تحميل رواية غيبيات الفيروز بقلم مروة البطراوي pdf
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كل التجارب السيئة صنعت ما نحن عليه الآن. فالقوة والإرادة لم تأتِ من فراغ وعيش مترف، بل هي نتاج أيام بل شهور وربما سنين تجلدنا فيها. اشتد الساعد وتكاملنا لنصبح نحن. لحظة فاصلة وعمر فارق. نجاة أو نهاية. الحياة أمامها تفتح أبوابها والموت الذي تمنته يبحث عن يدها. كابوس عمرها يدعوها إليه. شيطان لا يعرف الرحمة أو الشفقة، وعالم لم تختبره، ربما هو أقسى صورة. صفا المنكسرة بعد قوة، صورة ناشد وركلاته، بعد الأمان لكمات وصفعات عائلتها، بعد وفاة جدتها، إيذاء حاتم ابن عمها المتعمد لها دون أسباب. لحظات وجدت فيه...
رواية غيبيات الفيروز الفصل الأول 1 - بقلم مروة البطراوي
كل التجارب السيئة صنعت ما نحن عليه الآن. فالقوة والإرادة لم تأتِ من فراغ وعيش مترف، بل هي نتاج أيام بل شهور وربما سنين تجلدنا فيها. اشتد الساعد وتكاملنا لنصبح نحن. لحظة فاصلة وعمر فارق. نجاة أو نهاية.
الحياة أمامها تفتح أبوابها والموت الذي تمنته يبحث عن يدها. كابوس عمرها يدعوها إليه. شيطان لا يعرف الرحمة أو الشفقة، وعالم لم تختبره، ربما هو أقسى صورة. صفا المنكسرة بعد قوة، صورة ناشد وركلاته، بعد الأمان لكمات وصفعات عائلتها، بعد وفاة جدتها، إيذاء حاتم ابن عمها المتعمد لها دون أسباب.
لحظات وجدت فيها يدها تمتد لتتمسك بيدها، يشد عليها يتوسل في البداية، ثم بقوة ألمتها.
"أيه مش سامعاني ولا إيه؟ روحتي فين؟"
تصمت كعادتها. فيعود لنهرها بقسوة والكل حولها يراقب.
"أصل خايفة."
"أه يا هبلة اتكعبلتي في حتة عريس وأنا اللي بقول إنك قاعدة ومستنياني... أتاريني اتكلت على حيطة مايلة يا بنت عمي."
كانت مجرد ذكريات لصفا. ترى أين صفا الآن بعد مرور ثلاثة وعشرين عاماً.
عودة إلى الوقت الحالي.
دلف عليها ونظر إليها بوجه خالٍ من التعابير وأردف بنبرة رجولية خشنة.
"انتي مين؟ وإزاي تتجرأي تقعدي هنا في مكتبي السكرتير الخاص؟ لو من البنات اللي متقدمة للوظيفة فاعرفي إننا اكتفينا. اتفضلي اطلعي بره."
انتابتها نوبة العصبية المفرطة، ولكنها تمالكت أعصابها وردت ببعض من الهدوء.
"أنا فيروز السكرتيرة اللي تم اختياري إني أشتغل مع حضرتك. أنا عارفة إني مسبقش ليا إني أقدم، بس أنا معايا واسطة كبيرة أوي وده اللي خلاني أبقى هنا."
وتذكرت في حينها ما قالته لها خلود ابنة خالد ووجدان شقيقة زيدان من الأم عن هذا الشخص.
"ده اللي أقدر أوفرُه ليكي يا فيروز حالياً. عمو ناشد أؤكد ليكي إنه عمره ما هيخطر في باله إنك بتشتغلي عند سامر الخضري وده أمان ليكي انتي وطنت صفا. وبعدين سامر ده ابن أونكل سامر شريك بابا من زمان ولسه راجعين من الأرجنتين ومش معروفين في البلد هنا."
وجدته ينظر إليها بكل احتقار بعد أن أتاه اتصال هاتفي من والده، فتركها وانصرف.
لتحدث نفسها: "كان فيها لو كان أبويا ده راجل محترم زي عمو خالد أو حتى زي أبو سامر اللي كان واقف قدامي من شوية. اللهم لا اعتراض على حكمك يارب."
فاقت من شرودها على خروج مكتبه وهو يتحدث بصرامة.
"ادخلي نضفي المكتب ورتبي الملفات جنب بعضها والأوراق فوق بعضها مش عايز غلطة. مش معنى إنك متعينة هنا بواسطه تبقي سايبة."
أخذت تعبث بالأوراق تحت يدها بعصبية ومع ذلك تحدثت باحترام.
"حضرتك أنا مش ساعي مع احترامي برضه لشخصية أي ساعي في الشركة. بس أنا شغلتي هنا السكرتارية وبس. واللي جابني هنا فهميني كده."
رمقها بنظرات احتقارية، ثم وقعت عينه على الأوراق التي تقلبها بعصبية فتحدث بجدية.
"اتفضلي افحصي الملف اللي تحت إيديكي ده بدل ما انتي ناوية تقطعيه. لأن الملف ده مهم ممكن يوديكي السجن وبصراحة أنا بتلكك ليكي."
ثم استطرد باشمئزاز واحتقار.
"وياريت مش كل شوية تفكريني إنك جاية هنا بواسطه لأن ده بيقلل من قدرك وبيحسسني إنك ولا حاجة. أنا ببني الشركة دي مش بهدمها."
نظرت إليه بغضب، ثم حاولت قدر استطاعتها أن تهدأ قبل أن تتحدث.
"أولاً أنا مش جايه أشتغل هنا عشان أوقع الشركة لسيادتك. أنا كان ممكن أقدم على الشغل زي غيري. بس للأسف أنا لسه واصلة من بره قريب."
ضرب بيده على سطح مكتبها بقوة وأردف بحده.
"لا دي حجج وبعدين مين قالك لو قدمتي هنا أنا كنت هوافق عليكي. انتي تعرفي مؤهلات اللي اتقدموا هنا عاملة إزاي. بس اللي زيك مش بيفهم."
كادت أن ترد عليه بقوة ولكنها تذكرت أن عملها هنا المنقذ الوحيد من والدها، فطأطأت رأسها للأسفل قائلة.
"آسفة ولو حضرتك حابب إني مستلمش الشغل هنا مفيش مشكلة. كلها أرزاق. بس حط نفسك مكاني فرصة وجاتلك وأنت ضايع هتعمل إيه؟"
رمقها بغيظ.
"قصدك إني أطردك بره صح؟ انتي خبيثة أوي. وعندك حق لما تكوني مبعوتة تشتغلي عندي عن طريق شريك أبويا وصاحب عمره وأنا أطردك منظري هيبقى إيه؟"
ردت فيروز بذهول.
"يعني حضرتك مش هتطردني صح؟ ده كرم كبير منك حتى لو هتعمل ده غصبن عنك وهتتحملني الفترة دي. وصدقني هي فترة صغيرة."
صاح سامر قائلاً.
"أنا مش بصدق حد ولا بثق في حد فهماني؟ وبلاش جو الشحاتة بتاعك ده مش بياكل معايا. أنا آه تربية بلاد بره بس مش زيك يا حلوة تقدري تضحكي على الناس."
ردت عليه بخفوت ودموعها تسيل على وجهها بغزارة.
"لما هتعرفني كويس هتغير كل الكلام اللي قلته دلوقتي. أنا مش طالبة منك غير إني أشتغل هنا وأقدر أصرف على نفسي وعلى والدتي."
ثم استطردت بحزن.
"ما هو زي ما المصريين بيقولوا اللي ما يشوفش من الغربال يبقى أعمى ومتستغربش أنا أه تربية بلاد بره بس أمي معلماني عاداتي وتقاليدي صح."
أيام مضت بألف عام. التاريخ يعيد نفسه بأشكال عديدة. ثلاثة عشر عاماً قضتهم صفا يعتبرها الجميع حياة زوجية قصيرة، وهي تراها أطول من أي حياة. رأت فيهما من الكراهية والحقد ما لم يراه سواها، ورأت في عدة أيام أضعافاً من الجشع وظلمة النفوس.
عادت صفا ولم يلتفت أحد. انتقل شقيقاها للعيش معها دون دعوة كأن موافقتها أمر مفروغ منه دون أن تجرؤ على المعارضة. التزمت حجرتها لا يدخلها إلا الخادمة تأتي لها بالطعام، والذي كان من رصيدها المادي الذي استحوذوا عليه، حتى لاقت مصير من سبقوها وطردوها شر طردة، فأصبحت تبحث عن فتات طعامهم هي وابنتها فيروز ذات العشر سنوات حتى اشتد جوعهما. تبحث عن فتات أملاكهم... حقهم... بينما من لا حق لهم يلقون الطعام. حق دفعته من روحها وعمرها... روح تحملت الكثير دون شكوى.
عودة إلى شركة سامر ولكن في الطابق العلوي لها في الجزء الخاص بنور أمير نجم الدين ابن أمير صديق زيدان ونورا صديقة ريحانة.
"يا نور صباح الخير. الأول أنت أكدت عليا أول ما سامر يوصل بالسلامة أبلغك. هو وصل بقاله ربع ساعة وسكرتيرته الخاصة كمان."
رد عليها نور وهو يغمز لها بإحدى عينيه حيث كان يمتلك شقاوة نورا والدته.
"ماشي يا زوزو. نعم يا سادة فهي زينب ابنة زيدان وريحانة، فقد اختارها نور وصمم عليها أن تكون مديرة أعماله رغم إنه لا يحتاج، ولكننه يريد قربها منه."
"ممنوع تطلعي فوق أبداً. هنا سامر مش ابن خالك ده مستر سامر تمام كده يا ختي؟"
تقدمت من مكتبه ومالت عليه بإغراء وقالت.
"طب مش ده فعلاً ابن خالي؟ يرضيك مطلعش وأسلمش عليه؟ طب ده حتى وحشني أوي يا نور من آخر مرة أنا وهو اتكلمنا شات وعرف إني شغالة هنا وهو مقموص مني."
مشاعر متضاربة عصفت به بدءاً من قربها وعطرها الذي تضعه ويثير حواسه، مروراً بالغيرة التي استلبت بها عقله. حاول أن يكون جاداً معها.
"زينبببب! بلاش كده يا ماما لأحسن انتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه. وبعدين متحاوليش مش هصدقك. زوزتي لا يمكن تكلم حد غيري ولو حصل هتتعلق."
ضحكت زينب ضحكتها العالية ثم قالت.
"حاضر بس مش حاضر على كلامك. تؤتؤؤر.. حاضر على التعليقة. بقالك سنين تقولي هعلقك هعلق وكله كلام. نهار أسووح لا يكون كمان كلمة بحبك كلام. سلام بقى لأحسن بعد الكلام ده أكيد العواصف هتضرب في الأوضة دي."
خرجت من مكتبه لتجد أمامها سامر مبتسماً كمن رأى غايته ومناه، فهو يعشقها منذ الصغر ودائماً كان يعود إلى أرض الوطن ليقضي الإجازة معهم.
همست لنفسها بقلق وهي تراه مقبلاً عليها.
"هو إيه ده اللي نزله دلوقتي يا ربي. بقي أنا استخبيت منه في التواليت عشان مش يشوفني وهو طالع وتحصل مشكلة مع نور يقوم ينزلي بنفسه. يا ميلة بختك يا زينبو."
عودة لتذكر حياة صفا والدة فيروز مع والدها ناشد.
ذات مرة شك في أمرها أن تكون وشّت بها عند أحدهما. رجع غاضباً إلى منزله وأخذ يكيل لها الاتهامات أمام الجميع، حتى وصلا غرفتهما. لم يرحمها من تعنيفه، ولم ترحمهما النظرات، وإن كانت مشفقة عليها لتشعر بالمهانة أكثر. تبتلع المرارة لتمضي في الطريق المرسوم، وإن كانا مع الوقت وكثرة اعتماده عليها وصلا لطريقة مرضية لها في التعامل. تتوالى نصائحه بطباع البشر، يمنحها تعليماً موازياً وهو الأصعب، طبائع البشر جعلتها تكره الجميع. تحذر البشر فالبشر ما بين طامع وصاحب مصلحة، جعلها ترى الجميع بعينه.
عودة إلى زينب وسامر.
بالرغم من ابتسامته الساحرة وهو مقبلاً عليها، إلا أنه اقتضبها فجأة عندما رآها تخرج من غرفة نور وتجلس على كرسي السكرتير الخاص به. لم يتحدث معها، بل دلف إلى غرفة نور بدون استئذان وصاح وقد أظلمت عيناه بغضب في وجه نور.
"أنا مش فاهم إحنا شركاء في الشركة زينا زيك ومع ذلك انت من حقك تختار السكرتيرة اللي بره واللي هي بنت عمتي وأنا أولى بيها، بس إزاي لازم ألبس أنا واحدة مش عارف أصلها من فصلها."
طأطأ نور رأسه بخجل مصطنع وقال.
"أنا مش بإيدي حاجة يا سامر دي أوامر الكنج زيدان الجمال. هو أدرى وعارف بنته المفروض تشتغل فين. وبعدين كمان زينب راضية. أما بالنسبة للي فوق أنا مليش فيها ولا أعرفها."
سأله سامر بجدية وجمود.
"ويا ترى بقى الشغل اللي طلبته قبل ما أنزل تم ولا أنا هعمل كل حاجة بإيدي. ما أنا عارف إنك مش بتاع شغل. وقالوا بيقولوا عليا مدلع."
أومأ له نور عدة مرات بسخرية وقال.
"آه مدلع لأنك شايف الكل أقل منك. على فكرة اللي طلبته تم وكمان الشحن للأرجنتين يعني بصراحة انتي هتبدأي صفقات جديدة القديم خلص من قبل ما سيادتك تيجي."
ثم استطرد بحقد دفين.
"أنا عرفت كل حاجة عن ثريا. بقي مش عيب عليك تلعب معايا لعبة زي دي. انت مفكرني أهبل. آه أنا بتاع كلام لكن غلط زي اللي توقعته انسي."
رمقه سامر بنظرات قاتمة.
"متتكلمش على الغلط يا نور. انت عينك كانت هتطلع عليها وإحنا في الساحل وأنا من عندي سبتها ليك أصل أشكال ثريا دي متعجبنيش."
شعر نور أن ثريا حقاً مسكينة مثل ما سردت له، فأجابه بضيق.
"يا سامر حرام عليك البنت بتحبك ده غير إني مصدقها في اللي حصل بينكم. إيه يعني لما تتستر عليها وتتجوزها. انت عندك أخت وأعتقد متحبش إنها تبقى في نفس مكان ثريا."
كور سامر قبضة يده فهو لا يستطيع الخلاص من ثريا فما زالت تلاحقه. ليجز على أسنانه.
"كانت تحافظ على نفسها وهي معايا. أنا راجل زي أي راجل وهي كانت عارفة إيه اللي خنقني وفضلت تضغط لغاية ما طلعت أسوأ ما فيا."
هز نور رأسه بيأس ثم قال بلوم.
"انت برضه عليك اللوم يا سامر. ربنا عطاك كل حاجة وهي كل اللي عايزاه منك إنك تتقدم ليها زيها زي أي بنت وتتجوزها ويا سيدي طلقها بعد كده."
برزت عروق رقبته من شدة غضبه.
"أنا استحالة يكونوا أولادي من واحدة زي دي وبلاش نضحك على بعض يا نور أنا مش عيل صغير أنا ليا اسمي في السوق مينفعش أتجوز ويومين وأطلق."
واستطرد وهو يضغط على حروف كلماته رويداً رويداً.
"قفل على السيرة دي وقولها تبعد وتحمد ربنا إني مش هحاسبها بعد ما حكت ليك كل حاجة وخليها تحذر مني أنا ممكن أفضحها وانت شيلني من دماغك."
رد عليه نور بتهديد ووعد.
"هي عندها شهود يا سامر. انت نسيت إن اللي تم تم في الشاليه بتاع أبوها. والدادة بتاعتها كانت هناك وأنتم مش داريين. قابل بقى وشوف الفضيحة لمين."
كور سامر يده مرة أخرى وضرب نور في كتفه بقوة ثم قال بصوت مميت.
"طب يبقى يوروني هيعملوا إيه. أنا لو خايف هرجع الأرجنتين. أنا بقى قاعد لهم. وأوعى تفكر إن ده هيمنع جوازي بزوزو. لا انسي دي بتاعتي."
أيعقل أن يكون هذا الصراع على زينب الابنة المدللة لزيدان الجمال وريحانة الخضري. ريحانة التي عانت الويلات والتي بدأت أن تشفى من ندباتها على يد السيدة ياسمين والدة نورا صديقتها وجدة نور. تلك السيدة بمساعدتها أعادت ريحانة لطبيعتها القوية التي تضرب ولا تبالي، مما أسفر عن تطور علاقتها بوجدي والد ريحانة بشكل كبير خاصة وهو يرى تعلق ريحانة بها واللجوء لها دون غيرها، حيث اعتبرتها صديقتها المقربة وليست والدة صديقتها. كما أن وجدي أيضاً أحب وجودها في حياته وقد لفتته شخصيتها المرحة واللطيفة كثيراً، وهي أيضاً... كان إعجابها يزداد به في كل مرة تراه فيها. ولذلك لا نستغرب قوة نور بمرحه فهو حفيد تلك السيدة والتي ربته على يدها ليكتسب صفات أن يكون صاحب حق ويعطي الحق لمن اغتصب منه.
رواية غيبيات الفيروز الفصل الثاني 2 - بقلم مروة البطراوي
رواية غيبيات الفيروز الفصل الثالث 3 - بقلم مروة البطراوي
عقدت حاجبيها تفيق على هذا القول لتنظر إلى اسمها بالملف وهي تغلقه للتأكد أنه حتى لو تعافت مع اسمها تظل تلك اللحظة التي شهدتها منذ قليل عالقة بتفاصيلها. نقطة فاصلة كانت محور التحول بها.
كانت ستدخل حياته بكل أريحية ولكن هناك ندبة بشعة لا تشفى منها ولا يمكن تجاوز بشاعتها.
"متحاوليش لما تشوفيه تشرحي له الموضوع ريحان ظابط مبيحبش حد يجمل نفسه قدامه."
كان هذا حوار دار بين خلود وفيروز قبل التحاقها بالعمل في مجموعة زيدان التجارية. خلود من النوع الثرثار الذي يتكلم عن كل الأشياء والأشخاص دون حدود، وفيروز من النوع الذي لا يريد التفاصيل. تتذكر أن خلود كادت أن تكمل حديثها لتجد صوت فيروز الشارد.
"بقالنا شهرين ملناش كلام إلا على ريحان. انتي بتقولي ظابط يبقى هشوفه إزاي ودي مجموعة تجارية. أكيد أنا مش محظوظة عشان أشوفه في يوم."
وليلها. نعم فيروز محظوظة للغاية.
عادت فيروز إلى أرض الواقع وقررت مهاتفة خلود، ولكنها تذكرت أمر الهاتف الذي سقط منها، فنظرت أمامها بحزن وهمست بشرود:
"يا ترى حد هيفكر في الموبايل القديم اللي وقع على الأرض ولا هيكملوا دوس عليه بجزمهم. أتمنى محدش منهم ياخده ويصلحه ويوصله لي."
نظرت أمامها تهمس إلى نفسها:
"تفتكري يا فيروز ممكن هو ياخده ويصلحه ويعرف كل حاجة عنك؟ ولا لما يعرف حقيقة أبوكي هيعمل زيهم؟ دول مفكرين إن أبويا اللي بعتني."
تردد صوت بأذنها: "انتي ميؤوس منك." كانت قد قالتها خلود لها بقلة حيلة بسبب شعور فيروز بأنها ليست محظوظة.
عينيها لمعت لبعيد تتذكر ذلك اليوم، كانت مثلها قوية لا تهتز ثقتها. تجلس في بريطانيا تراقب السحب والأمطار والنجوم والشمس والقمر وكل ما هو بديع أمامها لتتساءل آخر اليوم وهي فوق الفراش:
"لماذا لا أجده بينهم؟"
نعم، فيروز تعلم الكثير والكثير عن ريحان ويمنعها عنه تاريخ والدها. أما عنه، فيحاول معرفة من هي التي سلبت كل شيء في نظرة واحدة.
ظلت حالة الصمت على وجوههم منذ لحظة مغادرتها المكان، الكل رفض الحديث والتساؤل على لسان ريحان، لينتهز سامر الفرصة ليتجه نحوه.
"عايز إيه يا ريحان؟ عايز تعرف دي مين؟ أنا أعرفها أنا جيت في يوم لقيت الهانم سكرتيرة عندي، وطبعًا بتوصية من أبويا عشان صاحبه."
تنهد زيدان بحزن قائلاً:
"خالد إيه عرفه بالأشكال دي؟ ولما هو عارفهم أكيد عارف إني ليا حسابات معاهم. للدرجة دي قبل إنه يدس البنت دي وسطنا؟ وديني لأطلع عينك يا خالد."
"انت أمير القلق"، فهتف:
"ماله خالد بأبوك دلوقتي يا سامر؟ مش أنتم فضيتوا الشراكة معاه؟ على حد سمعي أبوك اتخلى عنه، إيه اللي غير الوضع دلوقتي ممكن أفهم؟"
هز سامر رأسه بيأس قائلاً:
"مش عارف، بس هو من فترة رجع الشركة مع بابا وأنا مقبلتش إني أكمل معاهم وصممت أنزل مصر. ولذلك أول ما عرفت إن الزفتة دي من تبعه كان لازم أمشيها."
صاح به نور قائلاً:
"وإيه اللي سكتك للنهارده؟"
"أقولك أنا؟ انت كنت عايزها تنزل تشتغل تحت، وكنت بتتلكك ليها من تاني يوم. انت لو خايف على الشركة كنت اتكلمت."
زفر سامر بعنف ثم قال بتلعثم وارتباك:
"انت بتتريق عليا؟ طبعًا ما انت ليك الحلو كله، أنا أجي الشركة ألاقيك مظبط كله لنفسك وأنا آخد الزبالة. عمومًا أنا هقولك ليه، عشان أوقعك في شر أعمالك."
"انتابها الألم وهي ترى الخزي من ابن شقيقها."
"خلاص يا سامر انتهينا، اللي حصل حصل."
"أيوه انت ابن أخويا، بس ده مش يعطيك الحق إنك تكتم حاجة زي دي عننا. وبعدين لو بتتكلم عن زينب فهي خطيبة نور."
"هتف زيدان وهو يوبخها: "هو ده اللي ربنا قدرك عليها يا دكتورة."
"لأ معلش، أنا بنتي لسه محدش خطبها، ودي مجرد حجة إنك تبعد عنها. بس أنا راجل مش بخاف، ابقى بس فكر تطلبها للجواز يا سامر."
"رد عليه سامر بحنق: "خلاص أنا أصلاً مش عايزها، تاخد نور تاخد أي حد. اللي هجيبها تشتغل سكرتيرة ليا لازم تكون على مزاجي، محدش يفرض حد عليا. أنا مش أقل من غيري."
ثم أكمل بتساؤل:
"و انت يا حضرة الظابط ريحان لسه عندك أسئلة تانية تحب تستجوبني فيها ولا نقفل المحضر؟ مع إن المفروض أعملك محضر تعدي."
"عقد ريحان حاجبيه بتعجب قائلاً: "انت قد الكلام ده يا سامر؟ طب ما أنا ممكن ألبسك تهمة إنك كنت بتتحرش بالبنت الغلبانة وده سبب هجومي عليك. لم الدور يا حبيبي، انت مش قدي."
"قاطعه سامر بنفور: "خلاص عرفت، مفيش داعي تعرفني."
ليخرج من الغرفة كرياح غاضبة. تمنت ريحان في هذه اللحظة أن تغفل أقدام الجميع عن هاتفها الجوال، يكفيه سقوطه وتهشمه، تمنت أيضاً انفضاض المجلس. وبالفعل توجه أمير وزيدان إلى مكتبهم، وتوجهت زينب مع نور، لتبقى ريحانة معه تنظر بعينيها نحو الهاتف كأنها كانت تحميه من أقدامهم.
نظر ريحان إلى مرمى بصرها، وجدها تنظر بأمل يشع من عينيها، ليهبط إلى مستوى نظرها ويلتقطه، لتتسع ابتسامتها عندما تأكدت أنه لن يبني شكوكاً حول تلك الفتاة، فقد تكون مثلها تماماً.
ما جعله ينتهز الفرصة فور خروجهم من المكتب ويبحث عن الهاتف الذي أشارت له والدته بعينيها. جعله أيضاً يذهب إلى التوكيل الخاص به لتصليحه، وذهب إلى التوكيل خصيصاً لأن العاملين لديه لا يطلعون على أي أخبار موجودة، حيث كان حريصاً ألا يفقد معلوماته. وبالفعل في غضون يوم واحد تم تصليح الهاتف وأعيد مثل ما كان، ليبحث في دليل الهاتف ويتفاجأ برقم هاتف جده وجدي والد ريحانة. ليهاتفه من هاتف فيروز لعل يفهم تلك المعضلة الجديدة، لتجيبه إحدى العاملات في البيت وتخبره أنها والدتها. تذكر أن جده مريض ويحتاج إلى رعاية، وأن والدته بحثت عن سيدة تمكث به بالنهار، ولكن منذ أسبوع طلبت منها أن تقيم بالمبيت معه أيضاً.
"مط ريحان شفتيه باستياء واعتقد أن خالد زوج عمته يتولى أمر تلك الفتاة هي ووالدتها جيداً، حتى أنه بعث بها لتمريض جده، ولكن لما والده زيدان يكرههم إلى هذا الحد؟"
سألته صفا أين وجد الهاتف، حيث أخبرتها فيروز أنه سقط منها وهي تركب إحدى الحافلات، ولم تسرد لها الحقيقة بما دار في المكتب حتى لا تحزنها. أخبرتها فقط أنها لا تريد العمل، تريد عملاً آخر يريحها، وقررت أن تساعدها في تمريض وجدي.
أسبوع قضاه ريحان في حيرة، حتى أنه قام بزيارة جده وجدي وسأل عنها وعن والدتها في الخفاء. رد عليها وجدي أنها اختيار ريحانة. عاد إلى والدته محملاً بالأسئلة، لتستعيد جيداً الأيام التي كانت تبحث عن ممرضة وأتتها وجدان بصفا لترتاح إليها منذ اللحظة الأولى. ارتاح أيضاً ريحان إلى تلك السيدة عندما رآها بجوار جده، وإن كان ما زال يشعر بالكثير من الغيبيات التي تكمن خلف فيروز.
قررت ريحانة أن تستعين بنورا في هذا الموضوع، لأنها لو أخبرت زيدان سيقوم بطرد صفا من عند وجدي. وبالفعل اتفقت نورا مع وجدان وغفران أن يزوروا صفا في بيتها ويقوموا بالتحدث معها، لتفهم نورا من تكون فيروز.
"افتحي الباب يا فيروز. يا ترى مين جاي لينا في الساعة دي. جيب العواقب سليمة يا رب، وميكونش بابا وجدي جراله حاجة. أنا عيني الشمال بترفر."
"احتلت تعابير الفرح وجهها عندما رأت وجدان والدة صديقتها تتحدث معها بمرح، حتى أنها تناست أمر أن يكون معها أحد، وكادت أن تغلق الباب. لتضربها نورا على كتفها قائلة: "مش تشوفي حد مع طنط وجدان ولا لأ يا بنتي؟ ده انتي كنتي هتقفلي الباب على صباعي وأنا صباعي صغنون. صدق ابني نور لما قال عليكي هبلة."
"عقدت فيروز ما بين حاجبيها مستغربة، لتدفع نورا الباب وتدلف إلى البيت لتتحدث فيروز بصوت عالٍ، حيث أنه لا وقت لهذا المزاح: "مين الناس دول يا طنط وجدان؟ دي مامت نور؟ التانية بقت متقوليش إنها مامت سامر. طب الست هانم والدة ريحان محضرتش معاكم ليه؟"
"خرجت وجدان عن صمتها ومسحت على عينيها: "إزيك يا فيروز. أنا عارفة إني مقصرة وإني سبب سوء التفاهم اللي حصل معاكي، كان لازم أوضح أنا وخالد انتي مين بالظبط. دي غفران أختي."
"عبست فيروز قائلة: "أهلاً، بس مش فاهمة، يعني حضرتك طبعاً أنتم مرحب بيكم في أي وقت، بس إيه سبب الزيارة؟ أنا رجوع الشغل مش راجعة بعد الإهانة اللي حصلت معايا."
"انفجرت نورا من شدة الغيظ من فيروز، فهي تشبه ريحانة كثيراً، فردت عليها نورا بسخرية: "أهي دي سبب الزيارة. إحنا لما بنتسبب في إهانة حد زي ما بتقولي بنروح نعتذر ليه. وعلى فكرة أنا جايلك من طرف ريحانة ولازم تقدرى ظروفها."
"كادت فيروز أن ترد عليها بعنجهية، ولكن خاب أملها عندما خرجت لهم صفا تنظر لها بجمود على سوء ترحيبها لهم: "متحاوليش... يا دكتورة نورا. أصل فيروز بايخة حبتين ومتكبرة، دي حتى مش حكت ليا على كل اللي بتقوله ده. بس أنا خلاص فهمته أوى."
"حركت فيروز كتفيها بيأس قائلة: "ماشي يا ماما. أنا برضه هوضح لك. أنا عشان اسمي فيروز ناشد البيسي أبقى مجرمة وممنوع حد يدافع عني حتى لو كان ظابط، والظابط ده يكون ابن الباشا زيدان."
"اتسعت ابتسامة غفران وتحدثت بحنو: "طب مش تقولي كده يا بنتي من الأول. أهو ابننا حاول يدافع عنك وما زال، يا ستي اتفضلي موبايلك أهو متصلح في التوكيل كمان. إحنا عندنا كام فيروز."
"لوت نورا شفتيها وهي تشاهد غفران تحاول تسيير الأمور، لتتحدث هي بجدية قائلة: "عملتي إيه انتي بقي لحظة ما الكل اتكلم عليكي؟ هقولك أنا، هربتي ومحاولتيش تدافعي عن نفسك. وده غلط. نصيحة مستقبلية بلاش كده."
"تذمرت فيروز واغتظت من ردود نورا، لتحاول وجدان إرضاء الجميع قائلة: "يعني أنا بس عايزة أوضح حاجة يا نورا، معلش الغلط غلطي أنا وخالد، إحنا نزلناهم مصر معانا، وده رد جميل للي صفا عملته معانا، بس كان لازم قبل ما نحطهم في أي مكان نوضح للكل هما مين."
"تصنعت فيروز الابتسامة قائلة: "حلو أوي كلامك صح يا طنط وجدان، بس هسأل برضه، لو كانوا عرفوا إحنا مين، كان الباشا زيدان هيقبل إني أشتغل في شركاته؟ والست ريحانة هتقبل إني أمي تمرض أبوها؟"
"ابتسمت صفا بهدوء قائلة: "طب ما هي ريحانة عرفت من قريب أنا مين. والشهادة لله موقفها كويس جدا معايا، هو بس موقف زيدان وأنا مقدرة أبوكي كان هينهيه في يوم من الأيام."
"عقدت فيروز حاجبيها بذهول قائلة: "انتي بتقولي إيه يا ماما؟ هي ريحانة عرفت إن انتي الممرضة بتاعة جدو وجدي؟ طب وعرفتي منين؟ من اللي صلح الفون صح؟ يعني هو كمان عرف؟"
"زفرت وجدان بحنق، حيث أن فيروز من النوع الذي لا يمرر شيئاً مرور الكرام: "إيه يعني لما يعرف؟ طب ما أنا زمان اتجوزت جوزي وهو عارف عني وعن حياتي بلاوي وهو كمان. مفيش حد كامل يا فيروز. كلنا عندنا مشاكل."
"تذكرت فيروز مواصفات ريحان التي تمنتها، رغم تأكدها أن رجلاً بعمله لا يلائمها يوماً ما. تنهدت بقلة حيلة قائلة: "شكلي أنا بس اللي مشاكلي عمرها ما هتتحل. أنا أبويا مجرم. وصمة عار حتى لو هشتغل في مكان محترم. أنا مقدرة وجودكم وتعاطفكم."
"ردت نورا بسخرية وهي تضع يدها في خصرها بغيظ: "هو إحنا جايين ليكي عشان تقولي مقدرة تعاطفكم؟ لأ طبعاً، إحنا جايبين عرض شغل ومكان نضيف كمان عندنا في المصنع أنا وريحانة."
"ردت فيروز بتوسل قائلة: "يا جماعة والله ما هقدر أشتغل عند حد من العيلة دي أبداً. أنا انجرحت في يوم وليلة. آه كنت متوقعة بس كنت بكابر وأقول لما يجي اليوم ده هكون قوية."
"كانت وجدان مستشعرة حجم صدمة فيروز ومواجهتها السريعة، فنهضت وتوجهت إليها تربط على معصمها: "قولتي قبل كده لخلود إنك هتنحتي في الصخر وهتوصلي وهتعرفي الكل إن فيه فرق بين فيروز وناشد البيسي، ومش وحش إن بداية الطريق تكون مواجهة زي دي."
"نظرت فيروز إلى والدتها التي كادت أن تتحطم أمامها لأنها لا تمتلك غير قلة الحيلة التي تقدمها لابنتها، فردت قائلة: "موافقة، بس سامر الخضري يعتذر لي قدام الكل، ومفيش حاجة اسمها إني أشتغل عند ريحانة من غير ما زيدان باشا يعرف. لأ لازم يعرف."
"حقا توجد حزمة من الضباب تعمي هذه الفيروزة. أحمق من يتهم القدر... وهي اتهمته، بل واتخذته شماعة تعلق عليها هزى خطواتها... انزعاجها من نعيق الغربان الذي تسبب لها والدها بسماعه داخل رأسها لا يعطيها الحق كي تخرجه لمن حولها... فقد دس أفكاره السامة في رأسها بدل ما أن يدس أفكاراً جيدة تكون نفعها الوحيد. جعلها كالبحر الهائج ناقم على كل شيء جيد يراه، دائماً سيء وبشع، وها هي الآن تطلب طلباً يكاد أن يكون مستحيلاً."
"جحظ كلاً من والدتها وغفران ونورا ووجدعان من مطلبها وهو اعتذار رسمي من سامر، واحتاروا فيما يردوا عليها خاصة أنها اعتبرته قراراً نهائياً."
"غمزت لهم نورا أن ينصرفوا ويتركوها لأنه لا يوجد رد."
"ذهبت نورا إلى ريحانة وأبلغتها بقرار فيروز وهي تمصمص فاها وتمط شفتيها تسخر من حال فيروز: "يا عيني الواد ابن أخوكي يا ريحانة، الظاهر كده خلي البت اتلحست وطالبة اعتذار."
"صدرت من ريحانة حركة لا إرادية، حيث صَفقت على يدها بفرحة شديدة مع جملة معاكسة لصديقتها نورا: "ودي بقى ست العاقلين. البنت الصح يا نورا هي اللي متقبلش على كرامتها الإهانة مهما كان وضعها إيه."
"كان يهبط درجات السلم المؤدي إلى تلك الجلسة، حيث علم من الخادمة أن نورا بالأسفل. أخذ يعدل من البارييه الخاص به ليبدو أكثر وسامة قائلاً: "مش تقولي يا ماما إن أم نور هنا؟"
"كانت نورا تبتسم منذ لحظة إقباله عليهم، ولكن اختفت الابتسامة من على وجهها عندما قال أم نور، لتهتف بغضب: "أنا اسمي طنط نورا يا ريحان، بلاش جو أم وأب ده يا حبيبي."
"تعالت ضحكات ريحانة قائلة: "أنا مليش دعوة ابنك يا ستي، وانت اللي مربياه، إن شاء الله يقولك يا جدتي."
"تقدم ريحان وصافح نورا بحنان قائلاً: "ما هو مينفعش ظابط ملوى هدومه زيي يقولك أنطي. طب ده حتى يبقى شكلي يضحك ساعتها. المهم طمنيني، عملتي إيه مع فيروز؟"
"لوت نورا شفتيها بامتعاض قائلة: "فيروز! الهانم عايز سي سامر يعتذر لها. ووو"
"أوقفتها ريحانة قائلة: "حقها يا نورا، والمفروض الكل يعتذر ليها، انتي مشوفتيش نظرات الاتهام كانت عاملة إزاي في المكتب ليها."
"كادت أن ترد نورا لولا انتباههم لخروج ريحان مسرعاً لا يعلمون إلى أين هو ذاهب."
رواية غيبيات الفيروز الفصل الرابع 4 - بقلم مروة البطراوي
رواية غيبيات الفيروز الفصل الخامس 5 - بقلم مروة البطراوي
لم تتزوج بعد؟!!! لعنه...؟! كارثه...! ندبه هي في حياة أهلها بعد الذنب الذي اقترفه سامر في حقها، بل وهي التي ساعدته على ذلك عندما أعطته أغلى ما تملك.
أصبحت بقعة سوداء في تاريخ عائلتها المشرف عميق البياض. كانت هكذا لعام، لم تكن تحسب عمرها، أيام وشهور تتراكم فتتحول لسنة. ترى عمرها يتسلل هارباً وهي لا تقوى على اللحاق به.
حاول نور رسم ابتسامة حنونة على وجهه.
"بصي يا ثريا، اللي حصل دلوقتي في حد ذاته في صالحك. كونه إنه يرجع ويستقر في مصر ده كويس جداً بصرف النظر بقى هو راجع ليه."
ركزت ثريا بصرها نحو نقطة معينة ألا وهي صورة زينب الموضوعة على مكتبه.
فتابع نور بيأس:
"طب ليه عايزة تاخديها بذنب. هي كانت ضربتك على إيدك، بالعكس هي حذرتك منه كتير وأنتي فكرتيها غيرانة منك، وهو كان فخ ليكي. بس متقلقيش، هي وأنا هنعمل حاجات تخليه يجي راكع."
انتبهت ثريا لما يقوله نور وهتفت بأمل:
"هو ممكن يتجوزني يا نور صح؟ بص أنا مش عايزاه طول العمر، بس شهر واحد وأنا بنفسي هطلب الطلاق، بس علشان عيلتي والفضيحة."
طأطأ نور رأسه وتحدث وهو يهزها:
"لا متقلقيش، الموضوع مش هيوصل لفضيحة إن شاء الله. هو بس في مشاكل ظهرت لينا إحنا كعيلة نخلصها بس وأنا هظبط مشكلتك مع سامر. بس نخلص من المصيبة اللي حطنا فيها أبوه، الشركة عليها ديون، غير إن جد سامر تعبان ومريض."
انتبهت إلى مسألة الديون، وأنها كانت معضلة سوف تقوم بحلها، كل ذلك في سبيل الضغط على سامر لكي يتم زواجهم.
"خد يا نور، كل حاجة عندي. أنا ممكن أبيع كل الدهب والألماظات اللي بابا جابهم ليا. وممكن كمان أبيع شاليه الساحل لأنه باسمي أصلاً، أنا بقيت بكرهه."
تنهد نور بعمق قائلاً:
"أنا مقدر الحالة اللي انتي فيها يا ثريا، بس صدقيني اللي بتقوليه ده مش حل. وبعدين إحنا عايزين نجيبه ليكي وهو عارف بقيمتك، مش مجرد سد خانة."
تمسكت ثريا بحقيبتها خوفاً، لأنها تعلم جيداً ماهية سامر، فهو مثل الثور الهائج الذي لا ينكث رأسه لأحد أبداً.
ليعقد نور ما بين حاجبيه:
"في إيه مالك خايفة كده ليه؟ هو في حاجة حصلت تاني بينكم؟ لو في قولي علشان أبقى على نور وأنا بكلمه كويس، غير إني هصعد الموضوع لعمي زيدان."
وكأنها كانت تشعر باقتراب سامر، حيث علم من أحد موظفيه الذي عينهم جاسوساً على نور أنها هناك، وسرعان ما عاد إلى الشركة بعد انصرافه منها.
صاح سامر قائلاً وهو يضرب يده بالحائط بقوة:
"ابعد إنت عن الموضوع ده يا نور. كل ده علشان خايف مني لا آخد زينب منك. بس هيحصل اللي عملته في ثريا، هعمله في زينب وهكتفك ومش هتقدر تتصرف."
ثم أخذ يهتف بهستيريا:
"ولو ما خضعتش ليا هقتلها علشان متكونش لا ليك ولا غيرك، إنت فاهم؟ زينب دي بتاعتي أنا، إنت بقى حابب ثريا خدها يا نور، إنت كده كده من بره العيلة."
رغم الخوف الذي تملك ثريا، إلا أنها ردت بشجاعة:
"اسكت بقى، إنت إيه يا أخي شيطان! لا ومش هامك ومش خايف لا يجي حد فجأة ويسمعك وإنت بتعترف. أحمد ربنا إن كل ده مش متسجل."
اندفع سامر نحوها يهزها بعنف:
"بقي إنتي هتقدري تسجلي ليا يا ثريا؟ طب ما إنتي سجلتي قبل كده، عملتي إيه؟ كل اللي قدرتي عليه إنك قلتي إن معاكي تسجيلات بس مكسوفة حد يشوفهم."
انسابت دموعها على وجنتيها دون إرادتها:
"متجبش سيرة الإحراج يا سامر، أنا اللي زيي معدش بيتحرج. أنا اتفضحت واللي كان كان وإنت السبب. مش هنكر إني ساعدتك، بس إنت لازم تتحمل النتيجة."
اقترب منها سامر أكثر وهو يهمس بجانب أذنها بنبرة تشبه فحيح الأفعى:
"طب مش هتحمل حاجة وهبعتلك عريس إنما إيه صعب أهلك يرفضوه، ولو رفضتيه هبعتلهم اللي يقولهم إنك بترافقي شباب وشوفي إنتي بقى هيحصلك إيه."
انتظره نور حتى يفرغ شحنة غضبه دفعة واحدة، كان خلالها يتم تصوير كل شيء من خلال الكبس على زر أسفل مكتب نور.
توجه إليه نور مهدئاً إياه قائلاً:
"اهدي، العملية مش مستاهلة كل النار والغل اللي إنت فيهم ده. دي جايه وعرضت عرض كويس علينا، تخلصنا من ديون أبوك مقابل كتب كتابك عليها."
ثم تمتم نور بخفوت:
"إنت كل اللي هتعمله تتجوزها في السر وتطلقها، ولما حد يسألها يا سيدي هي هتقول إن أبوك كان رافضها. بسيطة أهي بس علشان تعرف تتجوز تاني."
استمعت إلى كلمته الخافتة واختنقت بعبراتها. فتنحنح نور بارتباك قائلاً:
"معلش يا ثريا، ده الحل اللي أقدر أقدمه ليكي وأدعي إن سامر يوافق. أهم حاجة الموقف يتحل، مش مهم بقى إنه هيبقي في صالح مين، ويا ريت متجيش هنا تاني."
عادت ثريا إلى منزلها، ولكنها توقفت في منتصف الطريق وخالفته، حيث ذهبت إلى الساحل لتستعيد ذكرياتها مع سامر.
"يا ترى يا ثريا أنا لو اتقدمت ليكي باباكي هيوافق عليا؟ خصوصاً إن أهلي كلهم بره يعني صعب حد ينزل منهم في الفترة الجاية وأنا بحبك."
كان يتحدث معها وهو يجلس بجانبها على الأريكة بكل أريحية كأنه منزله.
أسندت ثريا رأسها على صدره وقالت بشرود:
"بتخيل اليوم اللي هييجي فيه باباك ومامتك ويخطبوني، ساعتها الدنيا مش هتسيعني من الفرح. إحنا الاتنين بنكمل بعض، أنا ما صدقت تفهمني."
ربت على كتفيها برقة ثم ضمها بقوة إليه قائلاً بنبرة متيمة:
"وحبيتك كمان. بس إيه رأيك نتجوز عرفي على بال ما يجي اليوم ده؟ أنا مش قادر أصبر أكتر من كده. وبعدين العرفي زي الرسمي مش فارق."
عقدت ثريا حاجبيها باستنكار وهتفت بلوم:
"هو ده مقامي عندك يا سامر؟ اخص عليك! طب هنقول إيه للناس؟ وخصوصاً زينب بنت عمتك دي أكتر واحدة هتشمت إننا اتجوزنا بالشكل ده."
ضربها سامر بخفة على جبينها، وهذا كان ظاهرياً، أما ما في باطنه يريد صفعها لترضي.
"متشمتيش، إنتي يهمك مين؟ أنا ولا هي. زينب هتموت وأبص ليها، بس أنا بعتبرها زي سمر أختي، مش ذنبي بقى هي عايزة إيه مني. وبعدين إنتي كده هتكسريها."
أغمضت ثريا عينيها:
"عمر ما جه في بالي إن زينب وحشة كده، كل السنين دي بتغير مني وأنا معرفش. لولاك إنت يا سامر نبهتني، لا وكانت بتبعدني عن نور."
انتهز فرصة حقدها على زينب واقترب منها يقبل عنقها ويضع يده على شفتيها المنتفخة من إصرار تقبيله الذي امتد إلى شفتيها.
ثم همس أمامهم:
"طب ما تقربي مني أكتر يا ثريا، أنا هخليكي ملكة على كل دول. عارف إنك لا يهمك فلوس ولا مركز، إنتي عايزة حب وأنا هعطيكي قلبي."
وضعت يدها على شفتيه بعفوية قائلاً:
"أنا عايزة قلبك ليا العمر كله، أوعي تحب غيري يا سامر، ولا تسافر في مرة وتتجوز هناك، ساعتها أنا ممكن أموت بحسرتي، هنتحر يا سامر."
نظر إلى عينيها بتمعن:
"بعد الشر عليكي يا حياتي، هو حد يقدر يخرج روحه من جسمه؟ وأنا عمري ما هخرجك من قلبي، وكل إجازة هكون هنا، ويمكن أجي في نص السنة كمان."
هتفت ثريا ووجهها مشرق للغاية:
"آه ياريت، أنا أصلاً بقيت بمل وأنا لوحدي، خصوصاً إني قطعت كل أصحابي وبابا وماما ديما مشغولين عني بمشاريعهم اللي مش بتخلص."
ابتسم سامر بسرور حيث وصل إلى مبتغاه:
"هو ده الكلام. أنا أصلاً مش عايز مراتي تكون مختلطة بحد، حتى زينب بنت عمتي مضمنش أخلاقها إيه، إنما إنتي مخلصة ليا وأنا هكون مخلص معاكي."
أغرقها بقبلاته في كل جزء من وجهها:
"أنا مش عايز أسافر تاني من يوم ما عرفتك يا ثريا. بس أعمل إيه حكم الشغل. أهم حاجة اللي بينا ده محدش يعرفه. مبحبش أسراري تخرج بره."
عودة إلى الحاضر المؤلم. همست بندم جعل قلبها يحترق ألماً:
"ياريتني مت قبل ما يحصل اللي حصل. ربنا ياخدني أنا خاطية وغلطانة إني صدقته. كل ده من حقدي على زينب علشان أهلها مهتمين بيها."
"شقيقته... تؤامته! يعود المظلوم كي يثأر من الظالم في عدالة إلهية. قابل طلبها وتوسلها بحنق وغرور. حقاً هي بلهاء، خضعت تحت تأثير إكسير الحب الساذج الذي يصدقه العامة. والثورة التي حدثت منه في المكتب منذ قليل ما هي إلا لحظة فساد ابتدعها رجل فاسد يشعر بالحقد.
في البداية واجهته بنظرة خرساء، لأنه أصبح يتحدث بالكثير عليها. هي بالنسبة له مجرد امرأة تم استهلاكها آلاف المرات، حتى محيت كينونتها... أحلامها... حريتها... حتى هو يحادثها مثل جماد لا يستحق الاهتمام، شيء سيستمتع به ثم سيقتله بعد قليل.
نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة وعينيها تلتمع بضوء شمس ميت:
"أنا ثريا... والله لا أدمرك يا سامر وفي أختك التوأم."
انتهت من وعيدها وأغمضت عينيها لتتخيله يثني يديه ثم يهرس عنقها في لحظة، كأنه لم يكن لديه وقت لإعداد حبل مشنقة. أخذت تراقب المشهد الذي رسم في خيالها، وهو يكسر عنقها سريعاً، وكأنها طعام سيء المذاق. على أي حال فاقت من خيالها وفتحت عينيها لتتأكد أنه ضعيف ولم يجيد يوماً التعامل معها، فقد فقد مكره وخبثه."
************************************************
عادت فيروز إلى منزلها وجلست تهمس إلى نفسها بحيرة:
"يا ترى هو اللي بعت مامته تتكلم بعد ما شاف مني الوش الخشب؟ ويا ترى فعلاً هو مش عايزني سلمة علشان يوصل لناشد؟ ويا ترى لما أروح أشتغل عند ريحانة هو هيجي هناك ويشوفني؟"
دلفت إلى غرفتها ولكنها توقفت تسأل نفسها:
"ماما في كل مرة أقولها بلاش الناس دول تقتنع بكلامي. اشمعنى المرة دي متعاطفة مع ريحانة وابنها؟ أنا خايفة تكون بتحطني في طريقهم علشان يوصلوا لناشد."
انتهت صفا من عملها وعادت إلى منزلها لتجد فيروز تقف في منتصف غرفتها تسأل هذا السؤال، لترد عليها من خلفها بثبات:
"تعالي نحط إيدينا في إيديهم يا فيروز ونحاول نوقعه ويتسجن ونخلص منه، وبكده هنقدر نعيش حياة من غير خوف. اسمعي كلامي المرة دي."
عقدت فيروز ما بين حاجبيها وازداد استغرابها من والدتها، لتستطرد صفا بيأس:
"إنتي مستغربة ليه يعني؟ آه كنت بخاف وأبعد لما أعرف إن في حد عايز ينتقم منه عن طريقنا. ما عدا خالد أبو خلود لأن الراجل ده اللي ساعدني، بس ده ريحان وضابط وده تخصصه."
ردت عليها فيروز بحيرة:
"في حاجات قلقاني منه النهارده، هددني وقال لي لو مفيش تحالف بينا هيسلمني لبابا. إنتي مش خايفة من كده؟ إنتي لسه قايلة ظابط يعني لاغي مشاعره."
ضحكت صبا بسخرية وألم قائلة:
"عارفه يا فيروز، إنتي رغم قوتك اللي ظاهرة للناس بره، إلا إن تفكيرك ضعيف وهش يا بنتي. ده ظابط، اتفاقه سيف بالنسبة له، وبعدين لغاية دلوقتي هو مكلمنيش في حاجة."
هزت فيروز رأسها برفض، فأتاها رد والدتها بجمود:
"كان جاي يتفق، بس إنتي حاولت تلفتي انتباهه وجريتي على بره علشان يجي وراكي. أسلوب رخيص منك معجبنيش، ولولا عم وجدي كنت فرمتك."
اعترتها الصدمة من فهم والدتها لتفكيرها وتساءلت:
"فين لفت الانتباه في الموضوع يا ماما؟ دخلت أوضة جدو وجدي ومعرفش إنه فيها واتخضيت. الورد وقع من إيدي والأستاذ المحترم جه شاله ولمس على إيدي."
اللمعت الدموع في عيني صبا قائلة:
"هحكيلك حكاية صغيرة تعرفك مدي ثقتي فيهم. أنا كنت زمان زميلة ريحانة ونورا، بس كنت بحب واحد. الواحد ده خطب ريحانة، بعدت عنهم بغبائي والنتيجة كانت قدامي، يا ابن عمي يا أبوكي."
واستطردت شارده تسرد لها موقفاً حدث لها في الماضي:
"لازم يعني أتجوز؟ أنا ممكن أشتغل وأغطي مصاريفي. أو أكمل تعليمي، آه الكلية عطتني فرصة تانية بعد تأجيل للسنة اللي فاتت. وبلاش الجواز ده."
كان لها شقيق يتميز بالطيبه، ولكن هو واحد أمام ثلاثة أشقاء جامدين القلب. رد عليها وهو يشعر بالألم الشديد على حالتها:
"ما إنتي عارفة يا صفا إنهم أصلاً كانوا بيعلموكي بالعافية وما صدقوا إنك تخرجي برغبتك، واستحالة هيرجعوكي. وابن عمك ما صدق."
ثم أكمل وهو يمسك يديها برقة:
"عشان طبعاً ياخد ورثك من أبوكي ويحطه في جيبه، وفي نفس الوقت ناشد اللي ظهر فجأة ده، أنا مش مرتاح ليه، بس أحسن من ابن عمك."
وضعت يدها على وجنتيها تكاد تقتلعهم من أثر الندم أنها تركت جامعتها:
"ربنا ياخدني، أنا اللي عملت في نفسي. كاده مكنش لازم أسيب كليتي. يلعن أبو الغيرة اللي خلتني أدمر نفسي بالشكل ده. أعمل إيه أنا دلوقتي."
كان شقيقها مريض قلب يشعر بدنو أجله، فرد عليها:
"لسه برضه بتدعي على نفسك بالموت يا صفا؟ مش إنتي وعدتيني إنك مش هتعملي كده تاني. إنتي عايزة تحسريني؟ مش كفاية اللي أنا فيه؟"
هزت رأسها موافقة رأيه بصمت قائلة وهي تربت على كتفه:
"طب خلاص أوعدك، دي آخر مرة مش هكررها تاني وهفكر في موضوع ناشد ده، بس كان نفسي أنا وهو ناخد وقت في الخطوبة نتعرف."
عودة إلى فيروز:
"يعني لما اشتغلتي عند جدو وجدي كنتي عارفه إنه أبو ريحانه؟ طب وهي؟"
"مكنتش تعرفني، حتى نورا لما جت البيت ما افتكرتنيش. أمك شكلها اتغير واتبهدل."
************************************************
على الجانب الآخر عند نورا وغفران. أرادت نورا بعد معرفتها الأمر من ريحانة أن توضح لغفران من هي صفا ولما هي نظرت بحزن عندما ذكر اسم قصي وأنها زوجته:
"صباح الخير يا غفران، أنا عارفة إني اتأخرت عليكي من أيام ما كنا عند صفا وفيروز، بس كنت حابة أعرف وأتأكد وأعرفك ليه وشها اتقلب لما عرفت إنتي مرات مين. بصي، الموضوع مش مستاهل، هي كانت زميلتنا."
ردت غفران بعبوس:
"ومفيش بينها وبين قصي أي حاجة صح كده؟ طب ليه مقولتليش وقتها يا نورا؟ ده ماضي عمره ما هيفرق بالنسبة ليا، بس شكله فارق ليها هي وحاسة إنها مش بتنسي."
ردت عليها نورا وهي تضربها على فخذيها بخفة ومرح:
"صباح الخير يا بنتي، هو حد لسه فاكر حاجة من الماضي ده؟ لو الكل فاكر كان فات. كلنا ضايعين وأولنا ريحانة يا بنتي، إحنا كلنا اتجبرنا ننسى. أنا كمان نسيتها، ولولا إني شبهت عليها ما كنتش سألت ريحانة عنها، حتى ريحانة افتكرت بالعافية وصفا اللي قالت ليها."
واستطردت نور وانتهزت الفرصة لتقول بتردد:
"هو جوزك هنا يا بت؟ لا يكون هنا نهار أسوح. الوحيد يا أوختي اللي من الماضي مش بيتنسي بعميله الرخمة اللي زيه، والله لو سمعني هيكحتني."
كان يقف قصي خلفها. حك مقدمة رأسه بتفكير وقال:
"بس أنا تبت إلى الله وكل يشهد بكده. مش مشكلتي بقى إن إنتي ولا صفا مش بتنسوا. ومع ذلك أنا بعت غفران معاكم تساعد صفا وأنا عارف إنها هي."
واستطرد بحزم:
"واسـمعيني يا نورا، لما تكوني إنتي اللي مأذيتكيش ولا جيت جمبك بتقولي كده، أومال اللي أذيتيهم يعملوا إيه. أرجوكِ تساعديني بدل ما إنتي ديما واقفة في طريقي."
÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷÷
كان يعاتب نفسه بعد ما علم بخيانة شقيقه للعائلة. كيف له أن يغفو عن مراقبتهم ولو للحظة، كان عقله يعمل دائماً ولكن أراد استراحة قليلة.
تنهد بعمق شارداً في الفراغ أمامه. بهذه الفعلة جبروته وسيطرته تم انتزاعهم وانتهى. رقد في جوف الأرض كالنساء يشعر بالتعاسة. ليدنو منه أمير بحنو الأشقاء قائلاً:
"إنت تشكر على السنين اللي فاتت دي كلها وإنت حامينا وواقف في ضهرنا. رغم إن الحرب كلها ضدك والأمر سهل، إنت تقدر تخطط من جديد وترجع كل حاجة. إنت زيدان سيد الرجال، القائد بتاعنا."
رواية غيبيات الفيروز الفصل السادس 6 - بقلم مروة البطراوي
نهض زيدان وتوجه إلى منزله لينعم بالراحة في عدم وجود أحد به، ولكن تفاجأ منذ لحظة دخوله برائحة يشتهيها. تقدم إلى المطبخ يريد معرفة من يقوم بطهي البطاطا، ليتفاجأ بها.
تواليه، ظهرها ينخفض بجسدها إلى الأسفل، حيث أسفل الموقد تغرز السكين في إحدى أكواز البطاطا لترى هل نضجت أم لا. يراها كما لو يراها منذ عشرين عامًا، شابة يافعة لم يغير الزمان من جمالها. ارتفعت بجسدها والتفتت لتجده أمامه. تركت ما بيدها واتجهت نحوه تعانقه، وهو ما زال على حاله من الجمود، ولكن لا يستطيع مقاومة أحضانها. بل شدد عليها قائلاً:
"إيه اللي رجعك بدري النهارده؟ وحشتك؟ ولا نفسك فيا؟"
قبلته من جانب وجهه قائلة:
"كنت عند بابا الصبح وصفا كانت شارية بطاطا، أخدت منها شوية وافتكرت عشقك ليها، قلت أرجع وأعملهالك بإيدي. ونأكل ونلغوط سوا. وعلى فكرة البطاطا عاملة زي حبيبتك، مستوية على الآخر ونفسها تقطمها بالراحة زي زمان يا زيدان. فاكر ولا إن كنت ناسي أفكرك بكل لحظة ما بينا سوا."
تخشب جسده عند سماعه لاسم صفا، وجز على أسنانه قائلاً:
"متجيبيش سيرتها قدامي يا ريحانة. كفاية أنا اللي فيا مكفيني. اتكلمي عن البطاطا أرحم. على الأقل بتفكرني بيكي يا عسل."
تنهدت ريحانة بعمق وحاولت تهدئته قائلة:
"ليه يا زيدان؟ دي مستعدة تساعدنا حتى لو أدى الأمر ترجعله. بالله عليك الرحمة معاها. انت عمرك ما كنت قاسي."
زفر زيدان بحنق قائلاً:
"شكراً لخدماتها وقفلي على الموضوع. وخليني في اللحظة اللي بتمناها من زمان. أنا ما صدقت أرجع ألاقيكي قدامي ولوحدك."
كادت أن تتشعب في الموضوع وتقنعه، ولكنها عدلت عن ذلك وسوف تختار وقتًا آخر. تمرغت في أحضانه وتلاعبت بأزرار قميصه:
"مش هتكلم، أهم حاجة إنك تبقى معايا وترمي ورا ضهرك كل الهموم. أنا عارفة إزاي أخليك تنسى وتفتكرني أنا وبس يا زيدو. إموواااه. وحشتني موت."
بالفعل نجحت ريحانة في قلب الأمور وتحويله من حالة الجمود إلى حالة الليان والانسيابية بين يديها، عندما خلعت عنه قميصه وأخذت تقبله بكل جرأة.
***
بالخارج، عاد كلا من ريحان وزينب، ولكن كانت زينب بصحبة نور. ليزفر ريحان فور رؤيته:
"هو انت كل يوم والتاني تنط لينا وتتغدى معانا؟ وبعدين انتي يا بت انتي مش معاكي عربية تروحي بيها؟ لزومها إيه تنسحكي معاه؟"
ارتبكت زينب وتلعتثم قائلة:
"العربية عطلانة يا ريحان، آه، حتى اسأل نور. وكل يوم تتصلح."
ليفاجئها نور برده:
"محصلش. مبحبش الكذب يا زينبو. وبعدين ده حاجة الظابط، لازم نعترف قدامه بكله. يا ما هنبقى في كلبوش. بس هيبقي أحلى كلبوش."
علم ريحان أن المزاح بدأ لدى نور، ولكن كان لا يريد الخوض فيه لانشغاله بأمر فيروز. فتوجه إلى الداخل ليتقدموا من خلفه، ولكن عقد ما بين حاجبيه عندما لم يجد أحد. ومع ذلك، رائحة الشواء التي تنبعث من المطبخ. تقدم رويدًا رويدًا وهم من خلفه على أطراف أصابع أقدامهم ليشاهدوا ما يحدث، حيث كان زيدان ينهال على معشوقته بالقبلات كأنه مراهق وليس رجلاً كبيراً، وهي تتحدث من بين قبلاته الساخنة مثل حرارة الفرن وحرارة جسده العاري أمامهم:
"بتعمل إيه يا مجنون؟ إحنا في المطبخ؟ أنا غلطانة اللي بدأت هنا. بينا على فوق في الطراوة."
وكعادتها، تزاح جسده بأصابعها الرقيقة. ليتنحنح ريحان من خلفهم قائلاً:
"بابااا. ماما.!!!"
ارتد زيدان بجسده إلى الخلف وهو مغمض العينين بغيظ، يجز على أسنانه بضيق قائلاً بلا مبالاة:
"ما تاخدش في بالك ومتعملش عليا ظابط واطلع أوضتك. غيران؟ روح اتجوز. متقفش لينا على الواحدة."
لتتعالى ضحكات زينب، ابنته، من خلفه قائلة:
"طب هو هيتجوز، أنا بقى أعمل إيه يا باشا؟ أجيب واحد في جمالك منين يا زيدو. قلبي يا ناس، يا بختك يا ريحانة. طول عمرك محظوظة."
التفت إليها ليحتضنها، فهي ابنته المدللة. ليزم نور شفتيه باصطناع:
"تتجوزيني أنا؟ وربنا أنا بعمل حاجات أكتر من كده بس محدش مقدرني. طب حتى اسألوا فيروز. والمكتب يشهد بجمالي. وبنشاطي."
انتبهت ريحانة إلى ابنها وحالته التي تغيرت عند ذكر اسمها أيضًا زيدان. فخشت أن تندلع العاصفة، فتجاوزت الموضوع وذغرت لنور:
"نور، مفيش داعي لخفة دمك دي دلوقتي. وعيب عليك أبوها وأخوها واقفين، نحترم نفسنا شوية وناخد بعضنا ونروح."
علم ريحان أنها تحاول تغيير الموضوع، فتحدث بجمود:
"بابا، مش ناوي نقعد مع بعض ونتكلم؟ هنعمل إيه مع فيروز؟ لازم ناخد قرارات واضحة وصريحة."
لتتسع حدقة عيني زيدان بصلابة قائلاً:
"الموضوع ده بتاعي. انت تركن فيه على جنب. أنا هرجع حقي بإيدي أنا وبس، فاااهم. وبطل تنتهز الفرص، لأني هقفلها عليك."
لترتجف زينب وهي بين أحضانه، حيث كان يشدد على ذراعيها وهو يتحدث غير متمالك لأعصابه، لدرجة أن نور كان يود أن يقتلعها من بين يديه. أما عن ريحانة، أخذت تنظر إلى ابنها كي لا يتحدى والده، فهذا ليس بوقته. ومع ذلك، تحداه ريحان بعينيه، وكأن كلا منهما يود أن تسير الأمور مثلما يرسمها هو فقط. الأب وابنه يريد كل واحد منهم الزعامة والسلطة وتيسير الأمور على أهوائهم فقط مهما كلفهم الأمر. غضبه مثل غضب الراعي المسؤول عن قطيعه. ليسكت مع غضبه كل التوقعات الممكن حدوثها. ولكن كان غضبه خادعاً لهم، وهذا حالهم جميعاً عندما تلقوا غضبه. جعلهم يتوقعون أشياء لم تكن بباله حتى يتم خداعهم جيداً. تحمل الشيء وضده. كان يخشى على ابنه من الفيروز، حيث أن وهجها رائع، ولكن قد يسبب العمى. غضب ابنه هو الآخر من قراراته الصارمة، كان من المفترض أن يحثه ليكون بطلاً معها، ولكن هو الآن مباح لها أن تصفه بحقير وترسمه بصورة سيئة في كتابها، صورة حدقت فيها في البداية بعجز، حتى بدا غضبه فيها يوجه سيفه نحوها كالبارود، يود قطع رأسها على عجرفتها معه. كيف لها أن تتعامل معه بذلك الأسلوب وتشعرنه بالحقارة وأنه طاغية مثل والدها. غضبه معها هو الآخر جعلها تتوقع به أشياء خادعة، لذلك قررت أن تتعامل معه بتلاعب الأحرف.
***
في اليوم التالي، ذهبت زينب برفقة نور إلى العمل. أراد تهوين عليها ما حدث أمس، فأخذ يضاحكها. وبالفعل لم تستطع السيطرة على نفسها من الضحك:
"كفاية يا نور علشان خاطري. ده انت فقر يا ابني. كل ده حصلك. وبعدين مين قالك أصلاً إني هتجوزك؟ خليك عمال تحلم وأنا هسافر وأطير. وهرفرف في الفضا."
تنهد نور وقد تحكم في مدى ضحكه قائلاً:
"كفاية إيه يا زينبو؟ انتي لسه شفتي حاجة. ده أنا هبهرك وهخلي كل حياتك ضحك وهزار. أنا مش نكدي زيهم، أنا طالع للست مامتي نورا البنورة. اللي هطيرك لو هربتي."
كان يقف على مقربة منهم يأكله الحقد تجاههم، فاستعد للذهاب إليهم:
"لا يا نور، متحلمش كتير لأن زينب هتكون ليا وهتشوف. عارف ليه؟ لأن الشركة دي إنقاذها على إيدي، ولما هعمل كده وهرجع كل حاجة، عمتي مش هتعز زينب عليا."
عقدت زينب حاجبيها بتعجب وقالت بتساؤل:
"انت بتتكلم جد يا سامر؟ فعلاً عندك حل للورطة اللي إحنا فيها دي؟ طب ياريت، ومش عشان الشركة، عشان جدي المريض من يوم ما خالي عمل عملته."
ابتسم إليها سامر ورد بشوق:
"النهاردة هرجع كله حاجة علشانك انتي بس يا زينب، ومش طالب منك غير حاجة واحدة، تقبلي تتجوزيني وتوافقي عليا قدام العيلة، وأنا تحت أمرك."
لكمه نور في وجهه وقال غاضباً:
"شوف انت اتخطيت حدودك يا قذر. إزاي عايز تتجوزها وانت نايم مع صحبتها؟ لا وكمان بتساومها، فاكرني هسكت ليك؟ ده أنا أفرمك."
صرخت زينب وقالت بدهشة وهي تشير نحو نور:
"هو الكلام اللي بيقوله نور ده صحيح يا سامر؟ يعني ثريا مش بتكذب صح؟ طب ليه؟ ليه؟ ليه؟ دي صاحبتي عشرة عمري، تقهرها ليه يا حيوان؟"
رد سامر بضحك وهو يمسح دماء وجهه من أثر لكمة نور:
"شوفي انتي ليه. أنا عملت كده. طول عمري أقرب منك وتتجاهليني. هي كمان شافت منك تجاهل وكبر وعنظزة، ما انتي بنت أبوك. بس اسمعي يا بنتك يا بتاعت نور، أنا هجيب مناخيرك ومناخير أبوكي الأرض قريب، وحطي الكلام ده في بالك كويس أوي، واعرفي إن سامر الخضري لما يحطك في دماغه هياخدك، حتى لو كان اللي بيحميكي أخوكي الظابط ريحان. وابقى سلمولي على فيروز اللي صعبانة عليكم يا عيني، وهي أكبر طعم هتاكلوه في حياتكم."
كاد نور أن ينقض عليه ويبرحه أرضاً، ولكن وقفت زينب أمامه تغمض عينيها برجاء ألا يمسه، ليس بسبب أن هذا الوغد سيسقطه، بل لأن الوغد مجرد ثغرة بسيطة لتوقيع عائلة بأكملها في شباك وغد أكبر. ولهذا صمتت عنه رغم تجاوزه معها، لتصبح مثل والدها، إنسانة غير متوقعة. حيث اندهش سامر من وقوفها حائل بينهم. حقاً هي نسخة مصغرة من والدها، عندما يغضب يتمسك بثغرة بسيطة لكي يسقط البارود. وهي نفس الثغرة الذي نال بها سامر بثينة.
***
على بعد مسافات طويلة، كان هو أمام النيل، يعقد حاجبيه بتفكير عميق. تذكر سخريته منها، والتي تشكلت بقسوة فوق ملامحها، ويده التي استحوذت على يدها دون قابلية للإنفكاك، ليعلن عن معركة بينه وبينها. كثير عليها استيعابها، فهو مثل البارود وهي مثل البحر الذي يطفئ نار البارود. ولكن الاثنان يمتلكان جزء حسن، ألا وهو القلب الدافئ الذي استمد من الأمهات، وكأن أمهاتهم إخوة، وكأنهم من رحم واحد. حقاً انتصر الشر لسنوات طوال، وحان وقت شر آخر. نثر عقله الحروف، ثم تشكلت وطارت، بمزيج من ضوء الشمس تراقصت من نظرة عينيه السوداء لنظرة عينيها الزرقاء.
سردت فيروز ما حدث معها لخلود لكي تستشيرها، باعتبار أنها تعلم الكثير عن ريحان، ابن شقيق والدتها. لتسرد خلود الأمر إلى والدتها وجدان، لتنبهر وجدان من فيروز وتصرفاتها، وتتحاور مع خالد زوجها حتى يحاول إقناع فيروز بالأمر:
"دي فيروز دي طلعت مسخرة يا خالد. البت ثبتت ريحان حتى تثبيتة، بس هي بقى معاندة ومش عايزة تتحد معاه، مع إنها فرصة. بص، أنا هروح أقنعها."
أمسكها خالد من معصمها ليمنعها قائلاً بعتاب:
"أنا قلت لك إيه أول أما نزلنا مصر يا وجدان؟ أنا مش عايز يبقى ليا علاقة بحد. أنا بندم إني بعتها تشتغل عندهم، بس منه لله سامر. كنت مفكره خايف على العيلة."
زفرت بحنق وتحدثت بامتغاز:
"حاضر يا خالد، هسمع كلامك ومش هدخل. بس هقول لخلود تخليها تقبل فرصة تاخد بتارك من ناشد والشهور اللي عيشك فيها بعذاب."
ضحك خالد بقلة حيلة وابتسم قائلاً:
"طب ما أنا أخدته يا وجدان، ولا نسيتي اللي عملته صفا معانا؟ ومش هنسى دورك انتي كمان لما قعدتي تعطيها جرعات شجاعة، وعشان كده عايزة تردي لها الجميل."
رفعت رأسها بغرور مصطنع قائلة بمرح:
"طبعاً يا خالد، أنا ليا مين غيرك عشان أعمل المستحيل علشانه. كفاية إنك رضيت تتجوز واحدة زيي. مش هنسى إنك قايلتيلي إنك متجوزني عشان أنا، مش عشان أخت زيدان."
من فرط تذكرها للماضي، امتغصت ومسكت معدتها دون سبب. لينتفض يتحسسها قائلاً:
"وجدان، انتي كويسة؟ الوجع ده من ساعة ما نزلنا مصر بيتكرر كتير. إيه مالك؟ بتخضيني عليكي كتير كده. أنا مش ناقص، أنا مليش حد في الدنيا دي غيرك."
ظلت تمتغص وتئن من الألم، فأخذ يمسح على شعرها بحنان:
"شكلك عايزة تموتيني ناقص عمر. انتي مش عارفة أنا بحبك قد إيه ومش بتخيل يومي من غير مناقرتك. أنتي عيلتي وكل حياتي ودولتي."
ارتعشت شفتيها بتوتر:
"يعني هو أنا يا خالد صغيرة إني مروحش أكشف؟ كل الحكاية إني قلقانة يجيلي زي ما جه لماما. وخصوصاً إن مرض سرطان الرحم جزء كبير منه بيبقى وراثه. خالد، هو ممكن يكون عندي؟"
نعم، فقد كان للسرطان نصيب كبير في رحم مها وتوفت بسببه بعد أن اطمأنت على ابنها الوحيد زيدان وشقيقاته وجدان وغفران، حتى أنها كان لها دور كبير في علاج نفسية شقيقته زينب التي كانت من والده، وأعادتها إلى مصر هي وشقيقتها زينات، خاصة بعد الجرائم التي افتعلتها شكران والدتهم.
أجابها وقد اشتد غضبه:
"مش شرط يا وجدان، وقلت لك ميت مرة متوهميش نفسك بالحاجات دي، وسيبك من كلام دكتور البهايم واللي قاله ده. على فكرة، اللي عندك ده نفسي من كتر تفكيرك. وبعدين مش كفاية اللي أنا فيه، هتعيشيني في قلق من ناحيتك كمان."
طمأنته قائلة:
"متخافش يا خالد، هو فعلاً زي ما انت بتقول، وهم أو يمكن القولون العصبي. ومع ذلك، أنا هعمل فحص أول الأسبوع الجاي، ويا سيدي عمر الشقي بقى."
سألها بتوجس:
"متأكدة من وعدك ده يا وجدان؟ هتروحي تعملي الفحص، ولو في حاجة هتصارحيني ونحلها سوا، إحنا واحد مش اتنين. اللي فيكي فيا تمام؟"
أومأت له فتركها ليذهب إلى عمله. ضغطت على هاتفها ثم وضعته على أذنها قائلة:
"إيه الأخبار عندك يا نورا؟ أنا محرجة أتصل بريحانة أو زيدان وأسالهم، بس في حاجة عايزة أقولك عليها. ريحان مصمم يتحد مع فيروز."
"في مصيبة يا وجدان، وابني هيروح فيها. الزفت اللي اسمه سامر مش كفايه اللي عمله أبوه، لا ابنه بيساوم على رجوع كل حاجة لأصولها مقابل زينب."
ردت وجدان بفتور:
"مع إني نفسي أساعد في أي حاجة، بس صدقيني خالد مانعني. غير إن إني تعبانة أوي ومحتاجة حد يقف جنبي الفترة دي، وغفران انتي عارفة مش فاضية ليا."
"بردو يا وجدان مروحتيش تكشفي؟ طب ليه يا بنتي؟ افرضي فعلاً إن توقعك صح، هتسيبي نفسك لغاية ما تموتي؟ انتي مليكيش غير حل واحد، هقول لزيدان."
ردت عليها بابتسامة حاولت بصعوبة رسمها على وجهها:
"ده بابا يا نورا، قبل ما يكون أخونا. وأنا مش حابة أعذب بابا معانا أكتر من كده. أنا هروح هكشف وهطمنك يا نورا، بس بلاش تقولي حتى لريحانه. متبقيش انتي والزمن عليهم، هما فيهم اللي مكفيهم."
فكرت نورا قليلاً في حديث وجدان، ثم أومأت برأسها وأظهرت لها أنها اقتنعت، ولكن بعد ارتياح وانقباض في قلبها غريب. أن يصيب وجدان مكروه ومن الممكن إنقاذها على الوجه الأكمل. احتارت أيضاً، لأن كلام وجدان صائب، كيف لها أن تشغلهم بها في تلك الفترة العصيبة.
رواية غيبيات الفيروز الفصل السابع 7 - بقلم مروة البطراوي
بكل المعاني هو رجل صارم يحقق مأربه مهما كلفه الأمر. أرادت مراقبته فذهبت تشاهد تصرفاته وأفعاله، وجدت أن صوته يرج أركان القسم والحماس لديه لا يوجد مثيل له، وسلاحه الأسود يتوهج على جانب خصره كأنه معزوفة لقتال شرس.
تَناسَت أنها تقترب جواره، كانت تقف في فخر وذهول. عيناها تراقب كل ما حولها بحماس وحدة. أسنانها تضغط فوق شفتيها رغماً عنها.
علم بوجودها رغم وضعها للنظارة الشمسية السوداء تغطي أغلب وجهها لتداري فيروزتها عنه، ولباسها المستعار كأنها في أمر شكوى لأي ضابط غيره.
أخذ يدها على غفلة عندما كانت تتلصص إلى العاملين بالقسم وتستمع إلى حديثهم عنه. فضغط فوق يدها بأصابعه لتنتفض وتشهق. فابتسم بخبث عندما غمغمت بلهجة حاولت تصنع فيها الثقة هاربة من هذا الموقف الذي باتت فيه:
"أنا كنت جايه أقولك إنّي موافقة، بس لفت نظري إنهم هنا كلهم بيتكلموا عليك وعلى غرورك وقسوتك معاهم."
قال بفخر وعيناه معهم، ليس كقائدهم بل أخ:
"دول إخواتي."
تعلقَت نظراتها به وهو يتحدث بكل ثقة ولا يهتز لأي حديث عنه، فقالت ببطء بسبب حرجها:
"وأنا هكذب عليك ليه؟ هستفاد إيه؟ وأنا مالي. أنا أساساً مقصدتش إني أسمعهم، كل ده صدفه. وبعدين متصدقش، أنت حر. أنا كنت جايه أقولك حاجة وخلاص، خلصت."
سلط النظر عليها كأنه لا يعرفها:
"انتي مين؟ وإيه اللي انتي موافقة عليه؟ واللي جايه علشانه مخصوص. الظاهر إنك غلطتي في العنوان، لو قصدك على النقيب عصام، ده الدور التاني."
لعنت أباها في سرها لأن بسبب وضعها في موقف تختنق له. فهي تعلم جيداً أن ريحان يعرفها منذ أن وضع يده على يدها، ولكن أراد التمثيل:
"أنا فيروز يا ريحان. ولا تحب أقولك هنا يا سيادة الرائد؟ غريبة أوي إنك معرفتنيش وحطيت إيدك على إيدي. إيه؟ انت متعود تلمس أي حد؟ لأ، وكمان معرفتش صوتي."
هز رأسه بسخرية ثم قال بخبث وهو يرفع إحدى حاجبيه ويرقصه:
"وإنتي إيه اللي ملبسك كده؟ هو انتي جايه حفلة تنكرية يا فيروز؟ وبعدين ليه مفكرة إني مركز معاكي ومع صوتك؟ وإن كان على اللمس، فأنا بلمس كتير."
توترت من سؤاله وبشدة ولا تعلم ماذا تجيب عن السبب لارتدائها هذه الملابس:
"يعني خوفت يكون والدي مراقبني ويعرف إني جيت هنا، وبالتأكيد هيفهم إني هتحالف معاك ضده. فاتنكرت بالشكل ده. كمان مش عايزة أعملك مشاكل مع العيلة."
كاد أن يرد عليها لولا هبوط عصام من الطابق العلوي وملاحظته وقوف ريحان مع جنس ناعم. ولأول مرة تقدم نحوهما، ينظر إليها بكل دقة:
"ريحان باشا، حضرتك عامل إيه؟ في مشكلة ولا حاجة؟ أنا عارف إن الجنس الآخر حضرتك مش بتحب تتعامل معاه، ممكن حضرتك تسيبها ليا، هتصرف."
جز ريحان على أسنانه حيث أن عصام بدقيقة واحدة وضح حقيقة عنه، وهو عدم تألفه مع الجنس الآخر. لتنطلق هي ضحكاتها عالية وتخلع نظارتها عنها والحجاب المربوط حول عنقها حتى تنسدل خصلات شعرها على وجهها، لتجعل عصام في حالة ذهول وانبهار من إخفائها لتلك الملامح الجميلة. كاد ريحان أن يبرحها أرضاً كعادته، ولكن مهلاً، هي الآن تحدته، فليكمل معها التحدي للآخر. وأمر عصام بسيط، سيعلمه أنها من العائلة.
اتخذ عقله كل هذه القرارات، غافلاً عن يد عصام التي امتدت إلى يدها لكي تصافحها.
بعد أن انتهى عصام من مصافحتها، ارتفع ببصره نحو عيني ريحان المسلطة عليه ليعلن أنه قد دق ناقوس الخطر. فتنحنح وانصرف سريعاً.
"ده ظابط جبار."
نظرت نحوه باهتمام، وقد عادت كلمات خلود تتكرر في عقلها:
"جبار بيفهم اللي قدامه من نظرة عينيه، ومستعد يضحي بروحه عشان العيلة. ولو معركته مع باباكي مش هيهمه انتي مين."
تسائلت فيما بينها هل من الممكن أن يضحي بها؟ هل الانتصار له ولعائلته يستحق أن يستخدمها ويضحي بها؟ لا تعلم لما، بلحظتها تمنت أن تلتصق به، تريد أن تحاوط ساعده بكلتا ذراعيها ثم تسند رأسها فوق كتفه. عقلها مشتت تفكر في ألف شيء وقلبها يريد أن يبقى معه... هذا الرجل الذي تريد أن تصبح أنثاه بشكل كامل.
بعد ذهاب عصام، وجه أنظاره إليها مباشرة:
"مكنش ينفع اللي عملتيه من شوية يا آنسة فيروز. انتي هنا في قسم شرطة مش في النادي عشان تقلعي الاسكارف والنظارة اللي قصدتي تلبسيها قبل ما تدخلي."
ردت عليه بابتسامة، فهتف بغضب لأنه قد فهم سبب ابتسامتها، أنها شعرت بغيرته:
"خدي بالك، أنا بكلمك زي أختي. لو أختي زينب عملت كده، تصرفي معاها هيبقى وحش أوي. معلش بقي أمي ربتني إن البنات لازم يعملوا حساب لتصرفاتهم."
شعرت أنه يهينها في تربيتها، ولكنها تعجبت عندما لفت نظرها موضع قلبه وهو يعلو ويهبط سريعاً كأنه يدير معركة حربية. لما كل هذه الثورة؟
"آه، وابقي اسألي خلود. مش هي صاحبتك برضه؟ وقبل ما تدخلي عيلتنا عرفتي شخصية كل واحد فينا. لو هنكمل شغل مع بعض، كلامي يبقي سيف على رقبتك."
ارتجفت من الخوف قائلة:
"أهم حاجة إنك مش تضحي بيا وترجعني لبابا. ممكن أرجع في حالة واحدة، إني أجمعلك معلومات تفيدك، بس أرجوك بلاش تطول عليا."
ظل صامتاً يتعجب من خوفها وطلبها، ولكنها فهمت صمته بالخطأ ولم تتحمل صمته أكثر، فركضت نحو الخارج تربط حجابها القصير حول عنقها وترتدي نظارتها من جديد، ليس لتتخفى، ولكن لتخفي دموعها. لا تستطيع التنفس بشكل طبيعي لأن الأمان اهتز بداخلها.
***
ما بعد مرور ثلاثة أشهر على هذا المشهد. وسط تيار الهواء الشديد قرابة الفجر، استيقظ عند صوت الأذان، يؤدي صلاته كعادته، ثم عاد لنومه. إلا أن اقترب ظهر اليوم، فأيقظه منبه هاتفه ليعلمه أن الساعة الحادية عشر. في طريقه كان له وجهة معلومة، يتردد عليها مرة من كل شهر.
قبر الرجل الذي يعتبره جده لأنه كان متزوجاً من جدته ياسمين، والدة والدته. وعمه الذي انتحر بسبب قلة عجزه في حل مشاكله. هناك جلس لنصف ساعة، ساكناً، مظهره ثابت إلا من دمعة فرت رغماً عنه. بالرغم من أنه لم يكن جده وتنتمي دماؤه له، إلا أنه كان كبيرهم. وعمه الذي ذهب هدراً لم يكن بمثابة العم، بل هو ذاق مرارة اليتم مبكراً بوفاته لأنه يشبه في مرحه كأب روحي له.
غادر نور ليستقل سيارته، يتجه نحو بيت جده، حيث يعيش ريحان هناك منذ ثلاثة أشهر، حيث يجتمع هو وابن صديق والده هناك. وجده ما زال محتفظاً بصفا كمديرة أعمال المنزل أيضاً، هي لم تتخلي عنه بعد طلب ريحانه منها ذلك.
دلف نور وجدها تتوسل إليه قائلة:
"طب يا ابني، انت النهارده أجازة، مش معقول هتقضي اليوم كله في البيت. روح قضيه مع أهلك، وأنا كمان أرجع لفيروز بدل ما هي لوحدها."
جاء صوت نور يحمل بعضاً من الحزن:
"الراجل، جدي ده في حياته ما جمعنا زي ما هو مجمعنا دلوقتي يا ريحان. تعرف إن نفسي أجي أعيش معاك، بس شايل هم أمي، عارف إنها هتتقهر."
ثم أكمل بثبات:
"روحي انتي يا ست صفا. أنا كمان أجازتي النهارده وهقضي اليوم كله مع ريحان. ولو على الأكل، زينب هتجيبه وتيجي، متقلقيش ولا تشغلي بالك."
مسح ريحان دموعه قبل نزولها:
"يا ست صفا، أرجوكي سيبي فيروز على راحتها. مش ضروري تضغطي عليها ترجع لأبوها عشان تساعدني. أنا هعرف أحل المشكلة دي إزاي."
تذكرت صفا نظرات ابنتها النارية التي كادت أن تحرقه:
"متقولش كده يا ابني، أنا مش بضغط عليها ولا حاجة. هي بس مش عارفة مالها. بعد ما كانت واخدة القرار فجأة، رجعت في كلامها، وبعدها اتلبخنا في موت عمي وجدي."
واستطردت وهي تمسح دموعها هي الأخرى قائلة:
"متحملتش حبيبتي تشوف المنظر. أنا اتصلت بيها قبلكم كلكم، ليه معرفش؟ فيروز بتعتبر إن ملهاش أهل، وده جدها كمان. كانت عارفة إن أبوها السبب في اللي وصل ليه."
ثم أكملت توضح له أن الحالة التي بها فيروز هي من أوصلتها إليها عندما قالت لابنتها:
"عرفتي ليه عايزاكي تحطي إيدك في إيدهم؟ ولو هضحي بيكي هتعمليها يا فيروز؟ أنا وانتِ مديونين للعيلة دي. إحنا ولا حاجة من غيرهم."
***
فيروز هي قمراه الأول الذي يريد أن ينجو بها.
في قاعة خالية من الأضواء الكهربائية، متوفر بها الشموع فقط، تحاوطها الأعمدة المذهبة القاعدة من كل جانب، ويفترش الأرض نسيج حريري أحمر لامع كلون الدماء، كان اللقاء بينها وبين والدها. والذي علم به على الفور ريحان ليسرع بالذهاب لها، يريد أن يعلم جيداً هي مع من معه أو ضده.
ذهب مسرعاً، وما إن وصل وجد من يمنعه من الدلوف، ولكن مع البطاقة التي تثبت له أنه من الشخصيات القيادية، تم إفساح الطريق له. والرهبة من تواجده في ذلك الوقت تحديداً، خاصة بعد دفع ناشد مبلغاً وفيراً من المال لاستئجار المكان.
دلف ريحان بخطوات ثابتة، وهي مولية ظهرها له، ترتشف من العصير الأحمر الذي لا يعلم ماهيته، إن كان نبيذاً مسكراً أم هو بطعم الفواكه. كانت تتحدث إلى والدها تستفسر منه ماذا يريد منها وتساومه على عودتها، طالما أمر وجودها في محيطهم قد يسبب لهم الكثير من المها لك.
كاد أن يرد عليها، ولكن تفاجأ بالشبح أمامه، ظل يعرفه جيداً، فهو يشبه زيدان في ظله وهيئته، تلك الهيئة التي كانت تستفزه دائماً. اقترب ريحان منه، وعلى فرش الأرض بالسجاد الحريري لم يسمع لنعليه صوت. تقدم منها إلى أن وصل إلى خلفها، يقرب كف يده من شعرها الحريري يود اقتلاعه من بين يديه، لدرجة تعجب منها ناشد ورفع حاجبيه.
تنتبه فيروز لمن جلس بجوارها وهو يحتضن المقعد بعكس جلوسهم. تشدقت فيروز وهي تتناول العصير عندما وجدته بجوارها، فهو مشهد غير متوقع. ربت على ظهرها باصطناع قائلاً:
"صحة يا فيروزة حبيبتي. العصير ده كبير على سنك، المفروض تستأذنيني قبل ما تشربيه. لأ، ومش كده وبس، المفروض يبقى فيه استئذان قبل نزولك من البيت."
هزت رأسها بقوة، تشعر أنها بحلم لعدم توقعها مجيئه، قائلة:
"لا مستحيل، لا يمكن. طب إزاي؟ أنت بتراقبني يا ريحان؟ طب ليه؟ أنا قلت لك استحالة هحط إيدي في إيدك. الكلام انتهى، وبعدين ملكش فيه، أخرج أشرب أنا حرة."
أعجب ناشد بردها على ريحان وأغمض عينيه نصف إغماضة يسأل ريحان:
"انت ريحان ابن زيدان صح؟ طيب يا ابني، انت مين عطاك الحق تيجي هنا وتدخل تقطع حديث بنت مع أبوها؟ وبأي حق تقولها إنها لازم تستأذنك؟"
وضع ريحان يده في جيب بنطاله الخلفي وأخرج سلاحه وأخذه يلفه ويدوره على إصبعه وعيناه تملأها التحدي نحو ناشد، ثم وضعه على الطاولة قائلاً:
"أولاً، أنا اسمي ريحان باشا، انت نسيت ولا إيه يا ناشد؟ انت لسه قايل ابن زيدان، وزيدان كان باشا وهو كان رئيسك، ما بالك بقى بريحان الجمال."
جزت فيروز على أسنانها من عجرته وزفرت قائلة:
"بابا مش محتاج يعرف انت مين. مفيش داعي لغرورك ده. الألقاب دي اتمحت من زمان، إيه يعني تكون رائد ولا مقدم، مش هتفرق بالنسبة لينا."
رفع حاجبيه باستعلاء وأخذ ينظر لها وإلى ناشد قائلاً:
"ويا ترى يا ناشد، انت كمان مش فارق بالنسبة ليك اسمي؟ طب إيه؟ أقبض عليك النهارده ولا خليها في وقت مناسب؟ بصراحة أنا مش مستعجل."
تعجبت فيروز من مماطلته وعدم استغلاله للفرصة. لينهض ناشد قائلاً بقوة حاول تسريبها إلى نفسه:
"أنا ممكن أصفيك أنا ورجالتي حالاً يا ريحان. وأحسر أبوك عليك وأهرب زي ما هربت من جرايم كتير. أوعى تفكر إنك جامد وهتعمل علينا الحبتين دول."
ثم أشار إلى رجاله بإطلاق الرصاص من كل جانب حتى يستطيع الخروج من المكان وأشار لفيروز أن تتبعه. في حين كان ريحان ساقطاً على الأرض يمثل دوراً أنه قد أصابته طلقة. وفي حين تقدم ناشد إلى آخر الباب، كانت فيروز تقف في حيرة ما بين إنقاذ ريحان والاستسلام إلى تيار والدها. وما إن تحركت قدمها حتى أسقطها ريحان بيده واستخدم سلاحه ليطلقه على رجال ناشد حتى فروا هاربين.
هنا تجسدت حقيقة أمام عيني ناشد أن ابنته كانت ستتبعه لولا ريحان. تجسدت حقيقة أخرى أمام ريحان أن فيروز كانت تنوي أن تتخلى عنه، لذلك أسقطها حتى يذيقها ويلاته أيضاً لتنفيذ وصية والدتها أن يعود بها. فهي من أخبرته أنها ذهبت لتقابل ناشد من خلال استماعها إلى المحادثة بينهم.
انتهجت شفتاه فوق شفتيها بصخب خاص جداً، وامتلكها امتلاك تام، وتشبت بها بخشونة حتى لا يسمح لها بالفكاك، واقترب منها أكثر وضمها نحوه. زفر بحرارة وهو يحبسها بين ذراعيه مصرحاً بنبرة مبحوحة:
"فيروز ملكي."
رفرفت أهدابها بعجز:
"ملكك! مش فاهمه. ليه سيبته يمشي طالما كنت سليم؟"
همس بخفوت وهو يستحوذ عليها أكثر:
"يمكن مش محتاج أقبض عليه دلوقتي."
بدت يائسة، منهكة التفكير، سعيدة لأنها معه وتعيسة لأنها خبيثة اسم والدها:
"إزاي؟ إزاي مش محتاج تقبض عليه دلوقتي؟ وليه! ثم انتفضت، رغماً عنها، ونهضت تدور بتيه في أطراف القاعة. انتي سايبني تلات شهور، دلوقتي جيت تشوفني لما عرفت إني هحط إيدي في إيد بابا، وعشان تخلص منه. بعدها غامت عيناها بتشتت. طب لو كان قتلك بجد؟"
"ينفع اللي انت عملته ده يا ريحان؟ كان فيها ما كنت تستنى تبلغ القوة تيجي معاك، ولا حتى تبلغ أبوك. كنا هنعمل إيه لو الزفت ده قتلك بجد." قالها نور لريحان بانفعال وغضب شديد بعد ما وصل إلى القاعة.
كور ريحان قبضته وأغمض عينيه وهمس بألم:
"كل مشاكلي بحب أح لها بنفسي. أنا مليش في جو بابا وماما ده يا نور، وكلكم عارفين كويس. وبعدين ناشد ده بتاعي، قضيتي لوحدي، لازم أسففه التراب."
واستطرد وهو ينظر إليها وقد أعماه الغضب:
"وفوق ده كله، كان لازم أكشف الحقيقة المرة بتاعت فيروز هانم اللي كانت جايه تتحد مع أبوها ضدنا، لأ، وكمان كانت راحة وراه بعد ما كانت خايفة منه."
تنفس نور بعمق:
"اهدي يا ريحان. مش معقولة فيروز هتتحالف مع ناشد ضدنا، أكيد مقابلة بنت بأبوها، بس انت اللي فهمتها غلط. وبعدين ما انت كويس أهو."
توجه ريحان نحو الطاولة وقبض على كأس النبيذ مما جعل يده تنزف بغزارة:
"ياريت بس الهانم جايه تشرب مع أبوها، عارف يعني إيه تشرب؟ ما هي مش معقولة تكون عبيطة ومش عارفة إيه اللي في الكاس. ده أنا هشرب من دمها."
هتف نور بقلق:
"قلت لك تهدي يا ريحان، دي بنته ملناش فيه. وبعدين هي جت وعرضت مساعدتها من تلات شهور، أنا معرفش إيه اللي حصل وخلاكم ترجعوا في اتفاقكم."
ابتسم ريحان بألم قائلاً:
"انت لسه بتسأل يا نور؟ واضحة أوي. الهانم كانت عايزة توقعني، لولا موت جدي اللي بوظ كل مخططها. وطبعاً هي عارفة إني منهار من ساعتها."
تفاجئ الجميع بظهور زيدان، والذي قد أخبره نور. دلف ينظر إلى فيروز باشمئزاز لتحمل نفسها وترحل، فقد استكفت منهم لتعود حتى تحاسب والدتها.
تملك زيدان الخوف وهو ينظر إلى ريحان:
"أصل اللي انت عملته في نفسك بعد موت جدك وفكرة الانعزال غلط، بس انت طول عمرك صوتك من دماغك. هي شافتك ضعيف، ويمكن انت بينت ليها حبك."
ابتلع ريحان الغصة المريرة بحلقه وهتف قائلاً:
"متخافش، أنا مش هحبها. هي بقت عندي زيها زي ناشد. أنا كان ممكن أخليها تمشي وراه، بس قصدت أحتفظ بيها عشان والدتها وكمان عشان أوريها."
عبث نور في شعره بتفكير قائلاً:
"شوفت يا عمي زيدان، أبوها وصل جبروته لفين؟ إنه بقى يخرج عادي ويظهر رغم إن عليه أحكام، والجاحة إنه هرب من ريحان. حاجة غريبة."
ردد زيدان وهو ينظر إلى ابنه بفخر جيداً:
"شكراً يا ريحان إنك طبقت درس واحد من الدروس اللي بحفرها في دماغك من انت و صغير. إن عدوك لازم تسيب ليه الحبل على الغارب."
جحظ نور عيناه بذهول ونظر إلى ريحان ببلاهة الذي كان يبتسم لوالده بخبث.
هو بعكس البقية يشبه مستر إكس الذي يأتي في الوقت الذي يحلو له... ويغيب في الوقت الذي يحلو له... هو ليس مثلنا... لا شيء يدفعه للغوص في غياهب الجميع هنا. ربما هم مجرد تجربة علمية من تجربة خلقها للمتعة. الجميع محددون بأقنعة أشبه للذئاب، بينما يوجد اثنان يرتدون قناع الحملان، وهما بالتأكيد من الأناس الذين لا أحد لهم في العالم الخارجي! مثل تلك الفتاة التي تدعي فيروز، والتي اتخذت موقفها بتحفظ معه، وهي مجرد فريسة... هي مجرد وسيلة ليس لها أحد سوى والدتها، وعملت في شركتهم، ولن تصبح مشكلة لهم، ولا على قيد الحياة! عند والدها. ليس بها جرأة الصيادين ولا ملكة الافتراس من الأساس... هي خُلقت لتُفترس! لن تصمد دقيقتين في خضم الحرب التي ستدور بينه وبين والدها.
ابتسم بتسلية عندما خطر بباله أن اللعبة بدأت. اللعبة التي وضع قوانينها وانساق الجميع حوله كما تنساق الحشرات للنيران. اللعبة التي كان وقودها الملل ومحركها المتعة!
رواية غيبيات الفيروز الفصل الثامن 8 - بقلم مروة البطراوي
عادت الي المنزل تجده مظلم حمدت ربها لأنها لا تريد أن تدخل في نقاش مع والدتها بخصوص خروجها و مقابلة والدها.
تركتها صفا هذا اليوم مثل ما نصحها ريحان و طلب منها ألا تأتي الي العمل فهو سوف يعود الي عمله و منزله مع أسرته و لكي تكون رقيبه عليها.
نامت صفا و هي قلقه من ردات فعل فيروز غدا.
استيقظت و صلت الفجر و ظلت تنتظرها حتي استيقظت الأخرى و ارتدت ملابسها و توجهت نحو باب الشقه توقفها صرخه صفا قائله:
- رايحه فين يا فيروز.
- رايحه لناشد؟
- عدوى و عدوك طب ليه؟
أنا قصرت معاكي في ايه بسهوله تبيعي كل حاجه علشانه عملك ايه قصاد كده؟
تنهدت فيروز بضيق قائله:
- أه يا ماما هروح ليه هروح اعيش مع عدوكم كلكم و عدوى.
عارفه ليه؟ لان وجودي معاه هو الحاجه الوحيده اللي تمنعه عنكم.
و بعدين أنا طلبت الحمايه منه و رفض.
بتصرف حازم توجهت صفا نحو الباب و أغلقته باحكام و هي تنظر لها نظرات شبه بارده تهتف فيروز في حنق:
- ايه يا ماما هتحبسيني شايفه اني طفله ده هو عمره ما عملها فيا و لا بطلعي اللي عمله فيكي عليا.
أنا اخرج براحتي و لو أدي الأمر هتصل بيه يبعت رجالته.
قبل أن تكمل كلماتها صفعتها صفا و سحبتها خلفها مما جعل الخوف يزداد لدي فيروز من والدتها حتي قذفت بها علي الفراش قائله:
- تروحي فين و تعيشي مع مين مع اللي لوث ايده بدم كان واحد مع اللي كان يضربني علشان ينام معايا بالغصب.
انتي مش تخرجي من هنا و لو حاولتي هقتلك فاهمه.
هزت فيروز رأسها بخوف قائله:
- حاضر يا ماما.
مش هروح بس اهدي.
ماما أنا تعبانه أوى.
أنا عمرى ما فكرت اني عايزاه الا لما ريحان رفض يحميني منه حسيت نفسي ان في كل الحالات ضايعه.
أخرجت والدتها هاتفها من حقيبتها و أعطتها اياه قائله:
- تتصلي علي ريحان و تعتذرى منه علي اللي انتي هببتيه امبارح و تقولي له انك كنت بتحاولي تساعدي و مستعدة تساعدي باكثر.
اخلصي.
أمسكت هاتفها و ضغطت علي أرقامه بطريقه مسرعه بتعجب من حالة والدتها الغير مطمئنه كادت أن تتحجج بأن الرقم ليس لديها لتجد والدتها تنظر لها بغموض.
تنهدت و كأنها تستعيد الهدوء تريد تجاهل الأمر تماما حتي تستطيع اكمال مكالمتها معه فوجدت والدتها تقترب منها تهتف بتلعثم:
- حاضر اهو لقيت الرقم و هرن عليه أهو.
بس بليز سيبني لوحدي علشان أكون طبيعيه و أنا بكلمه.
تركتها و خرجت و هي تعلم جيدا أنها لن تقم بالاتصال الا بعد برهه من الوقت و مع ذلك تركتها.
كانت فيروز في جلستها مع والدها تراقب الجميع و تراقب حركات عينيه المظلمه و هي ترتشف النبيذ من الكأس الزجاجي الذي صبه أمامها.
كان معه عشر أفراد من الحراسه.
مصنفين بفئتان لا ثالث لهم، اما مفترسين أو فرانس.
كل شخص جلبه معه هنا مختار بدقه بعد البحث الكامل عن خلفيته، منهم رجل تعرف زوجته جيدا حيث كانت تعمل لدي والدتها و كانت بمثابة الصديقه التي أتت بعد غياب و وحده.
جائته مكالمه غامضه و هو معها و كان أمر المتصل مثير للشفقه حيث كان والدها يتحدث معه بملل و يستمتع بمعاناته كأنه يقتله بيده!
حقا الملل قاتل للحياه قد يدفع البعض الي الجنون أو القتل!
و بحالة والدها اختار الاثنان، أطلق العنان لوحشه المكبل و اختار أرواح أخرى غير روحه لتقتل.
تسائلت فيما بينها من أين بدات حكاية والدها؟!
لا تدري كل ما هنالك هو أنه قرر بغته أن يقتل أي نفس تعاديه!
تنهدت بعمق و زفرت أنفاسها و قررت مهاتفه ريحان:
- صباح الخير.
امبارح مكملناش كلامنا.
هو ليه السيد الوالد يكرهني بالطريقه دي.
رغم اني زى بنته.
لا معلش أنا أسفه لأن اللي زيكم عمرهم ما يعتبروني كده.
قالتها فيروز في جمود و هي جالسه علي فراشها تتناول الماء لعلها تبتلع الغصه العالقه في حلقها من جراء عيني زيدان و هي تأمرها بالرحيل.
جائها الرد عبارة عن صافرة انتهاء المكالمه معني ذلك أنه لا ينوي الرد عليها.
جزت علي أسنانها في غيظ و خرجت مسرعه تسرد لوالدتها بعصبيه.
أفاقت من عصبيتها علي صوت أمها و هي تتحدث ببرود:
- بما انك بالعصبيه دي يبقي فعلا هو قفل السكه في وشك بس ليه لأن انتي أكيد يا هانم كانت مكالمتك فيها معاتبه مش اعتذار علي مرواحك و مقابلتك أبوك.
ردت عليها فيروز بنبرة خاليه من التعابير:
- أنا خلاص بدأت أشك في الأمر.
انتي ليه متعاطفة معاه أوى كده و متقوليش علشان هما حمايه لينا من بابا.
علي فكرة هم مش عايزين يحمونا.
ابتسمت صفا ابتسامه خفيفه:
- ريحانه و نورا كانوا زى اخواتي أو بمعني أصح هما كانوا بيعاملوني كده.
بس أنا كنت زيك غبيه علشان موقف هايف بعدت عنهم و مش عايزاكي تبقي زىى الناس دي بتحبك أوى يا فيروز سيبك من زيدان موقفه صعب علشان اللي عمله فيه أبوكي أما الباقي و بالذات ريحان بيحبك.
عقدت فيروز ما بين حاجبيه وزينت وجهها ابتسامه أشرقت وجهها:
- بجد يا ماما اللي بتقوليه ده و لا بتضحكي عليا.
طب يا ماما ليه مش بتقولي كده من الاول.
أنا وصل بيا الحال اني بقيت بخاف منك من ساعه ما قلتي ممكن تضحي بيا.
تنهدت صفا بضيق قائله:
- مش ممكن أضحي بيكي أنا هربت منه علشانك أنا كل اللي بعمله معاكي علشان مش تصدقي واحد يستحل دم غيره هو اللي ممكن يضحي بيكي.
عقدت فيروز حاجبيها في استفهام و قالت باستفسار:
- أومال ليه من شويه كنتي ناويه تقتلني لمجرد اني عايزة أبعد.
ماما أنا اخترت بابا قلت يمكن أعرف أوصل لحاجه خصوصا بعد ما شفت عم داوود جوز أميمه فاكرها يا ماما انتي كنتي بتعتبريها صديقتك.
ردت صفا بتوتر و لكن كانت نبرتها قويه:
- أميمه!
طب عمك داوود كلمك يا فيروز؟
أو حتي بص ناحيتك.؟
و كان موقفه ايه لما جه ريحان و لما أبوكي ضرب النار ضرب معاهم؟
اتسعت حدقتيها من أسئلة والدتها و صاحت باستنكار:
- ايه يا ماما للدرجه دي عم داوود ده مهم .
و هو انتي مفكرة لو له غرض يكلمني كان كلمني .
طبعا لا أكيد كان يخاف من السيد الوالد .
ده كان بيدارى مني.
ردت صفا و هي توضح لابنتها:
- ما هو ده اللي أنا عايزاه.
انتي مفكرة اني عايزة يبص ناحيتك يعني؟
اسكتي انتي مش فاهمه حاجه أنا كده اطمأنت من ناحيته و من ناحية أميمه.
هزت فيروز رأسها برفض و قالت بلوم:
- مستحيل تكوني عايزة تستخدميها في حاجه .
طب لما هو كده عايزاني أنا أتحد مع ريحان ليه؟
انتي هتجننيني.
و بعدين يا ماما ليه ديما مش تقوليلي الحقيقه.؟
تذكرت صفا موقف لفيروز و هي صغيرة عندما وشت بها عند ناشد و تذكرت ضربته كأنها حدثت للتو تحدثت ووجهها محتقن بالدماء:
- أنا أقول اللي أنا عايزة و أخبي اللي أنا برضه عايزاه.
معلش يا فيروز مش كل حاجه لازم تتقال ليكي مهما ان كان ده أبوكي و أي حد بيشوف أبوه أحسن واحد.
كادت أن ترد عليها لولا رن جرس الباب.
توقعت فيروز أنا هو و توعدت له و هي تفتح الباب قائله:
- أنا كنت متوقعه انك هتيجي.
- أنا كمان يا فيروز كنت متوقعه انك انتي اللي تفتحي ليا الباب رغم اني عرفت من مامتك انك كنتي هتسيبي البيت و تطفشي.
كنتي هتروحي فين يا حزينه؟
قالتها وجدان و هي تدلف من الباب.
توجهت اليها صفا بلهفه تحتضن وجهها بخوف و لهفه:
- عامله ايه يا وجدان؟
كشفتي صح؟
وشك بيقول ان كل حاجه تمام.
متعرفيش قد ايه كنت قلقانه عليكي.
فعلا أنا مليش اخوات و انتم اخواتي.
نظرت اليها وجدان بعتاب قائله:
- ليه يا صفا قلتي لريحانه اني تعبانه رغم اني أمنتك دي نورا خافت تقول علشان المشاكل اللي فيها زيدان.
بس الدنيا انقلبت فوق دماغي.
تنهدت صفا بعمق و الأم ثم هتفت بقلة حيله:
- علشان معنديش استعداد أخسرك و لا أخسر ريحانه.
كفايه بقي كل اما أعرف حد يروح مني.
زمان ريحانه و نورا و أميمه اللي كانت شغاله عندي و دلوقتي انتي.
نظرت فيروز الي والدتها بحسرة و تذكرت أنها بنفس الموقف ليس لها أشقاء لا بنين و لا بنات:
- قوليلي يا طنط وجدان خلود عارفه.
أنا بعترف اني صاحبه فالصو بقالي زمان مسألتش عنها رغم انها كانت ديما معايا بره و جوه مصر.
زفرت وجدان في حنق و ردت بنفاذ صبر:
- بقالها كتير مش بتكلمني بتعتب عليا انها عرفت زيها زى الغريب.
طب أعمل ايه يا جماعه أنا امي ماتت بنفس المرض و خفت لا يكون هو.
- أيوه معاكي حق يا طنط وجدان كلنا نخاف من نقطه واحده هي ان الماضي يرجع بينا تاني.
كأنه وصمه عار حتي لو كان مرض مات بيه أهالينا.
ردت صفا بارتباك ملحوظ:
- يعني ايه كلامك ده يا وجدان.
المرض الملعون طلع هو فعلا اللي مسببلك الوجع ده؟
طب ايه مفيش حل الطب تطور.
زيدان يسفرك و يعالجك.
تمتمت وجدان في خفوت:
- العمليه مكلفه أوى يا صفا و نسبه نجاحها عشرة في الميه.
يبقي ليه تكلفة و لا أكلف خالد لما ممكن أعيش اللي باقي من عمرى من غير ما يخسروا.
اتسعت مقلتي فيروز بتعجب و هتفت في دهشة:
- تضحي بالعمليه علشان مش تكليفهم.
و مين قالك انهم يسمحوا بكده.
انتي فاكرة انك كده خايفه عليهم لا طبعا انتي بتضريهم و تشيليهم ذنبك.
تحدثت صفا بتلعثم و هي تحاول أن تبقي ثابته:
- مش اسكت يا وجدان و هقولهم الحقيقه تاني كفايه بقي فين وجدان اللي كنا نسمع عنها زمان في قوتها و جبروتها ذنبها ايه بنتك تعيش يتيمه.
تبعتها فيروز في جمود:
- خلاص أنا هقول لخلود و يبقي الزعل اكتر ما بينكم مش مهم المهم انك تفضلي في حياتها.
أكبر حسرة ان الواحد مننا يكون بلا أم و بلا أب.
قاطعتها وجدان برفض شديد:
- لو عملتي كده يا فيروز عمرى في حياتي ما اسامحك.
و انتي يا صفا ارجوكي بلاش المرة دي تقولي لهم أنا كده كده ميته حتي لو عملت العمليه.
دبت فيروز الأرض برجلها و وضعت يدها في خصرها قائله:
- طب ليه بتقدرى البلا قبل وقوعه.
دي أعمار و الأعمار بيد الله.
ما يمكن احنا نموت قبلك يا طنط وجدان.
احنا لازم نتصرف في الموضوع ده.
و استطردت و هي تتجه نحو وجدان تحتضنها بحنان قائله:
- حبيبتي يا طنط وجدان.
أنا بقالي فترة من يوم ما دخلت بيتكم في الأرجنتين و أنا يعتبرك زى ماما.
حتي لما جيتي هنا مع أختك و طنط نورا انت كان و ما زال ليكي مكانه خاصه.
تمتمت صفا في خفوت:
- يارب تعملي العمليه يا وجدان و تقومي منها أحسن من الأول و نفرح بخلود و فيروز زى ما كنا بنحلم زمان.
فاكرة يا وجدان.
فاكرة أحلامنا؟
عاد ريحان الي عمله و هو يحمل على عاتقه عهدا جديدا جميلا لأسرته.
عاد الفارس.
بقوة.
مستعد لكافه الحروب البارده من جديد.
- مساؤؤؤ.
- ريحان ايه المفاجئه الجميله دي يا عمنا.
لا لا احنا منقدرش علي كده البيج بوص بنفسه و في قلب شركتنا لا و ايه و بلبسه الميرى أه ياني.
قالها نور بابتسامه واسعه و تعبيرات وجه يتبين عليها السعاده و أتبعه أمير و هو يصفق بفرحه قائلا:
- حبيب عمو أيوه كده عمر الانكسار و الضعف ما كان حل خليك ابن أبوك بصحيح و فرح قلبه بقوتك و شراستك عايزك تبقي وحش كاسر.
ابتسم ريحان قائلا:
- يالا خلاص خلصت الوحده و الانعزال هو كان لازم أعمل كده علشان أرجع أقوى من الأول.
وبعدين في حاجات كتير تتغير من هنا و رايح.
عقد نور حاجبيه في عبوس قائلا:
- ايه ده مش فاهم ايه القرارات و الحاجات اللي تتغير انت ناوى علي ايه يا ريحان.
يا ريحان البنت ملهاش ذنب أنا متأكد من كده صدقني.
نظر اليه ريحان في استفهام:
- ما تفهمني يا نور انت ليه مدافع عنها كده باستماته.
واحد غيرك كان أول واحد قتلها انت نسيت ناشد تسبب في ايه هو اللي خلي عمك ينتحر.
ظهر من خلفه النقيب عصام بابتسامته المعهود و هو يقول:
- ازيك يا ريحان.
حمد الله علي سلامتك.
قد ايه فرحت انك راجع.
النهاردة وصلتني الأخبار انك طلبت البوكس.
الصراحه لما تأخرت قلت أجيلك هنا.
ثم قام باحتضانه يندهش ريحان قائلا:
- عصام..
ايه اللي جابك هنا؟
ما دام عرفت اني راجع يبقي أكيد مش أتأخر.
بس أكيد في سر غريب من جيتك .
قول يا ابني مبحبش الغيبيات.
قال عصام و هو يخرج ريحان من أحضانه:
- لسه زى ما انت يا ريحان شكاك مهما ان كنت وحيد و عزلت نفسك يمكن ده خلاك تشك أكتر.
أنا هريحك بصراحه كنت جاي لنور و عمي أمير.
استغرب ريحان ليرد نور و هو يضع يده في جيب بنطاله:
- و الله لو حضرتك تعطي فرصه للي قدامك و تسمعه كنت عرفت حاجات كتير و وفرت علي نفسك شكوك ملهاش أي صحه الا في تفكيرك.
نظر ريحان الي عصام باستغراب ليحك مؤخرة رأسه:
- لا بلاش البصه دي يا باشا.
ما انت عارفني هقر و أعترف و ممكن أطلع نفسي المجرم في الحكايه كلها من غير ما أعمل حاجه.
أنا غلبان.
- خلاص أنا مش هبص لحد فيكم حتي عمي أمير و كمان مش مقاطع حد فيكم بالعكس أنا اسمعكم كويس للأخر بس تحملوا حكمي علي أفعالكم.
قالها ريحان بخبث و مكر.
رد نور بحماس شديد و هو ينظر لوالده و عصام:
- تيجي نحكي له ما هو كده كده يعرف احنا أولي بدل ما يحكي ليه الغريب و كده و لا كده يعلم علي قفانا برضه ده ايده تقيله و أنا أكتر واحد هياكلها.
كاد أن يرد عصام لكن قاطعه أمير قائلا:
- أنا هقولك في فترة غيابك حصل اتفاق ما بين احنا التلاته و كان في طرف رابع حابب يساعدك و يخرجك من حالة العزله اللي انت فيها.
توجه عصام نحو شاشه اللاب توب ووضع قرص به ليقول بمكر:
- بص شوف مين الطرف الرابع هي نفسها جميلة الجميلات اللي جت ليك المكتب يوم وفاة جدك لما لقت انك تقفل علي نفسك قررت تتحرك.
عبس ريحان يلاحظ أمير تحوله و هو يريد الفتك بها و عصام يوقفه بغضب:
- لا يا ريحان متبقاش غبي زى أبوك و كل حاجه تعميك عن الحقيقه البنت اضطرت تقابل أبوها علشان انت تظهر للنور من جديد و ترجع.
قال نور بعد ما ان سيطر ريحان علي غضبه:
- سامر خالك هو السبب في رجعه ناشد في حياتنا.
أعتقد ده أكتر واحد لازم يبقي في مخطط للانتقام مش فيروز يا ريحان.
عرفت ليه بدافع عنها؟
ثم صمتوا جميعا عندما رأوها تتقدم نحوهم بملامح بارده و جامده و ما ان رأها أمير حتي تقدم نحوها سريعا قائلا بفخر:
- مامتك كمان ليها دور و هي اللي أقنعت فيروز تتحد مع عصام و من بعدها قابلت ناشد.
شفتي هي ازاي ضحت بأخوها علشانك انت.
و صدقت فيروز.
توحشت نبرته بالرغم أن عيناها كانت باردتان مثل صقيع مميت:
- أنا مع اللي شفته منها لحظة ما كنت مرمي علي الأرض الهانم كانت ماشيه مع ناشد لولا اني وقفتها بس علشان وصية أمها ليا.
و لعلمكم أنا مش هسيب ناشد.
رواية غيبيات الفيروز الفصل التاسع 9 - بقلم مروة البطراوي
كان الجميع يعرفون شجاعة ريحان جيداً ويدركون مهارته الفائقة في القتال.
مقابل ناشد... فناشد مسخ لا يفلح في شيء وليس لديه مهارات قتالية، فهو دائماً يختبئ خلف الحراس ولم يحاول أن يقف رجلاً لرجل أمام أحدهم يوماً ما.
زفرت ريحانة بحنق توضح له:
- كان لازم تعمل كده، وكانت رايحة معاه علشان تكمل الخطة اللي رسمناها، بس انت اللي وقفتها. إحنا اللي غلطانين، كان لازم نفهم صفا الخطة.
تنهد مطولاً ونظر إليهم ثم تركهم ورحل. لينظروا في أثره ويردف عصام:
- ريحان عمره ما هيتغير، عايز كل حاجة تمشي بقراراته، مش هيقدر يتحمل إن غيره يخطط.
جاءت في هذه اللحظة زينب بعد ما قابلت شقيقها يخرج مسرعاً وطلبت منه التحدث، ولكن لم يرد عليها.
منذ لحظة دخولها أثارت إعجاب عصام لدرجة ملاحظة نور لنظراته. فتوجه مسرعاً نحوها يقول:
- شكراً يا عصام باشا. يا ريت تلحقه بدل ما يتهور ويعمل في نفسه حاجة.
اضطر عصام أن يمشي، ولكن أصر على التعرف عليها، وبالفعل عرفته على نفسها فانفرجت أساريره ومضى مسرعاً يحدث أخاه أنه أعجب بها.
بعد خروجه استدعى أمير ريحانة في مكتبه لتدارس بعض الأمور، وبقيت زينب مع نور الذي تحول إلى كائن مخيف حين قام بلوي إحدى ذراعيها ولصقها في الحائط يتحدث من بين أسنانه:
- عجبك يا سِت زينب؟
قطبت زينب جبينها قائلة:
- مين ده؟
همس بجوار أذنها كفحيح الأفعى:
- عصام باشا صاحب أخوكي اللي شكله هيروح يخطبك منه دلوقتي.
شهقت زينب قائلة:
- ريحان!
كانت تنظر نحو الباب لينتفض نور من خلفه فلم يجده، فعلم أنها تراوغه. التفت إليها وجدتها فرت هاربة إلى الغرفة المقابلة. انقض عليها قائلاً وهو يحاوطها:
- بتشتغليني يا زينبو؟
انفجرت ضاحكة:
- أصل انت تستاهل بقى، أنا هبص لعصام وأسيب نور عينيا.
اقترب منها قائلاً:
- قلبي ونور عينيه بحبك وبموت من الغيرة، والواد ده شكله غاوي.
ابتسمت له وكادت أن تتحدث ليبلع حروف كلماتها في جوفه وهو لا يستطيع الصبر أكثر من ذلك، فهي له منذ زمن.
انتهت قبلتهما وهدأت أنفاسهما لتتعالى شهقاتها من جديد:
- ريحااااان!
ليبتسم نور بخبث ويقبل عليها أكثر، يقبلها قبلات متفرقة وهي تحاول التملص منها ويقول من بين قبلاته:
- ريحان مين! تلاقيه بيدور على فيروز ومش بعيد يكون عايز يعمل معاها كده، بس هو بارد مش زيي، أنا هتجوز على نفسي وأنا واقف.
ليسمع من خلفه من يصرخ بغضب قائلاً:
- ده انت ليلتك سودة يا نور النهارده مني.
تقدم منهم ريحان بحماس المحارب يود تفريغ غضبه فيهم:
- انتوا الاتنين محتاجين تتربوا، إحنا بنواجه حرب كبيرة وأنتم مكبرين دماغكم وعمالين تبوسوا يا سيدي.
أظلمت عيناه واختلط ظلامها بظلال الغابة وهو يرمقهم من بعيد وهم يتبادلون القبلات المحرمة.
أظلمت مقلتا نور الحجريتان بالعهود التي قطعها على نفسه بعدم الاقتراب منها وتضييعها بجنونه اللانهائي، هو مغروم بها والجميع يعلم ذلك، يود السكون إليها.
رد بصوت رخيم على ريحان:
- لو ما اتجوزتش زينب بسرعة هخسرها وهخسركم وهخسر نفسي.
ثم تابع بنظرة متفحصة لزينب القريبة منه كمن تختبئ به عن بطش شقيقيها لتتفاجأ من تنبيه:
- آن الأوان إن أنا وهي نكون عيلة واحدة، ومحدش يقولي مش وقته وإن في حرب ولازم نكسبها الأول.
لم يرد عليه ريحان، ولكن سلط أبصاره على زينب التي كانت ترتعد كمن تقف أمام والدها وليس شقيقها:
- إنتي إيه اللي بتعمليه ده يا زينب؟ مش مكسوفة من نفسك؟ طب هو مجنون، تتجنني معاه؟ افرضي عملتي مصيبة مين هيشيلها غيرنا؟ ولا علشان هو ابن صاحب أبوكي.
صاح بها ريحان بعد ما اشتد غضبه عند رؤيتها تبادل نور القبلات.
ردت زينب بتوتر وهي تتشبث بكف نور:
- عايزة أتجوز نور يا ريحان وبابا، وأنتم مأجلين الموضوع، مع إن المفروض كان يحصل من قبل ما سامر يرجع، وحرفياً من يوم ما رجع والدنيا بتتعقد.
اتسعت حدقة عين ريحان بصدمة من جرأتها وصراحتها، فصاح بغضب وعصبية فيها:
- لا ده انتي اتجننتي يا زينب! مش انتي زينب أختي اللي ربيتيها مع أبويا؟ دول بيعتبروني أبوكي وولي أمرك، ده لسه عصام طالبك منه.
ردت عليه بكل ثقة:
- أيوه انت فعلاً بابا، لذلك أنا ديماً بقولك يا أبيه، وانت الوحيد اللي هتقنع بابا بارتباطنا. إحنا فعلاً مرتبطين، بس ده كله كلام شرعاً لا، ومن حق أي حد يطلبني للجواز.
انتفض نور عندما ذكر اسم عصام وتوجه نحو ريحان يدفعه إلى الخلف:
- خد عندك عصام، وأنا مش هلومه، هو مش غلطان. أعجب بيها زي أي شاب، زي ما أعجب بفيروز. فاكر انت وقتها كنت عامل إزاي؟ أهو أنا كنت هولع فيها.
استمع كلا من ريحانة وأمير إلى شجارهما، فذهبوا إليهم ليجدوا الموقف بينهم على جمر من النار وزينب تبكي وترتعش. نظر أمير إلى ريحانة لتأخذها وتخرج.
فخرجت بها وهي تبوخها على ما حدث. وقام أمير بإبعاد نور عن ريحان يهدئه قائلاً:
- اهدي يا نور، قلت لك ميت مرة الأمور دي مش بتتاخد كده. مينفعش يبقى فيه فرح في ظل الظروف اللي إحنا فيها دي، انت عايزنا نخسركم؟
- أهدي؟ أهدي إزاي؟ انتوا خليتوا فيا عقل؟ دي بتتخطب وأنا واقف مش قادر أقول حتى إنها خطيبتي. وبعدين إحنا مش عايزين فرح، إحنا هنكتب كتابنا.
رد أمير بتردد:
- أنا من الأول كنت حابب إنكم تعملوا كده، بس ذنبها إيه ريحانة ولا أمك؟ دول ممكن يعملوا فيلم إن إزاي زينب وانت بالذات ميتعملش ليكم فرح.
رد نور بدون تفكير:
- مقدرش أعمل فرح يا بابا في ظل الظروف دي، ومقدرش أشوفها قدامي بتتخطف وأسكت. أنا عارف إنكم لا يمكن توافقوا على أي حد بدالي.
تدخل ريحان بهدوء وجدية شديدة:
- يا نور. هي ليك والكل عارف بكده، حتى عصام أنا فهمته إنك خطيبها. بس مش معنى كده مرة أسمع إنكم بتبوسوا بعض، والمرة دي أشوف بعيني.
- خلاص أكتب كتابي، أظن دي حاجة مش ممنوعة، ودي ورقة رابحة للكل، على الأقل لو بوسة زي دي تبقى بحلال ربنا وهي كمان تبقى مرضية.
*************************
على الجانب الآخر، أخذت ريحانة ابنتها زينب ورحلت لكي تعنفها على ما بدر منها. هاتف أمير نورا لكي تلحقها من براثن ريحانة، فالكل يعلم غضب ريحانة.
أمسكت ريحانة شعر زينب واليد الأخرى تلوي ذراعها، ثم استكملت تعنيفها:
- يا ريت بعد كده لو حب البيه المحترم ابن الأصول يشوفك يبقى يكلمنا وياخد الإذن، لأن مفيش شغل تاني في الشركة.
- سامر!
نعم، ذلك الملعون جاء زائراً لشقيقه والده وشاهد تعنيفها لابنتها بسبب نور.
هتفت زينب باسمه بتذبذب، فابتسم بتشفي قائلاً:
- في مشكلة أقدر أحلها يا عمتي؟
التفتت ريحانة نصف التفاته قبل أن تهدر برفض:
- شكراً يا سامر.
ثم مالت نحو زينب، تلوح بيدها أمامها بشرح مبسط وابتسامة مصطنعة أن تصعد إلى غرفتها.
دَلفت نورا في هذه الأثناء لتجد زينب تفر أمامها بحالتها المبعثرة، تنظر إلى ريحانة ومن ثم إلى سامر، تشعر أنه السبب فيما حل بزينب لتردف:
- خير يا جماعة، إيه؟ مالك يا ريحانة متعصبة كده ليه يا ختي؟ ومالها زينب ومين اللي بهدلها إن شاء الله؟ وانت اللي جابك هنا؟ مش عوايدك.
ردت ريحانة رد مبسط، فهي لا تريد إثارة الجدل أمام سامر:
- مفيش يا نورا. أنا كويسة وزينب كمان. وسامر كان جاي يسأل عليا ومروح. يلا يا سامر مع السلامة، سلملي على ماما لما تتصل بيك.
تضايق سامر من أسلوبها، فهي بالفعل تطرده، ولماذا لأجل نورا صديقتها، وبالطبع لأجل زيدان حيث أنه لا يطيق رؤيته.
هز سامر رأسه بعدم ارتياح قائلاً:
- حاضر يا عمتي. وزي ما قلت ليك من شوية أي مساعدة أنا موجود، أنا زي ابنك برضه طالما هو قافل على نفسه من ساعة موت جده. سلام.
رحل سامر لتنظر نورا في أثره بضيق، ثم توجهت نحو ريحانة لتتحدث، وما زال سامر لم يخرج من باب المنزل لتوقفها ريحانة تشدد على حروف كلماتها:
- مش عايزة حد يعرف باللي حصل النهارده في المكتب، وبالذات زيدان. إحنا اللي فينا مكفينا، وبالنسبة للبلوى اللي فوق واللي عندك هنكتب كتابهم.
***********************************.
بعد مواجهته لنور وأمير وعودته إلى عمله، وبمراجعة حديث أمير تذكر الحادث الذي تعرضوا له منذ فترة بمقارنته بحديث أمير، معنى ذلك أن الأمر مدبر، والحادث كان ارتجالياً، كل ذلك لينتج عنه أن نور كان يتجه إلى القيام بليلة حمراء مع أنثى مما جعل ريحان يبغضه ويبغض الزواج من شقيقته. ولكن تذكر كلمات والدته جيداً وهي تتحدث مع أهل البنت وهي الصديقة المقربة لابنتها:
- مش بدل ما تنتقموا منه وهو مفيش دليل يثبت إنه عملها، كنتم ربيتوها وعلمتوها تبطل تتبلى عليّ ولا الناس.
كان ردها صفعة للجميع! ليعلم أن الهمجية ليست سوى استعراض للقوة، حين يحدث العجز عن الهيمنة الفعلية.
انتهى من عمله وعاد إلى المنزل:
- عامل إيه يا حبيبي؟ ريحان، أنا مش عايزة إياك تربط اللي حصل في المكتب النهارده باللي حصل من فترة. نور بريء وأهل البنت اعترفوا بكده.
قالتها ريحانة بحنو وهي تحتضن ريحان.
رد ريحان بعتب:
- أنا كويس يا ماما، وفاكر اللي بتقوليه جداً. بس ديماً مفيش دخان من غير نار. البنت اللي اتهمتوا في نفسها بقت أكتر صديقة له وديماً بتزوره.
ابتلعت ريقها بصعوبة وأردفت بألم:
- يا ريحان دي صاحبة أختك وهي في ضيقة، واحد بقي منه لله ضحك عليها وغرر بيها، ونور بيحاول على قد ما يقدر يرجع ليها حقها.
نظر إليها بعبوس:
- يعني إيه ومين الزفت ده؟ وهي مش بترفع عليه قضية ليها زي ما رفعتها على نور؟ الكلام مش منطقي يا أمي. الغريبة إنك دافعتي عنه زي ما يكون انتي عارفة مين اللي عمل فيها كده.
ثم استطرد قائلاً:
- ماما متتخبيش عني حاجة من فضلك، أنا مش بابا هتخافي عليه ليرتفع الضغط ولا السكر، لا أنا ابنك. وبعدين ليه مش بتستغلي مكاني وبتطلبي مني أرجع الحقوق؟
- وأنا معرفش مين اللي غلط معاها، نور رافض يقول هو مين وكل شوية يقولي هتصرف. المهم سيبك انت من نور وزينب، هتعمل إيه مع فيروز؟
صمت وأشاح بوجهه إلى الجانب الآخر لتتابع ريحانة بمرح:
- أه كده أنا فهمت، البت راحت في الوبا. أما أقولها تلحق ترسم نفسها، طالما بترسمنا كلنا، أهو على الأقل تبقى صورتها ذكرى جميلة ليك انت بالذات.
جحظ بعينيه، فهو لا يعلم عنها أنها رسامة، وتلك الموهبة قد تفيده مستقبلاً:
- يلا قوليلها.. قوليلها كمان تبطل تتأمل في ملامحي لأنها متغيرة، صعب أثبت على صورة. وعيب أوي لما تصيع على ظابط وتقعد تبص ليه علشان ترسمه.
أومأت بلا تردد يذكر، فتابع موضحاً ومحدداً عن أي زمان يتحدث، فكلاهما جنباً إلى جنب ولكن بأرواحهما منذ ثلاثة لأربع أشهر.
- قبل ما أسيب هنا وأروح القاهرة في مأمورية، لما جيت قلت لك إني مسافر، وإني مش عارف هرجع إمتى، وهشوفك تاني ولا لا.
قالت له:
- قلت لك اللقا نصيب. ولقائك بفيروز بعد ما رجعت نصيب. ولازم تتأكد من كده، بلاش تكابر زي أبوك زمان لما كنت نصيبه وكان بيعاند.
***********************
مع نسمات صباح يوم جديد استيقظت فيروز بكسل ونظرت إلى الهاتف وجدته يضيء باسمه، فهبت واقفة:
- يا لهوي! هو بيتصل بيا ليه ياربي؟ أنا ما صدقت أخلص منه وينساني بقى. أوف، أكيد طنط ريحانة مش هتهدي إلا لما أكون معاه. أعمل إيه؟
ارتعشت من الرد عليه وهمست بخوف وهي تضغط على زر الإيجاب:
- أنا اتصلت عليكي وأنت فتحت السكة وقفلتها تاني. تحب أعملها معاك انت كمان ولا سماح المرة دي؟ أه، انت مش أحسن مني يا أبو الشريط الأحمر.
أومأ بابتسامته اليائسة تتشكل فوق شفتيه، وهو يضيف لكلماتها ما يقصده منها:
- كنت بقول إنك حكاية وهتعدي، وفعلاً عدت من يومين... أنا بس مش عارف إزاي أبوكي مر عليه تلاتين سنة وهو حر بالشكل ده؟
صمتت تستمع إليه بانصات، تستند برأسها للحائط خلفها، وأشعة الشمس تضرب عينيها فتظهر لمعة مختلطة بشجن في مقلتيها، لتتحدث تبتلع غصة في حلقها باختناق:
- أنا كنت فاكرة إن كل حاجة عدت، بس عمري ما نسيت كل لحظة مد إيده عليا فيها، ولا قرر يعاقبني علشان دافعت عن ماما أو أخويا الله يرحمه، بس بعد ما مات حسيت إن ولا حاجة عدت.
- هي إزاي والدتك ما حكتش ليا حاجة عن موضوع أخوكي ده؟ وإمتى مات وإزاي؟ لا يكون أبوكي قتله، ما هو مجرم ويعملها كل ده وكنت هتروحي معاه؟
أردف ريحان بهذه الكلمات وهو يستشيط غيظاً، كادت فيروز أن ترد عليه لكنه قاطعها بغضب:
- بتفكري في إيه لسه؟ واحد قتل أخوكي وكان بيعتدي على أمك قدامك وكان بيضربك. للدرجة دي مفيش كرامة؟ ومتقوليش إنه أب، ده عديم الإنسانية.
واستطرد بصوت أفزعها:
- ساكتة ليه؟ علشان بتكلم صح؟ أيوه انتي معندكيش كرامة، كنت مفكرة إنك واحدة بتراعي كرامتها، ما أنا كنت قدامك راحة تتفقي مع عصام؟
توترت ثم أردفت برجاء:
- كنت عايزة إياك ترجع تشتغل تاني يا ريحان؟ وبعدين ما أنا كنت قدامك وطلبت منك تحميني منه، انت كان ردك إيه؟ فضلت ساكت وسرحان.
تحدث بجدية:
- خلصانة، طالما سكت يبقى موافق. نظام سرحاني ملكيش فيه، ولا كلية الفنون الجميلة لحست مخك وبقت تخليكي تتأملي الناس وهي سرحانة؟
تنهدت فيروز بعمق ثم أردفت قائلة:
- خمس شهور وأنا بحاول أرسملك صورة ومش عارفة، هل انت حزين ولا مرح ولا عصبي ولا حنين ولا عاقل ولا مجنون؟ ملكش كتالوج.
- نعععم. بت انتي بلاش شغل الرسامين المجانين ده. الشغل ده تروحي تلعبيه على أمي، واحدة بتاعت عطور وورد فنانة زيك، أنا لا فهماني؟
ردت فيروز بابتسامة خفيفة:
- مش بقولك خمس شهور مش عارفة، وأهو شخصية جديدة ظهرت أهي، مغرور مش مسموح إنك تسمع حد، وأنا هسيبك كده ومش هبرر ليك حاجة.
عقد حاجبيه بتعجب شديد ثم أردف بسخرية:
- وإيه الشغف في رسمي يا فيروز؟ إيه وشي هيبقي الراعي الرسمي لمشروع التخرج؟ يالا يا بت، ده انتي لسه ما اتخرجتيش و هتعملي عليا رسامة؟
ردت بحرج واضح وظاهر في نبرتها:
- معلش أصل مش معايا فلوس أكمل آخر سنة. وده اللي دفعني إني أشتغل عندكم في شركتكم، بس انت لسه قايل إن أكتر واحدة هتفهمني هي ماما ريحانة.
صمت ريحان لعدة دقائق ثم أردف قائلاً:
- لا مش هتشتغلي معاها، انتي هتكملي السنة اللي فاضلة وعلى حسابي الشخصي، وممنوع الاعتراض. لو اعترضتي انسى إنك عرفتيني.
- للدرجة دي مش حابب تشوفني؟
شهق فجأة! لقد صنعت فيروز من ريحان القوي العضلات قلباً أصبح هشاً لا يريد فقدانها! قلب يريد أن يصرخ... يبكي... يشهق في لوعة على فقدانها... يود خنق عنق والدها المسخ الذي لا ينتهي أبداً أو يقطع عنقه ليصبح بلا رأس.
- انتي عايزة إيه؟
خرجت نبرته كنبرة عجوز يائسة ليشعر أن افتقداها يوماً سيكون كألف عام.
كادت أن ترد عليه لولا اقتحام والدتها صفا عليها الغرفة:
- أنا عايزة أعرف، طالما الهانم صاحية بدري سايبة البيت يضرب يقلب ليها وعمالة تتساهل في التليفون، انتي بجد بقيتي مملة ومعندكيش ذوق.
قالتها صفا لفيروز ببعض من العصبية بعد ما سمعت أنها تتحدث في الهاتف مع أحد.
ردت فيروز ببرود وهي تغلق هاتفها لإنهاء المكالمة عندما سمعت صوت صفا الغاضبة:
- ما فيش حاجة في البيت تتعمل، أنا مظبطة البيت كله قبل ما أنام. أنا مقدرة عصبيتك وإنك مفكرة إني بكلم بابا، بس اطمني ده ريحان كان بيستجوبني.
ردت صفا بصرامة:
- لا مش مفكرة إنك بتكلمي أبوكي، لأني عارفة إن لا يمكن تجرؤي، بس مش علشان مطلعش أبوكي تردي حتى على ريحان. اتلمي يا فيروز.
ابتسمت لها فيروز باستفزاز وأردفت قائلة:
- خلاص دلوقتي كمان ريحان ممنوع؟ مش ده ريحان اللي انتي مستعدة إنك ترميني في سكة علشان يوصل لأبويا ويحرقه؟ مالك يا ماما؟
زفرت صفا في نفاذ صبر قائلة:
- يا فيروز أنا عمري ما هرميكي في سكة حد. آه عارفة إنه بيحبك، بس في نفس الوقت متأكدة إن زيدان رافضك، مش عايزة حد يقول صفا بترمي البت عليه.
ردت عليها فيروز وهي تتجه نحو المطبخ لتقوم بتحضير الإفطار:
- ولا أنا كمان ولا هو، ده حتى رفض إني أشتغل مع أمه، والحجة إني لازم أخلص آخر سنة. قالي يعني مهتم، الظاهر إن دي أوامر زيدان.
ثم استطردت بحزم:
- يلا يا أمي تعالي نفطر وهنزل بعد كده أدور على شغل بعيد عنهم طالما ما عدتش لازماهم. وأرجوكي بلاش تعترضي ولا تروحي تقوليلهم.
خرجت صفا من المطبخ وهي تهتف لنفسها بإصرار:
- برضه هقول يا فيروز، لأني مش ضامنة. حساكي بتكذبي عليا وبتقولي كده علشان تبعدي عن العيلة دي، والحجة كلامه هو اللي عايز كده كان قالي.
***
هي لا تكترث لدنيا تعاندهم، هي تصر في كل مرة أن تضع صوب عينيه حقيقة ووعد، عقد وميثاق، يتمثل في قول بسيط:
- أنا جنبك، مهما كنتي مين.
انتهزت فرصة خروج والدتها للعمل وذهبت لتقابله:
- ها، قولتي إيه؟ مصممة برضه تشتغلي عند أمي وتسيب السنة اللي فاضلة؟ عموماً براحتك، أنا مش بحب أجبر حد على حاجة خصوصاً لو الحد ده غريب عني.
صمتت فيروز عدة دقائق بعد ما قاله، كيف يريد استكمال دراستها وبنفس الوقت يعلمها أنها غريبة، بل هو الغريب يهتم ويدعي عدم الاهتمام.
قطع تفكيرها صوته:
- كملي يا فيروز، أحسن من شغلك كده مش هتثيري الشك وهيفكروا إنك بعدتي عننا وهيشيلك انتي ووالدتك من حساباته، لكن طول ما انتي قريبة هيبقى صعب يقع.
شعرت بسخريته منها فردت بضيق:
- ما هو أنا علشان أكمل لازم أشتغل علشان يبقى معايا فلوس. أنا لو عايزة أكمل مش هستنى أمر عسكري لا منك ولا من زيدان أبوك، ولو على البعد هبعد.
رد عليها بجمود:
- انتي شايفه نصيحتي ليكي أمر عسكري؟ خلاص سميها زي ما تسميها، بس انتي مش قدامك بديل غير كده وهتعمليه غصبن عنك، أنا أقدر.
ردت بتعجب:
- طب وهتقدر إزاي؟ انت لا أبويا ولا أخويا ولا جوزي. أعتقد دول تلات أفراد ممكن يتحكموا في حياة أي بنت، انت ولا واحد من دول.
صرخ في وجهها بغضب:
- ملكيش فيه، أنا لما أقول أقدر يبقى أقدر. أنا ممكن أخليكي تعملي اللي في دماغي وانتي كمان راضية ومبسوطة، وبعدين متنكريش إنك فرحانة.
شهقت بخوف ثم ردت بنبرة تحمل في طياتها الرعب منه:
- أه فرحانة، وأنا هنكر ليه؟ أنا بس كان نفسي أعرف إيه الغرض من القرارات دي ومين اللي وراها، لأن لو اللي وراها والدك فأنا برفض.
تعجب من خوفها المفاجئ منه، لكنها كانت من داخلها تبتسم وتحدث نفسها قائلة بخبث:
- بقي بتزعقلي يا ريحان؟ طب قابل بقى، فاكرني أمك ريحانة لما كانت بتخاف من جيمس بوند أبوك؟ لا انسي يا بابا، لا أنا ريحانة ولا انت زيدان.
لاحظ شرودها فقال:
- تقدري توافقي على القرار وانتي مرتاحة؟ لأ، ده صوت دماغي، وحذاري يا فيروز تلفي من ورايا وتروحي تتفقي مع عصام ولا نور.
توترت ليستطرد قائلاً:
- وأمي كمان، بلاش تاخديها حجة علشان تتكلمي مع عصام ولا نور ولا أي حد غيرهم. ابتديت أحس لو ليكي سكة مع سامر هتكلميه هو كمان.
ثم أكمل بصرامة:
- يلا أنا اتأخرت كتير، وانتي كمان بلاش والدتك تاخد بالها إنك بتخرجي من وراها وتسود عيشتك، مش انتي خارجة من وراها برضه؟
نهضت وقبل أن ترحل مدت يدها تصافحه بامتنان:
- شكراً على كل حاجة بتعملها معايا سواء هيكون ليك مصلحة من وراها أو لوجه الله. شكراً على وجودك في حياتي أنا وماما. واللي بتعمله ده هيكون دين في رقبتي.
هز رأسه بصمت وشرود، ثم بدأ في الاطلاع على الأوراق التي سقطت من حقيبتها عندما قابلت والدته وعصام ونور للاتفاق، وقامت والدته بإعطائهم له.
*******************************
رواية غيبيات الفيروز الفصل العاشر 10 - بقلم مروة البطراوي
بعد مرور شهر كانت تجلس أمامه على حافة فراش في مشفى، في زيارة سريعة له عندما علمت بمحاولة اغراقه في البحر بعد صعوده إلى اليخت الخاص بوالدها ليتم الهجوم عليه من الخلف و ضربه في مؤخرة رأسه و من ثم قذفه في الماء.
كل هذه الأحداث جعلتها تخشى حقيقة ما تفوه به داوود كبير مساعدي والدها كاعتراف، وهو ثائر ليس بهذيان، أو طيش، أو تخبط وندم على ما فعله، عندما أخبرها أن ما افتعله بريحان تفسير أمثل لمشاعره نحوها والتي تعدت نطاق الحرب مع ناشد.
فهو علم بعشقه منذ لحظة المطعم من نظرات ريحان لفيروز ولقاءاتهم المستمرة، يكفي له أن يرى ذلك فيهم ليقسم أنه لن ينجو يوماً من طوفانه وسيدفع رغباته إلى الهلاك بعيداً عنها.
انتهت الزيارة بينهم واختفت مرة أخرى حتى أن والدتها لا تعلم أين ذهبت ليبحث عنها من جديد.
جاءه من يخبره أنها تقطن مع والدها، أخذ يفكر ويفكر، أهي رغبتها أم أنها عملية اختطاف لها من ناشد.
تجالد بالصبر لا يريد الذهاب إليها إلا إذا كان متأكداً، وبالرغم من ذلك كان يريد تضييق الخناق على ناشد والتخلص منه.
وها قد أتته الفرصة وبنفس الطريقة التي اختارها ناشد في الخلاص منه في عرض البحر، حيث عقد ناشد اتفاقه على تسليم صفقة الكوكايين على يخته.
وبالمصادر السرية كانت حفل خطبة فيروز على ابن شريكه لتشتعل الدماء في عروق ريحان ويتأكد أنها مجبورة ليعزم أمره على خلاصها من ذلك الوغد.
قام بالعمل على اليخت كأنه من ضمن طاقم العازفين، وذلك لأنه من ضمن هواياته العزف على البيانو، تخفى في قناع بسيط ونظارة تخفي كامل وجهه، يجلس خلف البيانو يعزف لحناً رومانسياً يتمنى أن يتحول إلى لحن مأتمياً.
ولكن سرعان ما تبدل حاله وهو يراها بفستانها البندقي تتراقص مع ذلك الوغد وهو يتحسس مفاتنها.
لم يتمالك أعصابه وقرر أن يعطي إشارة البدء في الهجوم، وقد كان.
قاموا بضبط المخدرات ومن ثم القبض على ناشد لتلتفت هي وتنظر له بكل برود، ترفع طرف ثوبها لتنزع السلاح الخاص بها والذي قام ناشد بشرائه إليها وتضع أمام مقدمة رأس ريحان.
ناشد يبتسم بشماتة بينما ريحان لا يصدق عينيه مما يراه، لتتفوه هي بكل شر:
"سيادة الضابط ريحان، هتسيب بابا حالا وإلا أنت عارف مصيرك البحر بس هتنزله مقتول. المرة اللي فاتت فشلنا، المرة دي على إيدينا هننجح."
نظر إليها بصدمة لتتكرر صدى كلمات زيدان له وهو يقول:
"منتظر إيه من بنت تاجر في المافيا؟ كان عنده الفرصة يغير نفسه ومقبلش وضيع خالك والكل."
كانت إجابة قلبه هي عشقها، ولكنها إجابة مميتة له وللجميع.
ارتعش السلاح بين قبضتها من هول ما رأته أعينها، ها هي النيران تندلع على أرض القارب الكبير تصيب والدها ورجاله بحرارتها القاسية، لنخفي أجزاء منهم في لحظة، حيث حجب ضوئها رؤيتهم عنها، لتجد نفسها وحدها أمامه.
ويعود ويفرد أجنحته أمامها ليريها عقابه ويعود أكثر عنفاً وهي أمامه مجرد مسخ بدأت النار تلتهم قدميها.
ينظر إليها بعين القاتل الفاجر الذي حان دوره في الانتقام ورد الطعنات لها، فقد عماه الغضب بعد ما تفوهت به وجرأتها على قتله، تقدم منها كالبارود، وأنفاسها بدت حارة لديه، لاستدراكها أنه قد حان لحظة الهزيمة خاصة عندما نظر لها نظرات قاتمة، تشعر أنه ليس رجلاً واحداً بل هو اثنان، كلاهما بشخصية مختلفة.
ترى هل سيصلح أن يكون رفيق رحلتها أم عدوها الذي سيستولي عليها الآن ويعاملها معاملة الرقيق؟
تعالت أنفاسها الحارة كلما اقترب منها، كانت تلهث وتنهج من غضبه، أخذت تبحث عن شيء يطفئ لهيبه ولكنها انتفضت عندما سمعته يحادث رجاله:
"اقتلوا ناشد."
مرت عليها هذه اللحظة ثقيلة مربكة، أرواح ستتطاير أمامها، وأرواح ستثور، دقيقة واحدة أربكتها رغماً عنها، تشتت ذهنها للحظات، وعيناها تراقب الرجل الذي كان سيكون زوجها وهو يختفي بوالدته وشقيقته.
وريحان يراقب نظراتها ليعود بنظراته إليها ويمتلكها في قبضته ليعلمها أنه مالكها الأصلي وأنها من الرقيق التابع له والرقيق يعود لصاحبها.
كانت تشعر بجسدها تحت قبضته يعتصر لتصرخ صرخة جعلته ينتفض من مضجعه وينظر إليها نظرة شاخصة ومن ثم يقلبها مكانه ويضعها أسفله ويميل فوقها يحاول الفتك بها بعد ما شاهده منها في حلمه.
وما كادت تحاول التملص منه حتى دلفت عليهم زينب التي صعدت بها إلى غرفته وذهبت لترد على اتصال هاتفي من نور وتركتها، فجلست بجواره تتأمله وهو نائم ولا تدري أنه يحلم بها أسوأ أحلامه.
انتفض ريحان من فوق فيروز وابتعد عنها بعد دخول زينب المفاجئ عليهم، لتنهض فيروز ببطء تنظر إلى زينب بخجل تعتقد أنها تظن بها سوءاً.
ولكن كان ما يدور بخلد زينب كيف حدث ذلك ومن شقيقها لترتبك فيروز ناظرة إليها وإليه وهو مازالت أباصرة شاخصة:
"بقولك يا زينب أنا عايزة أكلم ماما أعرف إني هنا فاتها قالبه عليا الدنيا خصوصاً إني عرفتها إني مش هتأخر وبليز بلاش تفهمي غلط اللي حصل..."
أوقفتها زينب بحذر:
"إنتي بتقولي إيه يا فيروز؟ أنا لا يمكن أسئ الظن وأبني حاجات على مجرد موقف صدر منك أو من ريحان. وبعدين فين موبايلك؟"
"مش ريحان صلحُه؟"
قالت زينب هذه الكلمات وهي تشير إلى الهاتف الذي بيد فيروز لتبتسم فيروز بسخرية:
"موب مين اللي اتصلح؟ الموب يستقبل مكالمات بس لكن مش بيتصل، ويا عالم ممكن تكون المكالمات دي متراقبة، مش اتصلح على إيد ظابط."
كادت زينب أن ترد عليها ولكنها ابتلعت كلماتها بذعر حينما سمعت صوت زمور سيارة والدها:
"متتحركيش من هنا ولا تتكلمي، صوتك ما يطلعش بره الأوضة دي. آه ولا نفسك كمان. فهماني؟ إحنا أرواحنا بإيدك دلوقتي. أنا اللي جبته لنفسي."
نظرت إليها فيروز بتعجب وذهول:
"إنتي مالك بقيتي عاملة كده ليه؟ وبعدين أنا عايزة أمشي حالا يا أما هصوت وألم عليكم الناس وأقول إن أخوكي المحترم حاول يعتدي عليا."
قاطعتها زينب سريعاً وأخذتها نحو الشرفة لتريها سيارة والدها قائلة:
"طب بصي تحت كده. دي إيه؟ دي عربية بابا. وريحان في فترة علاجه يعني أكيد هيطلع يشوفه، يبقى لازم تستخبي وبسرعة لأن أنا وإنتي هنروح في داهية."
أدخلتها غرفة الملابس وأغلقتها بإحكام حتى كادت فيروز أن تختنق.
وما إن أنهى زيدان اطمئنانه على ابنه وخرج كانت هي بالغرفة تلعن ريحان وهي تعدو الغرفة ذهاباً وإياباً.
وبينما هي تعدو لمحت طيفه فنظرت خلفها سريعاً وتسمرت بذعر ثم ارتجفت عندما اقترب منها:
"ريحان. إيه اللي بيحصل ده؟ يخربيت اللحظة اللي فكرت فيها أجي أطمن عليك. إيه المورستان اللي في بيتكم ده وإيه اللي عملته معايا ده؟"
كان ينظر لعيناها ويتذكرها في حلمه فيستشيط غضباً ويهمس بنبرة شيطانية:
"أنا كنت بحاول أعتدي عليكي؟ طب تيجي إزاي وإنتي اللي جيتي هنا برجلك. وبعدين تعالي هنا إنتي إيه اللي جابك وإيه اللي فكرك بيا؟"
ثم استدار حولها يتلمس ذراعيها المكشوفين لدرجة أصابت بدنها بالقشعريرة:
"أنا كنت هكسر دماغك بإيدي لولا دخول زينب. بصراحة بعدك الطويل وقربك المفاجئ بيشككوني فيكي، لدرجة إني بحلم بيكي بتخونيني."
ابتسمت بخفة:
"لا طبعاً مين قال كده؟ وبعدين مين دي اللي تقدر تخون ريحان الجمال؟ أنا ببعد عشانك وعشانى وبقرب لما ما بقدرش على بعدك كتير."
صاح بغضب لأنه لا يريد ضعفها في نقطة عدم تحملها البعد عنه:
"إنتي لازم تكوني أقوى من كده. لسه هتحطي في اختبارات وتحت ضغط كبير وناشد مش هيسيبك في حالك. ممكن نفضل قريبين بالفون."
انتفضت بخوف عندما ذكر اسم ناشد وسألته بتوجس خائفة من رده وقد تبين ذلك في نبرتها:
"إحنا مصيرنا هيكون إيه يا ريحان؟ تفتكر في يوم هنكون لبعض؟ زوجين عايشين تحت سقف واحد ولا ناشد مش هيخلص وهيخلص علينا؟"
رد ليغيظها حتى يكشف ما بداخلها:
"وهو ده هيخلص أبداً؟ وحتى لو خلص زيدان موجود وممنوع في حضرته إن ده يحصل. شوفت عينك زينب خبّتك هنا خوفاً منه ومن اللي هيعمله. تعالي غيظها."
ودت تكتم مشاعرها ولكنها لم تستطع فقد أخرجتها بحرج وهي تفرك يديها في توتر وارتباك:
"أنا آسفة مكنتش أعرف إن الموضوع صعب ومستحيل للدرجة دي. إنت معاك حق، هنكتفي بالتليفونات ولو ناشد كلمني هعرفك أول بأول."
نظر لها بحب واضح جعلها تندهش ثم قال باهتمام:
"تعالي نخرج بره. أنا نسيت إنك بتتخنقِ من الأماكن الضيقة. معلش بقي لسه تأثير وقعة البحر معلم على دماغي وما فيش توازن. حتى أحلامي كوابيس."
تبعته ليتجهوا إلى داخل الغرفة وقد ظلت صامتة لفترة وتذكرت أنها لم تخبر أمها فسألته:
"هو أنا هروح امتى؟ وهينفع أروح الليلة دي ولا لأ؟ أنا غلطانة إني جيت. ياريتني ما جيت. بلييز يا ريحان اتصرف حتى لو كشفتني عادي."
وضع ساقاً على ساق وأشعل سيجارة قائلاً:
"لما بابا ينام وخدى عندك بقي ده مش بينام إلا لما الحاجة ريحانة تكيفه، لازم نسمع ضحكهم لآخر القصر وبعدها يناموا. شايفة الشغل مش أي واحدة ترتبط بابن الجمال."
ثم استطرد وهو يضع الطعام الذي بعثه ليرسله:
"يلا تعالي نتعشى. فرصة عيش وملح وأول لقمة في بيتي وفي أوضة نومي. سجل يا تاريخ. ريحان اللي ملوش في الألوان بقي له في الفيروز."
حدثت فيروز نفسها:
"أكيد اللي تتجوز واحد من العيلة دي لازم تكون مجنونة عشان تتحمل جنانهم. يخربيت الحب وسنينه اللي وقعني في عيلة زي دي أوووف."
تفاجئت بمن يفتح الباب عليهم ألا وهي سمر ابنة خاله، جائت من الخارج وعلمت بما حدث له فاتجهت على الفور لزيارته.
احتضنت ريحان بقوة ليخرجها من أحضانها ويهينها بقسوة:
"إنتي إزاي تدخلي عليا الأوضة من غير استئذان وإيه ماما ولا زينب المفروض يبقوا معاكي؟ جرى إيه يا سمر بلاد بره علمتك التحرر؟"
نظرت سمر نحو فيروز التي تجاهلتها منذ لحظة دخولها ثم هتفت بتساؤل:
"طب ومين دي يا ريحان؟ دي لا أمك ولا أختك ولا حتى مراتك وخطيبتك ومش لونك يا حبيبي. أنا عارفة ذوقك كويس، ستايل وشيك."
ابتسم بمكر:
"زهقت من الأبيض والأسود قلت أتعامل مع الألوان. أعرفك بفيروز ناشد. أكيد سامعة اسم ناشد كويس من أبوكي. أهي دي بقي اللي هتبقى مراتي."
صدمت فيروز وبشدة ليرمقها بنظرة خبيثة جعلتها تشعر بالنشوة.
ولكنها تفاجئت من صوت سمر وهي تنتحب باصطناع:
"يعني إنت خلاص هتتجوز يا ريحان؟ وتنساني وتنسى حبي ليك ده أنا عاندت الكل عشانك. ده أخبار بابا وسامر بتوصلك عن طريقي."
أومأ لها ببرود تام مما جعل فيروز تظن أنه يستخدمها لمعرفة الأخبار:
"ودي كمان بتجيب لي أخبار ناشد أبوها. بس في فرق إني بعشقها لأنها مش بالساهل بتعرفني حاجة. ودلوقتي إنتي دورك انتهى اطلعي بره."
صاحت سمر بصوت عال غاضب كي تفتعل فضيحة مثل ما أملى عليها سامر شقيقها:
"لا أنا دلوقتي دوري بدأ. أولاً هقول للسيد الوالد اللي استحالة هيرضي ببنت ناشد. ثانياً هقول لأبو الأمورة يجي يلم لحمه المبعثر في أوضة النوم."
لم يتحمل كلمة إهانة واحدة على فيروز حيث قام بصفع سمر بقوة شديدة جعل فمها ينزف دماً.
ولكن فيروز لم تنظر للموقف على أنه رد لإهانتها، ولكن أصابها الذعر أن يكون نصيبها مثل سمر يوماً ما.
خاصة عندما سحب سمر أمامها ليلقيها خارج الغرفة وهو يحذرها:
"ابقي فكري بس تعرفي واحد من الاتنين حصل إيه جوه الأوضة دي وأنا هقول على عملية العذرية اللي روحتي عملتيها من ورا أهلك."
حين ابتعد عنها بجسده العملاق كانت الأخرى بالداخل تحتلها ثورة في أوجها، تتشكل في وضع هجومي غريب، حيث كان وجود سمر الآن أشبه بسهم ضخم اخترقها.
تحاول استجماع شجاعتها لتعترضه في تحدي، إلا أن سرعته وقوته بدت قاصمة لها.
كل خططها للانسحاب الآن فشلت فشلاً ذريعاً لن يقدم لها سوى فقدان أشياء كثيرة.
حيث كان مرتكزاً عند باب الغرفة بعد رحيل سمر يتقدم نحوها ليحاصرها.
إشارة نظر سريعة بينه وبين فيروز التي جمدتها الصدمة ليجدها تحتضن نفسها وهي تحاول أن تهدأ من ذعرها.
فنظرت إليه بقلق لم يستطع إخفاءه:
"هو اللي حصل دلوقتي خوفك مني يا فيروز؟ فيروز سمر بالفعل كانت مصدر معلومات. بس إنتي مش زيها. سمعتيني بقول عنك إيه؟ عايزك تصدقي."
كان يقترب منها ولكنه توقف عند سماعه تقول من بين شهقاتها وبكائها:
"أخويا ديما كان بيقولي إنه بيكرهه ووصاني إني لو كرهت أبعد وأنا كرهت يا ريحان. أنا لا يمكن أكون زي سمر حتى لو في نقطة صغيرة."
نظر إليها بصدمة وتنهد بحزن ليصدر كلمات متألمة:
"روحي يا فيروز. وزي ما قلت لكِ متجيش هنا تاني. ليه بتعذبيني وبتعذبي نفسك طالما مش مصدقاني؟ صعب إني وأنتي نصدق بعض."
حاولت أن تنظر له بهدوء يسبقه العاصفة حتى لا ينفعل عليها كعادته:
"ريحان. أنا خايفة جداً بالطريقة دي أنا ممكن يحصلي حاجات كتير. أرجوك سيبني في حالي. نفسي أرجع هادية زي زمان، نفسي أنام ما أقلقش."
ثم استطردت وعيناها تحتد بعاصفة غضب:
"وبعدها هاجيلك بنفسي عشان في حاجات كتير لازم نعملها سوا. أنا مش لعبة يا ريحان. ساعات تقول إني شريكة عمرك وساعات مش مناسبة."
أنهت حديثها ثم تنهدت بعمق ليتراجع هو عنها ويتركها تخرج من الغرفة لتتجه نحو منزلها تحاول استدعاء النوم وبعمق.
ربما من قلة التفكير والطيش أن نخوض حرباً لا نعرف فيها قدر خصمنا، لكن الأكثر طيشاً هو أن ترمي نفسك فيها دون درايتك لأمورها جيداً، خاصة إذا كان خصمك يتحكم في عقله حقداً لسنوات عديدة.
أما أنت فدوافع الإنسانية بداخلك تجعلك أكثر هشاشة أمامه، وذلك تحت عالم يحكمه الذكاء والخبث، فتصبح أنت الضحية الوحيدة.