخله: مين اللي باعتك وإيه مصلحته في كده؟
الرجل بغموض: اللي باعتني مش عاوز حد يعرفه. وصدقني ميهمكش أبدًا إنك تعرفه. كل اللي ممكن أفيدك بيه إنه كان صارف على تغريد كتير. وأه صح، هو عارف إنك مطلقتها من زمان ومش حابب إنه يأذيك. المهم دلوقتي انت في السليم ووصلك كتير وأنا لازم أمشي.
غسان بهدوء: امشي. وأنا هاخد الموبايل ده.
الرجل: تمام.
رحل الرجل وظل غسان شارد وعينيه تطق شرارًا وكأنها الجحيم بعينيه. خرجت سمية ونجاة من الغرفة وظلوا ينظرون لهم بتعجب كبير، فكان منظرهم كفيل أن يدل على ما بهم. قاطع هذا الصمت.
إسماعيل: انت طلقتها إمتى؟
غسان بهدوء: أول يوم جات فيه البيت وأنا طلقتها عند المحامي وكنت مستني أعرف عرضها. أنا عمري ما أسيب وأخدة خاينة وشا** على ذمتي يا أبوي.
إسماعيل: أنا مش قادر أصدق اللي بيحصل ده يا ولدي.
غسان واقفًا ودخل لغرفته وأخذ يعبث بها حتى حمل مسدس ووضع به عدة طلقات وخرج لهم مرة أخرى.
نجاة بشهقة: إيه ده يا غسان. بلاش جنان.
إسماعيل بغضب: مفكر نفسك رايح فين انت ها؟
غسان بغضب جامح: رايح آخد بتار أخويا يا أبوي. رايح أخلص الدنيا منها ومتخافوش عليا مش هاخد فيها يوم.
سمية ببكاء: وتغضب ربنا يا غسان من إمتى يا ولدي؟ عمرك ما عملتها.
غسان بغضب: وإنها تكون على ذمتي وتخوني مع واحد واتنين وعشرة دا مش حرام.
نجاة بخوف وبكاء: مش انت طلقتها خلاص؟ سيبها تغور في داهية. بلاش تودي نفسك في داهية يا غسان.
قاطع شجارهم دق الباب. فهمت نجاة بفتح الباب.
رشا بصدمة: نجاة. مالك بتبكي لي؟
بلال بقلق: خير؟ في إيه؟
غسان بغضب وعيون حمراء: تغريد فين؟
رشا بتفهم: حبساها في المخزن.
سمية بتعجب: لي؟
قصت عليهم رشا ما حدث. تبًا، فهذه العاهرة الغبية لا تضع أي فرصة لتثير غضبه أكثر فأكثر. هب غسان وأخذ مفاتيح السيارة من رشا وركب السيارة. فتجمع الجميع أمام السيارة حتى لا يقود. بينما ركبت نجاة بجواره وهي تبكي بشدة.
غسان بغضب: انزلي.
نجاة ببكاء: مش هسيبك والله لو هتموتني حتى.
غسان بغضب: انزلي. يا نجاة أنا مش قادر. انزلي.
نجاة بصراخ: قلت مش هسيبك.
ظل صامت قليلاً ثم توجه لكي يدير السيارة. فركب معه في الخلف بلال ورشا أيضًا. فنظر لهم بشرود ثم توجه نحو المخزن وكان الغضب حليفه. مسكين الموت عن طريق القتل شيء صعب للغاية. لا أتمنى أن يجربه أي أحد في هذه. شعور لا يفل أي شيء سوى إنه ينهش قلبك ويمزقه أربًا.
في المنزل.
كان يجلس سمية وإسماعيل وهم خائفون للغاية. لطالما كان شعور يملأ قلبهم أن هناك سر نحو وفاة ابنهم، ولكن لم يتوقعوا مطلقًا أن يكون هذا هو السبب.
بسمية ببكاء: عيني على عيالي. ملهمش بخت في الدنيا. كبدي عليك يا ولدي.
إسماعيل بحزن: خلاص يا سمية. يا مقدر ومكتوب. أهم حاجة دلوقتي غسان يرجع بالسلامة.
دق الباب مرة أخرى. فركض سلمان وزهرة ليفتحوا الباب.
سلمان بفرحة: دا عمي صالح يا جدي. اتوحشتك يا عمي.
صالح بإبتسامة: وانت كمان يا حبيب عمك. أهلًا أهلًا بالزهرة بتاعتي.
زهرة بطفولة: أحسن من سلمان صح؟
ضحك صالح ونعمة بشدة على هذه المشاغبة، ولكن لفت نظرهم حزن ودموع الجالسين.
نعمة بقلق: سلمان يا حبيبي. خد الكيس ده فيه حلويات ليك انت وزهرة. روحوا كلها والعبوا سوا.
أما لها الطفلان وذهبوا لأحدى الغرف.
صالح بقلق: خير يا عمي. في إيه يا خالة سمية؟
إسماعيل وسمية: ....
نعمة بخوف: قلقتونا. في إيه؟ والباقي فين؟
قص عليهم إسماعيل وسمية ما حدث. فهرول صالح سريعًا لمكانهم ودق الهاتف وخاطب أحد معارفه لكي ينقذ الموقف. بينما ظلت نعمة بجانبهم تواسيهم وتطمأنهم.
في المزرعة.
وصل الأربعة بعد وقت قليل ثم دلفوا للداخل فوجدوها مكبلة الأيدي والأرجل. ملقاة على الأرض وكأنها قطعة من الخردة ليس لها قيمة. كانت تصرخ أن ينقذها أحد ولكن لا فائدة بسبب تلك القماشة التي تغطي فمها.
تغريد بصدمة وكانت تتحدث من خلف تلك القماشة فلم يفهمها أحد. فتقدمت منها رشا ونزعتها عنها بغل.
تغريد بتنهيدة عالية وبكاء مصطنع: الحقني يا غسان. شفت رشا عملت فيا إيه؟ عاوزة تبيعيني لواحد غني وتقبضي ثمن. اللحق أم ابنك يا غسان.
غسان بصراخ: كفاااايا بقا. ثم أكمل وهو يقترب منها: انت إيه مش بتحرمي خالص؟ معندكيش قلب؟ مفيش ضمير؟ أنا أ** إنسانة شفتها في حياتي. ثم أكمل بضحك هستيري: أنا. أنا يا بنت ال****. أنا تاخدي أخويا مني يا تربية الشوارع. دا أنا لميتك من الشارع وعملتك هانم. عمري ما زعلتك. اديتك حب واهتمام عمرك ما كنتي تحلمي بيه.
ثم صفعها بقوة حتى أن أنفها بدأ ينزف بشدة.
تغريد بصدمة وتأوه: أخوك. وأنا مالي بأخوك؟
أخذت صفعة أخرى أسكتتها عن الكلام. وبدأ غسان أن يسمعها التسجيل الذي يحمل صوتها وهي تكر على قتل أخوه.
غسان بغضب: ودا إيه؟ ها؟ أنا كنت عارف إنك وس*** بس متخيلتش لدرجادي. واااه صحيح. ثم ألقى في وجهها ورقة طلاقها: أنا طلقتك من أول يوم دخلتي فيه البيت علشان كنت عارف كل حاجة. واللي انت كنتي ماشية معاه باعك. فضلت الحرام على جوزك وأهو الحرام باعك.
تغريد بصراخ: ارحمني يا غسان. وأنا هبعد عنك. ارحمني يا غسان. مش عاوزة منك غير الرحمة وبس.
ظل يضحك بشدة وكأنه جائته نوبة هستيرية حتى أن نجاة قلقت عليه واقتربت منه بحذر. حتى جذبها إليه لتكون بين ذراعيه.
غسان: استني بس يا تغريد. مش يمكن لما تعرفي إن لسه عندي فلوس وملايين تفضلي وتترجيني أخليكي تاني؟
الجميع بصدمة: إيه!؟
غسان بهدوء: اااه أنا خسرت ربع الأملاك وبس والباقي لسه موجود. وفعلاً حادثة المصنع دي كانت حقيقة وخسرت فلوسي لكن ربعها وبس وكده كده الباقي مش ملكي.
رشا بعدم فهم: مش ملكك إزاي؟ عمي كاتب كل ما يملك باسمك انت.
غسان: وأنا كتبت كل اللي أملكه باسم نجاة.
نجاة بشهقة: أنا؟ لي؟ أنا مش عاوزة حاجة يا غسان.
غسان بإبتسامة: كتبت كل حاجة باسم نجاة. فاليوم اللي عرفت فيه إنها حامل. أنا كنت واثق فيها جداً بس كنت مستني اليوم اللي يكون فيه رابط ما بيننا.
تغريد بصدمة وغِل: حاااامل!؟
غسان بنظرة شر: اااه حامل. مرتي اللي عمري ما حبيت غيرها في الدنيا. وانت هتموتي هنا. هتعفني ولا حد هيسأل عنك.
ثم وجه المسدس وسط نظرات الصدمة من الجميع.
نجاة برجاء: غسان. لا أبوس إيدك. أنا محتاجاك. مقدرش أعيش من غيرك يا غسان. أنا روحي فيك.
رشا ببكاء: أوعى يا غسان. أوعى تضيع نفسك.
بلال بقلق: نزل السلاح يا أخويا. نزل أبوس إيدك.
نظر لهم بشرود وكأنه يدرك حديثهم. ولكن قاطع توسلاته صوت طلقات النيران التي تمر فوقهم. فارتمت نجاة في حضن غسان بخوف وكان هو قد أنزل سلاحه وأخذها في أحضانه بحب. ثم تطلع ووجد رجال الشرطة في كل مكان.
صالح بسعادة: الحمد لله لحقتكم. هي دي يا حضرة الظابط.
الظابط بإيماء: هاتوها. متقلقش يا غسان بيه. مصيرها الإعدام أو السجن مدى الحياة.
غسان: أنا معايا أدلة و...
الظابط بمقاطعة: اتبعت لينا كل حاجة. اطمن. ربنا يريحك إن شاء الله. ومن اللهم وترجع لحياتك من تاني.
نظر لهم وكأن عينيه تقول حان الوقت. البداية الجديدة.
بعد مرور ستة أشهر.
كان الجميع في قصر غسان يجهزون من أجل عُرس رشا وبلال وصالح ونعمة. كان الجميع فرحين بشدة ومراسم العُرس قائمة على رأس وقدم الزينة والأنوار والذبائح والولائم التي تُقام منذ الصباح.
كان الكل حاضر هذا العُرس ما عدا أم رشا التي لم توافق بتاتًا. ومن بعد ما تنازلت رشا عن كل الأملاك لها حتى تعيش ببساطة وسعادة مع زوجها دون مشاكل. حل الليل عليهم وقامت الأفراح والأغاني. كان النساء سويا والرجال في الخارج معًا.
غسان بفرحة: مبروك يا رجالة. عقبال لما نشيل عيالكم. شدوا حيلكم كده.
صالح بضحك: يا أخي نشوف البذرة بتاعتك اللي جاي دا.
بلال بمرح: والله قلبي حاسس إنه هيجي قريب أوي.
ما أن انتهى بلال من جملته حتى سمعوا صوت صراخ النساء بالداخل. فهرولوا للداخل.
نجاة بصراخ: الحقني يا غسان.
غسان بقلق: مالك؟ في إيه؟
نجاة بغضب: يعني هكون عاوزة أصيف بولللللللد.
حملها بسرعة وركض للغرفة. وأتت الطبيبة لها واستمرت الولادة وقتًا طويلاً من صراخ نجاة وسبها ولعنها في غسان. حتى بعد وقت طويل خرجت الطبيبة وهي تحمل كائن صغير ولطيف للغاية وكان يبكي بشدة.
غسان بلهفة: ها؟ كويسة؟
الطبيبة بسعادة: زي الفل. ربنا كرمك ببنت زي القمر. ألف مبروك يا غسان بيه.
حمل الطفلة وكان سعيدًا للغاية. وأول ما حملها لأحضانة صمتت عن البكاء تمامًا. فأخذها ودلف لمكان نجاة ونظر لها بحب تحت نظرات المباركات والتهاني من الجميع.
صبحي بفرحة: والله وبقيت جد أخيرًا.
صباح بسعادة: هتسموها إيه يا ولاد؟
نجاة بحب: أبوها اللي يسميها.
غسان بهيام: جنة. هسميها جنة.
تعالت الزعاريد والمباركات وحتى أن العُرس قد استمر حتى وقت طويل بناءً على طلب غسان. وها هي النهاية السعيدة أخيرًا.