الفصل 27 | من 29 فصل

رواية جحيم الغيرة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اماني سيد

المشاهدات
21
كلمة
2,528
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

مر أسبوع آخر على وجود فردوس في المستشفى. كانت وفاء تجلس معها يوميًا، وسمحوا لها بالزيارة. كان عمها يأتي باستمرار، ووالدتها معها ومع أبنائها. بدأت حالة فردوس النفسية تتحسن كثيرًا. أصبحت ترى الحياة بشكل مختلف. أصبحت تبحث عن شيء تحبه، ولم تعد تنظر لحياة ابتهال كما كانت تفعل في السابق.

أرادت فردوس أن تبني حياة مستقلة. شعرت أنها تحتاج للعمل وأن تبحث عن ذاتها. أرادت أن تصبح أمًا يفتخر بها أبناؤها. أصبحت أكثر حرصًا من ذي قبل أن تكون عادلة في معاملة أولادها. لم يخبرها جبران بمكالمة ياسين حتى لا تتدهور صحتها. ولكن وفاء أخبرته أن يبلغها حتى تعلم أن ابتهال أو غيرها من الممكن جذبه بسهولة، وأن طلاقها منه كان لمصلحتها. وبالفعل أخبرها جبران. ـ ازيك يا فردوس، عاملة إيه؟ ـ الحمد لله يا عمي، انت عامل إيه؟

ـ أنا بخير. على فكرة ياسين كلمني وكان عايز الفلوس اللي ابتهال ادتهالك عشان يتجوز بيها. أصل في واحدة تانية عايز يتجوزها. بس ماتقلقيش، أنا مش بس رفضت، لا أنا كمان بضغط عليه عشان آخد منه نفقة ولادك.

ـ عارف يا عمي، أنا لما رجعت نفسي، أنا حقيقي بستغرب أنا ليه كنت مكملة معاه. إنسان أناني، مابيحبش ولاده. وابنه التاني حتى ما حضرش ولادته، وماما هي اللي اتحملت مصاريف المستشفى. كنت خايفة إن ابتهال تشمت فيا أكتر ما كنت خايفة من إن ولادي تتأثر حالتهم النفسية بسبب أب زي ده. ـ الحمد لله إنك فوقتي. ومكانك في الشغل عند عمران لسه موجود. ـ أنا مش عايزة أشتغل عند عمران. ـ لسه زعلانة منه؟

ـ لأ خالص. أنا عايزاه هو اللي ما يزعلش مني، بس أنا كنت حابة أعتمد على نفسي. ـ خليكي معاه اتعلمي، وبعدين اشتغلي في أي مكان تاني. حاولي تثبتي نفسك الأول وتدربي كويس وتاخدي خبرة، وبعدها محدش هيقولك بتعملي إيه. فردوس، أنا معاكي إنك تبدأي من أول وجديد وتعتمدي على نفسك، بس يوم ما تبدأي ابدأي صح. ـ بس عمران...

ـ عمران كان عايز ييجي يزورك، بس إحنا اللي رفضنا عشان قولنا يمكن تكوني لسه زعلانة منه. بصي يا فردوس، فكرة إنك تبدأي دي حاجة حلوة، حتى لو جت متأخر أحسن من أنها ما تجيش خالص. بس ابدأي. حتى لو ساعدناكي في البداية وشاورنالك على الطريق. اللي هيقول إنك اتغيرتي ولا لأ هو إنك تكملي. وخاصة إن عمران ولا أنا ولا أي حد هيبقى معاكي في الشغل. مش عيب إننا نساعدك، لكن الغلط إنك تبقي عايشة منتظرة طول الوقت اللي يساعدك.

ابتسمت فردوس باقتناع من حديث عمها. خرج جبران، وقعدت فردوس تبص في السقف لحظات. وبعدين مدت إيدها للموبايل، وقلّبت في الأسماء لحد ما وقفت عند اسمه: عِمران. فضلت تفكر: "أنا آخر واحدة المفروض أكلمه. مش عارفة هل فعلاً لسه زعلان ولا هما بيقولوا مش زعلان عشان ميضيقونيش." انتهى التفكير وقررت الاتصال بعمران ومواجهته. في الطرف التاني، عِمران شاف الاسم، وتردد، لكنه جاوب أخيرًا. ـ السلام عليكم؟ ـ وعليكم السلام. ـ ازيك يا فردوس؟

ـ الحمد لله بخير. أنا مش هطول عليك، بس كنت محتاجة أقول كلمتين. أنا غلطت، في حقك وفي حق ابتهال. واتكلمت بطريقة ما كانش ينفع أتكلم بيها. كنت شايفة الدنيا من زاوية ضيقة، وزعلت، وضيعت، ودفعت التمن. ـ إنتي قولتي كلام صعب، وكان واضح إنك مش شايفة غير نفسك. ـ عارفة. وعارفة كمان إني جرحت أختي، واللي كنت بحسبه نُصرة ليا طلع ضعف مني. أنا مش باتصل أرجع حاجة، ولا أطلب حاجة، بس كنت محتاجة أواجه نفسي، وأبدأ من أول وجديد.

ـ البداية مش بالكلام يا فردوس، البداية بتبان في التصرفات. ـ عشان كده بسألك، لو لسه في مكان في الشغل، أنا عايزة أشتغل. مش علشانك، ولا علشان أختي، بس علشان نفسي، وعلشان ولادي. ـ مكانك لسه موجود، وأنا أخوكي لو احتاجتي أي حاجة أنا موجود. ـ شكراً يا عمران. دخلت وفاء الأوضة بعد ما خلصت فردوس المكالمة. كانت بتشوفها من بعيد وهي بتتكلم، وشافت ملامحها اللي مرت بلحظة توتر، وبعدين هدوء. قربت منها بهدوء، وقعدت على الكرسي جنبها.

ـ كلمتيه؟ ـ أيوه. مكنتش متخيلة إني هكلمه يوم، بس حسيته لازم يحصل. مش عشانه، ولا عشان أي حد، بس عشان أكون صادقة مع نفسي. ـ وده أهم شيء. إنتي محتاجة تتصالحي مع نفسك قبل أي حد. ـ قالي إن مكاني في الشغل لسه موجود. وقال إنه أخويا، ولو احتجت حاجة هيكون موجود. أنا اتفاجئت، ماكنتش مستنية الجملة دي بعد اللي حصل. ـ هو شخص نقي أكتر ما إنتي كنتي شايفاه. وإنتي كمان، لما نقّيتي نيتك، عرفتي توصليله من غير ما تتكسري.

ـ خايفة يا وفاء. مش من الشغل، ولا من الناس. خايفة من نفسي، إني أرجع تاني لنقطة الصفر، إني أغلط، إني أضعف. ـ الخوف ده طبيعي، وضروري كمان. بس خدي بالك، الفرق بين اللي بيتغير فعلاً، واللي بيمثل، هو إن الأول بيخاف وبيكمل، والتاني بيخاف وبيقف. ـ أنا مش عايزة أقف تاني، ولا عايزة أكون نسخة مشوهة من نفسي. أنا عايزة أكون أم، وست، وبني آدمة، حقيقية. ـ وإنتي كده فعلاً يا فردوس. والخطوة الجاية؟

هي إنك تثبتي لنفسك قبل أي حد، إنك تستحقي الفرصة. في منزل ابتسام، اتصلت بعمران وطلبت تقابله. وبالفعل عمران راحلها وقعد معاها. ـ ازيك يا عمران، عامل إيه وشغلك أخباره إيه؟ ـ بخير الحمد لله. ـ كنت سمعت من فردوس إن انت خطبت ابتهال وعايزين تتجوزوا. ـ ده حقيقي. ـ طيب مش الأصول إنك تطلبها مني الأول. بص يا عمران، أنا عارفة إنك عارف وشايف الوضع إيه، بس ده ما يمنعش إنك تمشي بالأصول.

ـ أنا فاهم قصدك وعارف انتي تقصدي إيه، بس أنا مخرجتش بره الأصول. بدليل إني مستني فردوس تخرج من المستشفى عشان آخد الخطوة دي. وحضرتك حاليًا طول الوقت مشغولة مع فردوس وولادها، انتي وبابا. وإني عارفة حالة فردوس ومقدر وجودكم معاها. بس اسمحيلي، أنا مش هعطل حياتي أنا وابتهال تاني. كفاية اللي عدى وعمرنا اللي جرى مننا. ـ عشان كده أنا بعتالك. لو انت جاد فعلاً، بكرة تيجي انت وابوك وامك وتقابلوني في شقة ابتهال وتطلبوها رسمي.

ابتسم عمران، فأخيرًا زواجه من ابتهال بيقترب وسيتحقق حلمه. ـ أنا موافق. يبقى بكرة في شقة ابتهال الساعة ٨ مناسب. ـ مناسب. خرج عمران من منزل ابتسام واتصل على ابتهال وأخبرها بما تم بينه وبين والدتها. ووافقت ابتهال، فهي تريد أن يكون كل شيء يتم بشكل رسمي. في اليوم التالي، حضرت ابتسام عشاء لأهل عمران وقامت بلفه بشكل فخم. وأخذته معها منزل ابتهال، وأخذت معها أبناء فردوس.

في ذلك الوقت، كانت ابتهال تحضر نفسها للمساء وتفاجئت بوجود والدتها وتلك التجهيزات. لم تتحدث كثيرًا معها، فهي كانت منشغلة في تجهيز ملابسها والمنزل. دخل أبناء فردوس غرفة ابتهال، وتفاجئت بهم. ابتهال لا تعلم ماذا تفعل معهم. فجلست تتحدث معهم. ـ ازيكم عاملين إيه؟ ـ الحمد لله يا خالتوا، انتي عاملة إيه؟ عندما سمعت لقبها لأول مرة منهم، شعرت تجاههم بمسؤولية، حتى لو لم تكن علاقتها جيدة بوالدتهم. فهي مهما فعلت لم تنكر ذلك الواقع.

ـ انتوا بتعملوا إيه؟ ـ قاعدين زهقانين، مش لاقيين حاجة نعملها. وتيتا مجبتش اللعب بتاعتنا معاها، وحتى التليفون بتاعنا نسيته. ـ مشكلة كبيرة فعلاً. وأنا كمان معنديش لعب، بس عندي حاجة حلوة أوي تسليكم. ـ إيه؟ أعطتهم ابتهال فرخ ورق كبير به رسومات صغيرة، وأعطت لهم ألوان. ـ بتحبوا تلونوا؟ إيه رأيكم تلونوا الورقة دي كلها وتوروني بتعرفوا تلونوا ولا لأ.

فرح الأطفال بتلك اللعبة من نظرهم، وأخذوها وبدأوا في التلوين. ابتسمت ابتهال عليهم وعادت لتجهيز نفسها. دخلت إليهم ابتسام وهي تبحث عنهم، ووجدتهم جالسين على الأرض يقومون بتلوين شيئا ما، وابتهال واقفة تنظر إليهم وهي مبتسمة. شعرت للحظة إنه من الممكن أن تتغير الأحداث في المستقبل وتتقبل ابتهال وجودها ووجود فردوس بحياتها.

أتى جبران ومعه زوجته وعمران، وجلسوا في غرفة الجلوس وبدأوا الحديث بأشياء مختلفة. إلى أن أتوا لموضوع الزواج. ووقتها طلب عمران يد ابتهال من عمها وأمها، ووافقوا. وقاموا بقراءة الفاتحة، واتفقوا أن الزواج بعد شهر حتى ينتهي عمران من تجهيز باقي المنزل. ورحبت أمه بالزواج، خاصة أنهم سيجلسوا معها بنفس المكان.

مر اليوم بدون أحداث جديدة. وفي اليوم التالي، أخذ جبران أولاد فردوس وذهب لمنزل ياسين وقابله، وكانت عروسته وأهلها بالمنزل. قابله ياسين ببرود. ـ خير يا عم جبران. ـ خير إن شاء الله. اتفضل خد ولادك. ـ اعمل بيهم إيه؟ ـ ربيهم. طالما انت مش بتدفع النفقة بتاعتهم ولا عايز تدي امهم باقي فلوسها، يبقى اتفضل خدهم. ـ مكنش ده كلام فردوس، وهي فين دلوقتي وبعتاك انت ليه؟

ـ مالكش دعوة بيها. فردوس زهقت من مسئوليتهم ومش معاها تصرف عليهم. هتاخدهم ولا أبعتهلمك على الشغل؟ ـ مش هاخدهم. انت شايف الوضع عامل إزاي. تحدثت تلك العروس بعنجهية. ـ بقولك يا ياسين، إحنا متفقناش على كده، وأنا مش هربي عيال حد. لو العيال دول هيبقوا معاك، فخلاص كل واحد من طريق. ـ لأ، ماتقلقيش. أنا هتصرف. أخدهم ياسين وذهب لغرفة أخرى وترك الأولاد بالخارج حتى لا يستمعوا لذلك الحديث. ـ ينفع الإحراج ده؟

ـ وينفع عيالك اللي انت راميهم دول. انت لو واحد فقير هنقول معلش، إنما انت بتتجوز وقادر تفتح بيت، يبقى ولادك أولى بيك. ـ انت عايز إيه دلوقتي وتاخدهم وتمشي؟ ـ أولاً، لما تتكلم اتكلم بأدب عشان معلمكش إزاي تتكلم بأدب. ثانياً، أنا مش عايز منك حاجة. ولادك دول كل أول شهر تبعتلهم مصاريفهم لحد باب بيتهم، عشان المرة الجاية الطريقة مش هتعجبك خالص. ـ أنت بتهددني؟

ـ أه بهددك. ونفسي ما تعملش اللي بطلبه منك، عشان وقتها يا ياسين هعرفك قيمتك كويس. ثم تركه وأخذ الأولاد وذهب لجدتهم مرة أخرى وقص لها ما حدث، وإنه يفعل ذلك حتى لا يأتي ياسين في المستقبل ويطلبهم من أمهم أو يضغط عليها بهم. مر أسبوع آخر وخرجت فردوس من المستشفى، وقررت أن تقترب من أولادها وتعود للعمل في مركز عمران العلاجي، وتحاول أن تقترب من أختها ابتهال.

بدأت فردوس في العمل مرة أخرى في المركز، ولكن تلك المرة لم تفكر سوى في عملها وأن تطور من ذاتها. وبدأت بالتقديم لابنها في المدرسة، والطفل الآخر وضعته في الحضانة. في المركز، بدأت فردوس تكون صداقات مع بعض من زميلاتها، وبدأت تتحدث معهم في أمور مختلفة عن حياتهم الشخصية وعن العمل. فالتعامل مع الناس سهل ممتنع.

شعرت فردوس أنها تولد من أول وجديد، وأنها لم تكن تعيش في ذلك العالم. فهي كانت تعيش في عالم موازٍ. لم تكن ترى ما بيدها فقط، لم تكن ترى سوى ما بيد أختها. بدأت تستوعب أكثر كم التعب والمعاناة التي بذلتها أختها حتى تصل لتلك المرحلة من الاستقلال. مجرد تفكير فردوس بالنجاح وكم معها من الوقت حتى تنجح في الاستقلال بنفسها، وجدت أن الطريق أمامها طويل، على الرغم من وجود الجميع بجانبها. عكس ابتهال التي كانت تواجه كل شيء بمفردها.

تحول تفكير فردوس تجاه ابتهال من حقد وغيره إلى انبهار وفخر بها. كيف استطاعت أن تحقق كل ذلك بمفردها. وأصبحت ابتهال قدوة لفردوس. قررت فردوس الذهاب لابتهال المنزل، وأخذت الأولاد حجة لتذهب لها. في منزل ابتهال، كانت تتحدث مع عمران في الهاتف، وقرروا أن يذهبوا غدًا لشراء فستان الزفاف. وبعدها سمعت طرق على الباب، ذهبت لتفتح الباب وجدت فردوس أمامها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...