تحميل رواية غيبيات الفيروز بقلم مروة البطراوي pdf
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كل التجارب السيئة صنعت ما نحن عليه الآن. فالقوة والإرادة لم تأتِ من فراغ وعيش مترف، بل هي نتاج أيام بل شهور وربما سنين تجلدنا فيها. اشتد الساعد وتكاملنا لنصبح نحن. لحظة فاصلة وعمر فارق. نجاة أو نهاية. الحياة أمامها تفتح أبوابها والموت الذي تمنته يبحث عن يدها. كابوس عمرها يدعوها إليه. شيطان لا يعرف الرحمة أو الشفقة، وعالم لم تختبره، ربما هو أقسى صورة. صفا المنكسرة بعد قوة، صورة ناشد وركلاته، بعد الأمان لكمات وصفعات عائلتها، بعد وفاة جدتها، إيذاء حاتم ابن عمها المتعمد لها دون أسباب. لحظات وجدت فيه...
رواية غيبيات الفيروز الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مروة البطراوي
كما وعدته ستأتي بعد أن هدئتها.
طلبت منه أن يأتيها أسفل بنايتهم.
كان يقف معها أمام البناية.
تبتلع ريقها وهي تخبره بموعد رحيلها عنه هو وعائلته، وعن تدبيرها عمل آخر في محافظة أخرى تأويها هي ووالدتها.
أخذت تمسح العرق من على جبينها، وبين كل خبر والآخر كانت تشكره ولا تعلم على ماذا تشكره.
كان شارداً ولكن ليس مغيباً في عالم آخر، كان مرتكزاً بعينيه نحو رجل يغادر هو الآخر من البناية لينظر إليها بجمود ويتحدث بسخرية:
- إيه خايفة يا فيروز بعد اللي قالته سمر؟ ولا متفقة تهربي مني مع حد؟ عموما لو اللي في بالي صح، مش هرحمك.
أنتِ عارفة انتي بتلعبي مع مين؟ بتلعبي مع راجل عشقك بكل ذرة في كيانه، بس انتي عمرك ما قدرتي ده، ما بتصدقي تسمعي أي كلام من أي حد وتهربي.
نظرت إليه بتوتر وهو ما زال ينظر إلى أثر جارهم وهو راحل بسيارته:
- لا طبعاً. سمر مين دي اللي هخاف من كلامها ولا أعملها اعتبار؟ حتى بقي هروبي مع حد دي حاجة تخصني، وما فيش حاجة أصلاً من اللي في دماغك المريضة. وبلاش كلام عن الحب والعشق، مش لايق عليك. انتي لو بتحبيني كنت عملت كتير علشاني، لكن أنا اللي بعمل.
نظر إليها بغموض ثم أردف بجدية:
- البيه ساب البيت في نفس اللحظة اللي انتي عايزة تسيب فيها البلد. أنا مش عبيط وكنت عارف إنه بيتردد على شقتكم ديما يعرض المساعدة، ومامتك الغلبانة مش بترد.
نظرت إليه بذهول ومن ثم صاحت بغضب:
- انت ازاي تتهمني في حاجة زي دي؟ وبعدين أنا حرة. انت مش جوزي زي ما قلت لسمر. وبعدين مش انت قلت إنه صعب نصدق بعض؟
نظر حولها ليجد أنه تجمهر الناس من حولهم، ليجذبها من ذراعها ويدخلها سيارته رغماً عنها وهي ما زالت تصيح.
ليضرب على مقود السيارة:
- وطّي صوتك. أنا مش بحب الصوت العالي. إيه علاقة إننا مش بنصدق بعض بالموضوع ده؟ وبعدين أنا أقول اللي أنا عايزه، وانتِ مش حرة.
استشاطت غضباً بسبب حماقته سواء في جذبه لها أو حديثه:
- عايزة أبقى حرة. مبقتش قادرة إن كل واحد يدخل حياتي يتحكم فيا. وانت مالك بصوتي. أنا عايزة أصرخ وأصوت وأموت نفسي. تعبت.
نظر إليها بغضب لدرجة أخافتها منه:
- متخليش غضبك يعميكي يا فيروز ويخليني أجوزك غصبن عنك. تعرفي إنّي ممكن أعملها حالا؟ بس أنا بحب كل حاجة تيجي في وقتها.
واستطرد بخبث وهو ينظر لها نظرات ماكرة:
- عادي أكلم الست الوالدة تنزل حالا وأتجوزك وأخدك على القصر، وبدل ما كنتي بتزوريني في أوضة نومي تبقي أوضتك يا حياتي. إيه رأيك؟
بينما هي تتخيل الأمر لم تشعر باقترابه الشديد منها ليلتهم شفتيها ويلتهم كلماتها في جوفه.
لتدفعه بعنف وتهبط من السيارة سريعاً متجهة نحو باب البناية، ولكنها قبل أن تدلف توقفت واستدارت خلفه شاهدته مغمض العينين يستكمل سكرته من قبلتها وشفتاها الكريزيه:
- الظاهر إن انت اتجننت. ومبقتش عارف انت بتعمل إيه. إيه رأيك لما أقول للبيج بوص زيدان الجمال على عمايلك الوقحة؟ وأهي فرصة.
صعدت إلى شقتها ليتبعها هو الآخر بخطوات واسعة حتى توقفت نحو باب شقتها تحاول فتحه، ولكنها نست المفتاح بداخلها ووالدتها غير موجودة.
لتلفت تجده خلفها تنظر له بقلق من نظراته المريبة:
- انتي إيه اللي طلعك ورايا؟ عايز إيه؟ لو قربت مني هصوت وألم عليك العمارة. يا أخي أنا مبقتش قادرة لعمايلك دي. هتستفاد إيه مني غير موضوع ناشد.
اقترب من أذنها وهمس إليها بهمس أشبه بفحيح الأفعى:
- ليه مفيش حاجات تانية أستفاد منك فيها؟ وبعدين هو انتي فاكرة لما تهدديني بوالدي زيدان الجمال هخاف وأبعد عنك؟ ولا هو هيجبرني؟
تلألأت الدموع في عينيها ليلمع لون الفيروز بهما كثيراً لتردف بخوف:
- يعني إيه؟ أبوك أكتر واحد بيكرهني. وده اللي مخليني واثقة إننا حكاية لا يمكن تكمل. هتعاند أبوك؟ ساعتها هيكسرك ويكسرني. وأنا مش في حمل كسرة تانية.
على الفور داعبت أنامله وجنة فيروز ونطق بعاطفة تغمر صوته:
- هتوحشيني لحد ما تكوني ليا وأنا ليكي.
حاولت نطق اسمه بعد كلماته هذه، ولكنها سارت كالطفلة الصغيرة التي تتلعثم.
شعر بصعوبتها ليقترب منها يساعدها لإخراج اسمه لتسقط عينيها أرضاً، وما أن رفعتها حتى اتسعت حدقة عينيها بصدمة ليلتفت نحو القادم من خلفه وهي تهتف بحنق:
- ناااشد.
هنا شعر ريحان أنها تبغضه، خاصة عندما نطقت اسمه وليست كلمة أبي.
ربما لم يصبه حقد مثل هذا يوماً ما، هو فقط شعر الآن أنه من حسن حظه أن يحظى بهذه الفتاة.
***
على الجانب الآخر عند صفا ونورا:
- فيروز اتأخرت أوي يا نورا. دي قالت لي يدوب هتكلمه وتخلص معاه وهتيجي على هنا. يارب ما يكونش أثر عليها ومنعها. تفتكري ممكن يحصل؟
تعلم نورا جيداً أن هذا سبب تأخرها لمدى معرفتها بريحان الذي لا يقبل بالتنازل عن أي شيء يحلو له، ولكنها حاولت أن تطمئن صفا بالرغم من قلقها الشخصي على فيروز. تخشى أن يكون ريحان نسخة مصغرة من زيدان وعذابه القديم لريحانه وشكه بها المستمر:
- تلاقي الطريق زحمة يا صفا. وأنتي مرضتيش تخليني أبعت العربية. تحبي أبعتلها نور يجيبها؟ بس أكيد هي على وصول. بلاش قلقك ده.
هزت صفا رأسها باستنكار:
- طريق إيه اللي زحمة يا نورا؟ ده احنا ما بينا وما بينكم يدوب تلت ساعة، قولي يا ستي ساعة، لكن دي بقالها أكتر من تلات ساعات. أنا خايفة.
ربتت وجدان على ركبتي صفا لتطمئنها أكثر:
- عادي يا صفا. متقلقيش. إيه رأيك ترجعي عن اللي في دماغك انتي وهي وتفضلوا معانا في القاهرة؟ على الأقل هبقى مطمنة عليكم. أنا مش مرتاحة.
انتفضت صفا:
- عادي إيه؟ دي من الصبح موعدنا نتقابل عندك يا وجدان. حتى خلود ماش بتتكلم معاها. أنتم عارفين أنا شاكة في إيه؟ شاكة إن ناشد وصل ليها.
ازداد شعور القلق لدى نورا بالرغم من نفورها من فيروز في بادئ الأمر:
- أنا هنزل نور يروح يجيبها. ومش عايز اعتراض يا صفا المرة دي. وممكن تتنازلي عن كبريائك شوية وتسيبيني أتصل بريحانة؟ يمكن يكون عندها حل.
أوقفتها وجدان تشعر بالمسؤولية أكثر تجاه فيروز:
- استني يا نورا. أنا بعت خلود تجيبها ومتقلقيش، أكيد فيروز بتراجع نفسها ومش هاين عليها تسيبنا بعد ما اتعودت علينا. صدقيني وخلود هتقدر عليها.
عقدت نورا ما بين حاجبيها باندهاش ثم هتفت بتساؤل:
- في حاجة يا وجدان انتي عارفاها عن فيروز ومش راضية تقوليها؟ قولي لو فيه حاجة نلحقها. لكن بلاش توترينا وتقلقينا انتي كمان. في إيه؟
زفرت وجدان بحنق ونظرت إلى صفا في ضيق:
- ما تقولي حاجة يا صفا. قولي إنك معرفتيش إن الواد جاركم الزبالة إلا امبارح. بستعجب منك بقي صفا اللي عندها حذر من الكل تأمن للواد ده؟
نهضت صفا ببطء تضع يدها على قلبها:
- خلاص طالما اتأخرت يبقي ملحقتش تيجي وناشد وصل ليها بعد ما التاني عرف إننا مسافرين. أنا مروحة بس أرجوكم لو ملقتش فيروز ساعدوني.
***
لا تبقي الأشياء على حالها، فدوام الحال من المحال، كما تقضي قوانين الحياة.
عادت صفا بمفردها لكي تبحث عن ابنتها التي على وشك الضياع مثل صغيرها. تتذكره وهو طفل صغير دائماً يقف بجوارها لأنه دائماً جائع لها، يريده في كل وقت وحين.
كانت تقف هذا اليوم بمطبخها تعد له الفطائر التي يعشقها ليرن جرس الباب فيجرى، وصوته يحمل الحماس والبهجة فهو متأكد أنه والده.
لتسرع بخطاها توقفه وتوقف حماسه وبهجته وتتنهد وتطلب منه الهدوء لأنه مريض، لا يتطلب منه أن يكون هكذا.
فتحت صفا الباب ليظهر أمام والدها ويتجاهلها كعادته، يقف ليأمر الصغير أن يأتي مسرعاً ليرتمي بأحضان.
وهنا يستجيب الصبي ويرمي نفسه كالدمية دون مراعاة لحالته الصحية وخطأ الانفعالات.
تنظر صفا إلى عينيه تعتقد اعتقاداً واحداً أنه يريد الخلاص منه لأنه مريض.
تتذكر عندما كان يردد الصبي دائماً:
- نفسي أبقى زيك يا بابا.
ليرد ناشد بسخرية:
- مش هينفع يا بيبي.
***
وصلت بالوقت المناسب في بداية المشادة الكلامية بين ريحان وناشد عندما قال ريحان:
- أهلاً يا ناشد، أكيد جاي تسلم على فيروز قبل ما تسافر. بس للأسف الباب مقفول، الظاهر الحاجة صفا كانت عارفة إنك جاي فسكت الباب.
كانت تتحدث وهي على أخر درجة من درجات السلم تتنهد بصعوبة وتأخذ نفسها قائلة:
- لا يا ريحان، إحنا مش مسافرين. إحنا هنفضل هنا. أنا بس حبيت أعمل كمين لحد معين وأعرف إن كانت الأخبار بتوصل لناشد ولا لأ، وطلعت صح.
عقدت فيروز ما بين حاجبيها قائلة:
- كمين؟ والكمين ده لمين ده يا ماما؟ انتي بتشكي فيا تاني؟ لا كده كتير والله. وقرار سفرنا مش إحنا أخدناه سوا أول امبارح ولا كنتي بتضحكي عليا؟
انتهز ناشد الفرصة وجذب فيروز إلى أحضانه ينظر من خلف ظهرها إلى ريحان بتحدي قائلاً:
- خلاص بقي يا فيروز. طول عمر صفا ذكية وأنا وانتِ مش هنقدر نلعب عليها أكتر من كده. انتي طول عمرك بنت أبوكي. فكك منهم تعالي معايا.
لينتزعها ريحان منه:
- فيروز مش هتروح لأي مكان، لا هتفضل جوه الشقة دي ولا هترجع معاك. أعتقد من هنا ورايح محدش له حكم على فيروز غيري يا ناشد.
قطبت صفا جبينها أولاً على كذب ناشد وصمت فيروز، وثانياً على اندفاع ريحان:
- بتقول إيه يا ريحان؟ إيه معنى كلامك ده؟ انتي ناوية تتجوزها؟ وحتى لو نويت زيدان الجمال هيوافق يربط اسمه عائلته بناشد؟ ما تتكلمي يا فيروز.
شعرت فيروز أنها لو رفضت ريحان ستظل في دائرة الشك المغلقة، لتفاجئ الجميع وتفاجئه هو خصيصاً قائلة:
- ريحان عايز يتجوزني وأنا موافقة. كلامه واضح يا ماما. إحنا هنتجوز خلاص. وبالنسبة لبابا زيدان أعتقد اسم ناشد مش هيفرق بالنسبة ليه.
قاطعها ناشد قائلاً:
- وأنا مش موافق. ورينا هتعملي إيه انتي وأمك والبه، أعلى ما في خيلكم اركبوه هدمركم. انتي يا بت بتلعبي عليا وعليهم صحيح بنت الشيطان.
تعالت ضحكات ريحان الشيطانية:
- وأنت مين علشان توافق ولا متوافقش؟ انت مجرد اسم ورا اسمها في البطاقة، ده حتى مينفعش تبقى وكيلها يا ناشد. وبعدين انت مفكر إني مصدقك؟
توجهت صفا نحو ريحان وهي تنظر إلى ناشد بتحدي:
- وأنا موافقة يا ريحان. ألف مبروك يا ابني. منتظرة والدك يجي يشرب الشاي ويطلبها بنفسه. قد إيه كبرت في نظري خصوصاً بعد اتهام ناشد ليها.
شعرت فيروز أنها متهمة:
- بس أنا فعلاً يا ماما مقولتش له إننا مسافرين ومليش علاقة بيه من يوم ما حضرتك طلبتي مني. والله يا ريحان ده كذاب، أنا معرفش جه هنا إزاي.
نظر لها ريحان وهز برأسه ليوحي لها أنه يصدقها القول، ولكن في قرارة نفسه يشعر أنها مدانة، خاصة عندما استهزأ بها ناشد قائلاً:
- انتي مفكرة إن شوية الدموع دي هيصدقك بيهم؟ ده انتي عبيطة أوي، فوقي يا فيروز، ده ريحان ابن زيدان الجمال وماضي أبوه مع أمه يشهد.
كاد ريحان أن ينقض عليه، ولكنه تماسك لينهي الأمر ويتخلص منه، ومن ثم يروضها على أفعالها ويسقيها العذاب على يده انتقام لتلاعبها:
- ريح نفسك، أنا مصدق مراتي فيروز الجمال.
ليحترق ناشد أمامهم كالشيطان ويهب كالنار من أمامهم ويتركهم ويرحل.
نظرت صفا في أثر ناشد بعد ما رحل وتذكرت كلمة ابنها الراحل أنه يريد أن يكون مثل والده، ولسبب بسيط أنه كان طفلاً حبيساً لوالده لا يرى غيره، حتى مشاهدة التلفاز وقراءته لقصص البطل أدهم صبري والتي أصرت على قراءتها له بنفسها حتى يرى غير والده ويعتبره مثلاً أعلى، ولكن كل هذا لا يجدي نفعاً، كان يرى الكل والده وليس غيره.
إجابة والده عليه جعلته في عالم آخر أصابه الإحباط ومن ثم جائته النوبة المرضية، حيث تلاشت الرؤية أمامه حتى الطعام أصبح فتات ورماد.
ومع كل ذلك وفي حالة فقدان وعيه المتكررة كان لا يستنجد إلا به.
انتهت صفا من استعادة هذه الذاكرة لتنظر إلى نتيجة الهاتف وتتذكر أنه اليوم ذكرى ميلاد وليدها. لو كان بينهم كان سيحتفل بمرور العام الثاني والعشرون، ولكنّه رحل ليرتاح من هذا العالم.
تركت فيروز وريحان ودلفت إلى شقتها بشرودها اللامتناهي.
أما عن فيروز فقد نظرت إلى ريحان وهتفت بامتعاض:
- طلعت عالية منك أوي الدور ده. آه أنا وافقت، بس برضه هعرف أخلص من الجوازة دي برضه ومش هتقدر تملكني. أنا عملت كده علشان يغور.
ابتسم ريحان بخبث:
- أنصحك تاخدي حبوب الشجاعة علشان تعرفي تخلصي مني، مع إنّي أعتقد إن لو شربتي المحيط برضه مش هتقدري تخلصي مني، ده قدر.
اتسعت ابتسامتها لكلمة القدر، ومع ذلك تصنعت الغباء:
- شكراً إنك وضحت لي الأمر. تصدق مكنتش أعرف إنك قدر. بس أعوذ بالله، قدر ما يفرقش كتير عن اللي عيشته مع ناشد. المهم أنا مسافرة.
لم يعرها اهتماماً وتركها وهبط درجات السلم لتتأكل من الغيظ وتركض خلفه.
وما إن خطت قدماها أول درجة حتى شهقت بقوة تحاول السيطرة على نفسها ألا تسقط، ولكنها بالفعل سقطت حتى آخر درجة.
لينتبه إلى الصوت الذي دوى من خلفه ويهرع إليها وهي تتألم ببطء:
- إيه قلة الذوق بتاعتك دي؟ مش المفروض ترد عليا قبل ما تمشي؟ عجبك كده؟ أديني ما أخدتش بالي إن في سلمة مكسورة، منك لله يا ريحان.
كانت تتحدث غافلة عن الوضع الذي صارت به. حاولت النهوض ولكنها صرخت من الألم:
- ضهررري. أنا انكسرت. يا ماما الحقيني. مش قادرة أقوم. انت السبب، ابعد عني، ابعد. من يوم ما عرفتك وأنا في مصايب. إيه الغلب ده يا ربي.
حملها باهتمام وهي جاحظة بعينيها غير مدركة أن وضعها صعب:
- ضهرك هيفضل يوجعك وانتِ مطولة لسانك. ابلعي ريقك شوية على بال ما نشوف إيه اللي حصلك. جايه ورايا ليه ها؟ مش قولتي مسافرة؟
تملصت منه وهو يعاتبها، وبالفعل نجحت، أو بالأحرى هو الذي تركها متمنياً أن تسقط وتمد يدها له، ولكن ما حدث خيب ظنونه حيث أنها هبطت من يده واقفة تنفرج أسراريرها:
- كنت متأكدة إني هبقى كويسة. الحمد لله بقيت كويسة. ولا الحاجة لأشكالك طبعاً، كان نفسك أقع بس عادي، السلم ده حبيبي، متعودة عليه، بقع واقفة.
نظر إلى ساعته وتحدث ببرود قائلاً:
- أنا ورايا ميعاد دلوقتي. اعملي حسابك هرن عليكي علشان هاجي آخدك نشتري الشبكة وفستان الفرح، طبعاً والدي هيجي لوالدتك بس إحنا مش هنكون موجودين.
عقدت ما بين حاجبيها قائلة:
- شبكة وفستان وطلب إيد. لا ده الكلام بجد بقي مش مجرد فض مجالس مع ناشد. ريحان أنا لسه قايلالك أنا مسافرة مش هشوف وشي تاني.
ثم تحركت بقوة ولكن خانتها قدمها لتلتفت إليه وتنظر إلى عينيه برجاء:
- لو سمحت ساعدني أطلع لماما. حاسة إني فعلاً مش هقدر أمشي تاني. ولما نطلع فوق نتكلم في الموضوع ده، مفيش داعي كل واحد منا يجاذف.
حملها مرة أخرى وهو ينظر لها بجمود ويتوجه بها خارج البناية يجلسها في سيارته ويغلق السيارة ويلتفت يجلس خلف المقود:
- مش هينفع أطلعك فوق من قبل ما نعمل أشعة وتحاليل علشان نشوف وضعك إيه، جايز كسر ومحتاجة جبس، بس ما تفرحيش، هتجوزك حتى لو في الجبس.
رواية غيبيات الفيروز الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مروة البطراوي
لا يعرف إن كان الاهتمام الذي زرعه الآن في قلبه نحوها مقترنًا بالانتقام، أم هي الصدمة التي لم يتحملها عقله حول خطورة سقوطها. لا يعرف إن كان حملها هو الأفضل، وأن يكون معها هادئًا، أو ينتظر منها ردود فعل خاطئة. ربما لو ظهرت خيانتها الكاملة سيفقد ثباته مثلما حدث في الحلم تمامًا.
لكنه استيقظ منه على وجودها أمامه، وما طمأنه هو عدم وجود والده في المنزل وقتها. لأنه لو كان استمع إلى صوته وهو يلهث في أحلامه لكان أكد عليه حقيقة الحلم، ولكان صدقه لأنها استطاعت في ظل هذا الحلم أن تنتزع قلبه. ولعل أقسى ما كان في هذا الحلم هي تقبلها وداعه والخلاص منه.
للمرة الأخيرة يقتنع بحديث والده عنها، فهو ابنه الذي يحمل كل جيناته وأورثه الشك تمامًا.
ذهب بها إلى المشفى وهاتف نور ليأتيه. وما إن علم نور بما صار حتى صاح بغضب:
"أنت اتجننت يا ريحان! هتتجوزها إزاي؟ أبوك رافض."
"بلاش غضبك يعميك وتشك فيها. وبعدين أنت مالك تساعد ناشد ولا ما تساعدوش؟"
كان ريحان هو الآخر يملكه الغضب، ولكن حاول السيطرة على نفسه:
"لو محترمة مش هتساعد مجرم. وبعدين أنت مالك اتجوزها ولا متجوزهاش؟ هو أنت كنت ولي أمرها؟ وبعدين لو على بابا أنا هقنعه خصوصًا لو عرف إني بنتقم."
لمحهم من على بعد الرائد عصام، حيث أنهم موجودون في المشفى العسكري، ليقترب من خلف ريحان ويستمع إليه وهو يتحدث، ليتعجب من لهجته، فهو لم يكن يومًا ما يستخدم النساء في أي انتقام.
"إيه، مين اللي بيتكلم معلش؟ ده يا ما ستات اترمت تحت رجلك عشان تستخدمهم وسيلة للانتقام من أي حد وتمشي أمورك وأنت بترفض."
التفتت إليه ريحان وهو ينظر بحدة ويزفر بحنق متوعدًا لعصام:
"يعني هتكون أحن على واحدة من جوزها؟ أنا هبقى جوزها يا عصام. وممنوع تدخل في أي موضوع يخصها. ولا تحب تخسر ترقيتك اللي جاية؟"
نفخ عصام بضيق ثم سأله:
"يعني أنا لو اتكلمت معاك كصاحب تهددني بالترقية؟ يا أخي ملعون أبو الترقية. بس أنت ما تخسرش نفسك ولا تخسر اللي بيحبوك."
"أصل هتستفيد إيه؟"
هز ريحان رأسه بالرفض قائلًا:
"مش هستفيد حاجة. من امتى أنا وأنت أصحاب يا عصام؟ هقولك من يوم ما هي جت القسم وعرفت إني عارفها. طول عمرك مش مستقيم."
كان نور يفكر بوضع فيروز الآن، فسأل ريحان وهو ينظر نحو غرفة الكشف:
"أومال الدكتور اتأخر ليه؟ المفروض يخرج من بدري. البنت جوه ومش معاها حد غير الممرضات. أنت ما بلغتش والدتها ليه؟ وإزاي مش مستغرباها لحد دلوقتي؟"
ابتسم ريحان بسخرية:
"يمكن نامت. أصل الست صفا بتبقى مطمئنة على بنتها وهي معايا. تخيل من ساعة كلامي مع ناشد دخلت شقتها ولا كأن كان فيه حرب."
تعجب نور:
"نامت!!! تنام إزاي وتسيب بنتها؟ أنت متعرفش عملت إيه وهي عند أمي، حتى اسأل عمتك وجدان. دي قعدت تعيط خصوصًا لما عرفت إن جارهم تبع ناشد."
ابتسم ريحان ابتسامة خفيفة، ولكن من داخله يحترق:
"نعم، الجار هو الكمين الخاص بفيروز وناشد، وتم اكتشافه على يد صفا، لذلك كانت تريد السفر."
"يا عم جار مين وبتاع مين؟ ما هو سافر وأكيد مش راجع تاني. وبعدين معنى كلامك إن الست صفا مش بتقلق على فيروز وهي معايا."
واستطرد:
"يلا خد عصام ومع السلامة. ومتنساش تبلغ زينب وأمي باللي حصل، وأنا هتصل بوالدة فيروز تيجي تشوفها بعد الأشعة والتحاليل."
هز نور رأسه وهو يسحب عصام من ذراعيه:
"ماشي يا ريحان سلام. متنساش تتصل بالست صفا. وخلي بالك من فيروز، دي أمانة مش لعبة في إيدك. اعتبرها أختك زينب أو والدتك ماما ريحانة."
نظر في أثرهما بحقد، وكانت النظرات تخص عصام، ليحدث نفسه:
"سلام. شكرًا يا نور إنك وضحت الرؤية، كده بقي فيروز هانم انكشفت. أنا قلت نظرات جارهم ما كانتش عادية. الهانم عايشة قصة حب، الراعي الرسمي ليها ناشد."
لا يدري أمن الصحيح بعد ما انكشف سرها أن يواجهها، أو فقط يبتعد بقلبه وعقله ولا يصدقها في شيء تقوله. نعم، سيختار البعد بقلبه، لأن كل همه لم تكن هي.
دلف إليها في حجرة الكشف وسألها عن وضعها، فأومأت برأسها أنها بخير، بينما هو يقف على يسارها، ينظر إليها، يود فتح باب عقلها ليرى ما به من أسرار. ليجدها تنظر إليه، وضوء ينبثق من عينيها الفيروزية كان يخترق الستار الذي وضعه بينه وبينها حتى لا يضعف أمامها. أما عن عينيه فكانت كالنافذة الزجاجية تلمع أمامها، ولكن تراها مغلقة أمامها من كل الاتجاهات.
استدار ليجلس أمامها يرتشف من كوب الشاي الذي طلبه ببطء. ليدق قلبها من نظراته وهي تنظر له بتساؤل: ما الذنب الذي تحمله لكل هذا؟ لينطق أخيرًا قائلًا:
"ممكن نتكلم؟"
على الجانب الآخر، عندما خرج عصام ومن بعده نور، نظر نور إليه بضيق قائلًا:
"أنت هتسمع كلامه وتشيل إيدك من الموضوع وهتسيب فيروز في إيده؟ يا ابني أنت مش فاهم حاجة، ريحان غبي وشكاك، ممكن يقتلها."
هز عصام رأسه بالرفض قائلًا:
"لا طبعًا مش هسيبها. بس حاليًا لا أنا ولا أنت هنقدر نعملها حاجة. هي بتحبه وهو بيحبها أضعاف ما بتحبه، يمكن الحب يغيره من ناحيتها."
اتسعت حدقة عيني نور بذهول قائلًا:
"يعني إيه هنستنى لما يعرف إنها مخلصة له مش لناشد؟ طب مش هتستبعد إن ناشد ممكن يشعلل النار بينهم ويوديها ورا الشمس؟ أنا مش فاهمك."
رد عليه عصام بثبات قائلًا:
"ما هو إحنا لازم نعرف حكايتها من أولها، إيه اللي دفع ريحان يطلبها وهو متأكد من رفض والده ليها؟ هو في دماغه إيه؟ ناشد عمل معاه إيه؟"
رحل الجميع عنها، بحكمه الباغض عليها، لم تجد بعد الآن شجاعًا ولا قويًا ولا حارسًا يحميها، وهو اتخذ وضع الجبان معها، وهي أصبحت مثل الضعيفة أمامه. ولم ينفعها والدها ولا حاشيته، فوالدها حاكم قتل طفله مثلما يريد هو قتلها. فهو يبحث عن أي معضلة للفتك بها. والدها مثل المزارع الذي وضع بذرة بها شوائب لا يمكن لها أن تزدهر يومًا ما، محاها بالكامل، ليكتب لها عهدًا جديدًا مع شخص مريب.
"إحنا هنبدأ من جديد."
قالها ريحان بنبرة سخرية، وعيناه تحمل كل أنواع الطغيان. كانت ضيقة مظلمة من انكسار قلبه. عاد ليقف خلفها كالتمثال، ينظر لها نظرات صارمة، ويخبرها بأنه يريد كتابة عهد جديد معها، عهد الطغيان.
دلف الطبيب في هذه الأثناء ليخبرهم بحالتها:
"أنا شفت نتيجة الأشعة، الوضع مش خطير ولا حاجة، هي وقعة بسيطة بس محتاجة اهتمام ورعاية. عرفت من الآنسة إن فرحكم قريب، يا ريت يتأجل شوية."
ابتسم ريحان بسخرية ورد على الطبيب بجمود:
"هنمشي على خطة العلاج كويس، وما فيش تأجيل ولا حاجة، بالعكس هي بتسألك لأنها مستعجلة. شاكرين أفضالك يا دكتور. تقدر تتفضل."
خرج الطبيب، ليلتفت إليها ببرود:
"ارفعي كتف البلوزة اللي أنتِ لبساها دي. إيه، فرحانة بأكتافك والدكتور الزفت ده عمال يبص عليكي؟ مش كفاية الأشعة وكمان رايحة تقولي له يطلب تأجيل جوازنا؟"
نظرت إليه بعدم فهم، ومن ثم أردفت باندهاش:
"إيه، أنت بتقول إيه؟ كتف إيه وفرحانة إيه؟ الدكتور محترم على فكرة، أنت اللي خيالك واسع. وبعدين هو سألني أنتِ متجوزة؟ رديت وقلت قريب."
نظر إليها بصرامة:
"اللي تاخد وتدي بالطريقة دي تبقى إنسانة مش محترمة. واحدة غيرك كانت خجلت من نفسها وأنا بواجهها. طب بلاش دي، أنتِ مش ملاحظة إن حمالة الزفت البراه باينة؟"
نظرت فيروز سريعًا إلى كنزتها ورفعت أكتافها سريعًا، وردت عليه بصوت مرتفع غير عابئة به وبوضعه وأين هي، فقد ضربت الدماء رأسها:
"ده أنا محترمة غصبن عنك. أنت مفكر نفسك مين عشان تتكلم معايا بالطريقة دي؟ لا فوق، أنا صحيح بنت ناشد، بس ده مش يقلل من قيمتي."
"خلاص طالما أنتِ شايفة كده، اثبتي كلامك. أتصل بالمأذون حالا ونكتب كتابنا دلوقتي وتطلعي معايا من هنا على بيتنا في قصر زيدان."
تنهدت بضيق وقالت وهي تسحب نفسًا عميقًا:
"هاته يطلب أيدي زي بنات الناس يا ابن الناس. مش أنت عندك أخت برضو، ويوم ما نور يفكر يتجوزها هييجي هو وأمير أبوه يطلبوها؟"
ثم استطردت بتذمر:
"ده اللي لازم يحصل يا ريحان باشا. لو أختك هتقبل تتجوز في المكتب وتتصل بيكم وتقولكم أنا روحت مع جوزي لبيت أهله؟ طبعًا لا."
"ما تقدرش، كنت قتلتها وقتلته. بس أختي زينب ما بتعملش زيك يا فيروز هانم. أختي واضحة وصريحة. حتى في حبها الكل فاهم هي عايزة إيه."
قالها وهو يتخيل أن زينب تفتعل بهم هذا الشيء. لتهز رأسها بانكسار وتنخفض نبرة صوتها:
"مستحيل تفهم أنا عايزة إيه، لأنك ما عيشتش اللي أنا عيشته. أنا عيشت كمريضة نفسية، ويوم ما صدقت أعيش حياتي الطبيعية ظهرت أنت. غير صحيح أن تفتح جراحًا أغلقت."
حاولت النهوض لتفشل، وهو ينظر لها نظرات يغيظها بها أنها محتاجة له. لتستطرد:
"حطيت على جرح ملح المرة دي يا ريحان. كنت مفكرك تداوي قلبي، بس للأسف في كل فرصة بتحاول تحرقه وتكرهني فيك، وأنا لو كرهتك يبقى سلام."
مد يده إليها وهو ينظر لها بتحدي:
"إيه سلام دي؟ هتهربي؟ بس هتروحي فين؟ ويا ترى هتبلغيني زي ما بلغتيني النهارده، ولا هتهربي ساكتة؟ ويا ترى البيه جارك هيهرب معاكي؟"
شعرت بالارتباك لأن هذا الجار صارحها بحبه، ولكن من أين علم ريحان بذلك؟ أيراقبها؟ حاولت أن تخرج من ارتباكها حتى لا يشك بها أكثر، ولكن لاحظ ذلك ليستطرد:
"بقي تقوليلي ماشية ومش هشوفك تاني وهخرج من حياتك، وألاقي البيه المحترم في نفس الوقت ماشي قبلك. طبعًا بيسبقك. لا ولو كنت مشيت مكنتش هشوف ناشد."
ردت عليه لتبرئ نفسها كالطفلة أمامه:
"ما هو كان ماشي أصلًا لما رفضت عرضه. صدقني أنا ما فيش بيني وبينه حاجة غير إنه مجرد جار لينا من تاني يوم ما سكنّا هنا، وكان غريب زينا."
"هعديها يا فيروز زي ما بعدي كل شكوكي فيك، بس بمزاجي. بس يمين بعظيم لو ثبتي لي العكس هوريكي النجوم في عز الظهر، أنا ريحان الجمال."
واستطرد بجمود:
"وبكرة مش النهارده، عشان ضهر سيادتك يرتاح، هاجي أنا ووالدي والعيلة نطلب إيدك رسمي، وحذاري تطولي لسانك قدام أبويا مهما قال."
نظرت إليه بفرح شديد لدرجة أنه استغرب فرحتها والسعادة التي كانت تتراقص في عينيها:
"بجد؟ يعني زيدان باشا الجمال هيشرفنا ويطلب إيدي بنفسه؟ يا آآآه يا ريحان ده حلم اعتقدت إنه عمره ما يتحقق، بس طالما أنت قلت يبقى هثق في أحلامي."
هز رأسه بهدوء شديد:
"يلا عشان أروحك بدل ما أتصل على والدتك وأقلقها عليكي ويحصل حاجة وهي بتحاول توصل لنا. وافهميها إنها واقعة بسيطة لأنها فعلًا كده."
"لا مش بسيطة يا ريحان، وعلى فكرة أنا منتظرة علاجك ليا بعد جوازنا. عايزاك تعالجني صح وبحنية، ده أنا بنت ضعيفة ورقيقة وأنت مش حاسس بيا."
ابتسم رغماً عنه، أما هي فكانت تود أن تسلط لسانها جيدًا عليه، لو كانت قادرة لو بخته وصفعته، ولكنها اختارت مراوغته كرد فعل من انفلات لسانه السليط عليها:
"مستعد أحس بيكي."
أرادت أن تحتفظ بموقفها الناعم معه، وهذا ليس أمر العقل فقط، بل أمر القلب الذي طلب منها فض النزاع. فنظرت إليه بلوم كأنها تعاتبه على غروره:
"ممكن نأجل فرحنا بعد أسبوعين."
كانت في تلك اللحظات تمسك بيده وهي تبتسم بخبث، ليومئ برأسه بقبول طلبها، لتحدث نفسها:
"هوريك يا ريحان النجوم في عز الظهر في خلال الأسبوعين دول، ولو مقدرتش لينا حساب تقيل أوي بعد جوازنا. سد انت بس معايا يا ريحان قلبي."
لم تكن تتحدث بصوت مسموع أو حتى هامس لكي يسمعها، ولكن كان يتابعها من نظرات عينيها التي كانت بمثابة نافذة لداخلها. كان يشاهدها بسعادة، ولمسات يدها ليده كانت بمثابة زلزال مدمر بكيانه. فهي امرأة يتملكها التحدي، ليست عادية. ليحدثها بنفس لغة عيونها بعينيه، ولكن بثبات نظراته في عينيها حتى لا تفهم مثل ما فهم هو حديث نفسها:
"غبيه أوي يا فيروز. طلبتي أسبوعين عشان تقدري تكرهيني وتكرهي الكل فيكي، وبكده أبويا يرفضك. ده أنتِ عبيطة أوي. ده هفهم الكنج إني همرمطك عشان أرجع حقه."
كان قادرًا على أن يمنحها نظرة تجعلها تذوب أمامه، نظرة قاتلة لكل معاني التحدي التي تتحكم بها وبمشاعرها معه. نظرة جعلت قلبها يقفز قفزات متراجعة عن القسم الذي أقسمته بداخلها. بالرغم أنها فهمت نظراته جيدًا وما تحمله من ثأر له ولوالده وجبروت مترسخ في عائلتهم، ولكنها اللعنة يا سادة، التي لا تجعلها لا تعلم ماذا تفعل. أغمض أجفانه ليفتحهم فجأة وقد اكتست بلون الدماء الحمراء، وكأنه يعلن الجحيم عليها، خاصة عندما اعتلت نبرة صوته القسوة والشدة، لتشعر بثقل ووجع ينتظرها قريبًا:
"خايفة؟ ما تخافيش، وريحان معاكي. ما تخافيش وأنتِ مش بتكذبي عليا، لأن الكذابين ملهمش محل من الإعراب عندي."
عاد بها إلى المنزل وأخبر والدتها بما حدث لها، وحذرها من عدم خروجها لحين مجيئه هو ووالده لخطبتها على الفور. علم ناشد من أتباعه ما حدث، ومن ثم هاتف الشخص الوحيد الذي يستطيع تدمير العلاقة بين ريحان وفيروز. هاتفه ليعود مرة أخرى يقطن بجوار شقتهم حتى يخرج أسوأ ما في ريحان.
هاتفه مرارًا وتكرارًا ولم يرد عليها، فاضطر إلى السفر إليه، حيث كان مرتبًا للعيش في مكان هادئ، يعلم أنها سوف تلجأ إلى هذا المكان ليتحدا سويًا.
"مش قلت لك ما تبعدش كتير يا فادي؟"
لوى فادي ثغره قائلًا:
"أنت مضايق إني هنا، بس أنا جيت لأني عارف إنها هتأجر في المكان ده بالذات، وده حقي فيها. أنا قعدت أراقبها."
قطب ناشد جبينه متسائلًا:
"مش فاهم تقصد إيه يا فادي."
ابتسم فادي بسخرية قائلًا:
"مش أنت عايزني أبقى حبيبها قدام الكل وأوقع بينها وبين ريحان باشا؟"
هز ناشد رأسه بإصرار قائلًا:
"أيوه، وما زلت محتاجك. الواد منعها من السفر وهيتجوزها، وهي وافقت."
تعالت شرارات الغضب في عيني فادي ليرد ردًا قاتمًا:
"يبقى ملكش في أم الليلة دي، ومن اللحظة دي أنا مش شغال عندك، الليلة دي بتاعتي أنا لوحدي."
عقد ناشد ما بين حاجبيه قائلًا:
"أنت بتقول إيه يا فادي؟ ليلة إيه وبتاعتك إيه؟"
كسر فادي كأس النبيذ الذي كان يحتسيه قائلًا بعنف:
"فيروز حقي لوحدي. أنت عايز تخلصها من ريحان، وأنا هخلصها، بس مش زي المرة اللي فاتت تخليني أختفي كأني مسخ. هتبقى بتاعتي."
هز ناشد رأسه برفض قائلًا:
"لا يا فادي، اطلب أي حاجة. الآنسة فيروز دي بنتي، بنتي."
تعالت ضحكات فادي بسخرية قائلًا:
"بنتك! شوف إزاي. هو في راجل يعمل بنته بيعة وشروة؟ في راجل يحط بنته في طريق عدوه؟ ولما ترفض تبقى حليفته يسلط عليها واحد يخرب حياتها؟"
انقض عليه ناشد قائلًا:
"ا نكتم خالص. بنتي أنا حر فيها."
أزاحه فادي قائلًا:
"لا يا ناشد، مش بنتك. وبصراحة الخطة بتاعتي هتطلع بنتيجة إني هكون الشخص الوحيد اللي لازم يتجوزها، يا إما تتفضح يا ناشد."
اتسعت حدقة عيني ناشد وتدلت شفتيه قائلًا:
"هتعمل إيه؟"
ابتسم فادي بخبث قائلًا:
"ريحان هيسيبها في حاله واحدة، حالة الجرم المشهود يا ناشد. عارفها، اللي كنت بتعمله في بنات الناس، هيطلع على كده فيروز، بس أوعدك مش هلمسها."
شهق ناشد وابتلع ريقه خوفًا:
"لا يا فادي، إلا فيروز، هي ما تستحقش مني كل ده. كل اللي أنا عاوزه توقع ما بينهم بس."
هز فادي رأسه بالرفض قائلًا:
"معدش ينفع يا ناشد. حركات التوقيع دي بتاعت العيال التوتو. مهما أعمل، كلها شوية شكل ما بينهم، ويجي حامل الفضيلة ويقول له ما تصدقش كل حاجة على مراتك."
انهار ناشد على مقعده قائلًا:
"خلاص كفاية لحد كده، خليها تتجوزهم."
مال فادي نحوه بغضب قائلًا:
"مش بمزاجك يا ناشد. الموضوع دخل دماغي ومش هسيبها، وهسيبه يتهنوا ساعة واحدة مع بعض."
نهض ناشد منكسا الرأس، يعلم أنه بالرغم من جبروته فقد وضع ابنته على حافة البركان لتحترق، وخشي أن يقوم فادي بالاعتداء عليها.
"طب ممكن تستنى بعد ما تتجوز؟ أهو على الأقل محدش هيشفع ليها."
علم فادي مدى خبث ناشد وخوفه على ابنته أن يتم اغتصابها من قبل فادي، فقام بمراوغتها حتى يعطيه الأمان. فرد قائلًا:
"ما هو ده اللي بقول عليه. بص أنا برضه عشان أنا بعتبرك زي أبويا هرجع حالا وهسود عيشتهم وهوقف الجوازة، لكن لو مقدرتش تبقى حلال عليه، وبعدها أعمل معاهم الليلة الكبيرة. وبعدين لسه بقولك إني زي ابنك فيها إيه بقى لما أكون جوز بنتك ودراعك اليمين؟ ده المثل بيقول اخطب لبنتك ولا تخطب لابنك، ده حتى الست صفا كانت بتناديني ابني. الظاهر إني شبه المرحوم ابنك."
نظر إليه ناشد وتذكر ابنه الذي توفي بسبب جبروته وعنفه، ليتأكله بعض من الندم. ولكن هل الندم يجدي معه الآن أم سيظل كما هو؟ نشعر أحيانًا أننا مثل القشة الهشة أو أكثر من ذلك.
بعد أسبوع كامل من احتفاظه بوعده له، جمع كل خططه القديمة لكي ينفذها، بعد أن فك حصاره عليها لكي يرى عن بعد ماذا ستفعل. هو نسي كلمة مهمة في قاموس حياة البشر ألا وهي الإنسانية، ولم تكن تهمه كصفة بشرية، خاصة بجوار عمله. هو كان عليه أن يبذل جهدًا واضحًا كي يصل إلى الفيروز، جهدًا ربما لم يكن في حسبانه الوصول إليها لو كانت تخص رجلاً آخر غير ناشد. كانت بالنسبة له مجهولة، ولكن الآن حقيقة واضحة كعين الشمس أمامه. ربما لو كانت امرأة عادية كما رآها أول مرة تمر من أمامه ما كان اهتم لأمرها، ولكن اهتمامه بها سيلحق بها أسوأ الأمور التي لم يتخيلها عقل.
رواية غيبيات الفيروز الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مروة البطراوي
في مكان مظلم كان يجلسان.
- من يوم ما قال للعيلة الكريمة أنه هيخطب بنت الصون والعفاف، وهي مش بتخرج من شقتها. حتى لما قال لها: "خدي راحتك"، برضه قافلة على نفسها.
نظر إليه فادي بعيون حادة.
- وأنت مش من العيلة برضه يا سامر؟ وده ابن عمتك. إزاي عمتك توافق إن ابنها الظابط يتجوز بنت الراجل اللي هدم حياتهم؟ الموضوع فيه سر.
عقد سامر ما بين حاجبيه قائلاً:
- مش عارف والله يا فادي.
- طب أنت ما رجعتش ليه الشقة اللي جمبهم؟ مش كنت متفق مع ناشد أبوها وكنت هتخلص كل حاجة وتخلي ريحان بهلوان؟
شرد فادي في فيروز قائلاً:
- فيروز دي خسارة في أي حد. لازم أطولها، وأنت لازم تساعدني. أنا عارف إنك منبوذ من الكل، بس أختك برضه كانت قريبة من ريحان.
هز سامر رأسه قائلاً:
- كانت. ومتحاولش تدخل سمر في الليلة. كفاية منظرها الوحش بتاع آخر مرة قدام فيروز. وافتكر إنك وعدتني بعد ما كل اللي نفسك فيه يحصل، تتجوز أختي.
هز فادي رأسه بلا مبالاة:
- أنا فيروز تكون ليا، وبعدين أبقى أفكر في أختك أو في غيرها. وبعدين قبل ما تحاسبني، روح حاسب نفسك واللي عملته في البنت بتاعت الساحل.
ارتجف سامر لما قاله فادي، لأن فادي يمتلك الفيديوهات التي قام فيها سامر بالتلاعب بالفتاة.
- هحاول خلال يومين فيروز تكون تحت رجلك. بس لازم ريحان يشوف ده بعينه، مش مجرد صوت وصورة، علشان يبقى يكسر قلب أختي.
شرد فادي في الفراغ وهمس لنفسه برغبة قائلاً:
- خلاص قريب ريحان هيشوف كل حاجة. هيشوفها وهي في حضني وملكـي، ومش هيقدر ياخدها تاني. لا هو ولا غيره. هتبقى فيروز فادي.
**********************
في بداية التقدم لها، بعث والدته وعمته وجدان فقط. وما إن رآها حتى هبت عاصفة ثلجية عليها اجتاحتها. رغم أنها كانت تتخيل هذا اليوم وتشعر أنها ستكون طائرًا جميلًا يحلق، ينفض أجنحته على الجميع بشكل جميل يسر القلب قبل العين.
كانت تريد أن تغرد مثله، فتغير قسوة قلبها الثلجية إلى دفء. كانت تريد الحرية من أسر لقبها اللعين. ولكن بذهاب والدته وعمته فقط من دون والده، شعرت بأن الجدران تقتلها وتمنعها من هذه الحرية والحياة.
الحياة التي يعترض الجميع على منحها لها. لم تستطع أن تشعر بجمال اللحظة التي رسمتها في مخيلتها مثل ما تقوم برسم لوحة فنية. شعرت بقشعريرة وظلام أمامها. وسألت نفسها: "لما كل هذا؟"
"لما أُعامل بتلك الطريقة المخزية من قبلهم؟"
"لما يبدو زيدان الجمال كالقاتل الذي يغرقني بغضبه في صمت؟"
ولكن هنا تذكرت وعد عيني ريحان بكل شيء تمناه قلبها.
اتجهت وجدان نحوها بلهفة واحتضنتها بشوق، قائلة وهي موجهة أنظارها نحو صفا بعتاب:
- كده يا صفا؟ مكنش العشم، بقا فيروز تتعب ويبقي عندها إصابة وأنا آخر من يعلم؟ وأعرف من ريحان ابن أخويا؟ يا بنتي، إحنا زي الأخوات.
كانت نظرات فيروز لريحان خصيصًا، وهي صامتة لا تبشر بالخير. كأنها تريد أن تعلن الحرب على كل العائلة. ولكن سرعان ما توجهت ببصرها نحو والدتها، وهي ترحب بهم وتبرر لوجدان عدم إخبارها. لتقوم بانتزاعها فجأة أمامهم قائلة:
- ماما تعالي نغير هدومنا علشان نعرف نستقبل الهوانم اللي جايين من غير ميعاد. الظاهر إننا هناخد منهم ميعاد لما تكون القعدة فيها رجالة.
أذعنت صفا لطلب فيروز، فهي لا تريد توبيخًا لها أمامها. وذهبت معها لتصيح ريحانة على غير عادتها، حتى وصل صياحها إلى مسامع فيروز في الغرفة.
- ما تبصيش باستغراب يا وجدان. أنا وأنتي لو في موقفها هنعمل ألعن من كده. ياريت تعقلي أخوكي وتفهميه إنها هتبقى زي بنته، ويتخلي عن كبريائه شوية.
رفعت وجدان حاجبيها باستغراب من غضب ريحانة غير المعتاد. ثم أغمضت عينيها قائلة:
- بقي كل ده علشان أبوها عدوه؟ أنا بصراحة تعبت والله يا ريحانة. ما عارفة أسلك معاه. أنتي الوحيدة اللي بيسمع كلامك. كلميه تاني. ابنك بيحبها.
شردت ريحانة في حديث وجدان. هي تعلم جيدًا أن زيدان يبحث عنه منذ مدة، يحاول الفتك به، فهو لن يتنازل عن حقه. ولذلك كان كمحارب لقن ابنه القسوة لتتحول هذه القسوة إلى ظلم النفس. لقنه أيضًا منذ ظهور فيروز الفكرة عنها وعن والدها، لتندمج الفكرة مع ظهور فيروز مع أي رجل آخر غيره، خاصة إذا كان من ناحية والدها. الآن على ريحان أن ينتزع كل التعليم الذي علمه زيدان لريحان. وإلا سيتحول كل مجهودها إلى رماد بعد أن يحرق الفيروز ويحرق نفسه. تود أن يأخذها ويطير بها مثل طائر يحمل زوجته ويحلق به في السماء الصافية، وإلا ستهرب الفيروز عنه وتتواري خلف القمر. سكن الجميع في انتظار فيروز حتى تخرج من غرفتها. هاتفت ريحانة ريحان وأخبرته بما افتعلته فيروز معهم بسبب عدم وجود والده. انتهت مكالمته معها ليقف ينظر إلى نفسه في المرآة مثل الجبابرة، شامخًا لم يهتز لفعلتها، حيث كان منتظرًا لها ومتوقعها. قام بتمرير لسانه على شفتيه يعزم أمره ويقسم أنها ستكون له حتى النهاية، ولن يتنازل عنها حتى لو كان اتفاقه مع والده الانتقام منها.
تحدثت فيروز بالداخل عن هذه الزيجة أنها عقيمة، حيث يتعاملون معهم مثل خادمات.
ردت صفا عليها:
- يعني مكنش ينفع نقابلهم بذوق أحسن من كده ونقولهم: "أسفين، مش موافقين" لغاية ما أبوه بنفسه ييجي يطلبك؟
تذكرت فجأة فيروز أمر زيارتها لزيدان في منزله، وكيف قام بتخبئتها من عيون زيدان لتتأكد أنها غير مرغوب بها، وأن وافق زيدان عليها سيوافق لأمر ما.
- يا ماما، ده أنا لما روحت أزوره خباني منه ومرضاش يعرفه إني كنت عنده، وفي نفس الوقت شاف بنت سامر وسمر وهي داخلة وما اتكلمش.
ليأتيها الحل على الفور قائلة:
- عمومًا، أكيد دلوقتي الست ريحانة اتصلت بابنها. لما ييجي ابقي قوليله أنتِ الكلمتين دول.
هزت صفا رأسها باستياء وخرجت حتى لا تحرج أكثر من ذلك مع ضيوفها. ولكنها توقفت عند باب الغرفة قائلة:
- اعملي فيها قطة كل مرة ودبسيني واحرجيني مع الناس.
تذكرت الأوراق التي التقطتها وهي في غرفته عندما قام بتخبئتها، لتفتحهم وتفتح أيضًا الأوراق التي قامت باختلاسها عن طريق الحارس التابع لوالدها، لتضعهم أمامها وتتفهم أن الأوراق مضادة وفي صالح زيدان وريحان، لتبتسم بخبث.
- ده اللي هيخلي أبوك يا زيدان ييجي راكع ويخطبني ليك، ومش بعيد يكتب لي مؤخر صداق فخم.
******************************
على الجانب الآخر، علم زيدان بما حدث فتعاظم غضبه وهدر وهو يزيح كل شيء من على مكتبه أمام ابنه. وتقدم منه يمسكه من تلابيبه كما لو كان قاصدًا قتله. وكان ريحان متجمداً معه، لا يعطي رد فعله. تركه يفعل ما يشاء بها، ليتوقف زيدان في آخر لحظة، يصك أسنانه بشراسة قائلاً:
- بلاش تجبرني إني أقتلها.
قال هذه الكلمات ثم تركه وهو يزيح ريحان من أمامه، ليترنح ريحان أمامه يحاول الثبات قدر الاستطاعة أمامه. ثم قال بهدوء ورزانة:
- اللي حصل حصل يا بابا. مسيري أنا اللي هقتلها. تروح هي ضحية لأفعال ناشد بدل ما نروح كلنا. أهم حاجة نخلص منه للأبد، وهي معاه.
صرخ زيدان في وجهه، فقد تسرب الخوف إليه من رد ابنه العنيف. أخذ يضرب قبضته بعنف على مكتبه وصدره يعلو ويهبط أمام ريحان.
- أنا في يوم من الأيام كنت زبالة زيه.
عقد ريحان ما بين حاجبيه ليتأكد أن فيروز على حق.
***********************************.
على الجانب الآخر، بعد ما تحدث سامر مع فادي وشعر بتهربه من سمر، سرد عليها كل شيء لتقوم بالذهاب بأرجلها إلى فادي تحاول كسبه.
- هي مش كانت هتغور ونخلص منها؟ إيه اللي رجعها يا فادي؟ ده أنا روحت لزيدان البيت وجيت على كرامتي علشان أوقع بينهم. كل ده في الهوا؟
ظل صامتًا يحدق في الفراغ، لأن فيروز عادت من أجل ريحان وليس لسبب آخر. لتحاول سمر شغله بها وتصب له كأسًا من الخمور لكي يرضخ لها.
- يا فادي، ابعد عنها بقي. ناشد مش هيأخد منه لا حق ولا باطل. كان بابا أخد، بابا هربان وأنا وأخويا بندفع التمن. وأختك دفعته قبل كده. تعالي نبدأ من جديد.
لا يعلم ماذا وضعت في الكأس جعله يبدأ في الغياب عن وعيه. ومع ذلك نفر من أمر الابتعاد عن فيروز. مسك رأسه يشدد عليه بغيظ قائلاً:
- ميت مرة قلت لكِ: "شغلي ملكيش دعوة بيه". أنا اللي أقول نبدأ من جديد ولا لا. ومش هسيبها إلا لما آخد حقي من ناشد. ابعدي بعيد يا شاطرة.
ابتسمت بلطف مصطنع.
- خلاص اللي تشوفه يا فادي، وأنا من إيدك دي لإيدك دي. حتى لو عايزني أجبهالك لحد عندك، أقدر أعملها. خد بالك، بالرغم من اللي عملته، إلا إن عمتي لسه بتأمن ليا.
حقا هي أفعى تشبه والدتها في بدايتها مع زيدان، ولكن شاء القدر أن يهديها. هل من الممكن أن سمر الصغيرة تصبح مثل والدتها يومًا ما؟
- هي ممكن فعلاً يأمن لكِ، بس مش ضامن أنا الست دي. الست دي على قدر طيبتها، إلا إن عيونها عيون صقر. لو تشوفيها بعد ما فيروز طردتها وهي بتتوعد ليها.
تأكدت هنا سمر أنه يريد ضمان فيروز له، وليس لفضحتها أمام ريحان فقط.
- أنت ناوي على إيه يا فادي بالظبط؟ ناوي تفضحها ولا تتمتع بيها وتكون ليك على طول؟ لو على الفضيحة، أنا ممكن أساعدك، بس أنت بتبعدني.
رد عليها وهو ينهض يزجها أمامه ليخرجها من وكره، ويدس بجيبها حفنة من المال بالإضافة إلى انتزاع مفتاح وكره من حقيبتها، وهو يقول:
- معلش يا سمر، أنتِ اتأخرتي، وأكيد أمك هتقلق عليكي. وبعدين أخوكي هيخوتني ويقولي: "اكتب عليها". أه، قوليله لو كتب على بنت الساحل، يبقى فادي يكتب عليا.
هزت رأسها في صمت وخرجت تجر أذيال خيبتها شارده فيه، وهو لم يهتم بها خاصة من بعد أخذ غرضه منها. حدثت نفسها قائلة:
- أنا متأكدة إنك عمرك ما هتتجوزني يا فادي، بس الحق مش عليك، الحق عليا أنا اللي أمنت لواحد زيك وحبيته. على رأي ماما، كل ده بسبب المال الحرام.
ثم استطردت وهي تكفكف دموعها:
- الفلوس الحرام هتفضل مدمرة حياتنا وملوثاها، بس اشمعني أنا؟ ما فيروز اتربت من المال الحرام، ولازم تذوق من نفس الكاس، وأنا لازم يبقى ليا إيد في ده.
************************************
عند انتهاء كل الشدائد، يولد إنسان يخرج من رحمها. كان صامتًا طيلة عشرين سنة أو أكثر. كانت تمر عليه تلك الذكريات كفصل الخريف المتقلب الذي يعتبره من أشد الفصول مرارة. يشعر بالتعب كلما تذكر. كان كل خوفه من فضح سره أمام أولاده، خاصة ابنه. بالأمس، كان صابرًا كتوماً إلى أبعد الحدود، إلى أن اعترف على نفسه، عندما جبر على ذلك. منذ هذه اللحظة، ظل ماكثًا في غرفته يرفض وجود زوجته ريحانة بها، ولا يتحمل الخروج عليهم بعد تصريحه، وكأن كبوة أصابت فارس وأسقطت جواده أرضًا. بالرغم من الأرض الصلبة الذي بناها لسنوات عديدة، بالرغم من تتابع الكبوات عليه واحدة تلو الأخرى، وصولًا إلى حدث ارتباط ولده الوحيد بفيروز، وكأن ارتباطها به ابتلاء، جعل السر يندلع من بين طيات لسانه بالأمس.
هذا بالإضافة إلى ابنه الذي علم من السيدة صفا عن الأوراق التي قامت فيروز سرقتها من خزانته الشخصية، ليتأكد أنها تعطيها لناشد، لذلك لا بد من النيل منها قبلها.
- مفكراني غبي، ومش هاخد منها اللي سرقته؟ طبعًا زيها زي أي واحدة عايزة تطلع أبوها شريف وتجيب مناخيري أبويا الأرض. أه، هو اعترف باللي كنت عارفه زمان، بس عمري ما هكسر ضهره قدامكم.
ليرجع بظهره إلى الخلف، يغمض عينيه ليراها في خياله، ويتخيل أنها لولا وجود أباها لباتت معلقة في جفونه للأبد. ليزفر بحنق.
- امتى أخلص منك ومن أبوكي ومن الزفت فادي عشيقك، ولا سي سامر والست سمر شبكة وحالفيين لتلفوا أحبالكم على الراجل اللي لحم أكتافكم من خيره.
دلفت له والدته وهي تضع علبة الخاتم أمامه بكل غضب هستيري.
- حضرتك بعتني في مهمة، والصراحة البنت عندها حق. ده أبوك مقدرش يعملها معايا، أنت هتعملها مع فيروز؟ مش ملاحظ إن الزمن غير الزمن؟ وأبوك قافل على نفسه ليه؟ بيتهرب مننا ومش عايز يروح يخطبها براحته، وأنت براحتك. أنتم عالم فقر.
عقد حاجبيه باندهاش من تحول والدته، خاصة بعد ذهابها إلى فيروز. ظن وهي تشير أن والده لم يفعلها أن حدث ما حدث في الماضي وذكرتها فيروز به. لكن اختفى ظنه عندما جلست بكل هدوء تحدثه عن معاملة والده لها، وكيف استطاع كسب قلبها بعد أن أغلقته من آخر هزيمة التبست بها. فالتقط العلبه من على سطح المكتب وهم بالذهاب وهو يتأمل مظهرها. وهو وافد عليها يكرر طلبه وبدون والده. فتنهد بعمق وزفر بحنق وهو يضغط على العلبة براحتي يديه، وعيناه تلمع بالفكرة الخبيثة. ويدلف غرفة والده حتى يمليها عليه لكي يرضى بفيروز زوجة له. لتنظر ريحانة في أثره نظرات غير مطمئنة من ناحيته.
ريحان دائمًا مختلف عن كل شيء حولها، فريد من نوعه. لم ترى رجلاً مثله أبدًا، ولم تحب غيره قط. فمنذ صغرها لا ترى للرجولة معنى في والدها، الرجل الذي لعب دور الأب المفقود وهو على قيد الحياة. حتى أشقاء والدتها لم يمثلوا لها أي شيء. ليأتي هو ويدلف حياتها بدون استئذان، يلاعبها على أصابعه، ويتسابق معها في كل شيء، ويرى رسمها ويعجب به. لتشعر بالنضوج معه. ولكي تبقى عند حسن ظنه، عليها تنفيذ توجيهاته بمنتهى الإتقان. ولكن ما يحيرها غموضه. هل يحبها أم يستخدمها آلة لكشف ألاعيب والدها؟ نظراته تجعلها أحيانًا تشعر أنها أغلى وأهم شخص في حياته. وأحيانًا أخرى تشعر أنها ليست الأغلى، تشعر أنها تركض خلفه. أما يكفيها حياتها المعقدة ليظهر هو ويجعلها أصعب وأعقد؟ خسرت من قبله الكثير، وأهمهم ذاتها. ولكنها ليس لديها أدنى استعداد لخسارته، لأنها وجدت به ما افتقدته من ذي قبل. ذهب إليها بنفس الخاتم الذي ذهبت والدته به، ولكنها كانت شاردة وهي تتقبله منه مستغربًا قبوله. نظرت نحوه وتنحنحت كي ينتبه لها، وسرعان ما علت الابتسامة تزين وجهه، والأكثر من ذلك غمزها بعينيه، لتشعر شقاوة بداخلها لم تعهدها من قبل.
*****
انتهى يومهم بوعد منه بإحضار والده. ولكن في اليوم التالي، هاتفها رقم مجهول الهوية. ردت على الفور لتتفاجأ أنها سمر. شكت في أمرها من أين علمت برقمها. ترجتها سمر أن تأتي إليها لتخبرها بأشياء مهمة عن والديهما. لتسخر فيروز قائلة:
- خير؟ ماتوا وخلصنا منهم أخيرًا وإلا إيه؟ وبعدين أنا خلاص مبقتش أعترف به إنه أبويا. أبويا مات من زمان يوم ما مات أخويا الصغير.
أخذت سمر تترجاها أن الأمر مهم. وافقت فيروز على مضض، ولكن شرطت بالمكان الذي تختاره.
- خلاص طالما مصممة، قابليني على باب الكلية. أصل الحرس عمرهم ما هيدخلوكي، مش عشان لبسك لا سمح الله، لا عشان مش معاكي كارنيه.
ذهبت إلى الجامعة لتتفاجأ بسمر تركض نحوها. لتبتعد عنها فيروز سريعًا، يبدو أنها شكت في أمرها.
- كده يا فيروز بتبعدي عني؟ إيه خايفة لا أكون عايزة أخدرك ولا حاجة؟ متخافيش، أنتِ أنصح مني. قابليني قدام كليتك وقدام الحرس. مع إنّي لو عايزة أعملها، هعملها.
نظرت فيروز إلى باب جامعتها ولم تعطي أدنى اهتمام لحديثها.
- أنتِ قلتي إنك عايزاني في حاجة مهمة. أعتقد إن الحاجة دي مش محتاجة حضن مطارات. أصلًا العلاقة ما بينا سلبية. ولا أنتِ واخده على الأحضان؟
كادت أن ترد عليها، ولكن أتاها تليفون من فادي ليخبرها أنها مراقبة من شخص ما. لتذهب سريعًا قبل أن ترى هذا الشخص. ذهبت بطريقة جعلت فيروز تصيح بها:
- يا سمر، روحتي فين؟ التليفون ده جاي من مين؟ يا ربي، إيه الورطة دي؟ بقي أنا إيه اللي نزلني أقابل المعتوهة دي؟ يا خوفي لا ريحان يعرف.
تفاجأت بمن يقف أمامها بابتسامة بشوشة تعلو وجهه، ذلك الذي كان يراقب سمر من قبل. ريحان ليصادف أنه رآها مع فيروز.
- عصام! يا نهار أسود ومهبب! كده خبطتين في الراس هيوجعوني أوي. بليز، بلاش تقول لريحان إنك شفتيني مع المعتوهة سمر. بلاش تقول إنك شفتني أصلاً.
كانت بذلك الموقف بينما هو قابع داخل مكتبه في قسم الشرطة، يقسم بداخله مثل يمين القسم الذي افتعله منذ دخوله هذا المجال. أقسم أن يجعلها ترد الدنيا بعيدًا عن نظرة والدها المشوهة، وتحيا كمن هم في حالة اجتماعية أفضل منها. والأهم أن تحبه بنفس درجة حبه لها، وليس مجرد تحصيل حاصل في حياته أو تفعيل رمز الحماية. كل هذا اختبار صعب بالنسبة له، وهو قد أقسم أن يجتازه بنجاح.
رواية غيبيات الفيروز الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مروة البطراوي
أوصلها عصام إلى منزلها، ومن ثم أخذت سيارة أجرة لتقلّها إلى قسم الشرطة، ولكن لم تجده.
أخبروها أنه ذهب لتناول الغداء. بحثت عنه كثيرًا حتى تذكرت أنه يتناول غداءه في مطعمه المفضل. ذهبت إليه ونظرت نحوه تتأمل هيئته، وكأنه ذاهب في مهمة رسمية. كان ينظر إلى الأشياء من حوله بدقة جيدة، وبالرغم من رسمياته إلا أنه كان أنيقًا بطريقة أزعجتها. كانت في بادئ الأمر لا تعلم لماذا تتضايق من وجاهته، ولكنها علمت الآن. كان يرتدي الزي العسكري بالقميص الأبيض نظرًا لأنهم في موسم الصيف، وأعلى كتفي القميص توجد النجوم التي تدل على رتبته، والتي تحلم أن تصل إلى أعلى المراتب. وبالرغم من ارتدائه الباري إلا أنه كان يهتم بتصفيف شعره القصير. حقًا إنه وسيم.
تعترف أنها انجذبت له منذ اللحظة الأولى في مكتب سامر عندما اخترقها بعينيه العسليتين ورموشه الكثيفة وبشرته البيضاء، وزيه المرتب كالفارس المغوار. بعكسها تمامًا، فهي فتاة فوضوية، تمتلك شعرًا قصيرًا تكره أن يطول. بالرغم أنه حلم به طويلًا منذ لحظة رؤيتها إلى الآن وعازم لأمره أن يمنعها حتى من تسويته لكي يراه طويلًا، ناهيك عن فوضويتها حتى في ملابسها. بالنسبة لها معروفة بلبس الجينز والذي لا تستغني عنه إلا في المناسبات إن كان هناك مناسبة. ورغم أن ملابسها تشبه ملابس الرجال إلى حد كبير، إلا أنه لا يعترض أبدًا ويحبها كما هي. حسنًا، هي جاءت الآن، ستتنازل عن كبريائها وستخبره بما افتعلته اليوم وتطلب العفو منه، فقد أدركت خطأها حقًا.
انتبه لوجودها وجحظت عيناه لتتقدم منه.
"اقعدي اتغدي معايا، حماتك بتحبك رغم إنك طردتيها. ولما حبيبك عرف، حالف لا يسفغك التراب كله إلا ريحانة."
نكّت فيروز رأسها على الطاولة قائلة بندم وخوف من ردة فعله:
"ياريتني ما طردتها، وياريت والدك كان وافق يجي، كنا خلصنا من الفيلم ده. ناشد مش هيسيبني في حالي يا ريحان."
اتسعت حدقة عينيه بذهول، فهو لا يراها بهذه الوضعية منذ معرفته بها، فقرر استجوابها.
"فيلم إيه؟ وبعدين إنتي إيه اللي جابك ورايا لحد هنا؟ أنا مش قلتلك بلاش تخرجي من البيت. ومين عرفك إني هنا؟"
عضت فيروز على شفتيها وتعالى الخوف بين أضلعها، وكأنها ستعاقب عقابًا لم يخطر لها على بال.
"سمر اتصلت بيا قالتلي فيه حاجة مهمة عن ناشد لازم أعرف. قابلتها بس في الجامعة فضلت تحضن فيا لحد ما جالها تليفون واختفت. وبعدها ظهر عصام."
عقد ما بين حاجبيه بذهول. كيف تجرؤ سمر على فعل ذلك وهي تعلم أنه إذا علم بذلك سيمحيها. يبدو أن الأمر كان خطفًا، لذلك لم تخشاه.
"أولًا مكنش المفروض إنك تردي عليها، ولما تعرفي إنها هي تقفلي السكة و تبلغيني. ثانيًا إنتي مش مدركة مدى الخطر اللي حواليكِ، لذلك إنتي مش أمينة على نفسك. ثالثًا عصام عرف منين إنك هناك يا هانم؟"
قطبت جبينها، وما إن جاءت لترد وجدت أنه يسحبها.
"إيه ده، إنتي موديني على فين؟ وسمر يعني في إيديها إيه تعمله فيا؟ والله ما أعرف عصام ظهر إزاي وقتها."
ذهب بها إلى منزلها وصعد بها، فتحت لهم صفاء تنظر إليهم في قلق. يبلغها بما يود فعله ومن ثم يتركهم، والتساؤلات على وجه الاثنتين قائمة.
***
مرت ثلاث ساعات وفجأة طرق بابهم زيدان الجمال ومعه ريحان وريحانة وزينب ونور ونورا وأمير ورجل يحمل بيده دفتر، ليتم عقد قرانهم في جو من الصمت وبدون أي اعتراض منها. وبعد التوقيع نهض زيدان ليمد يده إليها قائلاً على مضض:
"مبروك عليكي ابني يا فيروز."
مدت يدها إليه لتشعر برهبة لم تشهدها من والدها، لتتوجه إليها ريحانة تحتضنها قائلة:
"ياريت بلاش تكسفيني المرة دي في هديتي يا فيروز، ده خاتم زهرة الريحان كان هدية زيدان."
تناولته فيروز منها ومن ثم ارتدته وكانت تتطاير من السعادة. ليجذب زيدان ريحانة قائلاً:
"إيه اللي إنتي عملتيه ده؟ إنتي مفكرة إن ابنك بيحبها زي ما أنا بحبك، ولا هي بتحبه زي ما إنتي بتحبيني؟ البنت دي استحالة تكون أم أحفاد زيدان الجمال، استحالة يا ريحانة."
وضعت يدها على وجهه وهي تبتسم بحنان بالغ قائلة:
"متأكدة زي ما كنت متأكدة إن هيبقى بينا رابط قوي وحصل. ريحان بيحبها يا زيدان. صدقني هو بس مش عايزك تغضب عليه."
أخرسته بكلماتها مثل كل مرة، فدائمًا لها نظراتها البعيدة. تأكد من حديثها عندما وجد ابنه يتوجه نحو فيروز يحتضنها ويقبل جبينها.
"متتصوريش أنا فرحان قد إيه. وإنتي كمان فرحانة، متحاوليش تنكري."
قطبت فيروز جبينها تسأله وهي تتعالى دقات قلبها:
"ريحان! إنت بتحبني زي ما أنا بحبك، ولا لسه موصلناش لكده؟ نفسي تكون صادق في مشاعرك تجاهي."
ابتسامة جذابة منه إليها كانت كفيلة بالرد على سؤالها وأسئلة الجميع من حولهم.
كانت علامات الاستفهام عالقة بذهنه منذ آخر جلسة جمعتهم سويًا قبل عقد قرانهم بساعات، تلك الجلسة التي كانت مؤشرًا قويًا نحو بداية علاقة صادقة بينهم، خاصة عندما اعترفت له بكل ما فعلته. استشعر منها الإخلاص وأنها لا يشوبها شائبة وأنها رضخت له بدون تراجع. ولكن تذكر كلمات والده.
"المهم تكون مستعد تتجوزها يا ريحان، وتكون صادق معاها. أنا عندي بنت وميرضنيش نلعب ببنات الناس حتى لو كانوا أولاد مجرم محترف."
نطق زيدان بهذه الكلمات وهو مشددًا على آخر حروفه، ومن ثم طرح عليه سؤال، وكرره مرتين، وحاصر ابنه لكي يرد عليه بجواب تفصيلي.
"ليه استنيت للنهارده ومصمم على النهارده بالذات؟"
رد على والده وأخبره أنها جاءت لعنده وصارحته بما حدث لها.
كانت فيروز شاردة بعد عقد القران تتأمله في صمت والابتسامة تعلو وجهها. أفاقت على صوته الخشن وهو واقفًا أمامها.
"قاعدة توزعي ابتسامات على كل المعازيم كده ليه؟ إنتي عبيطة يا فيروز، ولا الصدمة خلتك تجنني؟ عمومًا ده أول الغيث قطرة، لسه الفرح الأسطوري. فرح يليق مع عيون الفيروز اللي قدرت ترسم لوحات جمالية."
انتبهت له ثم حمحمت بحرج لتقف أمامه.
"أسفين يا حظ الظابط، مكنتش عارفة إن ممنوع أبتسم لحد يوم كتب كتابي اللي جه على غفلة. ما هو بصراحة كنت معاك في الغدا العشاء ألاقي نفسي مراتك؟ وبعدين إنت مش أي زوج، إنت في حتة تانية خالص."
ثم تابعت وهي تراقص له حاجبيها ظنًا منها أنها تستفزه لعدم إجابته على سؤالها.
"غير كده ما طلبتش بطاقتي ولا حتى موافقتي. مضيتني بالإكراه يا باشا، وبعدين فين المؤخر والمهر، ولا فستان الخطوبة؟ كل ده ببلاش؟ إنت كده تستخدم سلطانك براحتك."
نظر إليها ببرود وهبط الصمت فوق رأسه، فابتسمت بسخرية.
"عادي ما أنا عروسة ببلاش كده، أبويا مجرم مليش دية، طبعًا أنا من حقك. فرصة بقى تاخد حقك إنت وأبوك من ناشد فيا، بس أحب أقولك أنا مش فارقة ليه. أتمنى أكون فارقة ليك."
تناول يدها في يده وتعمد أن يقبض على معصمها لدرجة أوجعتها، ليعض على شفتيه يصطنع الأسف.
"إيه وجعتك يا بيبي؟ معلش حقك عليا يا فيروزتي يا جوهرتي المكنونة. أنا لما بنقي مش بنقي غير النظيف. شفتي بقى إيدي وجعتك إزاي؟ مستحملتيش."
شعرت بنظراته المهينة تلاحقها فاستشاطت غيظًا ثم توعدت له.
"بقي بتلويلي إيدي بالشكل ده يا ريحان؟ طب شوف أنا هعمل إيه، هروح أكلم زيدان باشا وهقوله إني عايزة أطلق، وطبعًا هو ما يصدق. ده جاي غصبن عنه."
بالفعل ركضت نحو زيدان لتخبره، ولكن خيب ظنها حيث أمر بتجهيز حقائبهم للذهاب معهم إلى منزله حيث الحماية من كل شيء.
***
مرت أيام وهي تحاول أن تتعود عليهم، وبالفعل تألفت مع زينب شقيقته، فلديها ميول واحدة وأشهرهم الرقص تحت المطر. كانت تعلم أنه نائم في غرفته، فأشارت إلى شقيقته كي يخرجا سويًا إلى الحديقة يلعبان كالأطفال ويبللان ثيابهما. ولا ننكر الروح الشقية التي كانت بداخل زينب، حيث قامت بصنع كرات من الطين وتقذف بها فيروز، وفيروز تحتضن كرات الطين بحب، ثم يدوران معًا وتتعالى ضحكات فيروز الطفولية التي طالما حلمت بها لتتابعها ذكرى شقيقها، فتشعر أن الأرض تميد بها. تصرخ فجأة.
"كفاية يا زينب، راسي بتلف."
ولكن الأخرى كانت في عالم آخر تعيش اللحظة دون عناء. هي لم تعانِ يومًا مثل فيروز، وتسرع أكثر بالدوران لتتركها فيروز وتمسك رأسها لتقع على الأرض. على الجانب الآخر كان يقف بعيدًا يراقبها بشغف، وما إن وقعت حتى وقع قلبه تحت قدميه وأسرع إليها والدماء تهرب من عروقه ليصرخ بشقيقته.
"في حد عاقل يعمل اللي عملتيه ده؟"
امتعضت زينب وردت ببساطة اعتادت فعلها.
"أنا ما صدقت ألاقي واحدة مجنونة زي في البيت ده."
***
على الجانب الآخر عند عصام، منذ لحظة رؤيته لها وهو يريد تحطيمها. نعم، هو كان لا يراقب فيروز بل يراقب سمر. ذهب إليها وطرق بابها، ففتحت له وشعرها مبعثر وعيناها نصف مغمضة من أثر المشروب. ألمه قلبه ما إن رآها بتلك الهيئة. نظر إليها نظرات كارهة ووجه منزعج.
"مين كان يصدق إن سمر هيكون منظرها كده في يوم من الأيام. هو الحب يعمل فيكي كل ده؟ حضرتك متعرفيش حاجة اسمها حلال وحرام؟"
كانت تظن أنه سيشعر بالعطف عليها، ولكن وجدت غير ذلك. نظرت له باحتقار ثم لمعت عيناها بخبث.
"شوفتك وإنت جاي تلحق فيروز من إيدي، فيروز اللي الكل لسه عارفها من شهور بس الكل بيدور حواليها. لما إنت بتحبها كده سبتها ليه للباشا؟"
ثم تابعت لتصله إلى حافة البركان.
"بصراحة البت تاخد العقل أوي أوي، تبقى غلطان لو ما خطفتش حتة من التورته زي ريحان واللي بعتني. ده حتى سامر أخويا نفسه فيها."
تنهد عصام بعمق ثم همس في أذنها وكأنه يريد أن يعلم من الذي بعثها.
"إيه ده بجد؟ يعني كان فيه حد بعتك؟ طب ما تقوليلي مين ده، يمكن نقسم التورته سوا. ده أنا حتى ظابط وهعرف أساعدك وأساعده يا سمورة."
ما استمعت له أذناها جعلها صامتة، أصابتها حيرة حوله.
"تحب تشرب كاس معايا ولا نتغدى؟ بس أنا معنديش أكل، محدش بيسأل عني، حتى عمتي ريحانة طردتني من يوم ما ريحان اتجوز الملعونة."
"يالكِ من فتاة لعوب تخرجين من الموضوع وقت ما يحلو لك. نشرب ونتغدى؟ إنتي داخلة على طمع يا سمر؟ مش يمكن جايلك في مهمة رسمية بصفتي ضابط؟ بأتهمك إنك كنتي بتحاولي تخطفي فيروز."
ثم تابع بهمس:
"مش ملاحظة إنك بقيتي زبالة أوي؟ إنتي مفكرة إن عمتك طردتك عشان ابنها ومراته؟ غبية، هي طردتك بسبب فضيحتك اللي لا يمكن تتنسي."
من هذا الذي يتحدث؟ كان لا يعرف عنها شيئًا والآن يعرف كل شيء.
"إنت تعرفني منين عشان تقول عليا كده؟ عايشة بره طول عمري، بنزل إجازات. أبويا أهملني، كل همه الصفقات وإنه يبقى معاه فلوس."
تذكر الكشكول التي كانت تحمله معها دائمًا وهو الذي أثار فضوله ليقوم بسرقة واحتفاظ به. فقال:
"خلاص يا سمر احكيلي وأنا هعرف أكتر وأحكم، بس مهما تحكي من مآسي، عمرها ما تغريكي تعملي الغلط، والمثال فيروز ليه؟ إنتي مش زيها."
"دائمًا الجميلة بنظرهم فيروز."
"سمر، أنا اسمي سمر بنت سمر وسامر الخضري اللي طول عمره متطلع لو كان رماني بإيده زي فيروز كنت لحقت نفسي، لكن كنت تايهة."
علم أنه أغاظها بالمقارنة.
"ماشي يا سمر، واضح إن زيارتي غلط، كنت أتمنى أن أصل معك لحل، بس للأسف إنتي رافضة، حقك مقدرش أجبرك على حاجة رافضاه."
تركها وذهب، وبمجرد ذهابه ابتسمت بخبث وشعرت بالانتصار.
"إنت حصان كسبان يا عصام، مش هسيبك، هشتغل عليك جامد أوي وعن طريقك هوصل تاني ليهم بشكل العفيفة الطاهرة اللي عايزة تعيش، بس لا، هوقعهم واحد واحد."
***
ترى من سيدفع الثمن؟ من بعثر ملامحنا هكذا؟
بداخل كلا من إنسان أضعف من مواجهة الوحش الكاسر.
"أنا مقسوم نصين يا أمير، نص بيقولي أوقف ابني عند حده وأطلقها منه وأرميها رمية الكلاب، ونص عارف ومتأكد إن مش ده الحل، بس مش قادر أكسر ناشد من أي جهة."
صمت للحظات يستعيد ذكرياته مع ناشد، ليعود إلى مشهد محدد وهو محاولة اختطاف ريحانة. يومها شعر بنفس الشعور، أينقذها ويتنازل عن كل شيء، أم يبقيها معهم وينتزع من داخله عشقها. ليصف لأمير كيف أن هذا اليوم بدل كل شيء بحياته.
"أنا كنت معاه لحد ما ريحانة ظهرت في حياتي وقالتلي إني عمري ما هكون الشخص اللي هتكمل حياتها معاه. اكتشفت إني رخيص أوي، رغم إني من قبل ما أعرفها وأقرب منها كنت عايش سنين بتظاهر إني الشخص المناسب في المكان المناسب."
ربت أمير على كتف زيدان يحاول التخفيف عنه ويخبره أن ابنه دخل نفس المكان الذي دلفه من ذي قبل، وهو بيت العشق.
***
على الجانب الآخر عند أبنائهم نور وزينب، وهي خارجة من المكتب.
"مش عايزة توصيلة يا ست زينبو؟ من يوم ما عم زيدان جابلك العربية وانتِ استغنيتي خلاص عن نور. كلها كام شهر ونطفي النور سوا."
نظرت خلفها لتجده نور وعلى وجهه ابتسامة سخرية، فابتسمت برقة ثم نظرت إلى سيارته ذو الدفع الرباعي بسخرية.
"شكرًا يا مستر نور، مش عايزة أتعبك وإنت بتشيلني تطلعني العربية. هنعمل إيه بقى، قصار قامة عليك عشان كده جابولي البونانية دي، بيغيروا منك وإنت شايلني."
التقط يدها ومن ثم حملها برقة إلى سيارته قائلاً:
"إيه اللي إنتي بتقوليه ده يا زوزة؟ تعبك راحة. يا بت ده هي مرة واحدة كل يوم، أومال بقى لما تبقي طول اليوم هيولعوا في اللي جابوني؟ وبعدين أنا جوزك."
ابتسمت بتوتر وهو يحملها وأخذ يداعبها طوال الطريق حتى وصلوا إلى باب منزلها. هبط من السيارة وقام بفتحها وحملها بنفس الطريقة حتى سقطت فوق قدميه لتختلط أنفاسهم.
"خلاص كفاية كده يا نور. أنا مش عايزة بابا وريحان يشوفونا ويعتبرونا موضوعهم النهاردة. أصلًا ريحان حاططني في دماغه من يوم ما وقعت فيروز."
تركها ثم قال وعيناه تفضح بما يريده منها.
"طب مش عايزة أي حاجة مني يا زوزو كده ولا كده؟ بوسة مثلاً، حضن أي حاجة. طب ده أنا ممكن أروحك بيتنا وهما ميقدروش يقولولي لأ."
هزت رأسها بمرح ومن ثم ركضت نحو باب منزلهم تقبله قبلة طائرة في الهواء، ليتنهد هو بتعب وحزن على الحالة الذي وضعوه بها، فقد أصبح يعشقها حد الجنون وهم لا يهتمون بمشاعره، ولم يجد طريقة للحصول عليها سوى الصبر عليهم، وكلما تأخر موعد زفافهم يجعل القلق يتصاعد بقلبه.
***
عاد إلى منزله ليجد والدته نورا في انتظاره، وشعرت بحزنه.
"مش عارفة ليه يا نور، حاسة إنك لسه طالب وراجع بدرجات زفت وطين من المدرسة. مالك يا واد؟ مش كتبت كتابك على زينب؟ عايز إيه تاني؟"
تحدثت نورا والدته وهي تلوى شفتيها بامتغاص، فسألها باستنكار.
"ليه بس شايفه إني كتبت كتابي أبقى كده خلاص اتجوزت؟ إنتي مش قلتي هزني عليهم يعجلوا بالفرح؟ طب يجيبوها تعيش معانا زي فيروز."
شهقت ووضعت يدها على فمها.
"لأ، ما هي زينب مش زيها، فيروز مستهدفة من أبوها. وبعدين لأ أنا ولا أبوك نجرؤ نطلب طلب زي ده منهم. اصبر، أبوك راجع متعكنن."
ثم استطردت لتصدمه.
"أبوك زعلان على عمك زيدان، تقريبًا هما هيشهروا إفلاسهم قريب والسبب عمك اللي راح شارك سامر وأبو فيروز كمان قلقه على ابنه."
لم يكن منتبه لما تقوله، فقط كان يشغل باله هو إتمام زواجه من زينب مهما حدث، حتى وإن ضاع الجميع.
***
عيناكَ ليالٍ صيفية، ورؤىً وقصائدُ وردية، ورسائلُ حبٍ هاربةٌ من كتبِ الشوقِ المنسية.
من أنتَ؟ من أنتَ زرعتَ بنقرِ خطاكَ الدربَ ورودًا جورية؟
من أنتَ؟ كالضوءِ مررتَ، كخفقِ العطرِ، كهزجِ أغانٍ شعبية؟
من أنتَ؟ ومضيتَ شراعًا يحملني كقصيدةِ شمسٍ بحرية؟
لوعودٍ راحت ترسمها أحلامُ فتاةٍ شرقية.
(أحلامُ فتاةٍ شرقية)
عيناكَ ليالٍ صيفية، ورؤىً (ورؤىً) ورؤىً وقصائدُ وردية.
غردت له تلك الأغنية وهي جالسة معه في سيارته، ومن ثم التفتت إليه.
"إيه يا ريحان، موديني على فين؟ أوعى يكون عايز تخلص مني. على قد ما بحبك بس بخاف منك ومن قلبتك."
ضحك ريحان من خبثها، فهي تود أن يخبرها أنه لا يستطيع الحياة من دونها، فرد عليها يراوغها قائلاً:
"باقي القليل يا حبيبتي، قلتلك بلاش تيجي معايا بس إنتي صممتي. يا خوفي لا يطلع تصميمك ده فوق دماغك."
***
وصلا إلى الوكر الذي تقطن به سمر. ذهب ليعاقبها خاصة عندما علم من عصام أنها لا جدوى منها. رفضت فيروز أن تصعد معه وظلت بالسيارة. صعد هو إلى سمر وكان بكامل أناقته، لتفتح له الباب وتحتضنه بكل تبجح.
"عايزة إيه يا سمر؟ أنا دلوقتي راجل متجوز، ومش من عادتي ألم زبالة غيري. وبعدين إنتي إزاي تجرؤي تكلمي فيروز وتوصلي ليها؟"
تحدث ريحان بهذه الكلمات وهو يرمقها باحتقار لتبتسم هي بسخرية.
"حلو أوي موضوع متجوز ده، تصدق إني صدقت إنك اتجوزت فعلًا؟ إنت هتفضل طول عمرك لوحدك، لأنك مفيش عندك مشاعر وهي مش هتقدر تصبر عليك كده."
كانت تتحدث بثبات حتى وجدت أنه يقترب منها وعيناه تلمعان بغضب، ليدب الرعب في جسدها فصرخت بقوة تستنجد بأي أحد، ولكن لم يهتز ولم يمهلها الفرصة حيث قام بصفعها بلا رحمة وبدا لها كالوحش الضاري.
"أنا عايز أعرف إنتي معجونة من إيه؟ الزمي حدودك يا سمر وابعدي عني وعن فيروز. لو اتكلمتي ربع كلمة عليها مش هرحمك، وبعدين تيجي إيه إنتي جنب فيروز يا ساقطة؟"
بالأسفل استمعت فيروز إلى صرخة سمر فانتفضت وركضت على الدرج حتى وصلت إليهم، وجدت أنه يدفعها بعنف على الأرض لتقع تتأوه بشدة. دلفت فيروز الشقة حيث كان بابها مفتوح، وبالرغم أنها تعلم مدى كره سمر لها إلا أنها مدت يدها إليها تساعدها على النهوض ثم صرخت في وجه ريحان بطريقة أصدمته.
"إيه ده، هو إنت حيوان مفيش في قلبك رحمة؟ عملتلك إيه عشان تضربها بالشكل ده؟ خلي شغل السجون ده هناك مش بره كمان، إنت مش من حقك تلمس حد طالما مفيش عليه دليل. وحتى لو في دليل مش من حقك."
لاحظت سمر نظراته الشيطانية نحو فيروز فابتسمت من داخلها لأنها هو من ساعدها للوقيعة بينهم. ظلت تتأوه وتلعب دور الضحية إلى أن أمسك ريحان معصم فيروز وجرها وسحبها خلفه وهي تصرخ. فتقدمت سمر تغلق الباب وتتعالى ضحكتها الخبيثة حيث وصلت إلى مبتغاها سريعًا.
رواية غيبيات الفيروز الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مروة البطراوي
قاد ريحان سيارته مسرعاً، والغضب يملكه منذ لحظة لفظها بكلمة "حيوان". وما إن وصل إلى مكانٍ شبه صحراوي، انحرف بسيارته نحو زاويةٍ ما، وهبط منها، ثم سحبها مرة أخرى ليوقفها أمامه.
شحب وجهها وبدا كلون الكركم. أما هو، فكان وجهه محتقناً بالدماء. ابتلعت ريقها بصعوبة، تشعر بانقطاع أحبالها الصوتية، تحاول جاهدة الاعتذار منه عن سوء تدخلها. تعلم أنها مخطئة.
"ريحان، أنا بس كنت بحاول أوقفها على رجليها، مش أكتر. أنت اللي ضايقك شتيمتي، صح؟"
"أنا آسفة، مش قصدي. بس في لحظة تخيلتك ناشد."
"واللي كان بيعمله فينا."
صمتت عندما وجدته يطبق على خصلات شعرها القصير بقوة، كاد أن ينتزعها بين يديه. يقرب أذنيها من موضع شفتيه، يهمس كفحيح الأفعى:
"أنتي مين عشان تقوليلي يا حيوان؟ الظاهر إنك رمامة، بس أنا هربيكي وهعرفك إزاي تتكلمي معايا. أبويا كان عنده حق، بنت ناشد مش هتليق بيا. بنت ناشد نشاز زيه."
لم تستطع الرد، فهي من سمحت له أن يتفوه بتلك الكلمات البغيضة عنها. شعرت بالدماء تنسحب من رأسها، والمكان يطبق على أنفاسها، يخنقها. بالإضافة إلى محاولتها للابتعاد، ولكنها كانت محاصرة من بينه وبين باب السيارة، كأنه يريد زهق روحها بلا رحمة. لترتجف على صوته وهو يصيح فيها بغضب:
"انطقي يا بنت ناشد، لأني مش هعتقك النهارده من تحت إيدي إلا وأنتي سافّة التراب. أنا حيوان يا فيروز، الحيوان اللي لمك وخاف عليكي. ده انتي كنتي هتضيعي."
ردت بصوت ضعيف متحشرج:
"مش قصدي والله يا ريحان. أرجوك صدقني، أنا بعترف إني غلطت، سامحني. أنا لما شفتك بترميها على الأرض ما فرقتش بينك وبين ناشد. هو كمان كان بيرمينا على الأرض."
لم يتوقف عن محاصرتها، بل شدد على خصرها بيده، يكاد يعصرها، حتى شحب وجهها. بينما هو ابيضت مفاصل يده وهو يطبق بها خصرها. أخذت تتمغص وتتلوى منه. ليبدأ بإزالة يده قليلاً، ليجدها تنساب على الأرض، تسقط على ركبتيها وهي تحاول كتمان بكائها. ولكن بدون شعور، أجشأت في البكاء.
لتجده يهبط ويجلس على عقبيه، يخرج منديلاً من جيبه، يمسح دموعها ببرود قائلاً:
"خدي من ده كتير واشربي المر اللي أبوكي شربه لعيلتي. بس متنسيش وإنتي بتلعبي بالنار إنك على اسم ريحان الجمال. إيه، هتغني لي تاني؟ وهتضحكي عليا؟"
أشاحت بوجهها إلى الجانب الآخر. فابتسم هو بخبث هادئ:
"خلاص براحتك، بلاش تغني. تعرفي إن صوتك حلو قوي، واللي يسمعك يفكر جوهرة نادرة؟ بس للأسف، فالصو. مالكيش لا سعر ولا قيمة. أنت بس اللي كنت هعملك سعر."
ثم استطرد وهو يسحبها ويرفعها معه من على الأرض:
"آه، بمناسبة اسمك، أنا وصيت الجواهرجي بتاع العيلة يعملك طقم بحجر الفيروز. يلا بينا نروح نجيبه وألبسه لك بالمرة. قصدي الحيوان يلبسه لك."
"غي رقبتك ويسحبك منه زي البهيمة بالظبط كده."
ما إن أتم جملته، حتى سقطت على الأرض مرة أخرى، يبتسم إليها في شماتة لأنه استطاع إهانتها. حاولت لملمة شتات أمرها وهي جالسة على الأرض، تتساقط دموعها مرة أخرى، ولكن بغزارة من ذي قبل. قلبها يقف من الحزن، تريد أن تتركه للأبد بسبب إهانته. لتهتف، تحاول رفض أي شيء منه:
"شكراً، مش عايزة منك حاجة. في حد برضه يعمل كده لواطية زيك؟ من فضلك طلقني ورجعني بيت أمي، وأنا أوعدك إنك مش هتسمع عني تاني. ومش هتشوفني."
اندهش من محاولتها للاحتفاظ بجزء من كرامتها. وشرد بما افتعله بها جراء كلمة منها. جلس بجوارها على الأرض، يحاول احتضانها برقة، وهي تنظر له ببغض شديد. لتجده يدفن رأسه بين ثنايا عنقها:
"حقك عليا أكيد، أنا مش أقصد أهينك بالشكل ده. بس صعب عليا وإنتي بتدافعي عن واحدة كانت هترميكي لواحد ياخد شرفك. أرجوكي متدخليش في شغلي تاني. ومضيعيش فرصة أنا بحاول آخد فيها حقك."
لم تتقبل اعتذاره، بل ابتعدت بعنقها عن مسقط رأسه عليها، وما زالت تتساقط دموعها الحزينة. فصدم من رفضها لأي محاولة منه. ليتحدث بصرامة:
"تعالي نروح. اليوم مش لطيف. كان لازم تصممي تطلعي معايا الطلعة دي. عموماً، أنا اللي غلطان اللي بسمع كلام عيلة زيك. إنتي مالك بيا حتى لو قتلتها؟ أنا اللي هضيع مش إنتي. إنتي هتفضلي زي ما إنتي، حرة."
نظرت إليه باحتقار، ومن ثم تحدثت بصوت متحشرج:
"لو قتلتها هتبقى مجرم، وكل اللي حواليك اللي معتمدين عليك هيتحرموا منك. ما عدا أنا، لأن بعد اللي حصل أنت مبقتش فارق وجودك من عدمه. بالعكس، عدم وجودك نعمة في حياتي."
وصل غضبه لأعلى مراتبه، فصرخ بها لدرجة أن لصوته كان صدى رج الأركان:
"لو أنا مش فارق وجودي من عدمه ليكي، هبقى إنتي مالكيش وجود أصلاً يا فيروز. تحبي أموتك وأموت نفسي ونخلص من الدراما دي دلوقتي؟"
"إنت بجد أوڤر."
استوعبت ما يقوله، لتلتقط سلاحه من جيبه وتصوبه نحو رأسها. لينظر لها بكل جمود:
"تعالي نروح يا فيروز، مفيش داعي لجنانك ده. إنتي مفكرة إني مقدرش دلوقتي أطير السلاح ده من إيدك؟ فكرتيني، إنتي لازم تتعلمي الضرب عليه. عشان لما أبقى معدوم تدافعي عن نفسك."
لن تتهاون في حقها من بعد الآن. فهتفت برفض صارم:
"مش هينفع يا ريحان أروح معاك ونعيش تحت سقف واحد بعد اللي حصل النهارده. لازم ترجعني بيتنا. كمان أرجع جامعتي، امتحاناتي قربت. ومش فاضية لحرب إنتي عايزها."
نهضت وصعدت السيارة بكل هدوء. ليصعد هو الآخر بجوارها، يقود سيارته منطلقاً، لا يعلم إلى أي جهة سيذهب بها. ليبدأ التفكير في أمرها والحيرة الذي أوقع نفسه فيها، بين بقائها بجواره وبين ابتعاده عنه بسبب إهانته.
رفض عودتها إلى منزلها، ووعدها ألا يلتقيا هذه الأيام لحين هدوئها وتخطيها الموقف. ذهب إلى منزل جده بحجة أنهم ليس بينهم أي زفاف رسمي.
كانت تجلس لياليها، تنهمر دموعها، تتدفق كشلال، ولا تنفصل عن البكاء، كأنها عزمت أمرها أن تغسل بدموعها ذنبها نحوه. لكن لا أي ذنب اقترفته بحقه. كانت تشعر بجانب جسدها كما لو أنه يحترق، ومع ذلك رافضة لأن تمحي ذنبه عنها. باتت لا تغادر غرفتها، خاصة إذا جاءت الفرصة وجاء للاطمئنان على عائلته، تفادياً لاندفاع جديد منه، تتعذب على يديه مرة أخرى، كما فعل بها آخر مرة. بالرغم من أنه أظهر ليناً بعده، إلا أنها شعرت أن هذا اللين مجرد وسيلة لإخضاعها. تركت الأمر بينهم لوالده، لعله يكون قاضياً عادلاً بينهم، يحكم ببرائتها من كافة الاتهامات التي يلحقها بها، ويحكم عليه بإعدام لسانه عن كل الهرائات التي تفوه بها. أما عنه، فبات يعفيها من مواجهته ببقائه بعيداً عن المنزل ثلاثة أسابيع، لم يأتِ فيهم إلا ثلاثة أيام وليلاً بعد أن تغلق نور حجرتها.
بمرور الأيام، وهي تتعافى رويداً مما حل بها، بلغته الأخبار أنها تود رؤيته. وما إن هرول سريعاً إليها ووصل إلى منزل جده لكي يتجهز لرؤيتها، حتى أتاه طرد بريدي نحوه. جانبه، وقام بالاستحمام، ومن ثم ارتدى ملابسه ليكون في أبهى صورة ليقابلها. ولكن أتاه هاجس في عقله يملي عليه أن يفتح الطرد. ففتحه، ويا ليته ما فتحه. وجد رسالة كالتالي:
"ريحان الجمال، على فكرة أنت مغفل. الرسالة دي معاها تسجيل صوتي لفيروز وهي بتتفق مع أبوها على أبوك وعليك. ولو مش مصدقني، يوم ما كنت تعبان وهي جاتلك البيت، سرقت ورق من دولابك. الورق دلوقتي عند ناشد. وعلى فكرة، الاتصال كان تاني يوم كتب كتابك عليها."
بالفعل، قام ريحان بتشغيل الشريحة ليتأكد أنه صوتها واتفاق منها وتعهد لناشد أنها ستنتقم من عائلة الجمال أشد الانتقام.
الطرد كان نصفين، والرسالة نصين. النص الآخر، والذي كان القشة التي قسمت ظهر البعير، هي صور فوتوغرافية وهي بأحضان فادي يوم زيارتهم لسمر.
"هتعرف ليه أصرت تيجي معاك لسمر عشان تقابل فادي. ودي صورهم في عربيتك وهما بينجسوها. خافوا لحد يشوفهم، راحوا يستخبوا في مدخل العمارة. عرفت ليه طلعت تنقذ سمر من تحت إيدك وقالت ليك يا حيوان؟ عشان سمر عندها كاميرات مراقبة على السلم. فيروز اكتشفتها، فقالت تتقي شر سمر وتقف جنبها."
كور قبضتي يده من سوء ما شاهده في هذا الطرد، وتوجه مسرعاً نحو بيت والده. وللغرابة، أنه دلف مبتسماً، يحمل الثبات بين أضلعه:
"متتصوريش الأيام وأنا بعيد عنك عدت عليا إزاي. أنا من غيرك مسواش."
بلهاء حينما صدقته:
"بجد يا ريحان؟ يعني خلاص مش هشوف منك تصرفات مقرفة تاني؟"
ابتسم بخبث قائلاً:
"طبعاً، وقررت أصالحك وأعتذر لك قدام الكل ونسافر سوا. يلا بينا. وبلاش حد يعرف، اعتبرينا هاربين."
جذبها متسرعاً، فأوقفته وهي تعقد ما بين حاجبيها قائلة:
"لا، مش بالسرعة دي. أنا مش جاهزة. وبعدين محدش يعرف إني جاية معاك."
"ليه؟ لا طبعاً. لازم الكل يعرف. هو إحنا بنسرق."
ابتسم بسخرية على اصطناعها للأدب:
"لازم يعني يعرفوا؟ طب ليه؟ هو أنا مش جوزك. وإنتي مراتي."
شعرت أنه حزين بسبب عدم ثقتها فيه، فوضعت يدها في ذراعيه:
"معاك حق، يلا بينا. أنا معاك لآخر العمر، حتى لو هتوديني فين."
ماذا يحدث إن كانت المرأة هي عمود البيت، وفجأة يسقط العمود بدون سابق إنذار؟ وهذا ما حدث هنا بعد معرفتها بكل شيء عن ابنها وزوجته. سقطت على الأرض، وكانت تسمع وتشعر بجسدها، فقط لا تقدر على تحريك أي جزء لها. كان هذا في مجيء زيدان، الذي اندفع نحوها فزعاً فور رؤيتها تفقد الوعي. جلس على ركبتيه أمام قدميها الممددة، يراقب تنفسها. ومن ثم رفع رأسها ليضعها فوق ساقيه، يحاول تمسيدها. لتفتح عينيها، ثم أشارت نحو الأعلى لابنتها زينب، التي كانت ترتعش من سقوط والدتها المفاجئ وأنفاسها التي انقطعت فجأة:
"اطلعي هاتي الدوا وجهاز الاستنشاق من على المكتب يا زينب."
أحضر هو وسادة بجانبه ليضعها تحت قدميها، حتى تحضر لها زينب الدواء مع كوب ماء. أمر بإحضار قياس الضغط، ليجده مرتفعاً. ساعدها على بلع قرص الدواء بسرعة وارتشاف الماء، وحاول أن يجلسها. لتكتم دموعها حين سألها ما بك. لتسرد عليه ما علمته منذ لحظة احساسها بالتعب وهي تقود سيارتها بالقرب من منزل والدها، لتهبط حتى تعتمد على ريحان في توصيلها إلى هنا. ولكنها لم تجده، وجدت كل الأشرطة والسيديهات والرسائل، لتشعر بوخزة في قلبها. ومن ثم طلبت سيارة أجرة لتلحق به حتى لا يفتك بفيروز بالخطأ. فمثل هذه الدسائس وقعت بها من ذي قبل. علمت من زينب ما دار بينهم قبل رحيلها.
كانت تغني بمرح وهي تدلف غرفتها، لتجد زينب تنظر إليها:
"إيه يا زينبو؟ بتبصيلي كده ليه والمكر جوه عينيك؟ عموماً، ريحان رجع وياخدني معاه، هنستجم يومين كدهون. عقبالك يا زينبو مع عمك نور."
نظرت إليها زينب بذهول:
"مش عوايد ريحان يعني إنه يفرح حد. ثم إنه، يعني موافقة تروحي معاه أي مكان بعد اللي عمله فيكي؟ إنتي داخلة على شهر مش طايقاه."
زفرت فيروز:
"بس يا بومة، إيه؟ مش نفسك أكون مبسوطة؟ ولا اتعديتي مني في النكد؟ عموماً، سيبيني أنام وأحلم. أنا ما صدقت إنه اتغير حتى لو ليوم."
اندهشت زينب:
"هو إيه اللي تنامي وتحلمي إنه يتغير حتى لو يوم؟ أخويا عايز يبقى ليه عمر قد عمره عشان يتغير. دلوقتي عرف إنه غلط في حقك، مش مرتاحة."
تجاهلت فيروز كلماتها، بل دلفت لغرفة والدتها، تتبعها زينب:
"قوليلي ماما فين؟ أو بصي، بلاش تعرف إلا لما أمشي عشان عارفة إنها هتحبك قوي ومش هترضي إني أقضي يومين معاه. مالك يا زينب؟"
بردت زينب ببرود:
"مامتك نزلت الشغل، مصرة إن محدش يبقى له جميل عليها. فيروز، ممكن تستني مامتك أو ماما أو بابا؟ أنا ممكن أنزل أمنعه، بس مش هيسكت ليا."
ابتسمت فيروز:
"طيب، بلاش تنزلي. والله ده شكله مشتاق ليا، وأول أما ماما تيجي خليها تتصل بيا وأنا هرد عليها. متخافيش عليا، دوبت ألحق. هو مستنيني."
تعجبت زينب من عدم وجوده في الأسفل:
"مستنيني! مستنيني فين؟ دي حتى عربيته مش عند البوابة. فيروز، هو جه هنا ولا اتصل بيكي ولا بعت لك رسالة؟ أنا بدأت أتوغوش ومش مرتاحة."
داعبت فيروز ذقنها:
"يعني قلنا نعمل جو الحبيبة اللي هو أنا هربانة مع حبيبي. بس متقوليش لحد، لا يقولوا عليا هبلة. قوليلي، مش عايز حاجة من الفسحة دي؟"
هزت زينب رأسها بلا. ركضت فيروز نحو الأسفل، تاركة زينب بقلة حيلة. إلى أن جاءت ريحانة وقصت عليها الأمر، حتى انهارت. تم سرد كل شيء لزيدان، ليفتح عينيه على مصرعهما، لأنه تأكد أنه ابنه تحول إلى ذئب بشري لا يرحم.
قاد بها السيارة حتى ساعات الصباح الأولى. يبتسم إليها تارة، ويضاحكها تارة، ويداعبها تارة، ويحتضنها ويقبل جبينها. كان طبيعياً معها. نظرت إليه كأن ريحان كان يختزن كل شيء جميل يمطرها به لكي يكون معها رغم غضبه منها في السابق. شعرت أن مثل هذا الوقت كالأوقات الجميلة والنادرة بينهما. تريده أن يكون على هذه الشاكلة فقط، ودائماً يفكر بها على أنها حبيبته فيروز التي عانى طويلاً من أجل الحصول عليها. هي أيضاً تحبه، ولكنها تشعر أنها ممزقة من ناحية أبيها المعدوم، وبين واجبها ناحية ريحان كزوجها. ولكنها تعود وتردد داخل نفسها أن ريحان سيتحمل كل شيء، فهذا واجبه نحوها طالما ارتضى بها كشريكة.
تحركت السيارة فجأة بحدة، بينما كانت تطالع شيئاً في التابلوه، كأنه كان قاصداً لذلك. هبط من السيارة وأنزلها، لتجد أنها لا ترى أمامها إلا خيالات سوداء وأصوات نباح كلاب قادمة من بعيد، فضلاً عن الذي أمامها. هذا هي بداية العقاب الذي لم تتحمله فيروز، حيث سقطت أرضاً فاقدة الوعي. نقلها ريحان إلى المنزل بالداخل، وهاتف الطبيب، وأعطاه العنوان. نسي الطبيب العنوان نظراً لحديث ريحان المتسرع، ليقوم الطبيب بمهاتفة زيدان ليعرف منه العنوان بالتفصيل. وما إن أتاه الاتصال، حتى هرع إلى الطبيب. وبالطبع، ريحانه أصرت على الذهاب معهم. حضروا مسرعين لقصر المسافة، ولكن ريحان أطال المسافة حتى يأتوا إلى المنزل في الصباح قبل أن تشرق الشمس في الظلام الدامس. رأوها نصف مستلقية على فراشها في منزل ريحان. علمت صفا بنصف الحقيقة أن ريحان أخذ فيروز للنزهة، ولكنها مرضت. فأصرت أن تذهب معهم. جلست والدتها بجوارها، وأمامها يجلس زيدان يطالعها بقلق. بينما ريحانه، كانت لها وجهة أخرى مع ابنه.
دائماً تنظر إلى ولدها على أنه ليس مثل غيره من الشباب الطائشين. رسمت على وجهها ابتسامة مصطنعة:
"أخبارك يا ريحان؟ يارب تكون بخير وبعقلك الكبير اللي أنا ديما متعودة عليه. عمري ما شفتك طايش ولا بتاخد حد بذنب خبر متفبرك."
نظر ريحان نحوها، لترتسم ابتسامة حزينة على وجهه وهو يستعيد الذاكرة:
"أنا فاكر، إني الوحيد اللي دافعت عنها في حين إن كلكم كنتوا رافضينها. بس مفيش دخان من غير نار. عارفة أنا مبعوت ليا إيه عنها؟ الحقيرة."
ابتسمت بسعادة على تذكر أول موقف رأى فيه فيروز:
"فيروز بريئة يا ريحان. نسيت أحكي لك حكايتي مع أبوك. تحب تسمعها بالتفصيل؟ أنا كنت زي فيروز بالظبط، ومش عايزك تعمل معاها زي ما حصلي."
عقد ما بين حاجبيه بذهول:
"كده كويس، بس هي مقالتش لي على مكالمة ناشد ولا على فادي، ده على اعتبار إنها بريئة. تقدري تقولي لي ليه خبت عليا يا أمي؟ الموقف مجنني."
أخذت ريحانة الأداة الحادة التي بيده:
"ليه أنا احتفظت بسر لوحدي تلات سنين ومقلتش لأعز أصحابي؟ الخوف يا ريحان، زمان أنا خفت من والدك ومن ست كانت جبروت."
تساءل فيما بينه من هذه السيدة التي تتحدث عنها، أكانت من صديقاتها؟
"عشان واحدة ست جبروت تخبي حاجة مهمة تلات سنين؟ بأي حق يا أمي؟ أنا برفض الغيبيات اللي ممكن تدمر العلاقات. جايز بابا استحمل، إنما أنا لا."
تذكرت حالها، فقد كان والده مثلها تماماً. الاختلاف الوحيد أن زيدان لديه صديق من الممكن أن يؤثر عليه، ولكنها رافضة للتجاوز. وتمنت أن فيروز تبني هذه النقطة:
"خلاص، ممكن سماح المرة دي. وطالما لسه ما واجهتهاش، أوعي تفتحي الموضوع معاها. أو افتحه وقولها الحقيقة وعرفها اللي وصلك وعرفها إنها غلطت."
ابتسم ريحان بسخرية لا توصف، ثم قال وهو يصفق حول والدته:
"ماشي، موافق. بس افرضي يا ماما طلع كل ده مش متفبرك وإنه بجد وبحق وبحقيقي، أعمل إيه ساعتها؟ برضه أوعي تقربي منها يا ريحان؟"
زفرت ريحانة بحنق:
"طب ما تبعتي الحاجات دي للمعامل الجنائي تتأكدي، وبعدها اتصرف زي ما إنت عايز. المهم متبقاش عبي وتخسرها للأبد. ووقعتها دي كانت فرصة بالنسبة ليك."
رواية غيبيات الفيروز الفصل السادس عشر 16 - بقلم مروة البطراوي
خرج الطبيب في هذه اللحظة ليطمأنهم عليها. ريحان كان شارداً في حديث والدته، حقاً لقد أتته الفرصة لتمنعه عن تنفيذ عمل إجرامي قد يندم عليه.
نادته والدته من بعيد لكي يأتي ويرى فيروز.
"يالا جاي."
"أنا هستغل الفرصة لصالحي، الحمد لله إنها جت على قد وقعتها. وديني يا ناشد لأخلي الكلاب تبلعك أنت وفادي الكلب، ولا سمر الملعونة."
اطمأن الجميع عليها وتركوهما بمفردهما. لتنظر له وهي تعض على شفتيها بخجل منه.
"سورى بس منظر الكلاب صوتهم خوفني. وأنا كنت سرحانة في حب."
احتلت ابتسامة جانبية على ثغره تسخر منها، قبل أن يردف ويصارح فيروز لما شاهد هذا المشهد المخيف.
"قدرى إنك تبقي جبانة، مع إن تربيتك مع ناشد تقول إنك متعودة على كده. عموما ظهورهم وصوتهم كان له سبب، بصراحة أنا كنت قاصد. أهو بجرب معاكي نوع جديد."
عقدت ما بين حاجبيها، وانتفضت تقف على قدميها رغم الألم الذي ينهش جسدها. تثور في وجهه تعاتب ريحان، فهي بحياتها تكره أسلوب الترهيب والخوف، لأنها دوماً ضعيفة، وهي لا تستحق منه كل ذلك. هنا فهمت مغزى نظرات الشفقة في عيني زيدان الجمال الرجل الجبروت.
"انت كنت قاصد!! لسه عايز تاخد حقك من ناشد فيا؟ يعني بتتعامل معايا بالمثل. تمام، واضح إن مفيش فايدة فيك. أنا غلطانة إني رجعت. انت ما تستحق أني أسامحك."
***
على الجانب الآخر
عند سمر وفادي.
"لو فاكرني هسكت تبقي غلطان يا فادي، أنا مش هسيب فيروز تتبهدل أكتر من كده. انت إيه يا أخى شيطان؟ سيبها في حالها وشوف حالك."
تحدثت سمر بغضب ووعيد ظهر في نبرتها العصبية.
زفر فادي بحنق شديد يشعر بالاختناق.
"انتي إيه اللي غير رأيك؟ مش كنتي موافقة وشجعتيني على اللي بعمله؟ أنا قلتلك خليكي بعيد، قلتي لا أنا معاك يا حبيبي، مفيش نقطة رجوع."
ابتسمت وهي تلوى ثغرها بسخرية وعينيها تطلق شرارات الغضب والشر في آن واحد.
"لا، في رجوع لما أروح أقول لريحان إني حامل في ابنك، لما أقلب الترابيزة فوق دماغك وسامر أخويا كمان يعرف. قابل بقى هيحصل فيك إيه."
شعر بلحظة أنها على أتم الاستعداد أن تفضح نفسها أمام الجميع في مقابل انحناء رأسه لها.
"هو أنا بتهدد من واحدة زيك ولا إيه؟ بقي يا مفضوحة عايزة تفضحي نفسك عشان أتجوزك؟ وبعدين أخوكي مين اللي نام مع ثريا بنت الحسب والنسب؟ لو هي خدت حقها ابقى خديه أنت."
تعالت ضحكات سمر ومن ثم شردت في الفراغ مطولاً وقالت.
"لازم تعرف يا فادي إن كلنا بنشرب من نفس الكاس. سامر كان لازم يشرب زي ما سقي غيره، وأنت بتسقيني المر رغم إني مليش ذنب."
هنا تحدثت عن شقيقته التي تم اغتصابها على يد رجال ناشد والذي كان يود أن تعيش هي وجنينها.
"أختي لو كانت موصومة بالعار ولكنها رفضت."
"انتي لازم تموتي انتي وابنك زيها، ليه عايزة تحتفظي بيه وأنا عايز أخلص منك ومنه. أنا معييش فلوس أقدر أعيشكم بيها. أختي كانت أشرف منك."
بعد هذه الكلمات تراجع في حديثه ودفعها لفعل شيء يخلص منها فيه ويبقى لابنها أب غيره وتعيش في مستوى أفضل.
"بس جاتلي فكرة، اسمعي فيه حاجة لو عملتيها يا سمر ووقعتي ما بين ريحان وفيروز وخلتيها تسيبه، أنا ساعتها هكتب عليكي وأعترف بابني."
استغربت أمره في الإصرار على الوقيعة بين ريحان وفيروز، ترى هو المال السبب في ذلك.
"وأنا مش هقدر، وأنت كمان مش هتقدر تمنعني إن أقول لريحان. أنا لو عايزة ريحان كنت أخدته من سنين، وأنت آخر شخص أصدق وعوده يا فادي."
واستطردت وهي تقترب من أذنه تهمس كفحيح الأفعى، لدرجة أن همسها جعل أذنه تضطرب.
"لو فكرت تقتلني في سيديهات بكلامنا مع حد لا يخطر على بالك، أول ما هيجرى ليا حاجة هتكون عند ريحان، وساعتها محدش هيرحمك."
وبلحظة واحدة حشرجة غريبة خرجت من صوتها، حتى أنها شعرت أن هذا الصوت لا ينتمي لها، صوت خافت لم يكن يوماً ما لها، وكأنه بحركته هذه جلب الموت لها، يسحب منها أنفاسها.
***
عودة إلى ريحان وفيروز.
خرجت من الغرفة وتركته ليتذكر كلمات والدته عن السيدة المستبدة ويتذكر في نفس الوقت دفء صوت مها جدته.
"أنا مها، أنا هنا."
"نادي باباك خليه يجي يا ريحان عشان عايزة."
قلق تسرب إليه فانحنى ليقبلها وهو يهمس لها.
"مش حابب أسيبك يا أنا."
"عايزة زيدان وريحانة وكل عماتك حتى زينب وزينات."
مضت دقائق، لم يسمعها. فهي صوت وطأة قدمي ريحانة وهي تركض نحوها، لتشعر مها بأنفاس ريحانة بالقرب من أذنها، ربما توصيها بوصية. ذكر بها اسم سيدة تدعى شكران، مما جعل ريحانة تنظر أمامها بأعين عنيدة، وكأنها تحارب تلك التي ذكر اسمها.
***
دَلفت إليه والدته ريحانة ومسكت يده بلطف وهي تتجه نحو خارج الغرفة.
"ها بقى يا ريحان تحب أتكلم لك معاها ولا ندخل أبوك في الموضوع يحله هو؟ على فكرة هو نفسه يدخل ما بينكم، متفكرش إني جبرته يجي هنا."
شعر ريحان وكأنه بحاجة إلى تدخل والده، ولكن فكر قليلاً.
"أهم حاجة الهانم تاكل كويس، ومش عايزها تقعد معانا وأنا بتكلم معاكم. ممكن تبعديها عني الفترة دي يا أمي؟ لأنها محولة الموضوع لضفتها."
هزت رأسها وأذعنت لمطلبه.
"تمام، يلا بينا ندخل لبابا وأنا هقولهم صفا مامتها هتحضر القعدة معانا، وهي هتفضل بعيد، متخافش شكلها هي كمان مش عايزة تقعد معاك."
***
دلفوا إلى الداخل ليتفاجأ ريحان بتشبث فيروز الشديد بزيدان. وما إن رأته حتى انتفضت وخرجت مسرعة كأنها تغيظه.
"هي فيروز هنا من امتى يا زيزو؟ بس برافو عليك قدرت تكسب البنت في صفك. أنا كمان مستغربة، بقي زيزو اللي كل ستات العيلة يحبوه فيروز لا؟ أنت بصراحة تتحب بسرعة."
نهض من على كرسيه وابتسم على سخرية ريحانة.
"هو أنا مطلوب مني إن كل ستات العيلة يقعوا تحت تأثير مني؟ أنا حتى لو كلهم وقعوا الملكة بتاعت قلبي أهم يا ريحانة قلبي، ومحدش غيرها ياخد قلبي. لأنها بتاعتي أنا وبس يا رينو."
حاول ريحان الخروج لتوقفه ريحانة.
"لا حضرتك مش هتخرج من هنا إلا لما تتكلم مع أبوك، إيه انت غيرت من مغازلة أبوك ليا؟ طب ما تتعلم يا بجم، بدل ما أنت مش عارف تكمل في حبك."
هز رأسه نافياً ليقاطعه زيدان.
"هوووس، إيه يا ريحان مش عايز تتكلم مع أبوك وتحكيله إيه اللي حصل ليك؟ بتتصرف من دماغك ليه؟ كبرت عليا ولا إيه؟ اسمع لما أقولك أنا هفضل الكنج."
نظرت ريحانة إلى زيدان بتدقيق في تعابير وجهه لتجد ريحان يرد.
"لا علشان أنت الكنج، أنا مش قادر أبقى حقير في نظرك أكتر من كده، عايزني أقولك شفت صور وسيديهات ودبرني يا وزير؟ أنت لو في مكاني هتتصرف لوحدك."
استغربت ريحانة نظرات ريحان لوالده.
"كده برضه يا ريحان كل اللي بتقوله ده يزعلنا كلنا وأبوك بالذات، ينفع كده؟ أبوك زمان كان بيتصرف من دماغه لأن مكنش له أب، أنت بقى إيه؟"
شعر ريحان بحزن زيدان لتستطرد ريحانة.
"طيب روح بقى صالح فيروز لوحدك وابقى قابلني بعد قعدتها مع أبوك إنها توافق. أنا آسفة يا زيدان، الظاهر إني كنت غلطانة ومش واخده بالي."
رفع ريحان بصره نحو الأعلى يكتم دموعه ومن ثم أنزله أسفل ليجد نفسه يرفع يده في استسلام كما كان صغيراً حين يعاقب. يمد له زيدان يده بفرحة.
"شيل الهموم من على أكتاف ابنك يا بابا، احضني جامد زي زمان، أنا طول عمري قوي بيك، ولما ببعد ببقى ضعيف، كأنك سحر يا زيدان يا جمال."
هنا شعرت ريحانة بأنها فعلت شيئاً كبيراً عندما أعادت علاقة ريحان وزيدان إلى قديمها.
***
أما عن صفا، ذهبت إليها فيروز وشرحت لها الأمر برمته ومدحت زيدان بكل صفاته. لتشرد صفا في حالها. كان لديها أموال ومنزل ولكن كانت غير كافية لتناسيها إحساسها المرير بالإهانة على يديه وطلاقه منها بمنتهى البساطة هكذا بعد ما قام بتدمير ما بينهما وهو ابنها. حقيقي أن ما بينهما لم يكن حباً ولكن كان أفضل من رجوعها إلى أهلها الذين قاموا بطردها. لم تتفاهم هي وابنتها مع أي أحد قط ولم ترتاح. بقيت زوجة وكأنها لم تتزوج، لأنه كان زواجاً تقليدياً أو لو نقل بالإكراه، ولم يكن في مخططها الإنجاب منه، فهي تريد الحرية ولا تريد قيوداً، متمثلة في ناشد. ولكن منذ إنجاب فيروز وهي صغيرة وكأن ولادتها أضاعت كل أحلامها بلحظة. وعندما جاء صبي ووضع بينها وبينه في كفتي ميزان ربحت كفته وخسرت هي كل شيء. ولكن الصبي أصيب بعيب خلقي ليشعر ناشد أن أمواله ستضيع هباء ومكانته في عمله الإجرامي ستفقد. أما عن زوجته افتقدت حياتها عند موت صبيها. وفوق كل هذا لم تكن مرتاحة الضمير أن تركت طفلة كفيروز تهزم، فقررت الهروب بأي ثمن. فلقد تحققت مخاوفها وسرعان ما هربت بعد طلاقهم. عاشت ستة أشهر لا يعلم عنها شيء، ستة أشهر تحيا سعيدة بدونه، وربما تريد أن تسمع خبر أسعد وهو قتله.
***
عودة إلى سمر وفادي.
كان يحاول التفكير بشكل صحيح بعد ما قام بخنقها بسبب استفزازها له وتهديدها.
"خلاص يبقى هتغدى بيكي يا سمر قبل ما تتعشي بيا. على آخر الزمن سمر الخضري تهددني؟ والله الوحيد المستفاد من قتلك هو ريحان."
***
أراد زيدان الجمال الراحة بعد تعب من خمسة عشر عاماً، يشعر أن حواسه كلها مشدودة بسبب خسارته في عمله ويسأل نفسه متى سينتهي كل هذا. ولذلك اتخذ من المكان الجديد الذي يجلس فيه مع ابنه كرحلة، وهذا كان بقرار مديرة قلبه. ريحانة هي الوحيدة التي رأت أن هذا الأنسب له، بالطبع رغم أهمية المشروع الجديد والأمال المعلقة عليه، إلا أن زيدان لم يصل بعد إلى الراحة النفسية التي تؤهله إلى التعامل السوي مع الجميع. يعرف جيداً أن خسارته لانحرافه نحو اليسار، حيث ظهرت أمامه جميع الإشارات الحمراء التي تمنعه، ولكنه كان متطلعاً دائماً لمكانة خاصة في العمل. حاول ألا يعطي للموضوع تصوراً مادياً، ولكنه اندفع بجشعه وطمعه الذي أدى إلى خسارة كل شيء، ليعيد بإصلاح كل ذلك مع ابنه الذي أفهمه أنه عليه ألا يخسر فيروز، وألا يأخذها بذنب والدها، مثل ما فعل بوالدته عندما ارتبط بها. سرد له كل شيء ليتعرف ريحان على الشخصية التي حاولت تدمير زيدان الجمال، السيدة المتمثلة في دور الأم، ليقرر من بعدها أن يمنح الفيروز كل شيء، الفرصة والحب، والاحتواء والتقدير، ويتغافل عن كل الأشياء المستحيلة التي تبتر هذا. وبالفعل بعد عشائهم المثمر ونصائح والده التي كان يشتهيها منذ فترة عاد إلى الغرفة التي تجلس هي بها وحيدة شارده ليحاول إثارة العبث من حولها بذكائه.
"منزلتش ليه يا هانم تتعشي معانا؟ هو إحنا هنسك ولا حاجة؟ كل الحكاية هحطلك دوا أصفر في الأكل ونعيش ليلة حمرا سوا ونور سوا. ولا أقولك خلينا في الضلمة."
اتسعت حدقة عينيها بذهول.
"حمرا في عينك، الليالي دي أنا مليش فيها. شكلك كنت بتقضيها مع سمر أو مع غيرها. ولا عشان أنا بنت ناشد أبقى متعودة ديما؟ عموما تصبح على خير. ولا أقولك يارب تصحى على مصيبة شبهك."
استوقفها وجذبها برفق قائلاً.
"أنا عمري ما لمست غيرك سواء بقصد أو من غير قصد، تعرفي ليه؟ يمكن عشان حاسس إنك هتكوني بتاعتي. شعور جميل لما تكون ملكي."
"وأنا ملكك وننام ونقوم على مصائب شبهنا."
أردف بكلماته ومن ثم انتقلت شفتيه حول شفتيها ينثر قبلات متفرقة. تبتعد عنه ببطء وهي تتنهد.
"مش كنت من شوية الحشرة بنت ناشد؟ اللي عمري ما هتعدل. مش من فترة قلت عليا إني اسم على غير مسمى. إيه هو مفعول سحر زيدان الجمال للدرجة دي عالي؟ ياريت يستمر وتكون فيك ذرة واحدة منه، إنما أنت مفيش."
أغمض عينيه وهو يهز رأسه بهدوء.
"معاكي حق، هو ساحر سحر أمي بس للأسف ابن الوز مش عوام. يمكن طبيعة شغلي هي اللي عملت فيا كده، أنا مش ببقى في وعيي لو حد لمس حاجة من حاجتي."
رفعت يدها إلى وجهه بتردد.
"أنا مش حاجة يا ريحان، أنا بشر من لحم ودم، بغلط كتير، بس مش قصدي أهينك ولا قادر على جرحك. إحنا ممكن ننسى كل حاجة ونفتكر نفسنا وبس. سامحيني أرجوكي."
تناول يدها من على وجهه قائلاً.
"مش هتندمي في يوم يا فيروز على علاقتنا دي؟ انتي شايفة إنها كل يوم بتصعب وتنهار وأنا مش بنكر إني عنيف ومش بوزن الأمور. ساعديني أتجاوز دا كله."
هزت رأسها.
"هندم لو بعدنا عن بعض، أنا لما اتصلت بيا عشان تصالحني كنت طايرة من الفرح، بس يا خسارة كنت عايز تقتلني مش تعيشني معاك أحلى أيام. اللي حلمت بيها من يوم ما سبتك."
جذبها من خصرها.
"وأهو رزقك حلو، معملتش فيك حاجة وبابا وماما البركة جم، أظن يا فيروزتي مفيش أحسن من كده. ناخد فرصتنا بقى، وتعيشي أحلى أيام. وأوعدك مش هحاول أجرحك تاني."
كادت أن تتملص منه ولكن ثبتها في قبضته بإحكام لينتزع منها قبلة تمض بها جراح قلبه ومن ثم تركها لتتنفس.
"مش قلت إحنا مش هننفع لبعض، إيه الجنان اللي بتعمله ده، بتعلقني بيك أكتر ما أنا متعلقة؟ آه لو تفضل كده على طول، شكلك أنت اللي شربت حاجة صفرا. ياريتك تشربها على طول عشان أنسى بيك كل هموم الدنيا."
تعالت ضحكاته وهو يتحسس رقبتها.
"انحرفتي يا فيروز، هو ده الكلام. شكلها الليلة يا ريحان يا جمال، وأخيراً وداعاً للعذوبية، وعقدتي هتتفك، آه يا فرحتك فيا يا ريحانة، ولا البت زينبو. ولا الزفت نور."
مطت فيروز شفتيها.
"تؤتؤتؤ، مخك بلاش يروح بعيد، مفيش حاجة قبل الفرح يا ريحان باشا، وبعدين أنت بكده تفضحنا عمال تضحك كده افرض ماما دخلت زعقت. وبصراحة هقولهم إنك مغتصب."
نظر حوله يبدي الخوف عليه في اصطناع.
"ماما!!! مش هي بتنام بدري؟ وأبويا وأمي زمانهم بيعملوها في الأوضة اللي تحت، ما أنا عارف بيحبوا يبقوا تحت عشان محدش يسمعهم. عقبالنا لما ننزل تحت."
قهقهت فيروز.
"يعني هما تحت وانت عايز تبقى فوق، والله اللي يعيش معاكم يبقى غلبان خالص، بس طنط ريحانة عندها حق، عمو زيدان جان في نفسه. مش زيك كده بارد."
حملها ريحان بقوة وقذف بها في الفراش ومن ثم انقض عليها.
"بقي زيدان الجمال جان في نفسه؟ طيب شوفي بقى ريحان هيعمل إيه. البارد هيبقى سخن موهوج زي الفرن."
***
ذاب الملح الشرس الذي كان بينهما وكانوا على استعداد للتلاقي، ولكن يحدث ما لا يحمد عقباه. أثناء رحلتهم استمعوا إلى طرقات عالية. ليبتعد عنها وهو يقطب جبينه ليرد على الطارق.
"مين."
"افتح يا ريحان أنا ماما."
زفر بحنق قائلاً.
"معلش يا ماما ممكن وقت تاني."
استصعبت ريحانة الأمر من الخارج وأردفت قائلة.
"مش هينفع يا ريحان أخرج."
نهض من جوار فيروز وأمرها أن تدلف إلى المرحاض وتتناول المئزر وفتح الباب ليتفاجأ بوجه عصام أمامه خالي من أي تعابير.
"ريحان باشا مطلوب القبض عليك."
"مطلوب القبض عليه!!!"
نطقتها بذهول ليستدير إليها يرمقها بنظراته ومن ثم عاود النظر إلى عصام ليسأله بثبات هو أبعد ما يكون عنه، ولكن حاول التحكم وضبط نفسه أمامها وأمام والدته.
"ضيفة دي عصام يا ريحانة هانم؟ وأنت يا عصام مبسوط دلوقتي بالمقلب اللي عملته فيا؟"
ابتسمت ريحانة هازئة منه قائلة.
"حاولت أضيفه بس زي ما أنت شايف، قعدت أقولك ابعد عنها وعن أفعالها الرخيصة هتأثر كلها علينا، وأهي خربت بيتك، قعدت تقولي دي زوبعة فنجان وإنسانة تافهة، وأهي راحت عند اللي خلقها، لكن سعادتنا مش هترجع زي ما كانت."
نظرت فيروز لوجه ريحان المرهق وعيناه الزائغة والتي تهرب من أي التقاء لهما لتردف بخوف.
"إيه هو السحر اتقلب على الساحر؟"
كانت هيئته مشعثة، كل من يراه يعتقد أنه كان يقضي أمسية رائعة. هيئته جعلت عصام ينطق بثبات بعد تفكير طويل حيث خرجت الكلمة عصية عليه.
"آسف."
ناظره الجميع بصدمة هل حقاً ريحان متهم؟ لتتعالى صرخات فيروز.
"آسف!!! أنت مفكر إنه قتلها بالبساطة دي؟ هو إيه اللي حصل في الدنيا عشان يتوجه ليه اتهام كبير زي ده."
لم تدرِ بنفسها إلا وهي تسحب إلى الأسفل حيث تعلى غضبها وانفعالها لتسقط على الأرض في حالة إغماء.
***
أخذوا ريحان إلى النيابة العامة ومن خلفه والدته ووالده، وهي بقيت بمفردها مع والدتها تحاول إفاقتها مما حدث لها. أخذتها تهزها بخفة وهي تقول.
"فيروز فوقي يا فيروز، محدش هنا والبيت بعيد مش عارفة أجيب حد يفوقها، أعمل إيه يا ربي؟ منك لله يا عصام، معطاش فرصة لريحان يطمن عليها."
فاقت فيروز بصعوبة.
"إيه يا ماما؟ ريحان أخدوه مني خلاص، استحالة ريحان يقتلها، ليه ناشد مش راضي يسيبني في حالي؟ طب ياخدوني معاه، أنا مش هقدر أعيش من غيره."
جلست صفا على حافة الفراش قائلة.
"يا بنتي إذا كان أبوكي ما رحمش أخوكي هيرحمك انتي؟ إحنا لازم نعرف إيه اللي خلاهم يتهموه هو بالذات، البنت كان مشيها مش حلو، هو كان هددها؟"
حاولت فيروز الاعتدال في جلستها وهي تمسح دموعها وتتحدث بصوت متعب مبحوح.
"طب هي فين طنط ريحانة؟ أكيد راحت معاه، بصي يا ماما مفيش قدامنا غير زينب ونور هما اللي هيقدروا يخرجوه منها، أنا خايفة من سامر."
ردت صفا بفتور.
"كلهم راحوا ورا ريحان وسابونا لوحدنا، الظاهر انكتب علينا نبقى أغراب حتى وانتِ متجوزاه، تعرفي مين اتصل عليا من شوية؟ فادي."
تنهدت فيروز بعمق ثم أردفت وقد لمعت عينيها بوميض شيطاني لا يناسبها.
"أنا حاسة إن عصام هو اللي قتلها، عصام يوم ما جه قدام الكلية مش عشاني كان عشان يراقبها، عصام بيحبها بس هو عارف إنها غلطت."
جحظت صفا بعينيها ثم تلهفت قائلة.
"انتي بتتكلمي بجد يا فيروز؟ انتي لازم تقومي دلوقتي وتروحي النيابة وتقولي كل اللي حصل ده، وما يهمكيش حد، بس أنا برضه مستغربة."
أومأت لها فيروز بسعادة ثم مدت يدها لتفتح درج الكوميدينو بجوارها تخرج منه الأوراق والمستندات والصور المفبركة لها مع فادي لتعطيها لأمها وهي تقول بحماس.
"أيوة بجد وده كمان بيدين فادي اللي انت مستغربة اتصل بيكي ليه، واحد من الاتنين يا ماما قتلها، إيه اللي هيجيب صور فادي معايا في بيت سمر؟"
أخذت صفا تتعالى ضحكاتها ثم أردفت وهي تربت على كتف فيروز.
"لا ده كده انتي مرات ظابط بصحيح، واضح إن جناية القتل دي متخطط ليها ومترتب ليها صح، بس إحنا لازم نتعب مع فادي حبتين، اللي زي ده استحالة يقع بسهولة."
عقدت فيروز ما بين حاجبيها بحيرة ثم أردفت.
"يعني هنعمل إيه؟ أنا استحالة أبقى معاه بأي شكل من الأشكال ولو ثانية واحدة، معنديش استعداد إن ريحان يخرج مش طايقني، يا ماما."
هزت صفا رأسها بتفهم.
"أنا هقولك، أنا هقوله إني مش هقابله بيكي إلا لو اعترف ليا بنواياه نحيتك، هل عايزك عشان أبوكي عايز كده ولا عايزك انتي، ولو عايزك انتي يبقى حلال فيه الموت على إيدين ناشد."
***
بعد سبع ساعات انتظار في التحقيق قبل أن ينطق وكيل النيابة أمره في حبسه على ذمة التحقيق. لو فكر بكل الأدلة المهدرة لحقه لن يقترب منها يوماً ما وسيبقى بعيداً عنها، بل لن يتحرك خطوة من مكانه نحوها. داهمه صداع شرس، وهو يخرج من مكتب وكيل النيابة ليجلس على أول مقعد يصادفه. لم يسمع من والدته التي أمطرته بعبارات المواساة والتشجيع والصبر على البلاء بكل لغة تتقنها سوى أصوات جوفاء لا معنى لها، ولا حتى انتبه إلى عدد الأشخاص الذين التفوا حوله. أخذه الصداع خلف الأسوار حيث كان الألم غير محتمل حتى بدأ يمسد جانب وجهه من ناحية عينه حتى أذنيه، يفكر ماذا ستفعل عند إفاقتها. هو لم يتركها عمداً ومع ذلك تناسى أن يسأل عنها فور خروجه. يتذكر نظراتها، ها هو يدفع الثمن، وسيكون الضحية الأولى من ضحايا سمر. ظل موجوعاً لساعات دون انقطاع.
رواية غيبيات الفيروز الفصل السابع عشر 17 - بقلم مروة البطراوي
رواية غيبيات الفيروز الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مروة البطراوي
سارت مع زيدان، ولكن فجأة تحركت للخلف. امتد مشهد الكابوس أمامها بشكل مهيب كئيب، وعشرات الرجال يسحبون فادي، وجسده أمام مرمى نظرها. بات أمامها كتمثال حجري صم، تصلب أمام عينيها على وضع شرس، يقسم لها بعينيها أنه سيجعلها في وضع الصارخة دائمًا، وعليها الاستعداد لقتال آخر هو الذي سيحسم نهايته. بينما يقف خلفهم زيدان، وآثار ما افتعله بفادي بادية على وجهه، حيث أصبح هزيلًا يسير ببطء كأنه يزحف. لو لم يحالفه الحظ لكان فادي اقتاد منهم الاثنين. تسارعت أنفاسها في تيه ورعب. سريعا توجهت لتبطئ ذراع زيدان، الذي كان يبدو لها مثل المسكين عندما شعرت أنه يكاد يسقط أمامها.
كانت زينب بالأسفل تعبث في هاتفها لتسمع صوت أمها الممتعض قائلة:
"خليكي كده في الموبايل بتاعك وأنا أعصابي متوترة وأبوكي رافض إني أطلع. انتي إيه يا شيخة؟ خلي عندك دم وحسي بينا شوية، ده وقته."
أنهت زينب رسائلها مع آخر رسالة بعثتها لنور وابتسمت ابتسامة خفيفة:
"والله يا ماما مفيش حاجة هتنفعني قدام غير نور. مش انتي رفضتي تطلعيه وبعتيه ورا طنط صفا؟ أنا بقى بطمن عليه. أظن من حقي، كفاية بقى."
ردت ريحانة بامتعاض:
"هنشوف. شكله كده مقدرش على صفا. أنا عارفة هي كمان سابت بنتها ورايحة تهبب إيه عند ناشد. والله أنا تعبت ونفسي أطفش من الكل."
لترى الاثنتان هبوط فادي وهو مكبل بالحديد، لتهتف زينب بفرح:
"أكيد فيروز نازلة دلوقتي ومعاها بابي. يلا يا مامي نروح نشوفهم. بابا مش هيقدر ينزل الأدوار دي كلها لوحده. إلا هو طلع إزاي من غير أسانسير؟"
ذهبت زينب نحوهم لتجد فيروز تبكي بحرقة ودموعها الحارة تغمر وجهها، لتنظر إلى والدها المتعب وتهتف بدهشة:
"مالها فيروز يا بابا؟ فيه إيه؟ أوعى يكون الزفت ده عمل فيها حاجة. لا مستحيل يكون حصل حاجة. بس انتي لابسة ليه البالطو بتاع بابا؟ تعالي."
دخلت فيروز السيارة تحت نظرات ريحانة الخائفة، لتتحدث وهي تمسح دموعها:
"مفيش يا جماعة حاجة حصلت. أنا أغمي عليا وهو استنى لما أفوق. فضلت كتير لغاية ما فوقت، وبعدها جه عمو زيدان ولحقني. أرجوكم بلاش ريحان يعرف."
في هذه اللحظة جاء نور مع صفا، التي ما إن رأتها حتى انتفضت بهلع. ليخرج زيدان من السيارة ويبعد نور عن المحيط حتى لا يرى وضع فيروز المرذل. تحدثت صفا بغضب:
"علشان تبقي تيجي هنا لوحدك. قولنالك ميت مرة متعمليش حاجة من ورايا، وانتي مفيش فايدة. انتي مفكرة نفسك ذكية أوي؟ افرضي الكل اتخلى عنك."
همست زينب بفضول وهي تمعن النظر بمعطف أبيها:
"برضه البالطو بتاع بابا لبساه ليه يا فيروز؟ فين بلوزتك يا حبيبتي؟ للدرجة دي يعني لو بابا مكنش جه كان ممكن تضيعي مننا. مامتك معاها حق."
نظرت فيروز إلى ريحانة لتفهم سريعًا أنها لا تريد التحدث بتلك النقطة، تهتف ريحانة لزينب بصرامة:
"ما تسكتي بقي يا زينب. وبعدين مش ده نور اللي ملفلفاك حوالين نفسك؟ ما تقومي تطمني عليه، وتشوفي لا يكون ناقص منه إيد ولا رجل."
أخذت زينب هاتفها بامتعاض مردفة بتذمر:
"أوف أنا خارجة وهروح معاه في عربيته وهسيبكم. مش فاهمة فيها إيه لما أطمن؟ هو أنا يعني مش زي أختها؟"
خرجت زينب من السيارة لتهمس صفا باستفهام:
"البالطو علشان هو قطع هدومك صح؟ متزعليش، والله هرجعلك حقك. صحيح نور منعني النهارده، بس محدش هيقدر يمنعني بعد كده وهتشوفي."
أومأت لها فيروز، وبعدها عادوا جميعًا إلى المنزل لتجد ريحانة تخرج من السيارة وهي تحتضن فيروز قائلة:
"حبيبتي أنا عارفة إنك تعبتي أوي علشان تجيبي براءة ريحان ولسه تتعبي. بس ارجوك سيبني أنا أتصرف وأحكي لريحان مكانك وفي وقت أنا اللي هحدده."
عقدت فيروز ما بين حاجبيها باستنكار ثم هتفت بغضب:
"تحكيله مكاني إيه ده؟ حضرتك ملكيش دعوة. أنا فاهمة هعمل معاه إيه كويس. أنا ما غلطتش، جايز كان يبقى حظي وحش ومفلتش، بس برضه فداه."
ابتعدت ريحانة عن فيروز قليلًا وتحدثت بنبرة رجاء:
"خليني أنا يا فيروز. ده ابني وأنا اللي مربياه. في أوقات معينة بيبقى مينفعش الكلام معاه، وللأسف انتي دايما بتتكلمي في الوقت الغلط. افهميني."
لتتدخل صفا بينهم وترد بإصرار حتى تنجح خطتها في قتل ناشد:
"أيوه يا فيروز. ريحانة لازم تساعدك، وبلاش عناد. انتي إيه؟ عايزاه يسيبك؟ انتي بتحبيه وعملتي كل ده علشانه. اتصرفتي غلط. هي هتحاول تدرجله الموضوع."
تنهدت فيروز بقلة حيلة ثم أردفت:
"حاضر. بس أنا عايزة أشوفه بكرة. اتصرفوا. أنا ما شفتوش من يوم ما اتسجن، حتى يوم ما اتقبض عليه أغمي عليا. أشوفه وهرتاح بعدها."
ابتسمت ريحانة بفرح لنجاح إقناعها ثم أردفت وهي تتجه نحو الدرج:
"أنا هنام بقى. تصبحوا على خير. معلش زيدان شكله مش مظبط. أقيس له الضغط والسكر وأنا كمان. اليوم كان طويل أوي. انتوا كمان حاولوا ترتاحوا."
ربتت صفا على كتف فيروز قائلة:
"مش هتاكلي وتحكي ليا اللي حصل ليكي كله؟ انتي آخر مرة أكلتي فيها امبارح. كمان عايزة أحكي. زينب عندها حق لازم نعرف. وشكل زيدان مش يطمن."
هزت فيروز رأسها بالرفض:
"لا يا ماما مليش نفس لا لأكل ولا حكايات. اطمني يا ماما. عمو زيدان تعب من كتر ما ضرب الزفت فادي. طنط ريحانة عندها حق، إحنا لازم ننام."
أومأت لها صفا لتتجه لغرفتها هي أيضًا تستعد للتفكير في خطة للخلاص من ناشد.
***
عند سامر، شقيق سمر، التي كان قتلها بمثابة حالة استفاقة ووعي له، ليعيد حساباته مرة أخرى. وبالفعل ذهب إلى المكان الذي يختبئ فيه والده، ليجد والدته تجلس معه وكأن الموقف برضاها. نظر إلى حالة سامر والده بعد ما أخبره بقتل سمر، ليجد دعوة صريحة منه للتعاطف معه. هل سيتعاطف معه؟ لا وألف لا، وقطعًا لن يفعلها مجددًا. الأمر ما عاد يشكل فرقًا بالأساس، خاصة بعد نهاية تؤامه. نقل نظراته بينه وبين والدته، ثم عاد يسترجع ثباته الانفعالي حتى لا يفتك بهم، مؤكدًا لهم:
"معدتش فارقة من بعد موت أختي. إحنا أصلًا اتعودنا على كده. تقدروا تقولوا كنا متأقلمين على عدم وجودكم في حياتنا."
حقا هم ليس لهم أية فضل عليه ولا على شقيقته مثل ريحانة وزيدان، بل ولا يذكر أنهم اهتموا لأمرهم، وكأنهم أبناء علاقة محرمة، كأنهم لقطة، وكأن زيجتهم خاطئة.
تركهم وذهب إلى من افتعل بها الخطأ ليصلح خطأه، ولأنه محرم عليه دخول منزلها، دلف من الشرفة بعد عناء، فقد وصل به الحال حد الجنون. وجدها نائمة هادئة، ملامحها أصابته بالندم. كل ذلك افتعله بها وهي كانت عاشقة متيمة به، ولكن هو لم يشعر بها. مد يده ليلتمس إحدى خصلاتها بطرف أصابعه، ثم أخذ يقترب منها وهو غير واعٍ لما يفعله، حتى اقترب من جبينها وقبلها. لتستيقظ بفزع حتى كادت أن تصرخ، ليشير إليها بأصابعه حتى تهدأ، فأومأت له ودموعها تغمر وجهها. لتؤثر به ودموعها لم تتوقف، ليتركها سامر مبتعدًا عنها قليلاً ليتأمل ارتعاشها الشديد من الخوف منه وصوتها المبحوح وهي تتحدث من بين شهقاتها:
"سامر!!! انت بتعمل إيه هنا؟ جاي تقتلني زي ما سمر اتقتلت؟ طب أنا ذنبي إيه؟ أنا والله بعيد عن نور وريحان من زمان، وعلاقتي بزينب اتقطعت."
ما زال شعور الندم يلاحقه بعد كلماتها، يندم أنه جاء لها بهذه الطريقة، ليحاول استعادة رشده فيتقدم للخروج من النافذة مثلما دخل.
هل الحب له وقت وعمر محدد؟ ومن يستطيع التحكم بإحساسه وإحساس الآخر، سواء في إفراط المشاعر أو اقتضابها؟ هل الحب وهم أم حقيقة؟ لكي يكون حقيقة، لا بد من تجربة حقيقية يخرج منها المحب بالعديد من الندوب التي كلما رأيت أثرها على روحه أدركت حقيقة شعوره جيدًا.
لا يوجد قواعد أو مسلمات للحب ولا قوانين وضعها عشاق لشكل العلاقات، حتى الآن لا توجد إشارات عقلية تحدد من تحب ومتى وأين.
لأن الأمر بيد الله وحده مقلب القلوب، يقلبها كيفما يشاء، وكما يقولون مكتوب على الجبين منذ الولادة، فلو ظننتم أنكم إذا أعدتم الزمان للوراء ستتعدل اختياراتكم للأصح والأفضل، فأنت لم تعِ الحياة جيدًا، ولم تفهم شيئًا مما يدور حولك من تجارب بشرية، لم ترى أدلة كافية، لم تتعظ بأي عبرة شكلت أمامك.
***
كانت تقف العاملة في مصنع ريحانة أمام وكيل النيابة تدلي بشهادتها الكاملة:
"آخر مرة كانت إعادة الكشف لاحظت باب الشقة مفتوح. فضولي خلاني أدخل، بس اتسمرت في مكاني. مكنتش عايزة ابني يشوف المنظر. لقيته اتسحب من ورا ضهري لغاية ما لقيت المرحومة سمر مرمية على الأرض. وأنا اللي بلغت على فكرة، بس مقدرتش أستنى. كنت خايفة على ابني كان شوية وهيصرخ. أنا ما اتكلمتش إلا لما عرفت إن الظابط ريحان متهم، بس مش هو. أنا فاكرة شكل اللي كان بيبقى داخل وأنا داخلة العيادة كويس."
***
بعد زيارته لها في غرفتها والهلع الذي أصابها، قررت السفر للساحل. ويالا العجب، فهو هناك أيضًا حيث كان المنزل مضاءً وصوت التلفاز بالرغم من أنه كان منخفضًا إلا أنها سمعته، ولكن إلى الآن لم تستطع تمييز من بالداخل. وكلما خطت خطوة إلى الداخل ازدادت الرؤية وضوحًا. ارتسمت بسمة تلقائية على وجهها ولم تخف منه. لتأتيها كلمات على الحصري القيرواني في ديوانه الشعري الذي كان من ضمن الدواوين التي تقرأها لتبتعد عن ذكرياتها الأليمة:
يا ليلَ الصبِّ متى غَدُهُ
أقيامُ السَّاعةِ مَوْعِدُهُ
رقدَ السُّمَّارُ فأَرَّقه
أسفٌ للبيْنِ يردِّدهُ
فبكاهُ النجمُ ورقَّ له
ممّا يرعاه ويرْصُدهُ
تذكرت أول مرة دلفت من هذا الباب وأول نظرة إلى تلك الحجرة التي جمعتهم. اندهش لرؤيتها، وما إن جاء يبرر وجوده هنا حتى تصاعد رنين هاتفه ليرد دون النظر إليها:
"ألو. أيوه يا بابا. اسمعني كويس. أنا في مكان بعيد ومش راجع إلا لما أكون إنسان نضيف، بعيد عن العك بتاعك. كفاية عليا أختي اللي راحت."
ليرد عليه صوت آخر غير والده:
"حضرتك تقرب حاجة لصاحب الرقم ده ومراته؟ إحنا ساكنين هنا جديد ومش نعرفهم كويس. هو حضرتك ابنهم؟ أصل إحنا فجأة لقينا..."
ولم يكمل حديثه حيث قاطعه سامر وهو ينظر بتمعن إلى شاشة الهاتف ليتأكد أن الرقم رقم والده:
"آه ده رقم والدي. هو فيه حاجة؟ أكيد هو اللي كلفك تكلمني. قوله سامر معدش موجود. مات زي ما سمر ماتت. بلاش الملعوب الحقير بتاعه."
نظر الرجل إلى الجثتين الهامدتين صوبه وابتلع غصة مريرة قائلاً:
"البقاء لله حضرتك. الموضوع مش هزار. وهو فيه أب وأم هيمثلوا الموت علشان ابنهم يرجع؟ أرجو ياريت تيجي بسرعة لأن فيه تحقيقات دي جريمة قتل الاتنين قتلوا بعض."
جحظ سامر بعينيه بعدم تصديق ثم صاح باستنكار:
"انت بتقول إيه؟"
ثم انهار على ركبتيه:
"ثريا أهلي كلهم ماتوا يا ثريا. ليه أنا بيحصل معايا كده؟ أنا بقيت وحيد، ومليش حد. ممكن يكون ده ذنبك وذنب ابني اللي أجبرتك تسقطيه صح؟"
انحنت إليه واحتضنته بشدة تحاول التهوّن عليه.
*****
على الجانب الآخر، عند فيروز، لم تنعم بنومها فقد راودتها الكوابيس. شاهدت في منامها أنها تسير في مكان، يوجد به جميع أفراد العائلة، إلا فئة قليلة لا تعلم بالتحديد هويتهم، ولكنهم يحيطون بزيدان، وكأن ما يحدث هو مناسبة، كافتتاح مصنع جديد لريحانه أو شركة جديدة لزيدان. في الظاهر يبدو الأمر جيدًا، وفي الباطن تشعر فيروز أنه سيتم تحطيمها على يد أحدهما، حيث وجدت نفسها بين فادي وناشد، إلا إذا كان لديها قاعدة قوية تحميها منهم. حيث أنها الآن تدعي فيروز الجمال، ولكنها لا تملك سوى حفنة من الاطمئنان وليس الدائم. هي تحب أن تبقى في هذه العائلة، وتكره الرجوع إلى ناشد. نظرت من بعيد وجدت طاولة بيضاوية عليها مفرش صوفي باللون الأحمر الصارخ، حتى الأطباق بنفس اللون والجميع ملتف حول المائدة يتناولون الطعام بحماس لا تفهم سببه. تبحث هي بيأس عن ريحان وتشعر بتشنج رقبتها كأنها تبحث عنه طوال اليوم، لدرجة أنها اعتادت على هذا التشنج، لتشعر بمن يمتد يده من الخلف ليلوي رقبتها.
انتفضت بقوة من نومها حتى وقع الكأس الزجاجي الذي كان بجوارها ليتهشم إلى ذرات صغيرة. هرعت إليها والدتها صفا تثبت كتفيها وتربت عليه ومن ثم صاحت باستهجان:
"مالك يا فيروز؟ اتخضيتي كده ليه؟ قلت لك احكيلي، يمكن أقدر أشيل عنك الحمل، بس مش عارفة ليه مصرة تخبي عني اللي حصل. هو حصل إيه؟"
هزت فيروز رأسها نافية ثم أردفت بصعوبة:
"أنا كويسة، مفيش حاجة. ما تتخضيش. ليه مش مصدقة إنه ما لمسنيش؟ أنا بس جالي كابوس. مش متخيلة إني مش بشوف ريحان المدة دي كلها."
ربتت والدتها على ظهرها بحنان، ولكنها ما زالت قلقة. تستجمع خصلات شعر ابنتها خلف ظهرها لتجد العرق بين ثنايا ظهرها:
"مالك يا فيروز؟ وإيه العرق ده كله؟ ما هو خارج بكرة زي ما زيدان وريحانة قالوا لينا. انتي أكيد اتأثرتي لما سمعتي حادثة سامر وسمر."
ارتعدت أوصال فيروز عند ذكر والدتها حادثة سمر وسمر، لتشعر صفا بخوف ابنتها:
"إيه اللي حصل يا فيروز؟ أهم ارتاحوا وريحونا، عقبال ابنهم وفادي وناشد. ما تخافيش حاسة إن كلهم نهايتهم قربت. بكرة هنضحك على الأيام دي."
ابتلعت فيروز ريقها بقلق ثم أردفت وهي تلهث بشدة:
"ما فيش يا ماما أنا بس حلمت حلم وحش أوي، وريحان مكنش موجود رغم إن كلكم كنتم موجودين، حتى فادي وناشد. تفتكري ريحان هيحصله حاجة؟"
نظرت إليها صفا بشك:
"يعني اللي عامل كل ده حلم؟ عادي يمكن كلنا كنا متجمعين وهو خارج من السجن، ده حلم مش حقيقة. عمر ما ناشد ولا فادي هيكون ليهم وجود تاني."
أومأت لها فيروز ثم خرجت من الغرفة هاربة من نظراتها، تردف بنبرة تحاول أن تكون متزنة:
"أنا خارجة أغير جو في الجنينة، علشان حاسة إني مخنوقة. ياريت يا ماما متجيش ورايا. إلا هو عمو زيدان فين؟ عربيته مش موجودة ليه؟"
رفعت صفا إحدى حاجبيها باندهاش قائلة في نفسها:
"هي البت دي فيها إيه؟ أكيد الزفت فادي عملها معاها، وهي مش راضية تقول. طب هتعمل إيه مع ريحان؟ ويا ترى زيدان عارف؟ شكله عارف."
***
اعتذار إلى الذي أخبرني يومًا ألا أفتح نوافذ قلبي وعقلي وجرأتي أمام أحدهما، أن أجمعي ثباتك وألا تندفعي ضد التيار. ها أنا اندفعت بجنوني ضد التيار وكدت أن أسحق ريحان. كنت أفتعل ذلك وأنا على يقين أنك ستنقذني باللحظة الأخيرة، ولكن يا أسفاه لم تكن موجودًا في الأصعب. تدافعت ذكريات هذا اليوم في مخيلتها، قطعت هذا وهي تتحسس جسدها من آخر لمسات فادي لها، وتمرر يدها على عنقها التي كاد يقتلعها. نعم هي خرجت من تحت يديه رغما عنه، ولكن، هل له من عودة؟
***
عاد سامر إلى منزل والده ودلف وهو يشعر أن قدميه غير قادرة على حمله من كثرة الاختناق وكأن أحدًا ما يقبض على عنقه. شعور تفسيره الوحيد أنه بقي وحيدًا شريدًا. كيف له أن يتحمل ذلك؟ توقف تفكيره ما إن رأى نعشي والديه على الأرض. ألمه روحه شعر أنها ترحل معهم. آه لو حاولوا الحفاظ عليه هو وشقيقته ما كان هذا الوضع أن يحدث أبدًا. تم إجراءات الدفن في حضور العائلة، فالمتوفى شقيق ريحانة والمتوفية قريبة زيدان. كانت فيروز تقف في الخلف حيث أصر زيدان على جلبها، لا يريدها وحيدة في المنزل. انتهت المراسم وانصرف الجميع الواحد تلو الآخر، لتجد فيروز من يقترب منها والدموع ملتمعة بمقلتيه يهمس إليها بألم لدرجة أنها انتفضت وتذكرت الكابوس:
"اطمني يا فيروز، أنا هجيب حق سمر وحقك علشان فعلا ريحان أنضف مننا كلنا. أسف على كل حاجة صدرت مني، كنت غبي وأديني دفعت التمن."
رحل الجميع وتركوها وحيدة. عاد ثريا التي كانت تتابعه من بعيد وتريد الرحيل هي الأخرى لسببين: لأنه غدر بقلبها من ذي قبل، بعد ما أنعمت عليه بفيض من المشاعر لم تعطيها لجميع أفراد عائلتها وقابلها هو بالتمرد والجحود. ولكنها ترجع السبب لها لأنها دائمًا ترى بنفسها النقص، وكانت تبحث عن الاكتمال عندما رأت عينيه. ولكن أفسد قلبها، بل ربما جعله يتوقف عن حب الأشياء البسيطة، خاصة عندما تأكدت أنه فعل معها ذلك لينال أخرى. شعرت بنصل حاد يغرس في قلبها، وما زالت تعاني من نزيف آخر قطرات منه.
رواية غيبيات الفيروز الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مروة البطراوي
بعد أن تركته فيروز ذهبت إلى منزل خالد ووجدان لزيارة صديقتها خلود. تشعر أنها أهملتها لفترة ولم تعد تتحدث معها كما في السابق.
كانت خلود في تلك الأثناء تهاتف عصام. هي تحبه كثيرًا، ولكن دائمًا ينظر لها على أنها طفلة، فهو متيم بسمر التي رحلت عنهم.
"أيوه مين معايا؟"
"أأأأه خلود، افتكرتك، خير يا خلود في حاجة عشان تتصلي بيا في ميعاد زي ده؟"
"انتي محضرتيش جنازة قرايبك ليه؟ مش بتحبيهم."
وضعت يدها على صدرها ثم تحدثت بصوت أشبه بالهمس:
"لا هما مش قرايبي، كنت بسألك على ريحان، هو هيفضل محبوس كتير؟ على فكرة سمر دي زبالة أساسًا، إزاي تفكروا إنه ممكن يقتلها؟ دي هوا."
استمعت إلى زفرته الحادة لتستطرد حديثها بدلال:
"إيه يا باشا؟ هو انت طلعت زي ريحان ولا إيه؟ مش بتحب اللوك لوك الكتير. لا اتعود، صاحبك من يوم ما اتجوز فيروز وهو بيستحمل كتير."
صوتها بدأ يعلو، لم تعد تلك الطفلة التي تختبئ من الجميع في أي مناسبة. فرد عليها بأسلوب مزيف:
"مين معايا؟ مش معقول تكوني انتي بنت الأستاذ خالد والست وجدان، ولا حد عطاكي حبوب شجاعة؟ مالك يا خوخة يا صغنونة، ياللي بتتكسفي مني."
أخذت تلف إحدى خصلاتها على إصبعها بغرور وترد عليه برقة:
"أنا هي خلود يا عصام باشا، بس انسي خلود الطفلة وفتح عينك ولو لمرة واحدة على خلود الآنسة الشابة، ليه كلكم بتعتبروني طفلة؟ ديما تبصوا للمخلص."
أصيب بالاشمئزاز، تلك ليست خلود الصغيرة، ترى ماذا أصابها؟ ليتصلب جسده ويرد عليها بجمود:
"أه فاكرة يا خلود لما كنت بقولك إزيك تجري تستخبي مني؟ عمومًا إحنا شكلنا المفروض نتقابل، يمكن لما تشوفني ترجعي خلود الصغيرة تاني."
دلفت فيروز في هذه الأثناء بعد عدة طرقات على الباب ولم تسمعها خلود من شدة انجذابها لعصام على الهاتف. كانت تقف مولية ظهرها للباب، تهز رأسها بسعادة:
"ماشي يا عصام، كلامك صح. إحنا لازم نتقابل، وأوعدك هتشوف خلود جديدة حلوة زي ما بتحب، هتنسيك سمر وقرفها، باي باي يا حبيبي."
كانت فيروز تستمع إلى خلود بذهول، وفي هذه الأثناء التفتت خلود لتصدم من وجودها. فابتلعت ريقها:
"فيروز!"
"بصي أنا هفهمك كل حاجة، بس أهدي عليا، أنا بحبه من زمان وهو عمره ما حس بيا، على طول سمر الله يجحمها خاطفة مني الأضواء."
قاطعتها فيروز وهي تقبض على يديها بعنف تريد الصراخ عليها:
"أه يا خلووووود! بتكلمي مين؟ عصام؟ اللي ريحان أكيد محذرك منه! تعرفي عصام ده عمل إيه في ابن خالك؟ سحلوه قدام عينينا كلنا عشان خاطر سمر."
ولم تستطع فيروز التحكم في أعصابها فمسكت ذراع خلود بقوة:
"فيروز أبوس إيدك، ماما هتسمعنا وهتيجي تجري، أنا مش عايزاها تعرف وتغير نظرتها فيا، وبابا كمان هو مش ناقص، ارحميني أنا فعلًا بحبه."
دلفت وجدان للغرفة لتسحب خلود أمامها وتصيح بوجهها بصرامة:
"انتي اتجننتي يا خلود بتكلمي شاب من ورانا؟ طب ليه؟ متعرفيش إنه ممكن يضحك عليكي؟ إيه ما سمعتيش عن سمر واللي جرى ليها؟ عايز تقهريني؟"
هنا تذكرت وجدان ما صار لشقيقتها غفران قديمًا، ولولا الظروف ما كانت زوجة الآن، ولديها منزل وعائلة. نظرت فيروز إلى خلود باحتقار واشمئزاز:
"الهانم دخلت لقيتها بتكلم عصام، وبتقوله لازم نتقابل، ومصممة إنها بتحبه. أه ممكن تكوني بتحبيه، بس هو لأ يا خلود، هو بيحب سمر، وإنتي عارفة."
جذبت وجدان خلود من خصلات شعرها بعنف وصاحت تحت نظرات فيروز التي ندمت أنها أخبرت وجدان:
"طول عمري ربيتك على الاحترام، عايزة الناس تقول عليا إيه؟ الكلام ده كبير أوي على سنك، ولعلمك أبوكي هيعرف لأني مش هسكت."
ثم استطردت بقسوة وهي تدفع خلود خارج الغرفة:
"واتفضلي دلوقتي اطلعي بره عند أبوكي، ولما تبقي تعرفي تبقي شجاعة وتتكلمي معاه وتعرفيه قلة احترامك لنفسك، ابقي ساعتها أوافق."
انسابت دموع فيروز بانكسار على صديقتها وشعرت أن قلبها تمزق من شدة الألم الذي ألحق بها، فاستندت على باب الغرفة وتوجهت إلى باب المنزل تخرج منه غير مهتمة بتلك الصغيرة التي أشعلت النار حولها. والذي كان من حسن حظها أن ما زال الوقت باكرًا بينها وبين عصام، وأن ليس هناك الكثير من العائلة يعلمون بهذه المكالمة.
***
جلس عصام أمام خلود يكرر نفس حديثه المعتاد، أنه لا يستطيع الزواج بها لأنها صغيرة أمامه، وأنها لو كانت سمر ما زالت موجودة لتزوجها. جرحها، وبكل بساطة، رغما عنه، لأن والدتها أرادت ذلك. حيث التقت به وهي تعالج مرضها، كانت والدته هي الأخرى تعاني من نفس المرض، ولكنها ماتت. لتشعر وجدان بالوحدة من بعدها، تحاول الهروب من هذا المرض اللعين، لكنها خشت يومًا ما أن يلحق بها الموت. قبل أن يأتي لابنتها عرض زواج جيد، والأمل في حماية ابنتها كان ابن خالها ريحان، الذي خرج من السجن للتو. وهنا طلبت منه المساعدة لإقصاء عصام عن خلود. وبالفعل حدثها في أمر العشر سنوات التي بينهما، ليسقط من نظرها كل شهامة تخيلتها فيه. أيضًا لعبت وجدان على صحتها حتى تترك خلود عصام من أجل صحة والدتها. وبالفعل أوصى ريحان عصام أن يبتعد عن خلود. كل هذا تم بعد خروجه من محبسه. علمت خلود بكل ما دار من خلفها من والدها وهو يتشاجر مع والدتها ويتهمها أنها تلاعبت بسعادة ابنتها. تقسم أن تخرب حياة ريحان.
***
"أهلاً يا خوخة يا صغنن."
تذمرت خلود وهي تصافح ريحان:
"محدش يقولي يا صغنن يا ريحان، ومتزعلش مني أنا استحالة أقولك يا أبيه."
قطب ريحان جبينه قائلًا:
"مالك يا خلود؟ متغيرة معايا ومع فيروز من ساعة ما خرجتي؟"
تعالى صوتها بحدة:
"علشان انت وهي دمرتوا سعادتي. خلتوني لعبة وخللتوا عصام يبعد عني، ريحان أنا بحب عصام من زمان."
جز ريحان على أسنانه قائلًا:
"بس هو مش بيحبك، والدليل إنه سابك وبعد أول ما طلبتي منه، يعني ما صدق. وبعدين فيروز ملهاش دعوة، هي نصحتك زي ما تكون أختك."
لمعت الفكرة الشيطانية برأسها لتبخ سمها اللعين في أذنها:
"طب كانت تنفع نفسها الأول ولا كانت تعمل بنصيحة بابي؟ ولا حلال ليها تروح تقابل فادي من ورا العيلة؟ والله أعلم عمل معاها إيه؟ وحرام عليا اللي حبي برئ."
جحظ ريحان بعينيه في صدمة عارمة هزت كل كيانه لتتأكد شكوكه فورًا من فرط ابتعاد فيروز المستمر عنه. ليفرغ غضبه في خلود الواقفة أمامه، يصفعها بكلتا يديه صفعة تلو الأخرى بدون وعي وكأنه يتخيل فيروز أمامه:
"اخررررررسي."
"أنا رجل أستحق أن تمنحيني قلبك بدون ذرة رعب منك، كيف تخونين ثقتي بك؟ وتحرميني من قلبي؟ لو كان معي يومًا ما لمنحته الأمان الذي تسعين إليه منذ سنوات، دائمًا تنفرين من دفئه، دائمًا تعقدين مقارنات فاشلة بيني وبين غيري، تفترضين في القسوة والخيانه، ولكن لدي الأمان فقط، أريد البوح بكل ما يجول بخاطرك."
ظهر من يوقفه عن حده وهو يصفع خلود. ظهر عصام الذي صرخ دون خجل عن رغبته بالزواج منها، ليندهش ريحان كيف لعصام الذي كان يعشق سمر ويريد الزواج منها حتى بعد ما كان فادي يريد الرحيل عنها تاركًا قطعة منه في رحمها، والذي كان عصام على أتم الاستعداد بالتكفل بابن الزنا ومواجهة المجتمع معها حتى لا يحطون من قدرها وتتعامل بوَضاعة. وكان مصرًا عليها لدرجة أنه كان سيكون بموضع حقير له. لكن ماذا سيفعل الآن؟ يتحدى صديقه الأقرب، والذي يضعه بمقام الأخ الأكبر ويتقدم من خالد والد خلود وتحت مرمى بصر وجدان التي نهرته بعينيها.
"أنا عصام الدين البسيوني، طالب إيد خلود بنت حضرتك."
كانت فيروز بالأعلى تتابع ما يحدث في الحديقة لتفهم أنه قام بصفع خلود بسبب إصرارها على عصام، ولكن ما لفت نظرها هو توقيف عصام له. لتهبط إلى الأسفل لتستوعب الموضوع أكثر، ولكن هيهات. استمعت إلى صوت والدتها وهي تتحدث بعصبية وتدرك أمرها وتدرك ما تنوي فعله.
***
"إيه يا ماما اللي انتي هتعمليه ده؟ ماما أرجوكي بلاش، انتي ابعدي عن الموضوع ده تمامًا، أقسم لك ما حد قرب ليا، انتي عايزاني أخسرك؟"
قالتها فيروز وهي ترمق صفا بخوف وصدمة لتجدها تجيبها بقسوة أكثر:
"مش هقدر أسكت المرة دي، لازم أتصرف في الموضوع ده، وبعدين اتفضلي انتي دلوقتي خدي جوزك وسافروا، الحياة قدامكم حلوة، متحاوليش تتأخري في الحصول على السعادة."
ثم خرجت صفا دون أن تنطق بأي كلمة أخرى رافضة أن تستمع إلى رد فيروز عليها لتبتلع ريقها بألم وتتجه خارج الغرفة. تجد والدتها للمرة الأخرى تستكمل محادثتها التليفونية، تهز رأسها ببطء وكأنها أعجبت أنها وصلت لمبتغاها:
"برافو، انت كده تمام، مش عارفة أقولك إيه، تعبّاك معايا ديما، بس كان لازم نشوف حل للأسطورة اللي مش بتخلص، ومتخافش أنا هحميك."
لتنهي المحادثة تجد فيروز ترمقها بنظراتها. فتقترب من أذنها تهمس بخبث:
"عايزاكي أول أما أتأكد إن تم المراد تاخدي ريحان وتسافروا بعيد، ومتخافيش عليا أنا مش هعمل حاجة، أنا هضرب الظالمين بالظالمين."
أومأت لها فيروز برأسها وهي تعض على شفتيها بألم، تنجرف دموعها أمامها لتجد صفا تهدر بها في غضب:
"داري دموعك وحزنك ده، مش عايزة حد يعرف أنا ناوية على إيه، مش هسمح لحد يمنعني المرة دي، انتي كنتي هتضيعي بسببه وبسببك هضيعه."
مسحت فيروز دموعها سريعًا ثم هبطت إلى الأسفل تتذكر اليوم المشؤوم الذي ذهبت فيه إلى منزلهم وقابلت فادي. تلك المقابلة التي لم تكن تعلم أنها ستفتح على نفسها بها أبواب جهنم.
***
وجدته يهرع نحوها يسألها كتلميذ عما دار بمنزلها مع فادي. تلتمع عيناه بشغف وهو يريد أصل الحكاية، رغم أنه يعلم جيدًا من تاريخ علاقتها معه أنها لا تخبره كل شيء. هكذا هي الحكايا، بعضها يجب أن يبقى رهينة المجهول حتى التأكد من رد فعل الشخص المقابل. ابتسمت بتوتر وسردت له كل ما حدث بعد أن طلبت منه أن يعاهدها على الهدوء وعدم الانفعال المتسم به. وبعد ما انتهت شعر أنها أجبرته أن ينكث رأسه أمام الجميع. تملكه إحساس خضوع ما تبقى له من كبرياء. هو الوحيد الذي يستحق لمسها، لا الآخر. كان هذا حقه وحده، يلعن اليوم الذي دلف فيه المحبس. كانت تحت رعايته، كانت في رقابته، كان الراعي لها، وهي نكرت كل هذه الحقوق. ولكن هو الآن رفض تملكه لها. لم يكن هذا ما يبحث عنه فيها. أخبرها ذلك. تتساءل فيما بينها، عن ماذا يبحث إذا؟
***
نهضت ببطء حتى لا يطول الأمر بينهم وهو كان شاردًا رافضًا لوجودها. خرجت من المنزل، أخذت تمشي في الطرقات لا تعلم إلى أين تذهب. جلست على إحدى المقاعد بعد ما ألمتها قدماها من السير. كان في هذا الجلوس الراحة وهي وحدها. نظرت حولها لتجد المكان سيمتلئ بالناس، لتجذب حقيبتها وتنهض للرحيل. لتتفاجأ بريحانة تقترب منها. نعم، فهي استمعت لما دار بينها وبين ريحان، ولا يهمها ابنها بقدر ما أهمتها فيروز. وجلوس فيروز بهذه الطريقة ذكرها بنفس جلستها منذ 27 عامًا. نظرت ريحانة إليها ببشاشة:
"خذي يا فيروز، البسي ده الجو برد عليكي، متبقيش تخرجي مرة تانية من بيتك من غير ما تتقلي، انتي عايزة تاخدي برد ولا إيه؟ إحنا ما صدقنا ريحان يخرج."
تشبثت فيروز بالمعطف وهي تدثر جسدها كله به. ثم كادت أن تسرد ما حدث لريحانة التي جلست بجانبها. لكن ريحانة نظرت إليها بحزن:
"أكيد اتخانق معاكي، ما هو مش هتخرجي بالشكل ده بالساهل، ما هو أبوه عملها معايا قبل كده، بس أنا دفعته تمن شكه فيا واتبهدل يا عيني."
صمتت فيروز ولم تجد ما تقوله، فهي تعترف من داخلها أنها مخطئة. ابتلعت ريقها بصعوبة ثم هتفت بألم:
"أنا غلطت لما قابلت فادي من غير ما أعرف حد فيكم، وريحان عنده حق في كل حاجة، وأنا مرحبة بعقابه، أنا حطيته في موقف مخزي."
عقدت ريحانة ما بين حاجبيها تسألها عما تنوي فعله:
"طب مش هتعملي أي حاجة بعد اللي قاله ليكي من شوية؟ مش هتدفعي عن حياتك معاه؟ طب ما هو كده هيتكسر أكتر، انتوا الاتنين بتأكدوا الكلام."
هزت فيروز رأسها رافضة، تتعالى شهقاتها ودموعها تهبط على وجنتيها:
"لا مش هينفع، هو قالي مش انتي اللي كنت بدور عليكي، أكيد هو كان عايز واحدة زي حضرتك وزي زينب، بنت ملهاش أب زي ناشد."
ضغطت ريحانة على أزرار هاتفها لتأتي برقم ريحان وهي تنظر إلى فيروز بأسف:
"سامحيني يا فيروز، بس أنا لو سكت واستنيت واحد منكم يقدم خطوة قبال التاني، قطر العمر يفوتكم ويدوس على رقابكم، إشارة واحدة منك أرن عليه ولا لأ؟"
بكل عناد وكبرياء هزت فيروز رأسها بالرفض. لتذهب ريحانة بصمت وتدخل فيروز في نوبة بكاء عالية. التفت إليها نظر الجميع من حولها، لتتحكم في نفسها وتحاول تهدئتها. تقوم من على المقعد تسير أمامها، وهي لا تعلم إلى أين تذهب.
***
عادت ريحانة إلى المنزل وقبل أن تعود هاتفت ريحان وأخذت تسبه وتلعنه على ما فعله مع فيروز. لتتفاجأ بتغيره، وكأنه بدل جلده، تحول إلى آخر، أكثر هدوءًا وعقلانية، يضرب بما قرره منذ قليل بعرض الحائط. لتجد ريحانة أمامها ابنها ليس نفسه الذي تعودت عليه، وجدته منصاعًا لها ينفذ كلماتها، حتى لو اجتثت عنقه. لم يتركها ويهرب كعادته. أخذ يهاتف فيروز ليعرف مكانها بعد ما ذهب للمكان الذي أخبرته به والدته، ولكن دون جدوى فقد انقطعت كل وسائل الاتصال بينهما.
***
على الجانب الآخر كانت صفا ذاهبة إلى ناشد. وما أن وصلت تذكرت لحظة ولادة ابنها. حيث كانت هناك بهذا المنزل. تذكرت وجه ناشد وهو عليه أثر الفاجعة. لم يصدق أن يكون له طفل معاق، لدرجة أن الجميع كان متعاطفًا مع الطفل عدا هو. ولكن هو الآن بدا إليها وهو جالس على مقعده في الحديقة كشخص متسامح في غرابة، ومظهره أكثر غرابة.
***
عند خلود وعصام، تقدم إليها رسميًا في منزلهم. طلبه كان كالصرخة الحادة في أذنها، جعلتها تنتبه منتفضة، ترفض قطعًا:
"أنا مش موافقة يا عصام."
***
عودة إلى صفا وناشد. عقدت حاجبيها باستنكار، كيف لها أن تفعل الشيء الذي برأسها وهو بهذه الحالة. مر ما يقارب من الخمس دقائق ولم يفتح عينيه ليراها، كادت أن تذهب ولكنها وجدته يقف أمامها بوجه خالي من التعابير وبهدوء لا يطمئن. لكنها ابتسمت بارتعاش قائلة بدلال مصطنع:
"ازيك يا ناشد، معدش ليا حد غيرك، فيروز اتجوزت وفي مشاكل بينها وبين ريحان بعد ما طلع، الظاهر عرف إن فادي اعتدى عليها. ممكن تقبلني عندك؟"
ابتسم ناشد بخبث ثم سحبها للداخل بصمت تام جعل الرعب يدب في قلبها الخائف. فارتسمت ابتسامة خفيفة من شدة الرعب قائلة:
"إيه يا ناشد، هو انت ساكت ليه؟ اتغيرت أوي، كلنا اتغيرنا صحيح، الضنى غالي لما بنعرف إن السوء لمسه مش بنبقى على حد. لو مضايق من وجدي أمشي."
"هو دخول الحمام زي خروجه؟ من امتى حسيتي إننا ملناش غير بعض؟ يا ما اترجيتك وبوست الأيادي، وانتِ لأ. يا ناشد كان غلط لما وافقت عليك زمان."
ابتعدت صفا قليلًا ثم نظرت إليه وهي تحاول تجميد الدموع في مقلتيها تهتف بارتجاف:
"يعني إيه مش هعرف أخرج من هنا؟ عادي يا ناشد، أنا فعلاً دخلت بمزاجي، وهخرج برضه بمزاجي، وانت مش هتقدر توقفني، شفت سهل إزاي؟"
أمسك حجابها بضراوة يرفع رأسها إليه وعيناه تلتمع بمويض شيطاني مروع:
"يعني طليقتي جاية بعد سنين طويلة ليا في بيتي، يبقى ليه؟ أكيد عايزاني أردها، طبعًا ما أنا ناشد البيسي، شكلك نسيتي ورجعتي تفكري نفسك أذكى مني."
ثم نزع عنها حقيبتها ليخرج زجاجة الكحول المطعمة بالسم القاتل والتي قامت بتحضيرها في إحدى معامل ريحانة. ليقوم بإسقاطها على الأرض:
"خططك دي مش هتنفعك، بل بالعكس دي كانت هتودي عيلة الجمال كلها في داهية، الكلب اللي حاول يبيع ناشد عشانك، الكلاب بتنهش في كدته دلوقتي."
نظرت إلى أسفل قدمها ثم رفعت بصرها إليه وقد امتلأت الدموع بعينيها تهتف بأسى:
"انت بتعمل معايا كده ليه؟ فادي كان بيعتدي على فيروز، وانت كنت عارف، ومحاولتش تحمي بنتك، انت أب انت؟ قتلت ابنك زمان، ودلوقتي بنتك."
تعالت ضحكاته الشيطانية وهي تنظر إليه بكره:
"أولادي وأنا حر فيهم، مالكش دعوة بيهم، ودلوقتي هتكملي عيشتك معايا ونقول للكل حتى فيروز إنك رجعتي ليا؟ ولا تروحي ووقتها متزعليش من اللي هيحصل؟"
هزت رأسها بهستيريا ترفض أن تبقى معه، ولكنها تعلم ناشد جيدًا. فصاحت بقلق:
"هعمل اللي انت عايزة، بس متأذيش حد منهم وخصوصًا فيروز، أنا غلطانة ياريتني كنت سمعت كلامها، كان عندها حق، انت عمرك ما هتخلص."
اتسعت ابتسامة ناشد الشيطانية ثم هتف وهو يغمز لها بإحدى عينيه:
"كده يبقى اتفقنا، أنا عمري ما هأذي بنتي، إيه رأيك تعملي إزازة زي دي لفادي؟ وأهو نخلص من اللي أذى بنتنا سوا كعمل مشترك، ونبدأ من جديد."
جذبها نحوه بضراوة لتقف في مقابلته مباشرة، تشعر أنه اجتاز المسافات بينهم ليقترب من أذنها يهمس كفحيح الأفاعي.
***
يسأل عنها الجميع بلهفة. كان في نظرها فتى شجاعًا، وهي كانت تشعر أنها الملكة في حضوره، وهذا حدث عندما وجدته بأول مرة في حياتها. انتهى بوقتها شعور اليتم الذي دومًا تشعر به وتغار من صديقاتها. تتنفس ريحانة بقسوة وتغيم عيناها بحزن ثم يقين لديها أنه لن يجدها:
"ابعد عنها يا ريحان."
كانت حكاياتها هكذا، رحلت مثل فيروز ولم تخبر عنها أي أحد. ولكن هناك يد لجأت إليها وهي الملكة ياسمين. ترى لمن ستلجأ فيروز.
رواية غيبيات الفيروز الفصل العشرون 20 - بقلم مروة البطراوي
بعد رفضها له طلب من والدها أن يتركهم سويا لبضع دقائق.
عندما رفضت كانت شبه غير واعية لما يحدث حولها.
لم تنتبه إلا عندما وجدت المكان خالي ولا يوجد سواه بالغرفة.
فارتعش جسدها بقوة وأدمعت عيناها لدرجة أشعرته بالقلق.
فاقترب منها ليضع يده على كتفيها في محاولة منه لتهدئتها، لكنها انتفضت بقوة وصاحت قائلة:
- ابعد عني، ابعد عني وما تلمسني.
- إيه مفكر إني سهلة زي الست سمر؟
- انسي، أنت جبت لحد عندي وبرضه هتمشي بمزاجي.
- شفت الصغير عمل إيه.
ابتعد عنها وهو يهمس بهدوء:
- طيب ممكن تهدي ومتخافيش.
- وبعدين مين قالك إني بعتبرك صغيرة؟
- بالعكس أنتِ كبيرة وناضجة.
- أنا بعدت عنك وده كان واجب عليا.
نظرت له بتفحص ثم انطلقت راكضة نحو غرفتها لتصفعها بكل قوتها.
تنهد عصام بألم ثم جلس على الأريكة وهو يهمس لنفسه بأسف:
- سامحيني ما كانش في طريقة تاني عشان أبعدك عني غير دي.
- أنا جيت على نفسي كتير قوي، بس لما ضربك مبقتش مستحمل تبعدي عني.
- يالا يالا من هنا.
- ده أنا هعمل ليلة لله.
- وهعمل عزومة ما حصلتش للغلابة إنها رفضتك.
قالتها وجدان بسعادة.
بعضهم يطلقون عليها مجنونة والبعض الآخر مقدرين ما تفعله ويرجعوه إلى شخصيتها السيئة قديمًا.
فهي تاريخ حقيقي لقذارة المرأة، حياة زائفة عاشتها ولا تريد لابنتها أن تحيا مثلها تحت ستار الحب.
حل المساء وهو يبحث عنها دون جدوى.
هاتف عصام ليأتي له وها هو قد أتى بعد ما قامت وجدان بطرده.
اقترب عصام من ريحان وهو يتحدث بحزن:
- قلبي معاك، بس ما كانش ينفع تسيبها تمشي.
- ليه تعمل فيها كده وأنت أكتر واحد فينا دافعت عنها؟
- المفروض كنت تحوط عليها، مش تطفيها.
هز ريحان رأسه في صمت ثم أردف بجمود:
- عايزك تركز معايا الفترة دي في خلال أسبوع لازم نعرف هي راحت فين، فاهم؟
- كمان أمها أكيد هتكون عند ناشد، مش عايزها تفضل هناك كتير.
أومأ له عصام ثم أردف باندهاش:
- أنا مش فاهم أنت ليه مكلمتنيش من بدري عشان أكون معاك ليه؟
- أكيد طبعًا قاصد تبعدني، بس دلوقتي مش قادر تشيل الليلة لوحدك.
- مش كان زمانها رجعت؟
زفر ريحان بانفعال:
- وده وقته؟ ترجع بس وابقى لومني بعدها.
- أنا مش خايف غير من إنها تكون هي كمان عند ناشد.
- تفتكر تكون راحت بإرادتها بعد اللي عملته؟
رد عليه عصام بهدوء:
- عندك حق، كون إنها ممكن تكون هناك وضع مش مطمئن.
- بس هي للدرجة دي لما تزعل منك تضيع نفسها؟
- وبعدين أمها إيه اللي موديها هناك؟
ثم استطرد متسائلاً:
- أومال فين نور؟
- عندي فكرة حلوة، بس عارف إنك مش هتوافق عليها.
- إيه رأيك نساعد في تهريب فادي؟ ويبقى كده ضربنا عصفورين بحجر.
اللمعت عيني ريحان بمويض مخيف ثم أردف بقتامة:
- ما هو ده اللي أنا ناوي عليه، لذلك مش عايز نور يبقى معانا لأنه هيروح يقول لأمي، وأنا مش ناقص خوف.
- تعبت ولازم أرجع فيروز.
بعد مرور خمسة أيام.
لم تعد فيروز ملك ريحان بسبب حيلة ساحرة صغيرة ألا وهي خلود.
اضطر ريحان للجلوس مع والده لكي يسدي له نصيحة في كيفية العثور عليها حتى لو كلفه الأمر دفع كل الأموال الذي يكتنزها.
وكان رأي والده كالآتي:
- سيبك من الفلوس عمرها ما رجعت بني آدم.
- بص حواليك كويس قبل ما تشق الطريق اللي هيوصلك ليها.
- فيروز من يوم ما مشيت ورفضت ترجع اختارت تشق طريقها بنفسها.
- بنت بتفكر كويس.
كان يتحدث بصوت عالٍ فركض الجميع نحو الصوت.
لتستمع ريحانة إلى زيدان وعبارة تكررت منذ سنوات، منذ زواجهم وتعنيفه لها.
وكان رجوعها باختيارها ويتكرر الآن نفس الموقف مع ابن الجمال الجديد ريحان.
يقولون دائمًا إن الحفيد يمتلك صفات جده.
ولكن هنا امتلك ريحان بأس زيدان وقوته التي تجعله مثل التمثال يدفن مشاعره.
في صباح اليوم السادس لاختفائها أعلنت العائلة الخبر على الإنترنت.
لتذبح صفا في قلبها بنصل سكين حاد.
حيث تم توزيع الخبر متضامناً مع خبر هروب فادي.
أخذت صفا تدور بالغرفة ذهاباً وإياباً باضطراب وقلق على اختفاء ابنتها غير الطبيعي.
وخبر هروب فادي أكد لها حدوث شيء لها.
لتهتف وهي تبكي بحرقة:
- يا حبيبتي يا بنتي ده أنا حتى معرفش إنك مختفية من يوم ما أنا جيت هنا.
- أعمل إيه بس؟ أعمل إيه؟
- البت حصلها إيه؟ جرالي إيه؟
- أنا لازم أهرب.
عودة إلى ريحانة وريحان.
- ريحان... هتعمل إيه؟
خرجت عن صمتها تسأله.
فتحت ذهنه عن حل أخذ ليالي طويلة يبحث عنه.
- هروح لناشد وأسمع منه هو عايز إيه.
بدا ريحان أكثر استقرارًا، وحكمة وهدوء.
منذ قبوله بالأمر الواقع، واعترافه بعيوبه، وإدراكه أخطائه في حقها.
ومن ثم بدأ يعمل على إصلاح نفسه.
والآن كل الأمور تسير بعقلانية ورزانة تامة لم يسبق اتخاذها منهجًا.
لكنه الآن تغير ففعلها.
وقفت والدته بجواره تشجعه بنبرة هادئة أن يكمل المسيرة كما بدأها للتو.
وألا يستسلم لشيطانه ولسوء عقله، أو وازع التسرع عنده.
لم تكن زينب تشعر بشيء.
فقط خوفها مما حدث بالأمس من شجار بين ريحان ونور.
حتى أنها لم تبالي لغياب صفا وفيروز.
تنظر إلى باب غرفة مكتبها بفزع شديد وهي تشعر أن نور سيدلف للغرفة بأي وقت لإنهاء علاقاتهم.
ومن كثرة رعبها أخذت تبكي بصمت وهي تشعر بخوف أن نور سينهي تلك العلاقة.
حتى أخذت قرارها وفتحت باب الغرفة بيد مرتعشة.
لتنظر إلى باب غرفته لتجده يتابعها بهدوء تام.
لتهتف زينب باستجهان من بين دموعها:
- نور!!! أنت هنا من بدري وسايبني على أعصابي جوه لوحدي؟
- ليه بتعمل فيا كده وأنت عارف إن ماليش ذنب في اللي حصل بينكم امبارح.
نهض بكل رشاقة وخفة لتجده يقف بلحظة أمامها وهو يتحدث بنبرة شريرة:
- أنا عايزك تسمعيني لأن اللي هقوله مهم قوي.
- أنا وأنتِ ملناش صلة بأخوكي.
- أنتي نسيتي إنك مراتي؟ يعني أخدك على بيتنا، ومحدش يجرؤ يراجعني.
كان يود أن يكون انفصالهما بمعدل يومي.
وليس كل هذه المدة.
بمعنى عند استيقاظه، وعند تناول الغذاء، وعند حلول المساء يراها ليملأ عينيه من رؤياها ويطمئن قلبه.
مر بخاطره احتياج هائج لها.
يتذكر كيف جعلها تتركه ليخيب خاطرها.
رن هاتفه.
أنها لم تقطع تذكرة باسمها لدى شركات الطيران.
ورد عصام بصلابة لا مجال لها للشك بامتغاص.
وجده، أنه لم يستطع العثور عليها.
عودة إلى نور.
حاولت زينب التملص منه ولكن...
- لا يا حبيبتي مفيش أي محاولة منك هترجعني عن قراري.
- أنتي ثروتي الوحيدة وأنا تعبت من العيلة دي.
- تلات مرات يتأجل جوازي من يوم ما ظهرت فيروز في حياتنا.
عقدت زينب ما بين حاجبيها ليؤكد لها قائلاً:
- أيوه، أيوه أنا متأكد إنك لو ما جتيش معايا دلوقتي هتفقديني للأبد.
لفق كذبة مناسبة لحاجته كي تأتي معه إلى منزله.
كل ما يتعلق بعودتها معه لغز.
لغز لا يعلم حتى هذه اللحظة إن كانت والدته ترغب في فك طلاسم عقله.
ذهبت معه.
وبينما ريحان في خضم البحث عن فيروز هاتفته والدته.
- ريحان هي زينب مقالتلكش إنها راحة في حتة النهارده؟
اتسعت حدقة عينيه.
- زينب المفروض تكون في البيت دلوقتي يا أمي.
ارتعدت أوصال ريحانة وهتفت بخوف شديد قائلة:
- زينب ما رجعتش يا ريحان وموبايلها مغلق.
- اختك مش موجودة.
حاول تهدئتها جيداً وبعث فيها الطمأنينة.
ووعدها أنه سيأتي بها أينما تشاء.
وقام بمهاتفة نور متأكداً أنها معه.
ولكن لم يجب نور هو الآخر على اتصالاته.
ليجز على أسنانه قائلاً:
- بقي كده يا نور؟ مش عايز ترد عليا؟
- هي كانت ناقصاك؟
علمت زينب أن ريحان هاتف نور فأرادت أن تطمئنه.
فهاتفت بدون أن يشعر بها نور.
- ريحان، أنا آسفة.
- قول لبابا يسامحني.
- أنتم عارفين أنا بحبه قد إيه.
- المفروض تفرحوا لينا.
لم يرد عليها.
بل قام بقذف الهاتف على الأرض ليتهشم أمام أعين والدته.
الذي قطب جبينه لصراخ ريحان:
- لا، مش ناقص.
- أنا تعبان والهانم مش على بالها.
- أقسم بالله لأوريك يا نور، ده مش راجل ده عيل، والعيال ملهاش إلا التربية.
هبطت ريحانة الدرج مسرعة تسأله بلهفة:
- يعني أختك ما اتخطفتش؟
- طب خير الحمد لله.
نظر إليها ريحان بصدمة.
ولكن لما الصدمة وهي أم تريد الاطمئنان على ابنتها.
ليواليها ظهره متجها صوب الباب.
- أنا رايح أجبهالك من شعرها ولو حكمت هسجنه وهلفق ليه أي تهمة.
- علشان يبقي ياخدها وهي تروح معاه بسهولة.
ركضت ريحانة خلفه وهي تصرخ بزيدان قائلة:
- يالا بينا ما تسيبهوش يا زيدان ده مجنون ويعملها.
ليبتسم زيدان بخبث قائلاً:
- وهو هيجيب من بره مش طالع ليكي؟ نسيتي جنانك.
لتصفع ريحانة باب السيارة بقوة وغيظ قائلة:
- لم نفسك يا زيدان لأحسن هقلع الشوز وانت عارف.
- وانت كنت ناسي أفكرك.
لتتعالى ضحكاته المرحة وهي مستغربة أنه في قمة سعادته.
- أنت مش طبيعي.
- بتضحك في أصعب أوقات حياتنا للدرجة دي.
ذهبوا جميعاً إلى منزل أمير نجم الدين صديق زيدان وزوج نورا صديقة ريحانة ووالدي نور.
- مش تقول يا زيزو إنك هتشرفنا النهارده.
رد عليه ريحان عوضاً عن والده قائلاً:
- إحنا جايين ناخد زينب في هدوء يا عمي.
شعرت ريحانة بتوتر الأجواء.
فنهضت تهدأ من ابنها.
- مش كده يا ريحان، ما تتكلم يا زيدان هتفضل تضحك؟
تنهد زيدان وهو يصفر ويدندن قائلاً:
- مش هتجيب الأمانة اللي عندك بقي يا أمير.
هبطت زينب الدرج بكل خوف وهي تتقدم من والدها ببطء.
لا تخشى أخاها بقدر ما تخشى غضب والدها.
- أنا جيت أهو يا بابي، سامحني والله ما كان قصدي.
- لذلك اتصلت بريحان، أرجوك يا ريحان متزعلش مني بس انت.
كاد ريحان أن يرفع يده ليصفعها.
ولكنه وجد يد ناعمة تمنعه من الخلف.
توقع أنها والدته.
ولكنه أغمض عينيه لأنه يشعر جيداً بلمساتها.
- بابا زيدان مش قصده عليكي يا زوزو، الأمانة هي أنا.
- هو جابني هنا بطلب من طنط نورا.
- حبت تعمل زي تيته ياسمين لما أخدت طنط ريحانة واحتوتها.
هبطت في هذه الأثناء نورا تنظر للجميع وهم متفاجئون عدا زيدان ونور.
الذين قاموا بإخفاء فيروز عن ريحان لعله يفيق من تهوره.
- مش أنتي قلتي إنك مش هتظهري خالص يا فيروز، إيه اللي غير رأيك؟
- وبلاش تقولي عشان القلم اللي كان هيضربه ريحان على وش زينب.
هنا صفق نور وهو يغمز إلى زينب بكل وقاحة قائلاً:
- لا مور، الحب يا فاتنات، الحب اللي جاب زينب ورايا.
- الحب اللي خلى فيروز تظهر، الحب اللي خلى أمي ترقص لأبويا أول مرة شافه.
نظر إليه أمير بغيظ قائلاً:
- مقدرتيش يا نورا لازم تفضحي نفسك.
التفت ريحان إلى فيروز التي كانت شارده في الفراغ.
- مش ترجعي معايا يا فيروز؟
- أنتي وحشااااني جدا بموت في بعدك عني.
هزت رأسها بحزم لتذهب إلى ريحانة تلهيها قائلة:
- الحمد لله إنك كنتي هنا تعالي نروح بقى.
ليوقفها زيدان:
- فيروز مش هترجع إلا لما ابنك يعتذر ليها في فرحهم على بعض مع جوز التيران دول.
ركضت نحوه زينب تحتضنه.
- يعني مش زعلان مني؟
توجهت فيروز هي الأخرى تحتضن زيدان.
- بابا زيدان ده شفا لكل الجروح.
هنا شعر ريحان بالغيرة وعلم أنه مخطئ.
لتغيظ نورا أمير قائلة:
- مش زي ناس.
تنحنح نور قائلاً:
- مش هتحددوا الفرح بقى؟
رد عليه أمير قائلاً:
- بعد بكرة.
ليعترض ريحان.
- لا.
استغربت ريحانة.
- لا ليه؟
باح لهم زيدان بالسر المكنون.
- فادي هرب وأكيد هو دلوقتي عند ناشد.
ارتعشت زينب قائلة:
- لا طنط صفا.
انتفضت فيروز.
- هي ماما مش معاكم ليه؟
ابتلعت نورا ريقها.
- هترجع يا حبيبتي بإذن الله.
هنا تقدم نور من ريحان يتمسك بيده رغماً عنه.
- أنا مش هسيبك حتى لو غصبت عليا أسيب.
- إحنا أخوات.
عادوا جميعاً لمنزلهم ليجد زيدان ابنه يتجه نحوه بلهفة وهو يتساءل.
- إيه يا بابا كنت فين من زمان؟
- أنت كنت معترض عليها، ودلوقتي مش سامح لحد يلمسها حتى أنا.
- ممكن تقولي إيه سر التغيير المفاجئ ده؟
واستطرد ريحان وهو يبتلع ريقه بصعوبة ثم قبل رأس زيدان قائلاً بابتسامة حزينة:
- كنت مفكر إن شغلك أهم من مشاعري وأحاسيسي.
- بس عمري ما كنت أتوقع إنك جواك قلب طيب زينا.
- ليه يا بابا كنت بشوفك قاسي ديما؟
ثم تابع بلوم:
- وبعدين إيه اللي سكتك على مكانها لغاية دلوقتي أنا ما صعبتش عليك ولا إيه؟
- بابا أنا غلطت، بس مكنتش تقسي عليا بالشكل ده.
- تعرف إن كنت هقتل ناشد؟
أومأ له زيدان رأسه ليخبره أنه يعلم ما كان يدور بخلده.
ليكمل ريحان حديثه قائلاً:
- طيب افرض كنت روحت فيها.
- العجيبة إنه ما كانش باين عليك.
- كنت قلقان زينا.
- بابا أنا مكنتش بنام، مكنتش عايش أساساً.
- أصالحها إزاي دلوقتي.
تركه زيدان وصعد إلى الأعلى وسط ضحكاته قائلاً بمرح:
- تصبح على خير يا رينو، صالح يا أخويا صالح.
- أنا كمان عندي عقد مصالحة فوق مع أمك، الأميرة ريحانة.
- ادعيلي ما ترفعش الجزمة عليا.
ذهب والده للنوم ليجلس هو على الأريكة وهو يفكر بقلق نحو أمر فيروز واختفاء والدتها وعدم ظهورها حتى اليوم.
بالتأكيد هي محتجزة لدى ناشد.
نهض وصعد الدرج وهو شارد وساقه قدمه نحو غرفة فيروز.
قطع حبل أفكاره عندما وجد من يصفع الباب من خلفه.
ليتجه نحو الباب ويفتح عينيه ببطء لتتسع عيناه بصدمة من هيئتها.
ابتلعت فيروز ريقها بصعوبة بسبب توترها وهي تطرقع أصابعها الواحد تلو الآخر.
- أنا آسفة مكنش ينفع أكسر كلمة بابا زيدان وما أروحش أقعد عند عمو أمير.
- آسفة كمان إني روحت بيتنا واستدرجت فادي.
- آسفة إني تعبتك.
- بس أنا كان نفسي ترجع حضني في أقرب وقت.
لم تكمل جملتها بل كادت أن تقع بسبب قبلته المفاجئة.
لكنه أسندها ليجدها تلتف بذراعيها نحو خصره تحتضنه بشوق ولهفة وكأنه الجدار لها.
أصبح الجبل يتنفس بجلال سكونها بين أضلعه.
والأرض من أسفلهم تطلق نداء خفي، منتظرة أيام الدفء اللذيذ معه.
أعلن صباحهم قدومه بزقزقة العصافير على نافذتهم.
نهض من جوارها وتجول حول الفراش يتأملها.
ويستمع إلى صوت أنفاسها الذي بدا صاخباً لأذنه.
ليشعر ريحان الجمال في تلك الساعة أنه يحيا بأنفاسها، وبدمها وبنبضها.
سرح بفكره فيما سيأتي.
أتاه اتصال من عصام فرد سريعاً حتى لا تستيقظ فيروز.
أخبره بهروب صفا.
- قدرت تهرب من هناك؟
- فعلاً، هي معدش يفرق بالنسبة ليها روحها.
- قدامه، هيفضل متحكم فيها لامتى.
- هي من الأول كانت بترسم له فخ، بس للأسف فشلت.
- قولي في إيه عندك تاني؟
- راحت المقابر تقريباً راحت تزور ابنها.
- ريحان أنا كمان هروح أزور أمي.
- اطمن بيت ناشد مراقب.
سمح له ريحان أن يذهب لزيارة قبر والدته.