الفصل 28 | من 29 فصل

رواية جحيم الغيرة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اماني سيد

المشاهدات
19
كلمة
2,728
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

فتحت ابتهال البار لتتفاجأ بوجود فردوس أمامها. لم تأخذ الفرصة لتسأل فردوس عن سبب الزيارة، فوجدت أبناء فردوس يذهبون إليها مسرعين ويضمونها. "خالتو وحشتينا قوي." ابتسمت ابتهال وقامت بضمهم أيضاً. "إزيكم عاملين إيه؟ وحشتوني قوي." "وإنتي كمان... إحنا قولنا لماما إنك وحشتينا فقالت: البسوا وهاخدكم تشوفوا خالتكم." "تعالوا ادخلوا طيب." "ها تحبوا تاكلوا إيه حلويات؟ "عايز لبن بالشوكولاتة ومولتو." "حاضر عيوني. وإنت يا صغنن؟

"زي أخويا." "حاضر حالا هطلب الحاجة وهتيجي." اتصلت ابتهال بالسوبر ماركت وطلبت أشياء كثيرة للأولاد، وعندما أتت الأشياء أعطتها لهم. فقاموا يهتفون بفرحة طفولية. ظلت ابتهال تضحك على تصرفهم. رأت فردوس مشاعر الود المتبادلة بين ابتهال وأبنائها، وشعرت بمدى حماقتها في السابق. فلأول مرة ترى أولادها يندمجون في اللعب مع شخص آخر، حتى معها.

قعدت فردوس جنبهم، وبصت على ابتهال وهي بتضحك مع الأولاد. ولأول مرة، قلبها كان هادي. ما كانش فيه نار الغيرة اللي كانت بتحرقها دائمًا، ولا الصوت اللي بيزن في ودنها: "خدي بالك… هي تاخد مكانك؟ الصوت ده… سكت. المكان كان مليان دفء. بصّت على ابنها وهو قاعد في حضن ابتهال، وشافت حاجة كانت ضايعة منها: حب الأخت والاحتواء، وإن الأخت هي أم تانية. "ليه ما كانش كده من زمان؟

"ليه سيبتنا نضيع العمر في خصام وغِل بدل ما نربّي أولادنا على حب بعض؟ سنين ضاعت وصعب تتعوض. والاغرب، إزاي ابتهال تقبلت وجود ولادي وقدرت تخليهم يتعلقوا بيها كده؟ للدرجة دي أنا كنت عامية ومش شايفة كمية الحنان اللي عند ابتهال دي؟ بدأت فردوس بفتح حديث مع ابتهال حتى تخف حدة التوتر بينهم. "الولاد متعلقين بيكي قوي يا ابتهال." "هما هاديين ومؤدبين، بس محتاجين يخرجوا كتير لأنهم مش واخدين على الناس."

"منا للأسف مش بقدر أخرجهم لوحدي." "جربي يا فردوس، دول هاديين وهيكونوا مؤدبين معاكي وهيخافوا يبعدوا عنك عشان ما يتوهوش." "هجرب مرة أعمل كده... وغير كده أنا خلاص قدمت للكبير في مدرسة والصغير في حضانة." "تمام حلو أوي." "عايزاهم يبقوا زيك يا ابتهال." بصتلها ابتهال بصدمة، هي ما كانتش متوقعة أبداً إن ممكن فردوس تقول كده أو تتمنى حاجة زي دي. "بإذن الله هيطلعوا أحسن. أهم حاجة خليهم يحبوا بعض ويبقوا سند لبعض."

أومأت فردوس برأسها لابتهال. مر الوقت، وكان الكلام بينهما خفيفًا… كأنهما غريبان التقيا مصادفة على طريق، وتبادلا كلمات دافئة دون أن يدركا أنهما يعرفان بعضهما منذ عمر. لا عتاب، ولا دموع… مجرد نبرات هادئة، تخطو على أطراف أصابعها، كأنها خايفة توقظ الغضب القديم. فردوس (بصوت شبه هامس) : "فاكرة وإحنا صغيرين… كنتي بتحبي تكتبي على الحيط؟ "كنت بكتب اسمي… يمكن كنت عايزة أثبت إني موجودة." "وأنا… كنت بمسح كل حاجة تكتبيها." "ليه؟

"كنت بغير… من كل حاجة بتلمع حواليكي. حتى وإن كانت مجرد حروف على حيطة. تعرفي؟ أنا عمري ما قلتلك "بحبك" وإحنا صغيرين… ولا حتى لما كبرنا. بس أنا بحبك يا ابتهال وغيرتي منك عشان شايفاكي حاجة كبيرة قوي. وتعرفي كمان أنا بقى ليه صحاب وبكلمهم عليكي ونفسي أعرفك عليهم. إنتي متخيلة إن أنا بقى ليه صحاب وزمايل في الشغل؟

سكتت ابتهال، ما كانتش عارفة ترد تقول إيه. السكوت ما كانش تقيل، كان فيه راحة… زي اللي خلص من حمل طويل وشاف الطريق قدامه أخيرًا. فردوس: "ممكن نبدأ من جديد يا ابتهال؟ مش كأخوات… كصاحبات؟ إحنا فشلنا إننا نكون أخوات، خلينى أجرب أبقى صاحبتك ممكن؟ "مش عارفة، خلي الأيام ماشية، يمكن تقدر تصلح الماضي."

مرت الأيام وكانت بتتكرر زيارات فردوس لابتهال، وأحيانًا كانت ابتهال بتروح معاها. شعور ابتهال تجاه فردوس كان مشتت، كانت بتحس إنها ضحية لأهلها زيها، لكن مامتها مش قادرة تسامحها. تواصلت كتير مع دكتورة وفاء اللي دايما كانت بتطلب منها تحاول تسامح عشانها، عشان يكون عندها سلام داخلي. لكن لابتهال الموضوع كان صعب عليها. في منزل عمران: انتهى عمران من تجهيز منزله...

ووقف في النص، يبص حواليه وكأن البيت بقى له روح… بس ناقصه نبض. كل ركن لمسته إيده… وإيدها. جلس عمران على السرير، سند ضهره لظهر السرير، وساب عينه تسرح… وتخيل نفسه واقف على باب الأوضة، شايلها بين دراعاته، وهي مدارية وشها في صدره، بتضحك بخجل، وصوتها واطي: "نزلني يا عمران… أنا تقيلة! ضحك وهو بيبص في عينيها: "تقيلة إيه؟

ده أنا كنت شايلك من غير ما تبقي جنبي… شايلك في قلبي سنين، مستني اللحظة دي." دخل الأوضة وهو شايلها، رجليها بتتمرجح في الهوا، وفستانها الأبيض البسيط بيلمس أطراف الحيطان كأن المكان بيبارك. قرب للسرير، نزلها برفق… وصوته ما نطقش، بس عينه قالت كل حاجة. مد إيده بهدوء، ولمس خدها، كانت إيده دافية، وهي مغمضة عينيها كأنها بتخبّي نفسها فيه. طبطب بإيده على شعرها، وبعدين سحب طرحتها ببطء، وبص لها كأن الزمن وقف، وكل اللي قبله ما

بقاش له معنى. هي مدت إيديها ولفّتها حوالين رقبته، حطت راسها على كتفه، ونفسها لمس جلده بهدوء… قرب منها، وحط جبينه على جبينها، ما بينهم بس أنفاس، ودقة قلب كانت ماشية على اسمه. قرب منها، صوته ساكن، بس عينه بتحضنها. مرر صوابعه على خصلات شعرها، ببطء… كأن كل خصلة فيها حكاية، وهو بيقرأها بلمسته. حرك وِشها ناحيته، ونظرتهم اتقابلت، ثواني… بس تقيلة، زي دقة باب ما بين قلبين.

فاق من شروده على صوت هاتف من ابتهال. ابتسم على خياله وقرر أن يجعل الحقيقة أكبر من الخيال. "أهلاً يا عروسة، لسه كنت بفكر فيكي." "القلوب عند بعضها... السباك خلص خلاص." "آه كده كل حاجة تمام، فاضل يومين بس على فرحنا وهتعيشي معايا في الجنة." "يا خوفى من جنتك." "تحبي أقولك هعمل إيه؟ "اقفل يا عمران سلام." "هو إنتي دماغك كده دايما شمال؟ "دماغي ولا تلميحاتك." "خلاص هانت، فاضل يومين."

في منزل ياسين كان يجلس في غرفة نومه وبجانبه زوجته الجديدة. "بقولك إيه يا ياسين، تفتكر عم طليقتك ممكن يجيب لك العيال تاني؟ "لا، طول ما أنا ببعتلهم فلوس مش هيجيبهم." "مانفسكش تشوفهم؟ "أنا لا بتاع خلفة ولا بتاع مسؤولية يا زوزة، أنا بتاع حب واللي منه وبس. مسؤولية بقى وعيال لأ." "طيب افرض رفعت قضية عليك هاكسبها على فكرة." "منا بدفع لهم نفقة."

"وكل شوية يضغطوا عليك عشان تزود النفقة والعيال هتكبر وهتدخل المدرسة ومصاريفهم هتزيد وعمها مش هيسيبك." "طيب أعمل إيه؟ "بيع الشقة واشتري شقة تانية في مكان تاني واكتبها باسمي." "نعم يا ختي." "تصدقي أنا غلطانة إني بنصحك." "بتنصحيني فعايزاني أجيب شقة تانية باسمك؟ "يابني افهم، العصمة بإيدك وممكن أكتبلك ورق يحفظلك حقك، بس وقتها هما مش هيعرفوا ياخدوا منك حاجة ولا حتى هيكون ليها مكان عشان تكون حاضنة."

صمت ياسين يفكر في حديث زوجته، وجدها محقة. وقرر أن يبيع ذلك المنزل حتى لا يستطيع جبران أن يهدده بالأولاد مرة أخرى. مر يومين وكانت فردوس تفرض نفسها على ابتهال تحاول التقرب منها دائماً، وكانت ابتهال لا تمانع، فكانت ترى الحب والفخر في نظرات أختها. وأصبحت تأخذ أولاد أختها وتخرج معهم بمفردها، وأوقات أخرى كانت فردوس تخرج معهم، وأحيانًا كانت تذهب معها وهي تشتري لوازم منزلها.

أصبحت حياة فردوس مختلفة كلياً عن ذي قبل. أصبحت تهتم بنفسها وبعملها وأولادها فقط وتحاول أن تصلح علاقتها مع أختها. علاقتها مع ابتسام لم تختلف كثيراً، بالعكس كانت دائماً ما تساند أمها لتقترب من ابتهال، لكنها تعلم من داخلها أن ابتهال غير متقبلة الأمر، ولمنها كانت تتعامل معها بشكل طبيعي. لم تفكر ابتهال أن تلومها أو تفتح الماضي، هي لا تريد النظر للوراء، ولكنه لم يكن بالأمر الهين لتنساه. فما مر قد مر.

مر يومين آخرين وأتى يوم الزفاف. كان الزفاف في قاعة كبيرة وبها كل أصدقائه وأصدقائها. كانت فردوس ترتدي فستان أسود هادئ وحجاب من اللون الذهبي، كان لبسها هادئ لكن مميز جعلها تبدو أصغر سنًا، وكان أبناؤها يرتدون بدلة سوداء. كانوا الأولاد برفقة جبران الذي كان يتابع التجهيزات ومعه صديق عمران المقرب وشريكه سعيد، الذي تزوج في الخارج وانفصل عن زوجته قبل عودته لمصر. كان عمران منشغل بتجهيز حاله ومتابعة ابتهال ومعه بعض زملائه المقربين في المستشفى التي يعمل بها. انتهت ابتهال من التجهيزات وقامت فردوس بالاتصال به وإبلاغه.

في غرفة ابتهال كانت تجلس متوترة تنظر للمرآة كل دقيقة تتأكد من مظهرها، إنه لا ينقصه شيء، ولكن توترها لم يكن بسبب مظهرها، فالكل أثنى على جمالها، ولكنها كانت متوترة بسبب عمران، لا تعلم سبب توترها، ولكن كان جوها شيء بيشدها وبيسحب منها الهدوء.

صعد جبران ليأتي بابتهال ويسلمها لعمران، وترك أبناء فردوس لابتسام، فسبقتهم ابتسام لأسفل وجلست على الطاولة ومعها أبناء فردوس منتظرة قدوم ابتهال. خرجت ابتهال من الغرفة وحولها أصدقاؤها وبجانبها أختها. صوت الموسيقى كان هادي في القاعة… ونغمة كلاسيك فيها هيبة. الأنوار خفتت تدريجيًا… واتوجهت كل العيون للسلم الكبير في منتصف القاعة. وفجأة...

ظهرت هي. ابتهال. نازلة على السلم بخطوات بطيئة، وراسية وبجانبها عمها تمسك في معصمه بقوة… زي مشهد خارج من فيلم، لكن أجمل بكتير. فستانها بديل طويل كان بلون عاجي ناعم، خالي من البهرجة… بس خامته كانت بتلمع تحت الإضاءة كأنها نجوم صغيرة. الطرحة نازلة لحد آخر الدَّرَج، ماسكة فيها التاج زي هالة نور حوالين راسها. هدوء غريب عمّ القاعة… حتى صوت الملاعق وقف. كل الناس بصت… بس محدش اتنفس. كان في سحر حقيقي وهي نازلة. خطوتها ثابتة، لكن عينيها كانت بتلمع من التأثر.

بدأت في نزول الدرج على أغنية: "طلي بالابيض طلي يا زهرة نيسان طلي يا حلوة وهلي بهالوجه الريان طلي يا فرحة عمري يا بهجة هالزمان طلي يا قمر الليالي وانسى كل الأحزان طلي يا قمر الليالي وانسى كل الأحزان طلي بالابيض طلي يا زهرة نيسان طلي يا حلوة وهلي بهالوجه الريان" عمران وقف، كأن روحه خرجت منه وراحت لها على السلم. عينه ما سابتش عينيها، ووشه اتحول بالكامل… كأنه بيشوفها لأول مرة، أو بيصدق أخيرًا إنها… جايه له.

ابتسام، كانت بصّت له وبتدعي في سرها ربنا يحميها. بصّت على فردوس ودعت لها بالعوض، وبدأت عنيها تدمع بفرحة عشان بنتها. وفردوس… بصّت على أختها بكل فخر. نزلت ابتهال لآخر سلمة، ومد يده عمران ليدها ليأخذها من والده. ولكن قبل أن يتركها جبران، قال بصوت واضح: "من النهارده… إنت مسئول عنها. مش عايز أشوف دمعة في عينها تاني… مفهوم؟

هز عمران رأسه، وهو ماسك إيدها كأنها كنز. واقترب منها أكثر وقام بضمها لصدره وقبلها من يدها ورأسها وذهب بها للقاعة. ومع أول خطوة لهم في القاعة… رجّت الزفة، والموسيقى انفجرت، والكل وقف يصفق. كانت فردوس تدور في القاعة تتأكد من التجهيزات ولمحها سعيد وظل يراقبها طوال الفرح دون أن تشعر فردوس. كان جميع من في القاعة منشغل بالعروسين يرقصون معهم ويلتفون حولهم. لم يترك عمران ابتهال لحظة طوال الفرح.

مر الزفاف سريعًا وسط سعادة ابتهال وعمران والجميع كان يبارك لهم من قلوبهم. في نهاية الزفاف حمل عمران ابتهال وخرج بها سريعًا من القاعة وخرج خلفهم أصدقاؤهم وهم يصوروهم على ذلك المشهد الرومانسي. وصل عمران المنزل ومازال يحمل ابتهال. دخل بها الغرفة وسط صمتها وخجلها. وضعها على السرير. ومد إيده وفك لها طرف الفستان من الخلف وباليد الأخرى لمس شفايفها بطرف إصبعه، وقال من غير ما ينطق: "أنا هنا… مش هبعد، مش هكسرك...

هفضل جمبك طول العمر." هي كانت بتبص له بعين فيها رجفة، بس ما انسحبتش… قربت أكثر، وسندت راسها على صدره. ضماها، وكان حضنه واسع… أوسع من سنين الوحدة. أنامله مشيت على ضهرها بهدوء، زي نسمة بليل الصيف، وهو بيوشوشها من غير صوت: "اطمني… خلّي خوفك ينام دلوقتي."

رفعت وشها له، وقربت شفايفها من شفايفه، ما فيش استعجال… بس كان في شوق قديم، بيتفك دلوقتي بس. باسه. بوسة مش بس حب… بوسة "أمان"، بوسة "أنا لقيتك أخيرًا"، بوسة "لو الدنيا كلها وجعتك… أنا دواكي." إيديها علّقت على صدره، كأنها بتثبت مكانها الجديد، مكانها الحقيقي. وهو لفّ الغطا حواليهم، وقال جواه: "الليلة دي مش بس أول ليلة… دي بداية حياة."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...