حاول عمران تهدئتها والسيطرة عليها، لكنه لم يستطع. كانت تنفجر لأول مرة، وكأنها تخترق جدران الصمت اللي بنته سنين. صرخت وهي تشير إلى قلبها: ـ اسكت ماتحاولش تسكتني انت فاهم ... مش عايزة حد منكم يعمل إن قلبه عليا انتوا فاهمين. نظرت لابتسام بقهر وخزلان: ـ انتي عارفة سر تغييرك ده إيه؟ مش إنك مرة واحدة حسيتي بالذنب ولا إنك مقصرة مع إن ياما الناس كلمتك. انتي كلام وفاء خطيبة الأستاذ... وأشارت لعمران: ...
دخل جواكي وخلاكي تفكري في مصير فردوس لو جرالك حاجة هتعملي إيه من بعدك. فقولتي إيه أصلح بينها وبين أختها عشان لو جرالي حاجة تلاقي اللي يسندها ويبقى كده سبتي لها ورثك ومعاش يعيشها حلو. وفوق ده كله أخت تاخد بالها منها وتحميها... وأهو تبقى استفدتي مني بحاجة. صمت المكان من وقع كلماتها، ثم أكملت وهي بتبص لابتسام بمرارة: ـ وأنا إيه؟ ورقة تأمين؟ خطة احتياطية لفردوس؟ أنا اللي طول عمري بتشحت حضنك... دلوقتي فجأة بقيت مهمة...
علشان تنامي وإنتي مطمنة إن بنتك هتلاقي اللي يشيلها لو انتِ ماشية؟ سحبت نفس مرتعش وقالت بضحكة مكسورة: ـ تبقى ماشية الحياة صح؟ فردوس تفضل مدلعة طول عمرها... وأنا... أكون اللي يسندها؟ اللي أشيل؟ أنا اللي كنت بشيل نفسي بالعافية! نظرت لعمران نظرة سريعة ثم قالت: ـ فهمت وعرفت إيه سر تغيرها المفاجئ. طيب حتى كنتي اصبري لما أرجع أقف تاني على رجلي تاني.
لكن انتي مستعجلة فاكرة إنك لما تقولي كده هجري عليكي وأقولك آه ننسى الماضي ونمحيه. نظرت لوالدتها، والغصة في صوتها بتكتم أنفاسها، وقالت بمرارة: ـ حتى لما قررتي "تصلّحي"، ما فكرتيش أنا مستعدة ولا لأ... ولا إن رجلي لسه مش ثابتة... كنتي مستعجلة عشان تخلصي ذنبك... مش عشاني! ثم نظرت حواليها وقالت بصوت باهت: ـ عارفة لما حد بيقع في حفرة؟ مش أول حاجة يعملها إنه يبتسم ويحضن اللي رماه فيها... هو بيحاول يطلع الأول... يلاقي نفسه.
رجعت تبص لابتسام وعيونها مليانة خذلان: ـ لما أوقف تاني... لو أوقفت... ساعتها يمكن أفكر. لكن دلوقتي؟ أنا لسه واقعة... ومش عايزة إيد تمدلي... عايزة حد يفهم أنا وقعت ليه. ثم بصت لعمران، وقالت بصوت أخف: ـ حتى إنت... كنت مستعجل ترجعني، من غير ما تسألني أنا واقفة على رجلي فعلاً؟ ولا لسه بتسند على الحيطان علشان ما أقعش تاني؟ صمت تام في المكان. كانت خلاص بتلف عشان تمشي... لكنها وقفت، وبصت لفردوس... نظرة طويلة، مش فيها كره...
لكن فيها وجع من نوع تاني. قربت منها خطوتين، وقالت بصوت هادي لكنه مشحون: ـ عارفة يا فردوس... وأنا صغيرة، كنت كل ليلة بدعي ربنا... إنكم تبصولي زي ما بتبصولك. تحبوني زي ما بتحبوكي. كنت ببص لماما وهي بتحضنك وأقول: هو أنا مش بنتها برضو؟ رمشت بعينيها ومسحت دمعة على عجل، وقالت: ـ أنا ماكرهتكيش يا فردوس... بس عمري ما حبيتك. لأنك كنتِ السبب في كل مرة كنت أتحرم فيها من حاجة بحبها. نظرت لها نظرة مكسورة، وقالت بصوت
منخفض بس كل حرف فيه بيقطع: ـ عارفه أنا ليه مادخلتش الكلية اللي كنت بحلم بيها؟ علشان "فردوس مش عايزة الناس تقول أختها أحسن"، "مش وقتها دلوقتي"، "خليكي جنب أختك". ونسيتوا إن عندي حلم... صوت... حياة. شهقت شهقة مكتومة، وبعدين كملت: ـ حتى الشخص اللي حبيته... انتي خدتيني منه. مش بإيدك يمكن... بس وجودك لوحده كان كفاية يطفيه ناحيتي. كنتِ دايمًا الأنعم... الأهدأ... البنت اللي محتاجة تتحب. ضحكت ضحكة فيها مرارة وقالت: ـ وأنا؟
أنا اللي المفروض أتحمل. أشيل. أسندك وإنتي بتقعي... بس محدش سأل نفسه: وأنا؟ أنا بوقع من إمتى؟ ثم نظرت في عينيها مباشرة وقالت: ـ مافيش بينا غيرة يا فردوس... في بينا فرق. فرق اتخلق من بدري، وكبر بينا، وأنا فضلت أعدّي عليه لوحدي... لحد ما خلاص... بقى حاجز. ثم همست بنبرة موجعة: ـ أنا آسفة إن اللي جوايا ما طلعش إلا دلوقتي... بس لو ساكتة طول العمر... ما كنتش هلاقي نفسي أبدًا. عم السكون بعد كلمات ابتهال.
ابتسام حاولت تفتح بقها، صوتها طلع مهزوز: ـ ابتهال يا بنتي أنا... لكن قبل ما تكمل، عمران رفع إيده قدامها بسرعة وقال بحدة هادية: ـ لا، من فضلك... مش دلوقتي. بص لها بنظرة كلها عتاب وكأن لسان حاله بيقول: "كفاية اللي فيها". ثم التفت لابتهال، كانت واقفة ووشها شاحب، عينيها حمرا، إيدها بتترعش وهي بتحاول تحافظ على تماسكها... لكنها كانت بتنهار حرفيًا. اقترب عمران منها خطوة وقال بهدوء خائف: ـ ابتهال... تعالي نقعد شوية.
لكنها هزت راسها بقوة، تركته وذهبت. مد إيده ناحية كتفها بحذر، لكنها انسحبت خطوة وقالت بصوت مبحوح: ـ سيبني يا عمران... أرجوك. ابتسام وضعت يدها على صدرها وهي تحاول كتم بكاءها. نظرت لفردوس اللي كانت مصدومة وعاجزة، لكن عمران وقف حائل بينهم، صلب، وقال بهدوء حاسم: ـ كفاية. كل كلمة دلوقتي هتوجع أكتر. سيبوها... على الأقل المرة دي... خلوها تختار، مش تتفرض عليها حاجة.
كانت خطواتها متكسرة وهي بتتجه لغرفتها، إيدها بتسند على الحيط بهدوء، بس واضح إنها فقدت كل طاقتها. وصلت لباب غرفتها، مدت إيدها عشان تفتحه... لكن فجأة، كل حاجة بدأت تتهز قدام عينيها. الصوت اتوهن، الصورة اتشوشت... الدنيا بقت سودا. كادت تفتح الباب، لكن ركبتها خانتها، ووقعت بكل ثقلها على الأرض، وارتطم جسمها بالبلاط البارد. شهقت شهقة صغيرة، ثم انطفأ كل شيء. صرخت فردوس: ـ ابتهال!! وصرخت ابتسام بارتباك مرعوب: ـ ابتهال!!
بنتي!!! يا عمران بسرعة!!! ركض عمران نحوها، جثى بجوارها، قلبه بيرفرف من الرعب، رفع رأسها بحذر، لمس وجهها وجدها باردة. حملها ووضعها في غرفتها. في نفس اللحظة وصل جبران ومعه وفاء. استغرب عمران من وجود أبيه في ذلك الوقت لكن لم يكن هناك وقت للاستغراب. دخلت وفاء غرفة ابتهال وأعطتها حقنة مهدئة وأخبرتهم انها ستيقظ بعد فترة وعليها ان تتحدث معهم أولا.
قررت في البداية ان تتحدث مع ابتسام بمفردها لانها السبب الرئيسي لما وصلت اليه ابتهال. دخلوا غرفة ابتسام وجلست ابتسام تبكي. طلبت وفاء من فردوس صنع كوبا من الليمون حتى تحاول تهدئتها. بتكسب لحظة هدوء لابتسام. أغلقت وفاء الباب، ثم سحبت كرسي وجلست أمام ابتسام، وانتظرت لحظات بصبر، لحد ما صوت بكاءها بدأ يهدأ. قالت وفاء بنبرة ناعمة لكنها مباشرة: ـ انتي أم، مش كده؟ ابتسام هزت راسها ببكاء مكتوم: ـ آه... وأم فاشلة كمان. وفاء
مالت للأمام شوية وقالت: ـ بلاش فاشلة خلينا نقول أخطأت خطأ كبير. رفعت عينيها نحو وفاء، نظرة فيها ذنب وخجل، وقالت بصوت ضعيف: ـ ماكنتش أعرف إن ابتهال موجوعة كده... أنا كنت فاكرة إنها قوية... حتى وهي بتضحك كنت بحس إنها متماسكة، بعكس فردوس... فردوس دايمًا محتاجة حضني، محتاجة كلمة... ابتهال عمرها ما طلبت مني حاجة. وفاء ابتسمت بحزن وقالت: ـ وانتي كنتي فاكراها مش بتطلب لأنها قوية... لكن الحقيقة؟ هي بطّلت تطلب عشان يأست.
ابتسام غطت وشها بإيدها وقالت: ـ أنا ظلمتها... حرمتها من حاجات كتير. كانت بتحب الكلية دي... وكانت بتحب... الشخص اللي اتجوز أختها... وأنا اللي وافقت... وأنا اللي ضغطت. سكتت لحظة وقالت: ـ عمرها ما اشتكتلي... بس دلوقتي... نظرتها ليا كانت زي الطعنة. وفاء تنفست بعمق، وقالت بهدوء شديد: ـ اللي بينك وبين ابتهال محتاج سنين تتبني من جديد. بس البداية مش بالكلام... البداية بالفعل.
ـ انتي غلطتي غلط كبير جداً لما كلمتيها في وقت زي ده... والغلط الأكبر إنك مراعتيش حالتها الجسدية والنفسية. المفروض كنتي كلمتيني قبل ما تتكلمي معاها كنت هقولك استني. اقفي جمبها... ماتحسسيهاش إنك وافقة جمبها بمقابل انها تقف جمب اختها وتكون سند ليها. والاهم... إنك لازم تعرفي وتفهمي إن ابتهال مش سند لفردوس. هما الاتنين سند لبعض. ماينفعش تبدأي معاها وتحاولي تتغيري وانتي من جواكي لسه ماتغيرتيش إلا إذا... ـ إلا إذا إيه؟
ـ إن كلام ابتهال صح وانك فعلاً بتقربي منها عشان تشيليها مسئوليه اختها... مدام ابتسام اقفي مع نفسك الأول. سكتت وفاء لحظة، وهي بتبص لابتسام اللي كانت باصة في الأرض، مكسورة وحزينة. بعدين رفعت صوتها سنة بسيطة، وبنبرة أكثر حزم قالت: ـ مدام ابتسام... اقفي مع نفسك الأول. اسأليها: أنا ليه عايزة أرجع بنتي؟ علشان بحبها فعلاً؟ ولا علشان خايفة على التانية لو جرالي حاجة؟ رفعت عينيها بثبات وقالت: ـ الحب اللي وراه مصلحة مش حب...
وإبتهال حسّت ده... وشافت نيتك من غير ما تتكلمي. ابتسام حاولت تتكلم، لكن صوتها كان مبحوح: ـ طب أعمل إيه؟ أبدأ منين؟ أنا حاسة إني فقدتها خلاص. وفاء ردت بهدوء، لكن نبرتها فيها عمق: ـ تبدأي من السكون... من إنك تقعدي معاها وما تقولييش حاجة. ما تعتذريش... ما تبرريش... اسمعيها... واسأليها مرة وحدة: تحبي تقوليلي إيه؟ وساعتها... ما تقاطعيهاش. سكتت لحظة، ثم قالت بحنان عميق: ـ أوقات بنتك مش محتاجة منك حضن...
محتاجة منك تكوني إنسانة. واعية، سامعة، شايفة، مش بس أم بتدي وتاخد... لكن قلب مفتوح. في اللحظة دي... دخلت فردوس بهدوء، حاملة كوب الليمون، عيونها فيها خوف وارتباك، لكنها ما قالتش ولا كلمة... قدّمت الكوب لوفاء، ووقفت تنتظر... لكن وفاء بصتلها وقالت بهدوء: ـ سيبيه على الترابيزة... وتعالي بعدين، هنتكلم انتي وأنا كمان. فردوس نظرت لوالدتها، وبعدين خرجت في صمت...
وابتدام كانت لسه قاعدة مكانها، وكل كلمة من وفاء كانت زي المراية اللي بتخليها تشوف نفسها للمرة الأولى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!