الفصل 5 | من 22 فصل

رواية غزالة عبيدة الفصل الخامس 5 - بقلم فاطمه عماره

المشاهدات
26
كلمة
3,584
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

تلك الدمعة الخائنة لا تهبط على الوجنتين بل تهبط على القلب مباشرة، تزيد ألمه واشتعاله. وقف أمام فراشها ينظر إليها بصدمة شديدة، عيناه تراقب ملامحها بجزع، لا يصدق ما حدث لها. ملامحه استشاطت غضباً وأصبحت أكثر حدة و شراسة. لم ينتبه لتلك الدمعة التي هبطت من يمناه، وتابعتها دمعة أخرى من عينه اليسرى، ألماً عليها. تحرك ببطء شديد نحوها، كأنه نسي كيف يمشي. يشعر بأن قدميه التصقتا في الأرضية بقوة.

وقف أمامها مباشرة وجلس موازياً لها على الفراش، عيناه تتفرسان النظر إليها بألم. وجد كفه تلقائياً يتحرك على وجنتيها برفق شديد، كأنه يخشى إيلامها. تنفس بقوة وهو يشعر باختناق شديد من رؤيتها في تلك الحالة الصعبة. لم يهتم لوجود عمته أو لهبوط دموعه على الملأ، لم يهتم لسواها. ابتلع غصته بقوة، ماسحاً دموعه التي هبطت سريعاً، والتفت إلى عمته يسألها: "نايمة بقالها قد إيه؟

مسحت دموعها هي الأخرى، وما زالت عيناها لم تغادر رؤية ابنتها، وقالت بإرهاق شديد: "من ساعة اللي حصل. أنا أدتها حبة منومة بس المفروض مفعولها يخلص من ساعات، بس زي العادة بتنام كتير وقت تعبها وزعلها." انكمش وجهه بقسوة وسألها بنبرة حادة قليلاً: "حصلها إيه قبل كده بالتفصيل يا عمتي، أرجوكي."

هبطت دموعها بكثرة وبدأت تقص ما عانته ابنتها منذ أكثر من ثلاث سنوات، وهو يتابعها في صدمة كبيرة وغضب أكبر. كاد أن يصرخ بغضب، ولكنه تذكر وجود أوليان النائمة في عالم آخر. مد يده وجذب خصلات شعره للخلف بقسوة وجز على أسنانه بقوة رهيبة، واندفع خارجاً متجهاً إلى الأسفل. بينما جلست هي جوار ابنتها وهمست بألم: "اصحي يا أوليان. اصحي يمكن لما تشوفي عبيدة هيعمل فيهم إيه، قلبك يرتاح شوية."

هبط الدرج بسرعة، وجد ناجي يسب ويوسف كذلك يريدان التحرر، ولكن هيهات. رجلان يتحكمان بناجي، ومازن يتولى يوسف بقبضة فولاذية قوية. صاح ناجي بغضب شديد عندما وجد عبيدة يهبط الدرج: "جاي بتتحامى في شوية رجالة؟ خليهم يبعدوا وغوروا من هنا من سكات." لم يعره عبيدة أي اهتمام، بينما اندفع اتجاه يوسف الذي تركه مازن ولكمه بعنف. لكمة أوقعته أرضاً، وصاح بشراسة: "بتتحرش بيها يا حيلة أمك؟

انحنى وجذبه من خصلاته القصيرة وضربه برأسه في منحنى أنفه بغلظة أدت إلى نزيف بعض الدماء، وصرخ بغضب أعمى وهو يمسكه من تلابيب جلبابه: "ده أنا هطلع عين أمك يا ابن الكلب، قسمًا بالله هخليك تكره اليوم اللي أبوك وأمك فكروا يجيبوك فيه."

قالها ولكمه بعنف مرة أخرى، فصاح يوسف متأوهاً بقوة وألم، وعبيدة لم يتركه، بل توالت اللكمات العنيفة، لكمة أعنف من الأخرى، حتى تمدد يوسف أرضاً متأوهاً بضعف، وناجي يصرخ بغضب ينادي على رجاله بالخارج ولكن دون فائدة. أشار عبيدة لمازن، فاتجه مازن إلى يوسف ومسكه جيداً حتى لا يهرب من المكان، بينما تحرك عبيدة اتجاه ناجي الذي يصيح بغضب وقال بصوت عالٍ غاضب:

"أنا ماسك نفسي بالعافية إني أضربك وأحطك تحت رجلي زي الوسخ اللي هناك ده، لأن أنا راجل والراجل مينفعش يمد إيده على واحد أكبر منه، بس إنت راجل؟ لا، خسارة أقول عليك راجل." نظر إليه باستحقار شديد وتابع كلماته بنبرة فظة قاسية: "كلمة راجل خسارة فيك، إنت متستحقهاش. حبست عيلة مكملتش 15 سنة في أوضة ضلمة عشان تخوف أمها وتجبرها تعيش هنا. يا أخي ملعون أبو تفكيرك الغبي اللي شبهك وشبه أمثالك." قبض على عنقه بقوة وتابع من

بين أسنانه الملتحمة بغضب: "سبت الوسخ اللي كان عاوز يستبيح جسمها ونزلت في الغلبانة اللي فوق ضرب، وحجتك إنه راجل." التفت إلى يوسف وبصق اتجاهه بإشمئزاز، وصرخ في ناجي بعنف: "هو فين الراجل ده؟ أنا مش شايفه." "ورحمة أبويا لهطلع عين اللي خلفوكم، هخليكوا تبوسوا جزمتها عشان تخليني أرحمكم، وبرضه مش هرحمكم."

في الأعلى، أخيراً قامت بفتح خضراويتيها ببطء شديد، جعلت نجلاء تبتسم بفرحة وهي تركض اتجاهها. هبطت الدموع سريعاً من عينيها وتذكرت ما حدث عندما فقط فكرت بتحريك جسدها الذي ينهشه الألم. مسكت نجلاء كفها وقبلته مراراً وتكراراً وهتفت بحب شديد: "حبيبتي، الحمد لله. متقلقيش، والله ما في حاجة هتحصلك تاني. سامحيني، سامحيني يا بنتي عشان خاطري."

سمعوا جلبة شديدة بالأسفل أثارت فضول أوليان رغم ما بها، فهي لم تستمع لترتيبات الزفاف الكارثي، بل تستمع أصوات ليست مألوفة عليها، تصرخ وتسب في الأسفل. ابتسمت نجلاء وهي تراقبها بحنان وقالت: "ده عبيدة ابن خالك، كلمته عشان ينقذنا. عارفة إني اتأخرت في الخطوة دي. أنا بتمنى إنك تسامحيني يا بنتي."

قالتها بحزن شديد وسالت الدموع من عينيها بغزارة. التفتت أوليان برأسها تنظر إلى والدتها بابتسامة شاحبة وهي تؤمئ بعينيها، فهي حتى لا تستطيع الكلام والحركة، ولكن قلبها يدق الآن بعنف. هي حقاً ستذهب من هذا الجحيم، تكاد لا تصدق. فضولها زاد لترى ما يحدث بالأسفل، خاصة بعد ارتفاع أصوات السباب والشجار.

حاولت القيام وهي ترتكز على ذراعيها، فصرخت بألم شديد. نظرت إليها نجلاء بجزع وساعدتها في القيام. سالت دموعها وقد أيقنت أن ذراعيها جزعا أو ربما كسرا. تنهدت أوليان بتعب وهي تحاول كتم ألمها داخلها، ونظرت إلى نجلاء برجاء وقالت: "عاوزة أعرف بيعملوا إيه. أرجوكي ساعديني."

ساعدتها بلهفة، هي تريدها أن ترى ما يحدث بعينيها حتى يرتاح ويهدأ قلبها ولو قليلاً. تحركت أوليان بصعوبة بالغة، حقاً كل عظمة في جسدها تؤلمها بعنف، ولكن فضولها سيقتلها أكثر من ألمها في تلك اللحظة. في الأسفل، بعدما بصق عبيدة في أثر يوسف بإشمئزاز، نظر إلى ناجي وابتسم بشر هامساً بفحيح أفعى سام: "مش ده الراجل اللي إنت متفشخر بيه؟ أنا هحسرك عليه."

قالها ونزع من يده تلك العصا الغليظة التي ضرب بها أوليان، فقد قصت نجلاء له كل شيء بالتفصيل الممل. اتجه واقفاً أمام يوسف ومازن وقال لصديقه بابتسامة لا دخل بها للمرح: "ابعد يا مازن وخلي الراجل يقف قدامي، أما نشوف راجل بجد ولا راجل خرع وطري، ولو إني عارف الإجابة."

ابتعد مازن ونظر يوسف إلى عبيدة بكره شديد، كاد أن يتحدث ولكنه صاح متألماً بصوت عالٍ عندما رفع عبيدة ذراعه الممسك به العصا وهبط بها على قدم يوسف بكل غلظة وقوة، وجلس أرضاً يمسك قدمه بألم كبير. صرخ عبيدة بقسوة وهو ينظر إليه بعينين حادتين مشتعلتين قاسيتين: "قوم اقف يا حيلتها، متبقاش عيل خرع. مش دي العصاية اللي جدك استقوى بيها عليها؟ أنا هخليك تصوت زي النسوان يا ابن الكلب."

قالها وهبط بضربه أخرى أشد عنفاً على قدمه الأخرى، ويوسف غير قادر نهائياً على المواجهة، وناجي يريد التحرر من بين يدي رجاله ولا يستطيع. رمى عبيدة العصا بقوة على الأرضية، ووقف في المنتصف يتنفس بعنف وغضب شديد وهو يحدق بهم بقساوة، وقلبه مشتعل من الغضب والألم. صورتها على الفراش راقدة جعلت قلبه ينشق من الحزن والألم، يشعر بجسده يؤلمه بعنف كأنه من تلقى الضربات وليست هي. اتجه عبيدة إلى ناجي مرة أخرى وقال بحدة من بين أسنانه:

"كنت عاوز تجوز أوليان للوسخ ده؟ لا، وكمان دُخله بلدي؟ أنا هخليهالك خرجة المحروس بدل دُخلته، بس إنت متقاطعش." صرخ ناجي بعنف ووجهه مشتعل بغضب أعمى: "لم رجالتك البهايم دول وهمل بيتنا وبلادنا، أكرم لك وغوروا من هنا. إنت داخل تتهجم علينا بشوية البلطجية دول، هوديكوا كلكم في داهية." ضحك عبيدة عالياً بسخرية، زادت غضب ناجي واستفزته أكثر، وخصوصاً عندما قال: "هتوديني في داهية؟

الداهية دي اللي انتوا هتروحوا فيها، بس إنت اصبر على رزقك." التف عبيدة ليوسف الملقى أرضاً يتوه بصوت خفيض وعيناه ملتمعة بالوعيد والشر، واقترب حتى أصبح أمامه ينظر إليه من الأعلى بكبر وقساوة: "كنت عاوز تتهجم عليها مش كده؟ اتسعت ابتسامته المتوعدة الشيطانية وقال: "أنا هخليك لا تعرف تلمسها ولا تلمس غيرها يا عين أمك."

قالها ورفع قدمه يركله أسفل بطنه بقوة، ليست مرة بل اثنتين وثلاثة، ويوسف يصرخ كـ المرأة التي تطلق تستعد لقدوم رضيعها إلى الحياة، وعبيدة لم يتأثر بصراخه ولا بدموعه التي هبطت من بشاعة الألم الذي يشعر به. التفت عبيدة إلى ناجي يحدجه بقساوة وصرخ بصوت عالٍ مهدد:

"متطولش لسانك، أنا مش عاوز آجي جنبك، متحبرنيش أمد إيدي عليك وانت في سنة. ده واحد غيره يبقى مكسوف وحاطط راسه في الطين، وهو بعقليتك المتخلفة دي، إنت ولا تعليم ولا دين ولا أخلاق. ده ربنا سبحانه وتعالى كرم النساء ورسولنا الكريم كرمهم، تيجي إنت حتة عبد لربنا تهينهم وتذلهم."

"يمين بالله إن ما حطيت لسانك جوه بوقك، لحبسولك مدي الحياة وأخليك تتحسر على الراجل زي ما بتقول، عمرك اللي باقي كله، وأحبسك إنت كمان والتهمة معروفة. وأوليان وعمتي هاخدهم من هنا وراجل منكم يتكلم." لم يتأثر ناجي بحديثه، بل اشتعل غضباً وقال بقساوة: "هتاخدها بأمارة إيه؟

إياك بت ولدي الله يرحمه، متهملش البيت واصل، اللي على بيت جوزها اللي إنت موته في يدك، والليلة كانت حنتهم وبكرة دُخّلتهم. وانت مفكر بشوية البلطجية دول هتمنعوني عاد؟ انصدم عبيدة من كم البجاحة التي يملكها شخص واحد بالعقلية والجبروت هذا، وفكر لثوانٍ كيف عاشت أوليان وعمته مع هذا الشخص طيلة السنوات الماضية، خاصة آخر ثلاث سنوات بعدما توفي زوجها؟

كيف تحملا تلك القسوة وتلك المعاملة التي لن يتقبلها أحد، والأهم كيف عاشت وتحملت تلك الغزالة؟ نزف قلبه من الألم وهو يتخيل معاناتها، وحقاً شعر بالغضب يجتاحه بضراوة، ليس من ناجي ويوسف فقط، بل من عمته، يكاد يشعر بالغضب اتجاهها أكثر من ناجي بشخصيته القذرة تلك. اقترب عبيدة من ناحية وحدجه بنظرات قاسية وهتف بنبرة متحدية قوية: "كلامك ده أبلعه وأشرب وراه شوية ميه. ولا فرح ولا دياولوا؟ فرح إيه يا حج ناجي؟

إنت عاوز تفضح نفسك وابن ابنك؟ أصل لمؤاخذة مبقاش راجل، ولو نِجِي وبقى راجل، فقدامه قول سنة ولا حاجة، دا لو نِجِي يعني." تجهمت ملامحه فجأة وقال بشر: "أنا سهل عليا أوي بتليفون واحد، ألبسكم إنتوا الاتنين قضية محترمة كدا بسبب اللي عملتوه فيها، بس السجن أكرم لكم من اللي هعمله أنا. هخليكوا تعيشوا عمركم تستسمحوها." هتف يوسف الراقد أرضاً بحقد وهو ينظر إلى ناجي يواصل كذبته البشعة: "مش قلت لك عاد يا جدي؟

شافتلها شوفة تانية عشان إكده رافضتني الليلة اللي فاتت." التف عبيدة فجأة بغضب أعمى، صارخاً بسباب بذئ لاذع وهو يركض إليه ويلكمه بعنف شديد، ولم يتركه إلا عندما اتجه إليه مازن وحمله عنه، بعد عدة مقاومات شديدة، فكاد يوسف أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يديه. دفعه مازن بحده للخلف وهو يحول بينه وبين يوسف بقوة وهتف غاضباً: "اهدى بقى، هيموت في إيدك، هتودي نفسك في داهية عشان حيوان زيه، هتستفاد إيه؟

المهم إنك لحقتها ولحقت عمتك من القرف ده." وقف عبيدة يتنفس بعصبية شديدة وأخذ يسعل بعنف كأنه على مشارف الاختناق. وضع يده أسفل عنقه يدلكه بقوة، فكاد يفقد نفسه من عصبيته ودماءه الثائرة داخل أوردته من الغضب الشديد منهم. اندفع مازن نحوه يسأله بتلهف شديد: "مالك يا عبيدة؟ أجيب لك ميه؟

في تلك اللحظة، جاءت نجلاء التي كانت تتابع كل شيء هي وابنتها من أعلى الدرج، تحمل بين كفها الأيمن كوب كبير من الماء البارد، أعطته إياه فتجرعه مرة واحدة وتنفس بقوة حتى شعر ببعض الراحة، ولكن غضبه لم يقل وعيناه لم تهدأ شراستها أبداً.

أما هي، تقف أعلى الدرج بوهن كبير، ولكن عيناها كانت تتابع ما يحدث بذهول. تتابع شخصاً لم تعرفه يثأر لها ويأخذ بحقها ببسالة وغضب كبير، كأنه يعرفها منذ سنوات. تابعت صراخه وضربه ليوسف وكلامه اللاذع الموجه لناجي بصدمة، ولكن شيئاً ما جعل شفتيها تنفرج بابتسامة باهتة متعبة بشدة.

كان قد هدأ عبيدة قليلاً من اختناقه، ولكن ما زالت نظراته القوية موجهة إليهم في توعد شديد، خاصة بعد ما قاله يوسف في حق أوليان والخوض في عرضها وشرفها بمنتهى الخسة والندالة. صاح ناجي في تلك اللحظة بنبرة غاضبة: "خلي رجالتك يهملوني وكفاية المسرحية اللي عملتها دي عاد. متفكرش إني هسكت على المسخرة اللي حصلت في بيتي دي يا ولد مصر." اقترب عبيدة بغضب، ولكن منعه مازن بقوة، ولكنه هتف بشراسة:

"أعلى ما في خيلك اركبه. أوليان وعمتي هاخدهم ودلوقتي، ودكر فيكم يمنعني." صرخ الجد بشراسة: "هتاخدها بأمارة إيه؟ إياك."

ابتسم عبيدة بلا مرح. لم يكن يريد أن يحدث ذلك، يحبها ويعشقها ويريد وجودها بين أحضانه الليلة قبل الغد، ولكن تلك الطريقة التي سيحصل بها عليها، يعلم أن هناك عدة طرق لينتشلها مما هي به، ولكن تلك الطريقة التي ستجعلها أمامه في كل لحظة. سيتزوجها ويعلمها أن تحبه حتى لو بقدر ضئيل، إذا احتاجت سنوات، سيعطيها، لن يجبرها وبالتأكيد لن يتخلى عنها. فهتف بتحدٍ وقوة: "هاخدها وهي مراتي."

شهقت بقوة في الأعلى بصوت رغم وهنه الكبير، ولكنه وصل إلى الجميع بالأسفل، فالتفتوا إليها. رمقها بحب حزن وجع واشتياق عظيم، وملامحه تصرخ بعشقها الدفين المحتل لجسده بأكمله، ليس قلبه فقط. يراقبهم الجد بغضب وقسوة، وكأن لسانه شل عن الحديث، لا يعلم لماذا. بينما نجلاء راقبت ابنتها بحزن، ولكن لم تجبرها على فعل شيء لا تريده، ستعلم من عبيدة لما يريد ذلك أولاً، ولكن لن ترغمها على فعل شيء، كفى، فسلبية دمرت ابنتها الوحيدة.

ابتلع عبيدة لعابه بصعوبة وأجبر جسده وقلبه تحديداً على الالتفات، وقد شعر بمشاعر مضطربة من شهقاتها ومظهرها ذلك، غير قادر على تحديد ما يشعر به. نظر إليها ناجي بأعين غاضبة وقال بتحدٍ: "لو وقفت قدامي، وعد مني أحسرك على الحيوان دا عمرك اللي جاي كله. أوليان هتبقى مراتي وهاخدها وهمشي من هنا، ولو وقفتلي مترجعش تندم، وبرضه هاخدهم وأمشي."

نظر ناجي إلى يوسف الذي يتألم بقسوة، وشعر بالرهبة من تهديده. نظر إلى رجاله مرة أخرى وشعر بجدية حديث الآخر، فلم ينطق بكلمة واحدة. فابتسم عبيدة بتشفي وابتسم بمكر، سيفعل شيئاً يجعل يوسف لا يستطيع النظر في وجه أحد طيلة حياته القادمة. التوى جانب فمه بابتسامة شرسة وهو ينظر إلى العجوز الذي لم يستطع النطق خوفاً ورهبة، رغم ابتسامته وعيناه اللامعة بالمكر، جسده مشتعل من الغضب وقلبه ثائر بعنف وهو يتذكر مظهر جسدها وشحوب وجهها.

نظر إلى رجاله وقال بنبرة قوية وهو يشير إلى الملقى أرضاً برأس مدرجة بالدماء بإشمئزاز: "خدوه، ركبوه على حماره بالشقلوب ولفوه بيه البلد كلها، بمعنى أصح، زفوه."

نظر ناجي إليه بصدمة غاضبة وكاد أن يصرخ بحدة، ولكن أوقفه عبيدة وهو يخرج سلاحه ويشد أجزائه في تهديد غير مباشر، جعل أعين الآخر ترتجف بخوف، يلعن رجاله في قراره نفسه. نادى عليهم وصرخ بأسمائهم كثيراً، ولكن يتضح أنهم مهددون مثله في الخارج. اتجه إلى يوسف رجلان يحملوه رغم مقاومته وصراخه الواهن، فعبيدة قد أهلك جسده من شدة وعنف ضرباته.

التف عبيدة ينظر إليها في الأعلى، وعيناه تخبرها ما لا يستطيع التفوه به، خصوصاً في الوقت الحالي. نظر إليها نظرة اطمئنان وقوة، كأنه يخبرها أنه يستطيع فعل كل شيء فقط لحمايتها وإرضائها.

نظرت إليه بصمت شديد ودموعها تسيل بنفس صمتها، يكاد لا تصدق تلك الأحداث التي تتوالى عليها منذ أمس. وقعة اغتصابها التي نجت منها بصعوبة. الضربات التي تلقاها جسدها. أمر زواجها من يوسف. واليوم تتفاجأ بشاب لا تعرفه يثأر لها بضراوة وقوة كأنها قارورة غالية لديه. إعلان زواجه الذي أصدره منها الآن، وهي صامتة لا تبدي أي رد فعل. تهربت من عينيه التي تخترقها وتحاملت على نفسها لتذهب إلى غرفتها، تجلس على الفراش بشرود، ويحيطها هالة من الصمت المؤلم.

جلس عبيدة بإريحية تامة أمام ناجي ذو الوجهة المتجهم والأعين الحادة، يبتسم ببرود وقال بنبرة باردة جافة: "وفرت عليك يا حج ناجي وحاسبت الرجالة اللي كانت جايه تفرش الصوان، أصلي قررت إني مموتوش، كفاية حسرته على نفسه بعد الزفة الجميلة اللي حصلت." نظر إليه ناجي بوعيد شديد ولم يتحدث، كأنه نسي الصراخ والجحود. فقوة عبيدة ونظراته وما فعله بيوسف جعله يرهب ويخشي منه، خاف بشدة أن يؤذي رجله الوحيد، فصمت مجبراً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...