كل التجارب السيئة صنعت ما نحن عليه الآن. فالقوة والإرادة لم تأتِ من فراغ وعيش مترف، بل هي نتاج أيام بل شهور وربما سنين تجلدنا فيها. اشتد الساعد وتكاملنا لنصبح نحن. لحظة فاصلة وعمر فارق. نجاة أو نهاية.
الحياة أمامها تفتح أبوابها والموت الذي تمنته يبحث عن يدها. كابوس عمرها يدعوها إليه. شيطان لا يعرف الرحمة أو الشفقة، وعالم لم تختبره، ربما هو أقسى صورة. صفا المنكسرة بعد قوة، صورة ناشد وركلاته، بعد الأمان لكمات وصفعات عائلتها، بعد وفاة جدتها، إيذاء حاتم ابن عمها المتعمد لها دون أسباب. لحظات وجدت فيها يدها تمتد لتتمسك بيدها، يشد عليها يتوسل في البداية، ثم بقوة ألمتها. "أيه مش سامعاني ولا إيه؟ روحتي فين؟
تصمت كعادتها. فيعود لنهرها بقسوة والكل حولها يراقب. "أصل خايفة." "أه يا هبلة اتكعبلتي في حتة عريس وأنا اللي بقول إنك قاعدة ومستنياني... أتاريني اتكلت على حيطة مايلة يا بنت عمي." كانت مجرد ذكريات لصفا. ترى أين صفا الآن بعد مرور ثلاثة وعشرين عاماً. عودة إلى الوقت الحالي. دلف عليها ونظر إليها بوجه خالٍ من التعابير وأردف بنبرة رجولية خشنة. "انتي مين؟ وإزاي تتجرأي تقعدي هنا في مكتبي السكرتير الخاص؟
لو من البنات اللي متقدمة للوظيفة فاعرفي إننا اكتفينا. اتفضلي اطلعي بره." انتابتها نوبة العصبية المفرطة، ولكنها تمالكت أعصابها وردت ببعض من الهدوء. "أنا فيروز السكرتيرة اللي تم اختياري إني أشتغل مع حضرتك. أنا عارفة إني مسبقش ليا إني أقدم، بس أنا معايا واسطة كبيرة أوي وده اللي خلاني أبقى هنا." وتذكرت في حينها ما قالته لها خلود ابنة خالد ووجدان شقيقة زيدان من الأم عن هذا الشخص.
"ده اللي أقدر أوفرُه ليكي يا فيروز حالياً. عمو ناشد أؤكد ليكي إنه عمره ما هيخطر في باله إنك بتشتغلي عند سامر الخضري وده أمان ليكي انتي وطنت صفا. وبعدين سامر ده ابن أونكل سامر شريك بابا من زمان ولسه راجعين من الأرجنتين ومش معروفين في البلد هنا." وجدته ينظر إليها بكل احتقار بعد أن أتاه اتصال هاتفي من والده، فتركها وانصرف.
لتحدث نفسها: "كان فيها لو كان أبويا ده راجل محترم زي عمو خالد أو حتى زي أبو سامر اللي كان واقف قدامي من شوية. اللهم لا اعتراض على حكمك يارب." فاقت من شرودها على خروج مكتبه وهو يتحدث بصرامة. "ادخلي نضفي المكتب ورتبي الملفات جنب بعضها والأوراق فوق بعضها مش عايز غلطة. مش معنى إنك متعينة هنا بواسطه تبقي سايبة." أخذت تعبث بالأوراق تحت يدها بعصبية ومع ذلك تحدثت باحترام.
"حضرتك أنا مش ساعي مع احترامي برضه لشخصية أي ساعي في الشركة. بس أنا شغلتي هنا السكرتارية وبس. واللي جابني هنا فهميني كده." رمقها بنظرات احتقارية، ثم وقعت عينه على الأوراق التي تقلبها بعصبية فتحدث بجدية. "اتفضلي افحصي الملف اللي تحت إيديكي ده بدل ما انتي ناوية تقطعيه. لأن الملف ده مهم ممكن يوديكي السجن وبصراحة أنا بتلكك ليكي." ثم استطرد باشمئزاز واحتقار.
"وياريت مش كل شوية تفكريني إنك جاية هنا بواسطه لأن ده بيقلل من قدرك وبيحسسني إنك ولا حاجة. أنا ببني الشركة دي مش بهدمها." نظرت إليه بغضب، ثم حاولت قدر استطاعتها أن تهدأ قبل أن تتحدث. "أولاً أنا مش جايه أشتغل هنا عشان أوقع الشركة لسيادتك. أنا كان ممكن أقدم على الشغل زي غيري. بس للأسف أنا لسه واصلة من بره قريب." ضرب بيده على سطح مكتبها بقوة وأردف بحده.
"لا دي حجج وبعدين مين قالك لو قدمتي هنا أنا كنت هوافق عليكي. انتي تعرفي مؤهلات اللي اتقدموا هنا عاملة إزاي. بس اللي زيك مش بيفهم." كادت أن ترد عليه بقوة ولكنها تذكرت أن عملها هنا المنقذ الوحيد من والدها، فطأطأت رأسها للأسفل قائلة. "آسفة ولو حضرتك حابب إني مستلمش الشغل هنا مفيش مشكلة. كلها أرزاق. بس حط نفسك مكاني فرصة وجاتلك وأنت ضايع هتعمل إيه؟ رمقها بغيظ. "قصدك إني أطردك بره صح؟
انتي خبيثة أوي. وعندك حق لما تكوني مبعوتة تشتغلي عندي عن طريق شريك أبويا وصاحب عمره وأنا أطردك منظري هيبقى إيه؟ ردت فيروز بذهول. "يعني حضرتك مش هتطردني صح؟ ده كرم كبير منك حتى لو هتعمل ده غصبن عنك وهتتحملني الفترة دي. وصدقني هي فترة صغيرة." صاح سامر قائلاً. "أنا مش بصدق حد ولا بثق في حد فهماني؟ وبلاش جو الشحاتة بتاعك ده مش بياكل معايا. أنا آه تربية بلاد بره بس مش زيك يا حلوة تقدري تضحكي على الناس."
ردت عليه بخفوت ودموعها تسيل على وجهها بغزارة. "لما هتعرفني كويس هتغير كل الكلام اللي قلته دلوقتي. أنا مش طالبة منك غير إني أشتغل هنا وأقدر أصرف على نفسي وعلى والدتي." ثم استطردت بحزن. "ما هو زي ما المصريين بيقولوا اللي ما يشوفش من الغربال يبقى أعمى ومتستغربش أنا أه تربية بلاد بره بس أمي معلماني عاداتي وتقاليدي صح."
أيام مضت بألف عام. التاريخ يعيد نفسه بأشكال عديدة. ثلاثة عشر عاماً قضتهم صفا يعتبرها الجميع حياة زوجية قصيرة، وهي تراها أطول من أي حياة. رأت فيهما من الكراهية والحقد ما لم يراه سواها، ورأت في عدة أيام أضعافاً من الجشع وظلمة النفوس.
عادت صفا ولم يلتفت أحد. انتقل شقيقاها للعيش معها دون دعوة كأن موافقتها أمر مفروغ منه دون أن تجرؤ على المعارضة. التزمت حجرتها لا يدخلها إلا الخادمة تأتي لها بالطعام، والذي كان من رصيدها المادي الذي استحوذوا عليه، حتى لاقت مصير من سبقوها وطردوها شر طردة، فأصبحت تبحث عن فتات طعامهم هي وابنتها فيروز ذات العشر سنوات حتى اشتد جوعهما. تبحث عن فتات أملاكهم... حقهم...
بينما من لا حق لهم يلقون الطعام. حق دفعته من روحها وعمرها... روح تحملت الكثير دون شكوى. عودة إلى شركة سامر ولكن في الطابق العلوي لها في الجزء الخاص بنور أمير نجم الدين ابن أمير صديق زيدان ونورا صديقة ريحانة. "يا نور صباح الخير. الأول أنت أكدت عليا أول ما سامر يوصل بالسلامة أبلغك. هو وصل بقاله ربع ساعة وسكرتيرته الخاصة كمان." رد عليها نور وهو يغمز لها بإحدى عينيه حيث كان يمتلك شقاوة نورا والدته.
"ماشي يا زوزو. نعم يا سادة فهي زينب ابنة زيدان وريحانة، فقد اختارها نور وصمم عليها أن تكون مديرة أعماله رغم إنه لا يحتاج، ولكننه يريد قربها منه." "ممنوع تطلعي فوق أبداً. هنا سامر مش ابن خالك ده مستر سامر تمام كده يا ختي؟ تقدمت من مكتبه ومالت عليه بإغراء وقالت. "طب مش ده فعلاً ابن خالي؟ يرضيك مطلعش وأسلمش عليه؟ طب ده حتى وحشني أوي يا نور من آخر مرة أنا وهو اتكلمنا شات وعرف إني شغالة هنا وهو مقموص مني."
مشاعر متضاربة عصفت به بدءاً من قربها وعطرها الذي تضعه ويثير حواسه، مروراً بالغيرة التي استلبت بها عقله. حاول أن يكون جاداً معها. "زينبببب! بلاش كده يا ماما لأحسن انتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه. وبعدين متحاوليش مش هصدقك. زوزتي لا يمكن تكلم حد غيري ولو حصل هتتعلق." ضحكت زينب ضحكتها العالية ثم قالت.
"حاضر بس مش حاضر على كلامك. تؤتؤؤر.. حاضر على التعليقة. بقالك سنين تقولي هعلقك هعلق وكله كلام. نهار أسووح لا يكون كمان كلمة بحبك كلام. سلام بقى لأحسن بعد الكلام ده أكيد العواصف هتضرب في الأوضة دي." خرجت من مكتبه لتجد أمامها سامر مبتسماً كمن رأى غايته ومناه، فهو يعشقها منذ الصغر ودائماً كان يعود إلى أرض الوطن ليقضي الإجازة معهم. همست لنفسها بقلق وهي تراه مقبلاً عليها.
"هو إيه ده اللي نزله دلوقتي يا ربي. بقي أنا استخبيت منه في التواليت عشان مش يشوفني وهو طالع وتحصل مشكلة مع نور يقوم ينزلي بنفسه. يا ميلة بختك يا زينبو." عودة لتذكر حياة صفا والدة فيروز مع والدها ناشد.
ذات مرة شك في أمرها أن تكون وشّت بها عند أحدهما. رجع غاضباً إلى منزله وأخذ يكيل لها الاتهامات أمام الجميع، حتى وصلا غرفتهما. لم يرحمها من تعنيفه، ولم ترحمهما النظرات، وإن كانت مشفقة عليها لتشعر بالمهانة أكثر. تبتلع المرارة لتمضي في الطريق المرسوم، وإن كانا مع الوقت وكثرة اعتماده عليها وصلا لطريقة مرضية لها في التعامل. تتوالى نصائحه بطباع البشر، يمنحها تعليماً موازياً وهو الأصعب، طبائع البشر جعلتها تكره الجميع. تحذر البشر فالبشر ما بين طامع وصاحب مصلحة، جعلها ترى الجميع بعينه.
عودة إلى زينب وسامر. بالرغم من ابتسامته الساحرة وهو مقبلاً عليها، إلا أنه اقتضبها فجأة عندما رآها تخرج من غرفة نور وتجلس على كرسي السكرتير الخاص به. لم يتحدث معها، بل دلف إلى غرفة نور بدون استئذان وصاح وقد أظلمت عيناه بغضب في وجه نور. "أنا مش فاهم إحنا شركاء في الشركة زينا زيك ومع ذلك انت من حقك تختار السكرتيرة اللي بره واللي هي بنت عمتي وأنا أولى بيها، بس إزاي لازم ألبس أنا واحدة مش عارف أصلها من فصلها."
طأطأ نور رأسه بخجل مصطنع وقال. "أنا مش بإيدي حاجة يا سامر دي أوامر الكنج زيدان الجمال. هو أدرى وعارف بنته المفروض تشتغل فين. وبعدين كمان زينب راضية. أما بالنسبة للي فوق أنا مليش فيها ولا أعرفها." سأله سامر بجدية وجمود. "ويا ترى بقى الشغل اللي طلبته قبل ما أنزل تم ولا أنا هعمل كل حاجة بإيدي. ما أنا عارف إنك مش بتاع شغل. وقالوا بيقولوا عليا مدلع." أومأ له نور عدة مرات بسخرية وقال.
"آه مدلع لأنك شايف الكل أقل منك. على فكرة اللي طلبته تم وكمان الشحن للأرجنتين يعني بصراحة انتي هتبدأي صفقات جديدة القديم خلص من قبل ما سيادتك تيجي." ثم استطرد بحقد دفين. "أنا عرفت كل حاجة عن ثريا. بقي مش عيب عليك تلعب معايا لعبة زي دي. انت مفكرني أهبل. آه أنا بتاع كلام لكن غلط زي اللي توقعته انسي." رمقه سامر بنظرات قاتمة.
"متتكلمش على الغلط يا نور. انت عينك كانت هتطلع عليها وإحنا في الساحل وأنا من عندي سبتها ليك أصل أشكال ثريا دي متعجبنيش." شعر نور أن ثريا حقاً مسكينة مثل ما سردت له، فأجابه بضيق. "يا سامر حرام عليك البنت بتحبك ده غير إني مصدقها في اللي حصل بينكم. إيه يعني لما تتستر عليها وتتجوزها. انت عندك أخت وأعتقد متحبش إنها تبقى في نفس مكان ثريا." كور سامر قبضة يده فهو لا يستطيع الخلاص من ثريا فما زالت تلاحقه. ليجز على أسنانه.
"كانت تحافظ على نفسها وهي معايا. أنا راجل زي أي راجل وهي كانت عارفة إيه اللي خنقني وفضلت تضغط لغاية ما طلعت أسوأ ما فيا." هز نور رأسه بيأس ثم قال بلوم. "انت برضه عليك اللوم يا سامر. ربنا عطاك كل حاجة وهي كل اللي عايزاه منك إنك تتقدم ليها زيها زي أي بنت وتتجوزها ويا سيدي طلقها بعد كده." برزت عروق رقبته من شدة غضبه.
"أنا استحالة يكونوا أولادي من واحدة زي دي وبلاش نضحك على بعض يا نور أنا مش عيل صغير أنا ليا اسمي في السوق مينفعش أتجوز ويومين وأطلق." واستطرد وهو يضغط على حروف كلماته رويداً رويداً. "قفل على السيرة دي وقولها تبعد وتحمد ربنا إني مش هحاسبها بعد ما حكت ليك كل حاجة وخليها تحذر مني أنا ممكن أفضحها وانت شيلني من دماغك." رد عليه نور بتهديد ووعد.
"هي عندها شهود يا سامر. انت نسيت إن اللي تم تم في الشاليه بتاع أبوها. والدادة بتاعتها كانت هناك وأنتم مش داريين. قابل بقى وشوف الفضيحة لمين." كور سامر يده مرة أخرى وضرب نور في كتفه بقوة ثم قال بصوت مميت. "طب يبقى يوروني هيعملوا إيه. أنا لو خايف هرجع الأرجنتين. أنا بقى قاعد لهم. وأوعى تفكر إن ده هيمنع جوازي بزوزو. لا انسي دي بتاعتي."
أيعقل أن يكون هذا الصراع على زينب الابنة المدللة لزيدان الجمال وريحانة الخضري. ريحانة التي عانت الويلات والتي بدأت أن تشفى من ندباتها على يد السيدة ياسمين والدة نورا صديقتها وجدة نور. تلك السيدة بمساعدتها أعادت ريحانة لطبيعتها القوية التي تضرب ولا تبالي، مما أسفر عن تطور علاقتها بوجدي والد ريحانة بشكل كبير خاصة وهو يرى تعلق ريحانة بها واللجوء لها دون غيرها، حيث اعتبرتها صديقتها المقربة وليست والدة صديقتها. كما أن وجدي أيضاً أحب وجودها في حياته وقد لفتته شخصيتها المرحة واللطيفة كثيراً، وهي أيضاً...
كان إعجابها يزداد به في كل مرة تراه فيها. ولذلك لا نستغرب قوة نور بمرحه فهو حفيد تلك السيدة والتي ربته على يدها ليكتسب صفات أن يكون صاحب حق ويعطي الحق لمن اغتصب منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!