الفصل 15 | من 29 فصل

رواية جحيم الغيرة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اماني سيد

المشاهدات
22
كلمة
1,741
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

طرقت وفاء الباب بخفة. صوت الطرق كان هادي، لكن مليان اهتمام. ماكانش في رد. ففتحت الباب ببطء، ولقت ابتهال نايمة على ظهرها، عيونها مفتوحة لكنها ساكتة كأنها بتتفرج على السقف بدون تركيز. دخلت وفاء بهدوء، وقربت منها، قعدت على الكرسي جنب السرير، وقالت بنبرة ناعمة: ـ ازيك يا ابتهال. ابتهال ما ردتش، لكن رمشت بعينيها كأنها بتقول: "فى عالم آخر منفصل عنهم."

وفاء بصت لها بشفقة ناعمة، مش شفقة ضعف. شفت في ملامحها طفلة كبيرة، مشتاقة لحضن، لكن تعبها مخليها مش قادرة تمد إيدها لحد. قالت وفاء بلطف: ـ عارفة إنك تعبتي... بس أنا هنا عشان أسمعك، من غير ما أحكم، ومن غير ما أضغط. أنا مش خطيبة عمران. أنا دكتورة وفاء، دكتورة نفسية. عمك طلب مني أساعدك تتخطي الماضي اللي أنا عارفة إنه صعب عليكي تتخطيه. عشان كده أنا موجودة أسمعك وأساعدك.

لم تجب عليها ابتهال. ظلت صامتة ولكن سقطت الدموع من طرف عينيها. اقتربت منها وفاء ومسحت دموعها برفق وضغطت على يدها بحنية. ـ ابتهال أنا عارفة إنك سمعاني كويس بس انتي مش عايزة تتكلمي. أنا عايزة أقولك إن الكل هنا بيحبك. مامتك بتحبك ومنهارة عشانك أوي. عمران بيحبك أوي وهيموت من الخوف عليكي هو كمان. وعمك حزين جدا، نفسه تبقى زى زمان أيام ما كنتي قاعدة معاهم. وفردوس أختك بتحبك أوي على فكرة وكانت بتعيط عشانك.

كلهم بيحبوكي يا ابتهال بس بطريقة غلط. نظرت لها ابتهال بطرف عينيها ثم عادت كما كانت، كأنها بتقول لها: "دول كلمتين انتي حافظاهم جاية تسمعيهم. لو ده الحب يبقى الكره عامل إزاي." أكملت وفاء حديثها بتأني: عارفة يا ابتهال مشكلتك إيه؟ إنك قوية وذكية زيادة عن اللزوم. وناجحة وجميلة. فيكي كل الصفات الحلوة. والإنسان الناجح اللي بيعتمد على نفسه بتلاقي الكل دايماً بيسند عليه. ولو وقع الكل هيقع معاها.

هقولك على حاجة. أنا مامتي كانت قوية جدا زيك كده والكل معتمد عليها في كل حاجة. محدش بيعمل حاجة من غيرها. لما تعبت مكناش مصدقين. كنا تايهين مش عارفين نعمل إيه. اللي بنعتمد عليها وقعت. بقينا زي المجانين بنلف حوالين نفسنا وهي في وضع مش هتقدر تساعد نفسها ولا تساعدنا. مكناش مصدقين إنها تعبانة أصلاً. لا بقينا نعرف ناكل ولا نخرج ولا نعمل حاجة. حتى خدمتها مش عارفين. وجبنا ممرضة عشان تخدمها وتراعيها.

إحنا كنا بنحاول بس كنا ضعاف أوي. حتى بابا اللي كنت فاكراه قوي كان يقعد جنبها يعيط مش عارف يعمل إيه لأنها ببساطة عودتنا تعمل كل حاجة. ويوم ما توفت بابا مات بعدها من الحزن وأخواتي تعبوا وأنا اكتئبت. ومن بعدها قررنا نعتمد على نفسنا. ومش بس كده نربي أولادنا إنهم يعتمدوا على نفسهم. والحمد لله أخويا دكتور قلب وأختي مدرسة وأنا دكتورة أمراض نفسية وعصبية. ونظرت في عيون ابتهال نظرة مليانة حنان حقيقي، وقالت بنبرة أهدى وأحن:

ـ انتي مش غلطانة يا ابتهال، انتي بس اتحطيتي في دور أكبر من عمرك، والدنيا ما ادتكيش فرصة تكوني ضعيفة لحظة. ابتهال بصت لها، عيونها كانت مليانة دموع، لكن دمعة واحدة هي اللي نزلت. زي نقطة الحبر اللي بتلطخ ورقة كانت بيضا. ولكنها ما زالت صامتة لم تتحدث، مما جعل وفاء تكمل حديثها: ـ ابتهال أنا بشتغل في مركز علاجي حلو جدا. إيه رأيك تيجي أسبوع تغيري جو وتبعدي عن هنا؟

لم تجب عليها ابتهال. فاعتبرت عدم رفضها في حد ذاته موافقة. وقررت أن تبلغ والدتها وعمها حتى يسمحوا لها بالذهاب معها لذلك المركز. خرجت وفاء من غرفة ابتهال، وجدتهم جميعاً في الصالة. وعمران واقف ساكت، بيبص لوفاء كأنه مستني حكم نهائي. قالت وفاء بهدوء: ـ ابتهال وضعها بيسوق وأنا محتاجة أنقلها مركز علاجي. وقفت ابتسام بتوتر: ـ لأ يا دكتورة أنا مش موافقة. مش للدرجة دي. أنا هتكلم معاها وأفهمها كل حاجة.

ـ مدام ابتسام خلينا متفقين على حاجة. حضرتك لو قعدتي من هنا لعشر سنين قدام تقنعيها إنك اتغيرتي وبتحبيها استحالة تصدقك. تحدث جبران بخوف حقيقي عليها: ـ طيب آخدها عندي في البيت ترتاح وتهدى. آمن عمران على حديث والده: ـ للأسف ابتهال حالياً وضعها صعب جداً جداً وممكن حقيقي تعمل حاجة في نفسها لو ما بدأناش معاها في العلاج فوراً. عمران أنا عارفة إنك مكنتش تقصد بس رجوعك خلاها تفتح كل القديم وترجع تتذكر كل حاجة حصلت لها زمان.

مقدرتش تستحمل وبدأ التعب ده يظهر على جسمها. وزاد الطين بلة زي ما بتقولوا. مواجهتها النهاردة مع مدام ابتسام. تنهدت ثم استكملت حديثها: ابتهال ذكية وكل كلمة بتتقال وكل موقف بيترجم في دماغها بطريقة انتوا مش متخيلينها. عشان كده ممكن لو حاولتوا تساعدوها من غير ما تقصدوا هتكملوا عليها وتوصلوها لمرحلة أتمنى فعلاً إنها ما توصلهاش لأنها ممكن تنتحر. كانت تسمع فردوس حديث وفاء بملامح مبهمة جعل وفاء تركز في تفاصيلها.

لا يبدو عليها أي مشاعر أو تعابير للوجه. هل هي حزينة على أختها؟ أم شامته بها؟ هل تتمنى مساعدتها وشفائها أم ما فعلته معها ابتهال جعلها لا تشعر بشفقة تجاهها؟ ظلت وفاء تحدق في فردوس لثواني طويلة. عيونها بتدقق في ملامح متماسكة بشكل مريب. ما فيش دمعة، ما فيش رجفة، حتى رمشة عينها محسوبة. ـ وفاء (بصوت داخلي) : "هي فين المشاعر؟ لو دي أختك اللي بتنهار... فين خوفك؟ ولا... الخوف مش في القايمة أصلاً؟! قاطع صمت الغرفة صوت عمران،

وقال بانفعال مكتوم: ـ طيب يا دكتورة... لو هي وافقت تروح، انتي هتبقي معاها؟ أنا عايز أطمن... مش عايز أحس إني سلمتها لحد وأمشي. وفاء أومأت بثقة: ـ هكون معاها من أول لحظة، ومش هسيبها إلا لما تبقى قادرة تمشي على رجليها من تاني، بنفسها. ابتسام قالت بخفوت، صوتها مكسور لكن مليان خوف دفين: ـ انتي بتقولي إنها ممكن تنتحر؟ يعني... للدرجة دي؟! ـ مدام ابتسام... ابتهال وصلت للحافة، وكل اللي ناقصها "دفعة صغيرة" من الوجع...

وتطيح. لو بتحبيها بجد... وافقي تديها فرصة تعيش. سكتت الغرفة من جديد. صوت أنفاس متلاحقة، وتوتر بيتكهرب في الجو. وفاء رجعت تبص لفردوس، اللي كانت واقفة جنب الحيطة، عاملة نفسها مش سامعة، لكن كانت بتقلب في تليفونها بهدوء مصطنع. قربت منها وفاء، وقالت: ـ انتي بتحبي أختك... صح؟ رفعت فردوس نظرها، نظرة خالية من الانفعال، وردت بنبرة محايدة: ـ أكيد... أختي يعني. وفاء ابتسمت، ابتسامة باردة: ـ مستنياكي تورينا. مدى حبك لأختك.

نظرت فردوس لها نظرة غريبة. نصها تحدي. نصها لامبالاة. ثم قالت: ـ لو في مصلحتها تروح... خليها تروح. كأنها خلعت الموضوع من على كتفها، وأعطت الضوء الأخضر. مش بدافع الحب، لكن كأنها بتقول: "خلّصونا من الفيلم ده." وفاء تبادلت نظرة سريعة مع جبران، ثم قالت بصوت منخفض: ـ لازم تتحضر. هكلمهم يجهزوا مكان. وبالفعل دخلت زفاء مرة أخرى لتساعدها في تبديل ملابسها وقامت بوضع أغراضها الأساسية داخل حقيبة ملابس.

انتهت وفاء من تجهيزها وأخذتها بعد ذلك للمركز حتى تبدأ علاجها. وقام عمران بإيصالها هو وجبران ليطمئنوا عليها. وقرر جبران بعد صراع مع ابنه بتولي هو جميع النفقات، فهو يرى نفسه المسؤول عنها. في منزل ابتسام كانت فردوس تجلس في غرفتها ممسكة بهاتفها. أمامها رقم ياسين. قامت فردوس بالاتصال على ياسين أكثر من مرة وأجابها ياسين ببرود: ـ خير يا فردوس نازلة "زن زن" عايزة إيه؟ ـ تصدق أنا غلطانة. كنت عايزة أقولك آخر أخبار حبيبة القلب.

ـ ابتهال مالها ابتهال؟ ابتسمت بسخرية وتحدثت بشماتة مع ياسين: ـ هو انت معرفتش؟ إنها طلعت مجنونة واتحجزت في مستشفى أمراض عقلية. ثم ضحكت بصوت عال. اللي بعتني عشانها طلعت مجنونة. ثم أغلقت الهاتف. حاول ياسين الاتصال بها مراراً وتكراراً لكنها أغلقت الهاتف. شردت فردوس أمامها بتحد وقررت أن ترد لها الصاع صاعين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...