مراد فضل يدور بتوهان على حور، وكان هيتجنن عليها. نزل يدور عليها في الشارع بجنون وركب العربية، وكان بيراقب الشوارع بخوف شديد.
وأنا كنت مترددة وأنا داخلة على بيت أبويا. معرفش أخش عليه إزاي، وإزاي أبص في عينه ولا أبص في عين أمي. مش هعرف أديلهم وش حتى. خبطت عليهم وفتحوا الباب وهما مستغربين وجودي. أبويا اتكلم باستغراب وشك:
_ حور!!
لما نطق اسمي حسيت بوخزة في قلبي. مش عارفة أعترف بالحقيقة إزاي. دموعي كانت محبوسة وعيني كانت قلقانة من نزولها. اتكلمت بابتسامة:
_ أيوه، مستغربين ليه؟ انتوا وحشتوني وقولت أرجع أقعد أسبوع عندكم.
أبويا بضيق:
_ ودراستك ومذاكرتك وقعدتك في السكن بفلوس؟ هضيعي عليكي الشهر اللي دافعاه؟ ارجعي تاني زي ما كنتي، ولما تخلصي بقية الشهر تعالي.
سمعت كلمته من هنا وكنت كاتمة الوجع والقهر من كلامه. معقولة أنا عبء عليهم للدرجة دي؟ مش قادرين يستحملوني.
قولت بحزن:
_ يعني أمشي يا بابا؟
اتكلم بضيق:
_ أها، خدي بعضك وارجعي. أنا مش برمي فلوسي على الأرض وفي الآخر تتصرمحي.
ابتسمت بحزن وقولت:
_ طيب يا بابا.
ماما جت تشدني وقالت:
_ في إيه يا عاصم؟ بتتكلمها ليه كده؟ دي بنتك وجاية تزورني وهي وحشتني. تعالي يا بت.
خدتني في إيدها وأنا قلبي فرح شوية.
بابا زعق:
_ وقال لازم تمشي يا منال! أنا مش دافع بدم قلبي وفي الآخر تيجي تقعد هنا؟ هو أنا فلوسي حرام يا جدعان؟ ارجعي يا بت مكانك.
أمي بصوت جامد:
_ مش هتمشي. بنتي هتقعد هنا شوية خلاص. البنت عايزة تفك عن نفسها، فيها إيه؟ خشي يا حور على أوضتك يا قلب أمك.
عاصم بضيق:
_ طيب يا منال. هو الدلع ده اللي هيضيعها. شيلي شيلتها بقى وادفعي الشهر الجاي. أنا مش دافع حاجة. يلا أنا همشي.
وبعدين مشي. وأنا دموعي نزلت غصب عني. كنت بحسب وجودي هيفرحهم، بس طلع العكس اللي يوجع القلب.
عدى يوم وأنا مخبية سر ممكن أتفضح بيه وهيمسح بكرامتي الأرض. إزاي أقولهم إني متجوزة؟ حتى لو قلت الحقيقة محدش هيصدق.
مراد راح القسم وطلب يقابل شيماء، صحبتي. وفعلاً شيماء دخلت مكتب الظابط ورفعت حواجبها وقالت بسخرية:
_ هو حضرتك يا دكتور ظابط ولا إيه؟ غريبة، كل شوية أسمع إنك موجود هنا.
مراد اتنهد وقال بجدية:
_ سيبك من الكلام ده كله. أنا عايز أسأل سؤال وانتِ تردي عليه بإجابة ومن غير نقاش.
شيماء بخبث وقالت:
_ على حسب يا دكتور والله. أصل مفيش حاجة ببلاش.
مراد قفل عينيه بغيظ وعصبية وقال:
_ طيب صاحبتك حور، متعرفيش هي ممكن تكون فين؟
شيماء ببرود:
_ وأنا أعرف منين؟ مشوفتهاش. ما أنت شايفني قاعدة في القسم.
مراد بخنقة وقال:
_ طيب ممكن تكون فين؟ تعرفي عنوان بيتها؟
شيماء بخبث وسخرية:
_ وقالت شكلك مهتم بيها أوي يا دكتور. هي البت دي عملتلك غسيل في مخك عشان تكون مهووس عليها بالشكل ده؟
مراد بغضب:
_ متخلنيش أخرج عن شعوري. ردي على السؤال، عارفة عنوان بيتها ولا لأ.
شيماء اتنفضت من العصبية اللي شافتها في عينه، بس فضلت متمسكة بخبثها وقالت:
_ هقولك بشرط. خرجني من هنا. أنا كدا كدا مش عايزة أعرف اللي حصلها. واهي الدنيا فرص وفرصتي إنك تخرجني.
مراد بشك وضيق وقال:
_ واللي يضمني إنك هتقولي عنوانها صح؟
شيماء قربت منه بخطوة صغيرة ونظرتها كلها خبث وقالت بنبرة واطية فيها تلاعب:
_ ما أنا لو كذبت عليك... هتلاقيني تاني هنا... مش هطير يعني. بس لو قولتلك العنوان وانت مطلعتنيش... ساعتها تبقى ضيعت عليا الفرصة وعلى نفسك كمان.
ضحكت ضحكة خفيفة وقالت:
_ بصراحة... حور دي محظوظة. وكل ما تتزنق تلاقيك بتجري وراها كأنك ملبوس. طب وأنا؟ محدش بيهتم بيا ليه؟
مراد بص لها بنظرة كلها قرف وقال بحدة:
_ انتِ فعلاً محتاجة تتعالجي. قولي العنوان قبل ما أعمل فيكِ حاجة تندمي عليها.
شيماء لوت شفايفها وقالت:
_ طيب طيب، متعصبش. بص... هي ساكنة في الهرم... مش في حتة فخمة ولا حاجة. في شارع هادي كده جنب شارع العريش. اسمه شارع خالد بن الوليد. تقريبا الدور التاني في عمارة قديمة شوية.
مراد شد نفسه وقال:
_ انطقي الكلام صح. مش فاضي للف.
شيماء ببرود:
_ والله ده اللي أعرفه. هي قالتلي بتفاصيل زي ما قولتلك.
وقال بجفاف:
_ لو طلعتي بتلعبي... والله هخليكي تتحبسي في زنزانة تنسي فيها اسمك.
شيماء رفعت إيدها وقالت بسخرية:
_ أهو قولت... والباقي عليك. لو لقيتها متنساش وعدك!
كنت قاعدة في الأوضة بذاكر، لاقيت بابا بينادي عليا. وأنا روحتله بتعبير ثابت. وقالي اقعدي عايزك في كلمتين. قولت باستغراب:
_ في إيه يا بابا؟
لاقيتـه اتنهد بتمهيد وقال:
_ أنا عارف إن شديت عليكي، بس كل ده بعمله عشان مصلحتك. ومش عايز غير إني أشوفك واحدة متعلمة ومعاكي شهادة كويسة تضرب عين التخين وترفعي راسي أنا وأمي.
ابتسمت ابتسامة باهتة:
_ وقولت أنا عارفة يا بابا، فاهمة قصدك. استحالة أضايق منك.
لاقيتـه ضحك بتوتر وجمع شجاعته وقال:
_ طيب أنا كنت عايز أطمن عليكي أنا وأمك ونضمن إنك تعيشي مبسوطة مع واحد كويس ابن حلال يصون شرفك وعرضك ونبقى مأمنين روحك معاه.
قلبي وقع في رجلي، ووشي شحب فجأة. واتلخبطت ملامحي من الصدمة. حاولت أرد بس الكلام وقف في زوري. وقولت:
_ تقصد إيه يا بابا ومين هو؟
قولت كدا وأنا مرعوبة من جوايا. ده لسه حتى ميعرفوش إني متجوزة. ده انتي أيامك الجاية جحيم يا حور.
قالي بهدوء:
_ عز ابن أخويا. راجل مالي هدومه وكويس وهيصونك. وأنا عارف ابن أخويا وعارف أخلاقه وتربيته. وأنا كلمته ومكنش عنده مانع خالص. بالعكس كان فرحان بالفكرة.
قمت من مكاني وأنا مش قادرة أستوعب. إزاي يتكلموا من ورايا؟ وإزاي أوافق وأنا... متجوزة؟
قولت بصوت مهزوز:
_ بس... بابا... ده قرار كبير. وأنا مش جاهزة خالص.
أبويا اتعصب وقال:
_ يعني إيه مش جاهزة؟ إحنا بنقولك عريس زي الدهب. مش بنرميكي في الشارع! ولا انتي في دماغك حاجة؟
سكت. وعيني دمعت وأنا بتكلم بصوت خافت:
_ لا... مفيش حاجة. بس الموضوع جالي فجأة.
أمي دخلت في الكلام وحاولت تهدي أبويا:
_ استنى عليها يا عاصم. البنت لسه راجعة من تعب. نديها وقت تفكر.
أبويا قال بحزم:
_ هستنى إيه؟ أنا كلمت الواد وقالي إنه جاي بكرة يشوفها ويقعد معاها. مش هينفع أرجع في كلامي.
قولت بدموع:
_ إزاي تاخد خطوة زي كدا من غير ما تعرفني؟ وكمان مجهز الحوار انت وابن اخوك من غير ما اعرف ولا تعرفوا رأيي؟
عاصم بحزم وقال:
_ أنا قولت اللي عندي. بكرة هتقعدي معاه وهو جاي لوحده عشان يقعد معاكي.
وبعدين قام وهو غاضب. وأنا قمت دخلت أوضتي وفضلت ألطم بالصمت. وقولت بصوت واطي متحشرج:
_ يلهوي هعمل إيه؟ هعمل إيه؟ يارب أنا كدا الحيطان زنقتني. هقولهم إيه؟ مش هينفع أوافق عشان متجوزة!!!
وبعدين لطمت على وشي وقولت:
_ يخربيتك يخربيتك انتي خلاص انتهيتي. رميتي نفسك في النار يا حور. شاطرة. ربنا يستر.
وبعدين لطمت على وشي كتير وقعدت على الأرض فضلت أعيط بالصمت.
تاني يوم.
صحيت على صوت أمي وهي بتخبط عليا:
_ صحي يا حور... الواد عز وصل وقاعد مع أبوكي في الصالون.
حسيت بـإزاز في بطني بيتكسر. قمت من مكاني ووشي مصفر. ومش عارفة أتنفس.
قلبي بيدق بسرعة. وإيديا بتترعش وأنا بلبس لبسي وبجهز نفسي.
خرجت من الأوضة وخطواتي بطيئة. وكأني ماشية على شواك.
قربت من الصالون. وشميت ريحة القهوة.
وسمعت صوت أبويا وهو بيضحك وبيقوله:
_ نورت يا عز والله... حور هتيجي تقعد معاك دلوقتي.
دخلت وأنا راسي في الأرض. وقلبي بيقول خلاص. كدا انتهيت.
أول ما عيني قابلت عينه. لاقيته بيبصلي بنظرة تحمس. نظرة فيها ابتسامة لطيفة. روحت قعدت معاه على الكنبة وقالي:
_ بابتسامة على فكرة أنا لسه فاكرك. انتي حلوة أوي يا حور.
ابتسمت بتوتر وقولت:
_ شكرا.
بصلي باستغراب:
_ وقال شكرا، ماشي يا ستي. لسه لما نقعد كتير هنتعود على بعض ونعرف بعض أكتر.
وفي وسط وأنا قاعدة سمعت خبط جامد. اتنفضت من مكاني بلا إراديا. كنت لسه أقوم أشوف مين. بابا قعدني وقالي أنا هفتح. فضلت أعض في شفايفي بخوف. لأن عارفة إن مراد مش هيسبني بعد اللي عملته في بابا. فتح الباب. كانت تعبيرات وشه مش ناوي خير خالص. لاقيت بابا مستغرب وقال:
_ انت تعرف حور بنتي؟
سمعت كدا ولاقيت قلبي وقع في رجلي. وشوية كان هيغمى عليا من الخوف. وقولت في نفسي: يا يومك مش فايت يا حور.
مراد دخل البيت ووشه غضبان. ولاقاني قاعدة مع ابن عمي. لاقيته شافني كدا الدم فار في عروقه بغضب وقال بسخرية:
_ معقولة مراتي بتتجوز تاني؟ طب إزاي؟
شهقت بخوف:
_ وقولت بتوتر: مراد؟
عز اتجمد في مكانه. وبصلي بصدمة وهو بيكرر الكلمة ببطء:
... مراتك؟