أخبرتك أن لا تأتي إلى هنا مجدداً ووعدتني بذلك. في الحقيقة، أنا مصدوم. لماذا أنتِ هنا في هذه الساعة؟ ألا يجب أن تكوني معه؟ قاطعته ملاك قائلة: مع من؟ ما الذي تقوله؟ لم أذهب إلى أي مكان، كنت ذاهبة ولكني لم أتمكن من فعل ذلك. أنصدم آدم قائلاً: ماذا؟ اقتربت ملاك منه قائلة: ذلك المكان، لا أعلم لماذا يبدو لك وكأنه أهم شيء في حياتي. أردف بحزن قائلاً: لأنه كذلك. اقتربت منه أكثر ممسكة بيده.
ارتجف بمجرد مسكتها بيديه. ابتلع ريقه بصعوبة قائلاً: ماذا تفعلين؟ ملاك: وعدتك أنني لن أجعلك تعود لأي سبب من الأسباب التي ذكرتها البارحة. أومأ برأسه قائلاً: أجل، ولماذا أنتِ هنا؟ ملاك: لسبب مهم، أهم من أي شيء كان. أتيت إلى هنا وسآخذك معي لأني... آدم: لأنك ماذا؟ أخرجت بيدها الأخرى الصورة من حقيبتها. أغمضت عينيها لتردف بهدوء: تفضل. أخذ الصورة بيده قائلاً: ماذا؟ دمعت عينيها لتضع يده الأخرى على بطنها قائلة: إنها صورته.
أنصدم آدم ليردف بعدم فهم: لم أفهم. كانت دموعها تنهمر من عينيها قائلة: أنا حامل، ستصبح أب يا آدم. دمعت عينه ليبقى ساكتاً بعض الوقت وهو غير قادر على الاستيعاب. ماذا؟ حامل؟ سيصبح أب؟ لا يعقل ذلك، لا لا يمكن أن يكون صحيح. أردف بنبرة ترتجف: حامل؟
ابتسمت بحزن قائلة: أجل، لم أكن أعلم أنني حامل إلى غاية البارحة عندما أغمي علي. تلك العجوز صديقتك أخبرتني ولكني لم أصدقها. ذهبت إلى الصيدلية وأجريت تحليلاً ولم أصدق. ولكني ذهبت إلى الطبيبة وأكدت لي أنني حامل. لم أذهب إلى تلك الحقيقة، لم أتمكن من فعل ذلك قبل إخبارك أنك سترزق بطفل آخر. أغمض آدم عينيه وحضنها بقوة دون أن يشعر على نفسه. كان سعيداً بشكل كبير وفي نفس الوقت خائف. غير أن سعادته طغت على خوفه.
كان يحضنها بقوة وبحنان، بينما ملاك شعرت أن كل شيء اختفى، حقدها وغضبها، كل شيء تلاشى بمجرد هذا الحضن. بقيا في حضن بعضهما البعض ما يقارب ربع ساعة. إلا أن شعر آدم على نفسه وابتعد عنها قائلاً: ألستِ غاضبة؟ أمسك رأسه بيديه الإثنين قائلاً: لابد أنكِ غاضبة. تلك الليلة كانت أسوأ ليلة في حياتك. لقد دمرت كل علاقتنا في تلك الليلة. أضف إلى أنني ارتكبت العديد من السيئات في حقك. لم تفكري في إجهاض الجنين؟
وضعت يدها على فمه قائلة: لا بالطبع لا. ولا أزال غاضبة منك، ولكني لا يمكنني تحمل المسؤولية لوحدي، يجب أن تكون معي في هذه المرحلة. أومأ برأسه قائلاً: لا، لا يمكن. بالعكس، لا يمكن أن أكون معك وكل مرة أرى بطنك سأتذكر تلك الليلة. نظرت إليه باستغراب قائلة: وهل ستتخلى عن مسؤوليتك كأب؟ هل تريد من غيرك أن يكون أب لهذا الطفل؟ أجل، أنت معتاد على ذلك؟ صرخ بأعلى صوته قائلاً: اخرسي! لم أقصد هذا.
أومأت برأسها قائلة: أجل، لم تقصد. ولكني سأفعل إذا لم تخرج معي. ماذا تفعل؟ تلوم نفسك؟ أجل، أنت سبب هذا الحمل. ولكن إذا كنت أنا نادمة، فابني لن يغضب مني لأني لم أتقبله. ففي كل الأحوال أنت أرغمتني على فعل ذلك. ولكن صدقني، عندما يكبر سأخبرك أنك لم تعتدي فقط علي، لا بل لم تتقبل وجوده لأن والده يعتبر أنه خطأ. أجل، يمكنني اعتباره كذلك، ولكنك لا تملك الحق في اعتباره خطأ. أنت السبب ويجب عليك أن تتحمل مسؤوليته.
دمعت عينه قائلاً: أعلم أنك ستلوميني لاحقاً. كل مرة سأمسك يدك ستبتعدين عني. لست نادم لأنك حامل، بل نادم على تلك الطريقة.
في هذه اللحظة أشعر بسعادة غامرة لا يمكنني أن أشرح لك عنها. ولكن يجب أن أتعالج، يجب أن أبقى بعيداً عنك. هذا الطفل سيغير حياتي كما فعلت لين من قبل. سأتمسك بهذا الأمل، ولكن وجودك معي سيضعفني مجدداً. لا تتخيلي كم أريدك. أريد أن أمضي كل لحظة بقربك، بقرب ابننا. كم أرغب في أن أشعر بحركاته داخلك، أن آخذك إلى الدكتورة لسماع دقات قلبه، أن توقظيني في منتصف الليل طالبة مني أن أحضر لك برتقال ليس في موسمه. كم أرغب في رؤية بطنك وهو يكبر وأضع رأسي على بطنك وأنام. إنها أشياء لطالما تمنيتها، ولكن انظري إلى أين أتواجد؟
إنني في مركز إدمان. أخبرني شيئاً، إذا ذهبت معك الآن، هل ستنامين معي على نفس السرير؟ أحنت رأسها. ليردف قائلاً: لن تفعلي ولن ألومك، ولكن سأحزن. وإذا أخذت حبة مخدرة، ماذا سيحدث؟ لا يمكنني حتى التحكم في نفسي. هل أخبرك بشيء؟ في تلك الليلة التي عرفت فيها الحقيقة، ذهبت وتعاطيت المخدرات ثم قمت بخيانتك. ماذا لو فعلت ذلك مرة أخرى؟ ماذا لو قمت بخيانتك مرة أخرى؟
لا أرغب في خيانتك، لم أرغب في ذلك في ذلك اليوم، ولكني فعلت. أريد أن أتعالج، أن أتحسن. لعل في ذلك اليوم سيخف غضبك مني، ستنسين الذي فعلته. دمعت عينيها
ولامست خده بحنان قائلة: لم تقم بخيانتي، متأكدة من أنك لم تفعل. سنتكلم في هذا الموضوع لاحقاً، ولكني متأكدة من أنك لم تلمس امرأة أخرى. أما عن تلك الليلة، فأجل، لا يمكنني النسيان، ولكني أريدك معي وهذا الطفل بينما هو يتكون في بطني، أنت ستكون بقربي. بينما سأذهب لمعرفة تلك الحقيقة، أنت ستكون بقربي. بينما أحاول أن أنسى تلك الليلة، أنت تساعدني على نسيانه، ليس بهروبك بل بإصرارك. لم أقع في حب آدم الضعيف، بل آدم الذي كان يسعى
للانتقام. الآن تفضل انتقم من نفسك، تجاوز هذه المرحلة وأنت بقربي، وليس في مركز بعيد عني. تلك الحقيقة، أن أعرفها إلا وأنت معي، لأن عمر أخبرني أنك أنت من وجدتها. ورغم أن هناك فكرة في رأسي، إلا أني غير قادرة على تقبلها. لن أذهب إلى أي مكان من دونك. لعل هذا الحمل جعل مشاعري تتلخبط، إلا أنني لا أريد أن أذهب إلى مكان آخر من دونك.
أنصدم آدم من كلامها ومن إصرارها ليردف بهدوء: لا يمكنني، صدقيني، أنني خائف عليكِ مني، وخائف من ردة فعلي بعد معرفتك بالحقيقة. وجودي هنا سيجعلني أتحكم في نفسي. لقد تعبت من عدم ثقتك بي، وتعبت من التفكير في الماضي. اقتربت منه أكثر، وضعت يدها على قلبه ووضعت يده على قلبها قائلة: سنتجاوز هذا معاً. أنت تشعر أنك مخطئ، أليس كذلك؟ أومأ آدم برأسه بمعنى أجل.
لتردف بحزن قائلة: وأنا مخطئة لعدم ثقتي بك. ولكن إذا أردت أن أسامحك، أمسك يدي بإحكام ولا تتركها. مهما كانت تلك الحقيقة التي سأعرفها، لن أفلت بيدك. صدقني، أعلم جيداً ما الذي يدور في عقلك، ولكني قررت أن أمنحك فرصة أخيرة. فرصة من أجل ابننا. إذا كنت تريد هذه الفرصة، ستجدني في الأسفل أنتظرك. إذا لم تأتِ، تأكد أنك لن تعثر علي مجدداً. لن أبقى هنا يا آدم، ولن أسعى إلى معرفة أي حقيقة كانت. سأذهب من هنا إلى مكان لن تجدني فيه.
ابتعدت ملاك عنه وكادت أن تفتح الباب، إلا أن شعرت بأنه يحضنها من الخلف بقوة. وضع رأسه على عنقها، دمعت عينيه وعينيها في آن واحد. همس في أذنها قائلاً: لا وجود لآدم من دون ملاك. إذا ذهبتِ، كيف ستصبح حياتي؟ سأذهب معك، ولكن هل تعديني أننا سنبني عائلة لوحدنا؟ لا وجود لعائلتك فيها؟
لا يمكنني أن أجلس على نفس الطاولة معهم. لا يمكنني التصرف وكأني أحبهم. ولن أرغمك على تقبل عائلتي. ستكون عائلتنا صغيرة، أنا وأنتِ ولين وابننا. لن أمنعك من الذهاب ورؤيتهم، ولكن لن أتواجد معكم. دمعت عينيها قائلة: لماذا تتكلم بصفة الجمع؟ أمير شقيقك. أغمض عينيه قائلاً: وعديني؟ مسحت دموعها قائلة: أعدك بأني لن أرغمك، وأنني لن أنام في منزل أنت لن تتواجد فيه.
بعد مدة، بدأ آدم بجمع أغراضه، بينما كانت ملاك جالسة على السرير تنظر إليه وإلى ردة فعله. ابتسمت قائلة: اعتقدت أن المصح يكون كئيباً، ولكن انظر إلى غرفتك كأنك في فندق. ارتسمت على ملامحه ابتسامة خفيفة قائلاً: النقود تفعل المستحيل. وقعت ورقة من أغراضه الشخصية. انحنت ملاك وفتحتها لتقرأ اسمها بالأحرف الكبيرة: (زوجتي ملاك حبي الوحيد... ابتسمت قائلة: وقعت من أغراضك ورقة. استدار ليقول: كل شيء كتبته يخصك أنتِ.
ابتسمت بحزن قائلة: دعنا نذهب. أخذت سيارة أجرة وذهبا إلى منزل ملاك لتأخذ هي بدورها أغراضها من منزلها. بينما صعدت ملاك إلى المنزل، بقي آدم في سيارة الأجرة في انتظارها. دخلت ملاك إلى المنزل وأخبرت أمير أنها ستعود إلى آدم. أنصدم أمير قائلاً: ماذا؟ كيف يعقل أن تفعلي هذا بنا؟ ملاك: إنها حياتي أنا. أمير: لا أريده أن يكون معنا.
ملاك: لا يريد حتى رؤيتكم. لا تقلق، إنه زوجي ومن حقه أن يكون معي في هذه المرحلة. لا أحد له الحق في الاعتراض. جميلة: هذه المرحلة؟ توترت ملاك قائلة: إنني حامل. أسرعت جميلة وحضنتها بسعادة قائلة: لا أصدق؟ جلست ملاك وشرحت لهم الأمر. أمير لم يهتم ولم يرغب في تقبل آدم، رغم إصرار ملاك عليه. إلا أنه لا يزال مصراً أنه هو وشقيقه السبب في موت والده. لا يريد أن يعترف أن جميلة ومصطفى هما السبب في كل هذه الأمور.
رتبت ملاك أغراضها وطلبت من جميلة أن تعتني بأمير وأن كل شيء سيتحسن مع مرور الوقت. نزلت إلى الأسفل، إذ بها تجد آدم نائماً في السيارة. ابتسمت وطلبت من السائق إكمال الطريق. بعد أن وصلا إلى المنزل، لامست ملاك وجهه ليفتح عينيه مبتسماً قائلاً: عدتي! ملاك: لقد وصلنا إلى المنزل، هيا. نظر آدم إلى ما حوله قائلاً: آه، لقد غفوت. أعتذر. نزل آدم وحمل الحقائب وصعد إلى المنزل.
بمجرد دخوله إلى الغرفة، تذكر تلك الليلة التي لا يزال يعتبرها أسوأ ليلة في حياته. بينما ذهبت ملاك إلى غرفة لين ووضعت أغراضها بها. بقي آدم في الشرفة شارد الذهن. كان يفكر: كيف سيخبرها أن والدها لا يزال على قيد الحياة؟ ما الذي ستفعله؟ هل ستبقى على وعدها ولن تبقى مع والدها ولا ليلة واحدة؟ هل ستتقبل حقيقة أنه والد ابنها؟ هل هي تفعل هذا شفقة أو رغماً عنها؟ لقد عاد معها، ولكن لا يعلم هل سامحته أم لا بعد.
من جهة أخرى، كانت ملاك تنظر إليه بنظرة خوف ونظرة شوق في آن واحد. إنه خائفة من النوم معه، خائفة من أن لا تستطيع الوفاء بوعدها. أن الحقيقة التي ستعرفها ستجعل ثقتها له تهتز مرة أخرى. ولكن في هذه المرة، آدم لن يعود مرة أخرى. تعلم جيداً أنه مخطئ، وتعلم أيضاً أنه نادم أنه لجأ إلى المخدرات لينسى، وهي لن تسمح له بتدمير حياته حتى لو كانت غاضبة منه، ولكنها تحبه.
اقتربت منه شيئاً فشيئاً، وقفت إلى جانبه على بعد خطوة واحدة. ضمت يديها إليها خائفة من لمسها. انتبه آدم لذلك ليردف بهدوء قائلاً: الجو بارد، ادخلي إلى الداخل. نظرت إلى السماء قائلة: الجو جميل. آدم: غداً عمر سيأخذك. أومأت برأسها قائلة: لا، أنت من ستأتي معي. عمر أخبرني أنه من حقك أنت. آدم أردف بغضب: لا، لن أفعل. ملاك: ستفعل. كانا يتجادلان إلى أن طرق الباب. فتحت ملاك الباب، إذ به عمر. عمر: أين كنتِ؟
صعدت إلى المنزل لم أعثر عليك. لماذا أنتِ هنا؟ ألا ينبغي أن تخبري آدم بأنكِ حامل؟ ملاك، أرجوكِ أخبريه، أقسم لك، سيفرح كثيراً وبسبب ذلك سيعود إلينا، سيعود إليكِ إلى لين، هيا. ملاك: دعني أتكلم. عمر: لا، دعينا نذهب ونخبره، هيا. فجأة جاء آدم مبتسماً قائلاً: لا داعي للذهاب، أنا هنا. أنصدم عمر وفرح في نفس الوقت. عانقه بقوة قائلاً: آه، أنا سعيد! كيف حدث هذا؟ آدم: ملاك أتت وأخبرتني. شكراً لأنك كنت معها، شكراً لكل شيء يا أخي.
عمر: الحمد لله أنكما مع بعض، هذا معناه مهمتي انتهت. آدم: لملاك: أجل، انتهت. آدم سيأخذني غداً. عمر: جميل، سأتكلم مع ميرا في موضوعنا. ملاك: أنتما معاً؟ عمر: أجل، ولا، لا أعلم، لا تزال غير قادرة على الوثوق بي. آدم: ميرا تثق بك، ولكنها لم تكن تثق بي. ملاك: المهم، هي لا تزال في البلدة. جدها لا يزال مريضاً. اذهب إلى هناك. عمر: هذا الذي كنت سأفعله، ولكن... آدم: ولكن ماذا؟ عمر: دعنا نذهب مع بعض، أقصد نفس البلدة.
توتر آدم ليردف بهدوء: إنه هناك؟ كيف يعقل؟ عمر: غداً صباحاً سننطلق. أومأ آدم برأسه وذهب عمر. بينما ذهبت ملاك إلى غرفة لين، استلقت. وآدم بقي ينظر إليها من وراء الباب. استدارت ملاك وفجأة وجدته ينظر إليها. توتر آدم وكان سيذهب إلى أن أردفت: اذهب ونم قليلاً. لم يبق سوى بضع ساعات ونذهب. اقترب آدم منها، جلس على الأرض ممسكاً بيدها قائلاً: لا أريد الذهاب، اذهبي مع عمر. مسكت يده ووضعتها على بطنها قائلة: أين سيذهب ابنك؟
أنت ستذهب. حاول أن تتصرف معي بشكل جيد. أريد أن أنسى تلك الليلة، ولكن توترك الدائم يجعلني أتذكرها. آدم: أعلم أنكِ تتذكرينها بمجرد رؤيتي، لهذا صعب أن أتصرف بشكل عادي وكأن شيئاً لم يكن. ملاك: إنني هنا لأني أريد من ابني أن يتربى وسط عائلته مع والده، ولست هنا لأني مرغمة أو بدافع الشفقة. آدم نظر إليها بحنان قائلاً: هل أنتِ هنا بدافع الحب مثلاً؟
دمعت عينيها قائلة: لطالما أحببتك يا آدم، وتلك الليلة بالنسبة لي كانت نتيجته، ابننا. لهذا لا يجب أن تندم. دمع عينه قائلاً: هل يمكنني الاستلقاء إلى جانبك؟ أغمضت عينيها وأبعدت قليلاً لتسمح له بالاستلقاء. استلقى إلى جانبها وظل يحدق بها. أشاحت عينيها إلى الجانب الآخر واستدارت. اقترب منها أكثر، حضنها من الخلف بحنان وهو يلامس بطنها. همس لها
بنبرة لا تخلو من الحزن: أريد أن أمضي كل دقيقة هنا في حضنك. سأجعلك تنسين تلك الليلة. لعل هذا الطفل سبب عودتنا، ولكني سأكون سبب سعادتنا. أقسم لك أنني سأتغير. سيكون هذا المنزل ملجئي الوحيد. لطالما كنتِ ملجئي وستبقين كذلك. دمعت عينيها وهي تحاول أن تمسك يده، ولكنها ترددت. لم تتمكن من لمسه. أغمض عينيه قائلاً: تصبحين على خير. كان سيبتعد عنها، ولكنها قامت بوضع يدها على يده قائلة: تصبح على خير.
وبهذا كانت قد سمحت له ببقائه بقربها. نام آدم إلى جانبها لأول مرة بعد شهر تقريباً. لم ينم وهو سعيد بهذا الشكل. بينما كانت ملاك قلقة من المفاجأة التي ستعرفها في اليوم التالي. هل هي تعرف بما سيحدث؟ هل تتوقع أن والدها هو تلك الحقيقة؟ لعلها توقعت ذلك بعد كلام آدم. مع كل تلك الأفكار، نامت بقربه وهي سعيدة ومتعودة أن لا تكون هذه آخر ليلة تجمعهما. في اليوم التالي، استيقظت ملاك. نظرت إلى جانبها، لم يكن آدم موجوداً بقربها.
نهضت وبحثت عنه، إذ بها تجده في الشرفة وفي يده قدح من القهوة. اقتربت منه قائلة: صباح الخير. أبتسم وأقترب منها شيئاً فشيئاً قائلاً: صباح النور. ابتسمت بخجل قائلة: هل نذهب؟ أردف بسعادة قائلاً: ستتناولين فطورك أولاً. تشربين الحليب وتأكلين التمر. ابتسمت بسعادة غامرة لتردف قائلة: التمر؟ آدم: أجل، التمر. قرأت أنه مفيد لصحة الطفل. استيقظت باكراً وبحثت عن الأطعمة التي تساعد على أن يولد الطفل بصحة جيدة.
نظرت إليه باستغراب قائلة: أنا سعيدة لأنك تهتم به. لامس آدم وجنتيها بحنان، حدق بعينيها قائلاً: أهتم لكما أنتما الاثنان. مسك يدها ودخلا إلى المطبخ لتجد أنه جهز لها طاولة مليئة بالأكل. ابتسمت وأردفت بنبرة لا تخلو من الدعابة: سأصبح جد سمينة يا آدم ولن تعجبك. قربها من جسده قائلاً: حتى لو أصبح وزنك 100 كيلوغرام، سأبقى عاشقاً لك. ابتسمت بخجل وجلست على الطاولة لتأكل مما جهز لها. بينما كان آدم ينظر إليها كيف تأكل، دق الباب.
فتح آدم الباب، إذ به عمر. توتر آدم وأخبر عمر إنه غير قادر على الذهاب، ولكننه مجبر على ذلك. جهزت ملاك نفسها وانطلقا إلى تلك الوجهة التي ستغير حياة ملاك مرة أخرى. طوال الطريق كان آدم في المقعد الأمامي، يحاول السيطرة على نفسه وأن لا يتأثر برؤيته. يجب أن لا يهتم سوى بصحة ملاك وصحة ابنه القادم. بينما كانت ملاك جالسة في المقعد الخلفي تفكر في الذي ستلتقي به. هل هو شخص الذي في بالها؟ أو أن لا تزال أحلامها لا تزال غير معقولة؟
مر الوقت، وكل دقيقة كان آدم ينظر إليها من المرآة. كان قلقاً من ردة فعلها. إلا أن وصلوا إلى تلك البلدة. ركن عمر السيارة أمام منزل صغير جداً. نزل آدم وفتح الباب لها. نزلت بقلق وتوتر. أردفت باستغراب: أين نحن؟ طرق عمر الباب وصعد إلى سيارته مرة أخرى وانطلق. تركهما لوحدهما يخوضان هذه الحالة. يجب على آدم أن لا يتركها لوحدها. بينما بقيت ملاك تنتظر من الذي سيفتح الباب. مسك آدم بيدها بإحكام.
نظرت إليه بتساؤل قائلة: لم يفتح أحد الباب. أغمض عينيه قائلاً: سيفتح. كانت قدمها تهتز بتوتر، إلا أن فتح الباب. لم تنظر ملاك إلى من الذي فتح هذا الباب السري، إلا أن سمعت صوت ينادي عليها قائلاً: ابنتي ملاك؟ استدارت بصدمة لتحدق بوجه الشخص الذي نادى باسمها، إذ بها تنصدم. عادت إلى الوراء بضع خطوات بصدمة كبيرة. ماذا؟ والدها؟ إنه على قيد الحياة؟
إنه بالفعل على قيد الحياة، لم يمت، لا، إنه واقف أمامها، إنه هو، لم يتغير، إنه مصطفى القاسي. تقدم نحوها بضع خطوات، وكل خطوة كان يخطوها كانت تجعلها تعود إلى الوراء. أفلتت يد آدم الذي بقي ينظر إلى مصطفى القاسي بغضب وكره لا يمكن وصفه بالكلمات. بينما استطاعت ملاك أن تتفوّه بكلمة بعد مدة طويلة من التأمل في والدها قائلة بنبرة هادئة تكاد أن تسمع: أبي؟ إنك أنت؟ أنت حقيقة؟ بكى مصطفى بحرقة قائلاً: عثرتِ علي؟
أسرع وحضن ابنته بقوة وحنان. كان يشم رائحتها التي حرّكته منذ سنوات طويلة. كان يشعر بنبضات قلبها تتسارع، كان يشعر بحزنها وصدمتها. بينما ملاك لم تشعر سوى بأنها ترغب في البكاء. تريد أن تعتقد أنه ليس بكابوس، بل هو حقيقة. تريد أن تضمه بقوة، ولكنها لم تتمكن من فعلها. لماذا؟ بقيت ملاك جامدة مكانها لتردف بدون أن تشعر على نفسها: أنت أبي؟ في الأخير، حضنته بقوة باكية بحرقة، تشم رائحته بصوت عالٍ قائلة: بابا، لا أصدق أنك أنت.
لامست وجهه ناظرة إلى عينيه بدفء. كان يبكي بسعادة وهي بدورها كانت تتفحص كل انحناء موجود على وجهه. كانت تهمس له قائلة: أبي؟ اشتقت لك كثيراً. إلا أن أغمضت عينيها، تنهدت بضيق شديد قائلة: تركتنا؟ لم تمت؟ ابتعدت عنه مرة أخرى، شعرت بصداع. مسكت رأسها بيديها الاثنين قائلة: تركتني؟ كاد أن يغمى عليها، إلا أن مسكها آدم مسرعاً. طلب منه مصطفى أن يدخل إلى المنزل. لم يشأ آدم الدخول، ولكن لم يجد حلاً آخر.
دخل إلى المنزل ووضعها على سرير من الأسرة الموجودة في ذلك المنزل. كان آدم يصرخ، يطلب منه الاتصال بالإسعاف لأنها حامل. كان كالمجنون يصرخ ويلومه لأنه السبب. إلا أن فتحت ملاك عينيها ممسكة بيد آدم. أردفت بصعوبة: أنا بخير يا آدم، لا تقلق. آدم: كيف لا أقلق؟ لقد أغمي عليكِ. ملاك: هل كنت أحلم؟ لم يكن هنا، أليس كذلك؟ ليس أبي؟ أردف بحزن قائلاً: إنه هنا، لم يكن حلماً. دمعت عينيها قائلة: ولم تتركني؟ لقد عثرت عليه؟
على مدمر عائلتك؟ نظر إليها بعدم فهم قائلاً: ماذا؟ ما الذي تقولينه؟ ملاك: مسكت يده قائلة: إنهم السبب في انحرافك. إذا كان هنا يسمع كلامي، فالأفضل أن يعرف أنني لا أريده. لم يعد هناك مكان له في حياتي. الشخص الذي تخلى عني وكان سبباً في دمار شاب في ربيع شبابه ليس والدي. قاطعها آدم قائلاً: ششششت، لا تتصرفي مع والدك بهذا الشكل. من أجلي،
قبل يدها بقوة ثم أضاف: أعلم أنك تحبينه. لا تفعلي هذا بنفسك. أنا قوي ولا يهمني وجوده. عثرت عليه لأجلكِ، لأجل زوجتي. لا تفعلي الشيء الذي فعلته قبل سنوات. أخبرتني أنكِ نادمة على كلامك معه، لا تندمي الآن. إنه هنا في الغرفة المجاورة، سيشرح لك سبب ذهابه، سيشرح لك كل شيء. ولكن وعديني أنكِ لن تتصرفي تصرفاً غير قادرة على تحمله. لا تفعلي شيئاً من أجلي. إنني على مقدرة على تحمل كل حقيقة تتعلق بك.
ملاك: حتى حقيقة أن والدي على قيد الحياة؟ قبل آدم يدها بحنان، أغمض عينيه ليردف بهدوء: بل سأكون سعيداً بذلك. ابتسمت بحزن قائلة: هل يمكنني أن أذهب إليه؟ ضحك بسخرية قائلاً: إنه والدك، لن أغار منه. أومأت برأسها قائلة: لن تكون معي؟ ستذهب؟ أريدك معي، لا أعلم ما الذي حدث لتركه لنا. لا أعلم كيف سأ سامحه على ذهابه وعدم وجوده معنا. لا أعرف ما الذي سأعرفه. لا يمكنني مواجهته لوحدي. أريد أن تكون بقربي، أن تبقى يدي ممسكة بيدك.
آدم: سأفعل أي شيء سيجعلكِ تشعرين بالراحة. مسحت دموعها ومسكت يده وجعلتها تقف. دخلت إلى الغرفة المجاورة برفقة آدم. أردفت بحزن: لماذا لم تعد؟ دخلت إلى الغرفة المجاورة برفقة آدم. أردفت بحزن: لماذا لم تعد؟ دمع مصطفى عينيه، نظر إلى وجهها الباكي. كان في صدمة ابنتها بقربه، ولكنّه يعلم أيضاً أنها لن تسامحه لعدم عودته. ماذا سيخبرها الآن وهل ستصدقه، أو أن كلامه لن يكون مقنعاً؟
بقي ينظر إليها لبعض الوقت، إلا أن استطاع التكلم قائلاً: كنت فاقداً للذاكرة. عندما وقعت الطائرة، أنقذتني امرأة كبيرة في السن. أنقذتني بأعجوبة من الموت المؤكد. بقيت نائماً على السرير لشهور طويلة، وعندما عدت إلى وعيي، كنت لا أتذكر شيئاً سوى اسمي. كانت تلك المرأة تعالجني، ولكنها توفيت بعد سنة. أصبحت صياداً، أصطاد للعيش. في يوم من الأيام، كان هناك شجار بين شباب. حاولت أن أمنعهم من الشجار، ولكن واحد منهم ضربني على رأسي. أخذوني إلى المستشفى وعالجوني. مع مرور الوقت، عادت ذاكرتي. ولكن لم تعد حياتي كما كانت سابقاً. عندما بحثت عنكم، انصدمت بمرض جميلة زوجتي، والدتك مريضة؟
عندما علمت، ذهبت إلى المستشفى، رأيتها وهي نائمة في المستشفى وهي غير قادرة على الاستيقاظ. شعرت وكأن نفسي ينقطع عني شيئاً فشيئاً. ذهبت للبحث عنك، عثرت عليك تعملين في مطعم. حاولت الاقتراب منك، ولكني كنت لأكون عبئاً أكثر.
ستقولين: كنت لأساعدك وأخفف عنك ألمك، ولكن لا. آدم كان يبحث عني. عندما عثرت عليك، لمحته بقربك. اعتقدت أنه يعرف من تكونين، ولكن عندما كنت ألاحقه، كنت أسمع كلامه مع صديقه وكم أنه يحبك. كنت يائساً، مصدوماً. هل تعرفين عندما تكونين في مرحلة من حياتك لا تعرفين ما الذي يجدر بك فعله أو قوله؟
إذا خطوت خطوة إلى الأمام، سأفسد حياتك وسيعرف آدم من أنتِ. وإذا عدت بخطوة واحدة إلى الوراء، لن أستطيع رؤيتكم مرة أخرى. فضلت البقاء في منتصف الطريق، في النصف. لا أخطو خطوة ستدمر حياتكم مرة أخرى، ولا العودة وعدم رؤيتكم. كنت أحاول أن أتواصل مع المستشفى وأن أدفع التكاليف، ولكن التكاليف كانت باهظة الثمن. لم يكن بوسعي سوى مسك يدها والبقاء بقربها قليلاً. كنت سعيداً بأني بقربها، المرأة التي أحببت. أما أنتِ، فكنت قد تكلمت مع
صاحب المطعم وأخبرته بكل ما حدث، لهذا كان يحبك ووافق على بيع المطعم لكِ. وعن دار الأزياء، فكان لي صديق هناك، طلبت منه أن يزودك بالملابس لكِ ولشقيقك. لقد وضع عقداً بأنه من حقك الحصول على الملابس بدون دفع الثمن. لم أستطع فعل شيء آخر. لم أستطع العودة، فأخي سيقتلني مرة أخرى. كان على الأقل بإمكاني رؤيتكم، ولو من بعيد. كان هذا يكفيني.
ستقولين: لم تكن معي عندما انتقم آدم منا؟ لماذا لم تظهر؟ لماذا لم تدافع عني حتى بعد موت أخي؟ سأقول لك أنني لم أتمكن. كان أمير سيعرف الحقيقة وكان سيكرهني ويكره والدته. لم أتمكن من العودة ومن مواجهة آدم. نظر مصطفى إلى آدم بحزن مما جعل آدم يشيح بنظراته عنه. كان آدم غاضباً من كلامه وحزيناً لرؤية ملاك غير قادرة على حضن والدها. ولكنه لم يتمكن من التكلم أو جعلها تتفهم والدها.
بينما كان آدم في صراع بين عقله وقلبه، كان مصطفى ينظر إليه بحزن قائلاً: لم أقتل شقيقك، لم أفعل ذلك. لم أكن لأفعل. أبدل قد كان صلاح أخي، لو كنت أعلم لما سمحت له بذلك. أني نادم. لم يرد آدم عليه، اكتفى بقول: أني هنا لأجل زوجتي، لا يهمني أمرك ولا حزنك ولا ندمك. لا تتوقع مني أن أسامحك أو أن أتعامل معك بشكل جيد. لن أفعل، لا اليوم ولا غداً. يمكنني فقط أن أخبر زوجتي أني لن أغضب من حضنها لك. لن أغضب من أن تكون معك.
دمعت عينيها وهي ممسكة بيده. لم ترغب في تركه ولم تستطع أن تبقى بعيدة عن والدها في آن واحد. إنها تصدقه، تعرف أنه كان مهموماً، مجبراً على الابتعاد. ولكن ماذا سيحدث لآدم؟ هل ستحضن والدها وتترك يده وكأنها ستتخلى عنه؟
إنها متعلقة بوالدها، إنها تحبه أكثر من أي شخص. إنه اليوم الذي كانت تتمناه. إنه والدها، حتى لو كان قاتلاً. لا يمكنها أن تتجاهل ظروفه. ولكنها خائفة من انحراف آدم. إنها الوحيدة من تسيطر على تصرفاته. كانت تنظر إلى والدها ويداها ترتجفان. شعر آدم بتوترها وشعر بدقات قلبها. لم يكن قادراً سوى على سحب يده من عليها. وكان هذا هو الذي فعله. سحب يده من على يدها، نظر إليها بدفء قائلاً: إنه والدك. سأكون في الخارج بانتظارك.
خرج آدم مسرعاً من المنزل، بينما لم تفكر ملاك ولو ثانية واحدة ورَمَت نفسها في حضنه. كانت تشهق من البكاء، كانت سعيدة بشكل عجيب. لم تكن سعيدة من قبل كما هي سعيدة اليوم. بقيت في حضن والدها تشم رائحته لأكثر من ساعات. بينما كان آدم في الخارج جالساً في انتظار السيارة التي طلب من عماله إرسالها له. بعد أن وصلت السيارة، دخل آدم إلى المنزل ليردف ببرودة: السيارة جاهزة، هل نذهب؟ أردفت ملاك بحزن قائلة: وأبي؟
أردف آدم وهو يضغط على يده: أنا في انتظاركما. ابتسمت وطلبت من والدها تجهيز نفسه. كان والدها قلقاً وخائفاً من ردة فعل عائلته. ولكن ملاك طمأنته وأنها ستساعده. أخبرته كم أنها حلمت بعودته، وأنها كانت تشعر بوجوده. لقد انصدمت، ولكنها كانت مؤمنة بأنه سيعود. طوال الطريق كان آدم مغموماً، يشعر بالاختناق جراء وجود شخص يكرهه في نفس المكان ولا يمكنه فعل شيء.
بينما كانت ملاك نائمة على حضن والدها في المقعد الخلفي، لم تكن تفكر في أي شيء سوى أنها سعيدة. وصل آدم إلى منزل القاسي، القصر الفخم. نزلت ملاك ووالدها وهما يستعدان لإخبار جميلة وأمير بأنه على قيد الحياة. بينما كانت ملاك ذاهبة، صعد آدم إلى سيارته وهم بالذهاب، ولكن سرعان ما توقف طلباً منها. أسرعت إليه، طلبت أن يفتح النافذة. فتح آدم النافذة ليبتسم قائلاً: سأكون في المنزل، أنا بخير.
أومأت برأسها قائلة: لن أتأخر، سآتي إلى هناك. أومأ برأسه وانطلق. بينما صعدت ملاك برفقة والدها، وكان اللقاء بين جميلة وزوجها، بين أمير ووالده. كانت صدمة غير متوقعة. كان هناك شيء من الفرح والخوف وعدم التقبل. كانت مشاعر مختلطة. في الأخير، كانت هذه الليلة نقطة تحول في حياة عائلة القاسي.
بينما كانت ملاك جالسة برفقة عائلتها التي لم تحلم يوماً أنها ستجتمع مرة أخرى، وكل هذا كان بسبب آدم. هو من قام بلم شمل العائلة، والآن هو لوحده؟ اعتذرت ملاك من عائلتها وطلبت الذهاب. كانت صدمة لجميلة وأمير ووالدها أن تترك عائلتها التي اجتمعت في اليوم الأول. بينما أخبرتهم ملاك أنها وعدت زوجها أن لا تنام ولا ليلة واحدة بعيدة عنه، لا يمكنها أن تبقى من دونه. تفهم والدها الأمر وذهبت إلى المنزل، ولكنها لم تعثر عليه.
اتصلت به، ولكنّه لم يرد. قلقت عليه ولم تستطع أن تعرف أين ذهب. اتصلت باكرم، أخبرها أنه لم يره منذ شهر ولم يأتِ. بينما عمر قلق وأخبرها أنه سيبحث عنه. خرجت ملاك وهي تفكر في المكان الذي من الممكن أن يكون. بينما كان آدم يقود سيارته بقلق وغضب، لم يجد نفسه سوى وهو أمام المقبرة. ترجل من سيارته، وقف أمام المقبرة التي يتواجد فيها شقيقه وابنه. وقف بخوف من الدخول لأول مرة سيواجه شقيقه. لم يتمكن من القدوم إلى المقبرة منذ سنوات.
لم يتمكن من رؤية قبر شقيقه، ولكن اليوم شعر أنه جاهز لذلك. دخل إلى المقبرة وبحث على قبر أخيه. عثر عليه على قبر أخيه وابنه، كانا إلى جانب بعض، قبر كبير والآخر صغير. لم يلاحظ نفسه إلا وهو يبكي. بقي واقفاً ينظر إلى القبرين بحزن شديد، وكان قلبه سيتوقف من كثرة الخفقان. أردف آدم بنبرة ترتجف وهو ينظر إلى قبر ابنه آدم الذي لم يستطع حضنه ولا لمرة واحدة: آدم!
لا يمكنني اعتبارك ابني، لم أقم بتربيتك. إنك ابن أخي. إنك شقيق لين. لا أنكر أني حزين لأني لم أكن أعلم، ولكني سعيد لأن أدهم قام بتربيتك. لقد كان هو قدوتي في الحياة، من الواضح أنه كان يحبك. لم يكن يذهب لمكان بدونك. أعتذر لأني تخليت عنك. أتمنى لو كنت على قيد الحياة وكنت ستلتقي بشقيقك، ابننا القادم، ابني أنا وملاك. كنت ستحبها أيضاً، إنها لطيفة وجميلة، إنها تعامل لين بشكل جيد، كانت لتعاملك بشكل جيد أيضاً.
لامس التراب لدمعت عينيه قائلاً: في يوم من الأيام، سآتي إليك. ليس الآن، لدي واجبات علي إنجازها، ولكني سآتي. لا أعلم إذا كنت ستعرفني، ولكني سأكون سعيداً بلقائك، ابني العزيز. نظر إلى قبر أدهم، أغمض عينيه غير قادر على رؤيته. أردف بنبرة هادئة غير مفهومة، كانت
يتغلغلها الحزن والأسى: أخي، كان يجب أن آتي إليك منذ وقت طويل. ولكن وعدت نفسي أن آتي بعد أن أنتقم لك. لقد انتقمت منذ شهور، ولكن لم أتمكن من القدوم. أجهل السبب، لعلني غير قادر على مواجهتك. لعلني فعلت شيئاً سيجعلك تغضب مني؟ لماذا لا أستطيع رؤية قبرك؟ لماذا لا أستطيع التنفس؟
كنت أغلى من أبي، أغلى من روحي. مهما تكلمت عنك، لا أحد يمكنه أن يصدق كم كنت أحبك. كان يجب أن أكون أنا في هذا المكان، ليس مكانك. لا، كان يجب أن تكون برفقة زوجتك وابنتك وابنك آدم. أنا شخص سيء وكان يجب أن أكون هنا. لامس التراب، تنهد بضيق قائلاً: هل ستسامحني؟ لقد أنقذت المرأة التي خطفت أمير. هل ستسامحني؟ لقد عثرت على زوجها، الرجل الذي كان سيقتلك؟ هل ستسامحني؟ لقد تزوجت من ابنتهم؟
انهار آدم أمام القبر قائلاً: هل ستسامحني لأني سأكون على تواصل مع من كانوا السبب في موتك؟ لست حزيناً على موت ابني، بل عليك أنت. كان ينبغي أن تعيش، أن تحقق أحلامك. لا أن تكون تحت التراب.
كانت شفتيه ترتجف من البكاء وكانت أنفاسه تتقطع قائلاً: الحياة غير عادلة، غير منصفة. كانت المخدرات وحدها من تحسن من حالتي، هي من تجعلني أنسى أنك ميت. ولكن الآن لم أعد قادراً على شربها. سأرزق بطفل وهو مسؤوليتي. أتيت لأعتذر لأني سأكون فرداً من تلك العائلة. ابني سيكبر وينادي عليه وعلى عليها بـ "جدي" و"جدتي". سيكبر وهو يحب جديه، جديه اللذان كانا سبباً في موت عمك. ولكنّه لن يعلم بالموضوع، لأن حياته ستكون سعيدة. سأسعى لذلك.
لا يمكنني العيش من دون ملاك يا أخي. لا يمكنني أن أحملها مسؤولية أفعال عائلتها. إنها تحبني وسامحتني على أخطائي. إنها عائلتي الآن. سأحاول أن أبتعد عنهم قدر الإمكان، ولكني أعلم أنه سيأتي يوم وسأجلس معهم على نفس الطاولة. لا يمكنني العيش مع هذه الحقيقة، ولكني سأتعايش مع هذا الألم طوال حياتي. أعدك أنني لن أسمح لنفسي أن أكون سعيداً أبداً. سأضحك، سألعب مع ابني وابنتي وزوجتي، ولكن أعدك أن قلبي سيبقى مجروحاً لأجلك. أعدك أنني
سأعيش ما تبقى من عمري وأنا أكره نفسي، وأن أجعل قلبي يحترق يومياً لأجلك. لأنك كنت الضحية، لأن حياة الجميع ستستمر وكأن لا شيء حدث. سيعيش الجميع وهم قد نسوا أنك كنت الضحية الوحيدة، ولكنني لن أنسى.
أشار آدم إلى قلبه ليردف قائلاً: هذا القلب سيعرف الحب والألم في نفس الوقت. سيستمر في العيش لأجل عائلته وحبهم وحمايتهم، ولكنّه سيعيش كل يوم وهو يتألم. أعدك بهذا يا أدهم. إلى غاية اليوم الذي سأقابلك فيه...
ستحاسبني على فعلتي، لن أعترض أبداً. لعل حياتي ستظهر للناس أني سعيد. سأكون سعيداً، ولكن حياتي من دونك ستكون تعيسة. كم أتمنى أن تحدث معجزة ويخبروني أن أدهم لم يمت. أدهم لا يزال على قيد الحياة. لم يمت في ذلك الحادث، إنه يحدث، أليس كذلك؟ والدها لم يمت. لماذا لا تكون أنت أيضاً على قيد الحياة؟ فاقد للذاكرة؟ في مكان ما في هذا العالم؟ لم تتذكر من تكون؟ سيأتي يوم ونجدك؟ هل سأتمسك بهذا الأمل؟
لا، لن أفعل، لأني أعلم أن أحلامي لم تتحقق أبداً ولن تتحقق. لهذا سأرمي بهذا الحلم الضائع وأتمسك بأمل أن تسامحني، بأمل أن يخف هذا الألم الذي في قلبي. سأغمض عيني وأبحث في أعماق قلبي عن ذكرياتنا. سأكمل حياتي بهذا الشكل. سآتي لزيارتك كل أسبوع كي لا أجعل الحياة تنسيني هذا الألم. أجل، كل أسبوع سأكون حاضراً، أعدك بهذا. نظر إلى القبر بنظرة مختلفة قائلاً: أشعر بالراحة الآن، وكأنك سمعتني وسامحتني؟
آه، نسيت أن أخبرك أني لم أغضب لأنك كنت مع مايا أبداً. لو كنت أعلم أنك تكن مشاعراً لها، كنت سأصبح أسعد رجل في العالم لأن أخي سعيد. لا يوجد ما هو أفضل من حب الإخوة. أنت وأكرم، يمكنني التنازل عن من أحب من أجلكما. كنت سأكون سعيداً لأنك واقع في الحب. مايا كانت تحبك يا أخي، لو لم تكن لما كانت معك. لم تكن قدري، بل كانت صديقة فقط. قدري هي ملاك، والجميل أني التقيت بها. سأحاول أن لا أحزنها لأنها ليست السبب في هذا. لم تكن السبب في موتك. ولن أراها على أنها السبب أبداً. أنت كنت الضحية الوحيد للانتقام.
وقف آدم وأخذ بعض التراب من قبره، قبله ووضعه مرة أخرى قائلاً: مع السلامة يا أخي. سنلتقي مجدداً. أغمض عينيه وفجأة شعر بأن أحد وضع يده على كتفه. تسارعت دقات قلبه. استدار شيئاً فشيئاً. أنصدم من الذي رآه. أردف بعدم الفهم قائلاً: ماذا؟ أردف آدم بعدم الفهم قائلاً: ماذا؟ ملاك! ما الذي أتى بك إلى هنا؟ اقتربت ملاك منه أكثر، لامست خده بحنان ولم تنطق بأي كلمة. بينما قلق آدم من وجودها، أسرع ومسك يدها قائلاً: أنتِ بخير؟
وضع يده على بطنها قائلاً: ابننا بخير؟ ماذا حدث؟ لماذا أنتِ هنا؟ منذ متى وأنتِ هنا؟ ابتسمت والدموع تملأ عينيها، أغمضت عينيها بألم قائلة: أنا بخير، لا تقلق. أتيت الآن، منذ ثانية فقط. تنهد براحة قائلاً: لماذا أتيتِ إذا؟ لامست وجهه بيديها الاثنتين قائلة: ذهبت إلى المنزل، لم تكن موجوداً. آدم: لماذا تركتِ والدك؟ اعتقدت أنك ستبقين هناك هذه الليلة أو بعض الوقت هناك. لماذا أنتِ هنا؟ أنا بخير، لا تقلقي علي.
ابتسمت بحزن قائلة: وعدتك أنني لن أنام في مكان آخر باستثناء حضنك، أليس كذلك؟ ضغط على يده ليمنع نفسه من البكاء ليردف بهدوء: أجل، ولكن الظروف تتغير. الآن أنتِ بحاجة إلى والدك. أنا أتفهم الأمر. لطالما كنتِ ترغبين في عودته، كنت تأملين أن يكون على قيد الحياة، وها هي أمنيتك تتحقق. أومأت برأسها قائلة: أجل، وأنا سعيدة. آدم: كيف علمتِ أنني هنا؟
ابتسمت بحزن قائلة: علمت عندما لم أعثر عليك في المنزل. طلبت من عمر العنوان، وهو دلني على المكان. آدم: هيا نذهب. نظرت إلى القبر قائلة: هل يمكنني البقاء قليلاً؟ شعر بعدم الراحة قائلاً: لا، دعينا نذهب. ملاك: اذهب، أريد أن أقرأ الفاتحة عليهما. رفض آدم بقاءها لوحدها، ولكنها أصرت على ذلك وأبعدته وجلست على قدميها ممسكة ببعض التراب.
دمعت عينيها قائلة: أعتذر لأن عائلتي كانت السبب في موتك أنت وابنك. أعتذر لأني لم أمنع حدوث هذا. أني مذنبة بقدرهم. لو كنت بحثت عن عائلته لما حدث هذا. آسفة يا أدهم، ولكن إذا بقي آدم هنا لن يتحسن. سأبعد شقيقك عنك. أعتذر، ولكنّه الضحية الوحيد، ولست أنت. أنت الآن مرتاح، ولكنّه يتعذب. لن يأتي إليك مجدداً. آسفة. نظرة إلى قبر ابنه،
دمعت عينيها قائلة: عندما يكبر ابني إن شاء الله، سنعود. سأخبره أنك شقيقه. كنت لأكون سعيدة بوجودك، ولكن القدر لم يسمح بذلك. لعل والدتك لم تكن حنونة معك، ولكنك الآن مع والدك. أدهم كان حنوناً معك، وبعد كل هذه المدة أصبحت أعلم أن عائلتك ليست سيئة. لعل جدتك سيئة، ولكن عائلتك جيدون، وكنت لتكون مثلهم. ارقد في سلام. ذهبت ملاك. مسكت يد آدم وقالت: هيا نذهب. في منزل آدم. دخل آدم إلى الحمام واستحم وهو يشعر بالتعب والإرهاق الشديد.
بينما ذهبت ملاك إلى غرفتهما وقامت بترتيبها. خرج آدم من الحمام وهو يرتدي منشفة حمام يغطي بها نصف جسده، إذ به أنصدم من رؤيتها ترتب السرير. أردف بحزن قائلاً: لن أنام هنا، سأستلقي في الصالون. اقتربت منه قائلة: أنسي تلك الليلة. قلت لك إذا بقيت بهذا الشكل سأخبر ابني أنك نادم لأنه سيأتي إلى الحياة. نظر إليها باستغراب قائلاً: لماذا تتكلمين معي بهذا الشكل؟ ما الذي حدث؟ مسكت يده وجلست على السرير وجعلته يجلس بقربها.
لامست وجهه، حدقت بعينيه بحنان. اقتربت منه أكثر. دمعت عينيها قائلة: أريد أن أنسى تلك الليلة. لا أقصد أن ننام مع بعض، ولكن إذا تهربنا من هذه الغرفة، لن نتقدم إلى الأمام، لن ننسى الماضي. أليس كذلك؟ يجب أن نواجه الحقيقة. ابتسم بحزن قائلاً: وأنا أيضاً. اقتربت لتقبله، ولكنها توقفت قائلة: اذهب وارتدي شيئاً. ضحك بسعادة قائلاً: أجل، من الأفضل أن أفعل، من الأساس بدأت أتعرق.
ضحكت بخجل واستلقت على السرير، بينما ذهب آدم ولبس سرواله وتيشيرت ونام بقربها. كان قلقاً من النوم على هذا السرير في هذه الغرفة مرة أخرى بعد فعلته التي لا يمكن أن تغتفر. ولكنه لم يتمكن حتى في التفكير، نام بسرعة كبيرة لكثرة تعبه وقلقه وحزنه. بينما كانت ملاك تداعب شعره ووعدت نفسها أنها لن تتركه مهما فعل لاحقاً، مهما كان قاسياً معها، مهما صرخ عليها، غضب منها، ستبقى بقربه ولن تنام بعيدة عنه مهما كان الثمن.
في منتصف الليل، شعرت ملاك بتقلباته التي لم تتوقف. كان يحلم بكابوس، لم يتوقف عن التعرق. لامست وجهه قائلة: آدم، استيقظ. فتح آدم عينيه بقلق قائلاً: ملاك! كان يتنفس بصعوبة. أعطته كأس ماء شربه، ثم استلقى مرة أخرى واستدار إلى الجانب الآخر. أقتربت منه قائلة: ماذا حلمت؟ آدم: لا شيء. دمعت عينيها مضيفة: أخبرني. آدم: لا شيء، لا تقلقي. أغمضت عينيها وحضنته من الخلف بإحكام. حاول الابتعاد، ولكنها مسكته بقوة.
وضعت رأسه على عنقها، هامسة في أذنيه بنبرة هادئة جداً: آدم، دعنا نذهب. آدم: إلى أين؟ ملاك: أي مكان بعيداً عن هنا. آدم أردف بعدم الفهم: ماذا تقصدين؟ ملاك: لا أريد البقاء في هذا البلد. آدم: لم أفهم قصدك. ملاك: كنت ترغب في الذهاب إلى بلدك، دعنا نذهب، ننجب ابننا هناك. دعنا نذهب إلى منزل جدك، أن نعيش هناك. آدم: عائلتك هنا. ملاك: أنت عائلتي.
أغمض عينيه بألم قائلاً: لا يمكن ترك كل شيء والهروب. لا أعرف ماذا تريدين، ولكنني بخير. حلمت بكابوس، كالعادة. هل مل شخص يحلم بكابوس يرحل ويغير بلده؟ ملاك: أريد العيش في بلد عربي، لا أريد البقاء هنا. أن نذهب إلى بلدك، هناك يوجد جدك. أريد أن أرى المنزل الذي كبرت فيه، المنزل الذي ترعرعت فيه، المنزل الذي كنت تلعب فيه. آدم كان ينظر إلى السقف بحزن قائلاً: لماذا لا أرى المنزل الذي ترعرعتِ فيه؟
ملاك: لقد رأيته في باريس، ليس لنا منزل آخر. يوجد ذلك المنزل والقصر هنا، ولا يوجد شيء لرؤيته على ما أظن. لا تريد رؤية والدي ووالدتي. أومأ آدم برأسه قائلاً: أجل، ولكن عملي هنا يا ملاك، اتركيني أنام، أنا متعب. أغمض عينيه، بينما كانت ملاك تلامس ظهره من أسفل التيشيرت. كانت دقات قلبه تتسارع. قبلته في عنقه قائلة: أنا حامل وأريد أن أستنشق هواءً نقياً بعيداً عن هواء المصانع. ابتلع ريقه بصعوبة قائلاً: وما دخل إغراؤك لي بذلك؟
بالإضافة إلى أن الجزائر فيها مصانع يا عزيزتي، ليست مزرعة. ملاك: أعلم، ورأيت الصور، فيها طبيعية نقية. ولكن أخبرني، لماذا لا تريد النظر إلى وجهي؟ آدم: لأني أريد النوم. بقيت ساكتة لبعض الوقت، ثم أردفت بنبرة حزينة: أنت هو الضحية الوحيد، وليس أخاك. استدار بلمح البصر قائلاً: ماذا؟ لامست وجهه قائلة: سمعت كلامك معه. تريد أن تمضي ما تبقى من عمرك تنتقم من نفسك؟
إنه ميت، وهذا لن يتغير. أجل، إنه ضحية انتقام. ضحية كان سببها أبي وعمي وأمي. لن أنكر، وأصبحت غير قادرة على التعامل معهما بشكل جيد. ولكن ماذا عنك؟ ماذا عن زوجي؟ أليس ضحية؟ أومأ برأسه: لست كذلك. ضحكت بسخرية قائلة: أجل، ألست أنت من دخل السجن؟ أنت من أخذ منك حلمك وابنك وحبيبتك؟ أصبحت مدمن مخدرات، مافيا، قاتل؟
أصبحت حزيناً، حياتك كئيبة. لا تعرف ماذا يعني حب. لا تعرف ماذا يعني حنان الأم. عندما أحببت امرأة، علمت أنها ابنة الرجل الذي خطف شقيقك وقتل شقيقك وابنك. وعندما انتقمت من الذي كان السبب، أنقذت المرأة التي خطفت شقيقك. عثرت على الرجل الذي كان سبباً في موت ابنك وأخيك؟ جلست بحضن المرأة التي تذكر...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!