الفصل 4 | من 22 فصل

رواية غزالة عبيدة الفصل الرابع 4 - بقلم فاطمه عماره

المشاهدات
20
كلمة
4,923
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

في أحد الفنادق الفاخرة، وخاصة في المطعم، جلست جني واضعة قدمًا على أخرى، تهزها بضيق. كل ثانية تنظر في ساعتها الفضية الثمينة وتتأفف بغضب، حتى وجدته يطل عليها بشكله الوسيم والجذاب. جلس عبيدة على المقعد أمامها وابتسم قائلاً باعتذار شديد: "آسف يا جني على التأخير، الدنيا زحمة جداً بره." رسمت على وجهها بسمة مصطنعة متهمة وهي غاضبة حد الجحيم، هي التي ينتظرها الجميع حتى تأتي، فتجلس خمس عشرة دقيقة بأكملها تنتظره.

أشار عبيدة إلى الجرسون الذي تقدم منه بابتسامة عملية ووجه بشوش، فقابله عبيدة بابتسامة ثم التف ينظر إلى جني وقال: "تطلبي إيه يا جني؟ نظرت إلى الجرسون الشاب بتعالٍ وقالت بنبرة فيها غرور كثير: "مش ده شغله يسألني أطلب إيه، أنت هتشتغل شغلهم يا عبيدة؟ تلون وجه الشاب بألوان كثيرة واحمرت عيناه غضبًا أكثر من حرجًا، وأصر الصمت. بينما اشتعلت عينا عبيدة بغضب جحيمي وقال بصوت حاد وغاضب بشدة: "اتكلمي عدل وبطلي قنوعرة كدابة!

الشاب ده شغال في المطعم مش عندك. وبعدين أنا بقولك تتزفتي عاوزة إيه، يبقى كلامك ليا مش لحد غيري." نظر إلى الجرسون وابتسم قائلاً: "روح لو سمحت، وأنا هنديلك تاني." ابتسم الشاب وانصرف، بينما تابعت جني ما يحدث بأعين غاضبة وقالت بنرفزة: "إيه اللي أنت عملته ده؟ أنت إزاي تكلمني بالطريقة دي قدامه؟ ده اللي اتفقنا عليه؟ نظر إليها حقًا بقرف، شعر بالاشمئزاز يغزو جسده عندما رآها واستمع إليها وهي تحدث الشاب، فقال بنبرة ساخرة:

"أنا مبقتش قادر أستصنع الهدوء والحكمة أكتر من كده. أنا يا بنت الناس غشيم مبقدرش أتجمل، واللي انتي فيه ده الله يعينك منه. خلي بالك من مقولة خادم القوم سيدهم، يا ريت تقتنعي يمكن تفهمي شوية." نظرت إليه باندهاش، فتابع غير مهتم بأي شيء: "الغرور اللي انتي فيه ده مرض يا جني، ومرض خبيث وفي مرحلة متأخرة كمان. يا إما تلحقي نفسك، يا إما الله يرحمك ويتولاكي، لأنك هتنزل من سابع سما على جدور رقبتك هتتغدغد."

نظرت إليه بغضب شديد وقبضت على كفيها بقوة حتى ابيضت مفاصلها، لا تستوعب طريقته الوقحة في الحديث. كادت أن تتحدث ولكنه تابع وهو يحرك رأسه بيأس: "أنا كنت ناوي أتكلم معاكي بحب وهدوء، بس قرفت من اللي عملتيه. أنا غيرك يا جني، حياتنا هتبقى جحيم، وأنا شخص مبيعرفش يجي على نفسه كتير، وأكتر من كده هنفجر، وطريقتي مش هتعجبك." تنفس أنفاسًا مطولة، ورفع إصبعه يزيل الدبلة الفضية ووضعها أمامها، وهي تتابعه بدهشة عظيمة وهو يقول:

"أنا آسف إنها انتهت كده، بس أنا وانتي مستحيل نكون بيت وأسرة يا جني، مش هينفع هنتدمر وأنا وانتي هنبقى السبب. مش لوحدك، لأن اختيارنا لبعض كان غلط." قام من على المقعد واتجه إليها مقبلاً رأسها بخفة، وقال قبل أن يغادر المكان بأكمله: "بتمنالك الأحسن مني." تابعت خطواته الواسعة بأعين غاضبة مشتعلة وجسدها قارب على الانفجار، لم تصدق ما حدث، عبيدة أنهى تلك الخطبة اللعينة! دمر مخططها!

أهانها مرة واثنتين.. وهي التي كانت تخطط ما تود فعله لتهينه وترد له ما شعرت به! مسكت الدبلة بين أصبعيها بقوة وقامت لتخرج من المكان الذي شعرت بأنه يضيق وستختنق من الوجود به. جلست في سيارتها ووضعت الدبلة في حقيبتها وهمست بحقد: "مخلصتش يا عبيدة."

بينما هو صف السيارة في مكانها المخصص في الفيلا ودخلها بخطوات سريعة، وقد انزاح هم كبير عن منكبيه. كره طريقة الانفصال والكلام، ولكن هي من أضطرته لفعل ذلك. غرورها، كبرياؤها، تعاملها مع الغير، ثارت غيظه وفاقمت غضبه منها. ليته لم يتقدم إليها من الأساس. وأصبحا كما هما أقارب فقط. وقفت صفاء ما إن رأته، وقبل أن تسأله أخبرها كل شيء حدث. تنهدت بقوة، ولكن لا يهم أي شيء سوى سعادة أبنائها. ربتت على عضده وقالت بصدق:

"المهم تبقوا كويسين يا حبيبي." ابتسم وقبل رأسها، وقبل أن يغادر، مسكت ذراعه وقالت بابتسامة خافتة: "مش هتصالح غالية بقي يا عبيدة؟ أنت الصبح قسيت عليها أوي." رسم الجمود على ملامحه وقال بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال: يجب أن يعلمها درسًا قويًا لا تنساه. غضبه منها لم يقل، كره تلك الصفة فيها، ولا بد أن تتعلم ألا تسمع ما يضايقها وتجعله يؤثر عليها بهذا الشكل.

"لا يا أمي، ولا هصالح ولا هحايل. أنا كويس إني ممدتش إيدي عليها، بنتك لازم تتعلم كويس إنها مترميش ودنها يا أمي، دي كارثة." تنهدت بقوة، ولكنها هتفت من جديد علها تجعل متحجر الرأس هذا يلين: "معلش، خليها عليا أنا المرة دي يا حبيبي." رفع حاجبيه الاثنان لأعلى وقال بابتسامة باردة وهو يغمزها بإحدى عينيه: "لا يعني لا يا صفصف، يومين كدا تتعلم وبعدين ربك يحلها."

أرسل إليها قبلة في الهواء وصعد بخطوات مسرعة اتجاه غرفته، ولم ينظر لغرفة غالية حتى. بينما هي ضربت كفًا بأخرى وقالت بيأس: "وارث العند من أبوه، الله يرحمك يا يحيي." بعد عشرين دقيقة، خرج عبيدة من المرحاض بعدما استحم وبدل ملابسه لملابس بيتية تساعده على الاسترخاء. جلس على الفراش ووضع حاسوبه وبدأ في العمل بتركيز حتى أصبح الوقت متأخرًا للغاية.

وضع الحاسوب جانبه وتأوه بصوت مكتوم وهو يعتدل، فقد شعر ببعض الآلام في ظهره وكتفيه وفقرات عنقه. أول ما نظر إلى دفتره وأخذه وقلمه، بدأ يسجل إليها من جديد: في وقت متأخر من الليل، قد تجاوز الثانية صباحًا في الصعيد. وقف أمام المنزل الكبير يحاول وضع المفتاح ولكنه غير متزن. تأفف يوسف بخمول وهو يحاول فتح عينيه بصعوبة، حتى أخيرًا قام بفتحه.

سعل عدة مرات وبدأ في دندنة بعض الأغاني بصوت ثقيل للغاية، وصعد إلى الأعلى ناظرًا ناحية غرفة أوليان برأس غير متزنة مثل جسده. ابتسم بانتشاء وهو يتخيل نفسه معها، وهي بين أحضانه تضحك بسعادة. ساقته قدماه ناحية غرفتها بجسد يتطوح يمينًا ويسارًا بسبب كثرة المشروب الذي تجرعه تلك الليلة. فتح الباب، فتحة صغيرة بهدوء شديد، ونظر إلى فراشها الصغير التي تتوسده نائمة بعمق وابتسامة صغيرة على شفتيها كأنها تحلم حلمًا جميلًا.

اقترب منها للغاية بخطى هامسة غير مسموعة، وهز رأسه يمينًا ويسارًا بعنف كأنه يريد أن ينتبه لنفسه ويفيق. ازدادت ابتسامته اتساعًا وهو ينظر إلى جسدها الشهي بأعين سكنت بها الرغبة. اقترب أكثر ووقف أمام قدميها العاريتين حتى الركبة بشهوة كبيرة وقد فقد السيطرة على نفسه.

وضع كفه عليها يتحسسها ببطء ورغبة حارقة أشعلت صدره بل وجسده بأكمله. شعرت أوليان بعدم راحة وشيء غريب يتحرك على قدميها، ففتحت عينيها ببطء لترى ما هذا الشيء المزعج. فوجدته أمامها في حالة سكر وهيّاج، عيناه حمراء ظاهرة بوضوح من خلال النور البسيط المنبعث في الغرفة. ارتجف جسدها برهبة كبيرة حتى أكبر من رهبة حبسها وحيدة ليالٍ. فتحت فمها لتصرخ برعب، ولكنه كممها بسرعة وهمس بصوت ثقيل متهدج من الرغبة:

"بس اومال، اهدي متخافيش يا بت عمي، هبسطك على الآخر." كمم بيده اليسرى فمها، بينما يده الأخرى عملت على لف ذراعها بقسوة حتى وضعه أسفل ظهرها وضغط بقوة بجسده على جسدها حتى لا تستطيع الحركة. صرخت بصوت مكتوم، فذراعها ألمها بشدة من تلك الحركة. استغل وهنها وفعل في الآخر المثل سريعًا. رغبته الحيوانية تحكمت به تمامًا.

طفرت الدموع سريعًا من عينيها من الألم الشديد الذي اجتاح جسدها بلا رحمة، وخوفًا أن يستبيح الحقير هذا على عذرية جسدها. بينما هو ابتسم بانتشاء وما زالت يسراه تكمم فمها ويمناه تحاول استباحة عذرية جسدها حيث أصبحت تشق ملابسها برغبة عارمة تفتك بجسده.

ولكن أوليان ليست من يستسلم بسهولة قط، لا يحظى بما يريده سوى على جثتها وبعد موتها، لا وهي على قيد الحياة. ظلت تقاوم وتحرك ساقيها بقوة رغم ثقل جسده الجاثم فوقها، ولكن دون فائدة. تجاهلت آلام ذراعيها التي حدث لهم بالتأكيد تمزق شديد والتفت على جانبها بحركة سريعة حتى استطاعت تحرير ذراعها الأيمن دون رهبة، رفعت أصابعها وخدشت بها عينيه بقسوة، فابتعد صارخًا، بينما هي صرخت بأعلى صوت تمتلكه وهي تحتضن ذراعيها وتحركت صوب باب غرفتها.

ظلت تصرخ بصوت عالٍ باسم جدها ليرى ما صنعت يداه من شاب مستهتر حقير لا يعرف الدين ولا يمتلك ذرة من الأخلاق. ركضت نجلاء حيث غرفة ابنتها بعدما استمعت صراخها العالي برعب، وكذلك ناجي الذي صرخ بعنف عندما وصل إلى غرفتها: "فيه إيه عاد بتصرخي إكده ليه؟ حقًا لم ير هيئتها من غشاوة عينيه الناعسة أم قلبه المتحجر الذي لم يهتم لها يومًا. دخلت الغرفة، فدخلت نجلاء وخلفها ناجي الذي نظر إلى يوسف بصدمة وركض ناحيته يقول بقلق شديد:

"ولدي إيه اللي حصل؟ ابتسم يوسف بمكر شديد متجاهلاً عينيه الصارخة بالألم ونزيف حوافها من عنف وشراسة أصابعها، وقال وهو يحاول الاتزان وخصوصًا في نبرة صوته: "معرفش مالها الليادي يا جدي، ما إحنا مقضينها من زمان." نظرت إليه أوليان في صدمة، لهذه الدرجة وصلت به البجاحة. شهقت نجلاء بعنف وابتعدت عن ابنتها التي كانت تحتضنها، واقتربت خطوة من يوسف وقالت بغضب شديد: "اخرس قطع لسانك يا حيوان، عاوز تهرب من عملتك السودة فتتهم بنتي؟

بنتي أشرف منك ومن اللي زيك." نظر الجد إليهم في صدمة غير مستوعب ما قاله يوسف. اسودت ملامح وجهه بعنف وهو ينظر إلى الجميع، أوليان ومظهرها المشع، نجلاء وصراخها وسبها التي توجهها ليوسف. وقف ينظر إليهم بعنف هادرًا بنبرة قاسية حادة وهو يتجه إلى أوليان المصدومة يقبض على خصلاتها بحِدة صارخًا بعنف: "آه يا فاجرة يا قليلة الحياء." صرخت نجلاء بنبرة كريهة وهي تُخلّص شعر ابنتها من الجبروت هذا:

"ابعد عن بنتي، ده ولد زبالة وكداب، ابعد." ارتاع جسد يوسف لثوانٍ، ولكنه أكمل وصلة كذبه وقال وهو ينظر إلى الجد: "متصدقهاش يا جدي، أنا كل يوم والتاني أهنه في أوضتها، اومال أنا دخلت كيف يعني؟ واشمعنى المرة دي تحديدًا اللي منعت؟ هتلجيها شافت لها شوفة تانية اياك. تِلك المرة لم تستطع نجلاء أن تُخلص ابنتها منه، فقد أنهال عليها بالصفعات القاسية يمينًا ويسارًا بالتتابع حتى همد جسدها وسقطت أرضًا ونجلاء تصرخ وتتوسل حتى يتركها.

تابع يوسف ما يحدث بصمت وارتاح قلبه، فهو يعلم أن الجد سيصدقه، ولما لا، وهو يفعل هذا دائمًا وأبدًا. وقعت نجلاء أرضًا بعدما دفعها الجد بغلظة للخلف، ومسك شعر أوليان بقسوة شديدة جارًا إياها خلفه وهي جامدة كالحجر، لا تصرخ، لا تبكي، عيناها متحجرة كأنها على وشك الموت. هبط بها إلى الأسفل حيث الغرفة الفارغة الذي تركها فيها قبل ذلك عدة ليالٍ، ونجلاء تهرول خلفها برعب. دفعها بعنف وأغلق الباب وصرخ في وجه نجلاء

التي تصرخ باسم ابنتها: "اخرسي واكتمي حسك يا مرة، ليمين بالله أطخك وأطخها وأخلص من عاركوا. قلت له قبل سابق إن بت مصر هتجبلنا العار، واهي بنتها هي اللي جابته." صرخت بعنف وقالت: "أنت ظالم، ربنا ينتقم منك، بنتي أشرف منكوا كلكوا، حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا."

نظر إليها بكره شديد، لم يكن راضيًا يومًا على زواج ابنه من قهراوية لا تعي ولا تفهم عاداتهم وتقاليدهم، ولكنه تزوجها وترك الصعيد بأكمله وعاش بها في القاهرة، ولكن تحت إصرار أبيه عاد بها مرة أخرى، وليته لم يعد. صرخ بها في حدة بجملة جعلت أوصالها ترتجف من الرعب: "بكرة دخلتها وهتبقى بلدي يا بت مصر، وساعتها هنشوف، وبعدها هتبقى مرة يوسف يتصرف بها كيف ما يريد." لطمت وجهها بصدمة وصرخت بأعلى صوت تمتلكه:

"يا ظالمة يا ولاد الكلب، أقسم بالله اللي هيجي ناحية بنتي هقتله. أنا استحملت كتير بس خلاص فاض بيا، حابس المظلومة وسايب الظالم الحقير لييييه؟ ربنا ينتقم منك." صفعها بعنف حتى وقعت أرضًا وانحنى يصرخ فيها بقساوة: "اخرسي، جطع لسانك يا مرة اللي تطول لسانها علينا نجطعولها، يوسف راجل ميعيبوش حاجة. الدور والباجي على بتك الفاجرة." التفت ينظر إلى يوسف وأمره بنبرة عالية سمع لها كل من في القصر من خدم:

"جهز حالك وكلم الناس، ليلة الحنة بكرة وبعديها الدخلة وهتبقى بلدي كيف ما جلت، واللي هيجف قدامي الله في سماه أطخه."

قالها واندفع اتجاه الغرفة التي دفع بها أوليان منذ قليل وأغلق الباب خلفه سريعًا بقوة، وتلك المرة لم تستطع أوليان كتم صراخها، بل ظلت تبكي وتصرخ بصوت عالٍ سمعه كل الموجودين من كثرة الضربات التي تلقتها وقساوتها الشديدة، ونجلاء بالخارج صوتها بح من كثرة الصراخ وهي تلطم وجنتيها بعنف وقلبها يكاد أن ينخلع من مكانه. وهي تطرق الباب بقوة تريد كسره، ولكن كيف... صرخت ببكاء شديد وما زالت تطرق الباب بقوة:

"هوديكوا في داهية يا ولاد الكلب، كنت عاملة حساب جوزي وبقول أبوه واستحمل، بس برحمة جوزي لهخليكوا تبكوا بدل الدموع دم." خرج ناجي من الغرفة بعدما فرغ طاقة غضبه الجنونية بجسد أوليان المسكينة، ونظر إلى نجلاء بقسوة رادفًا بنبرة آمرة: "بتك حنتها بكرة، جهزيها يا بت مصر." قالها وانصرف آمرًا خادمات البيت بعدة أشياء عديدة، ومن رعبهم منه هرولوا لينفذوا ما أمرهم به.

دخلت نجلاء سريعًا وسقطت أرضًا وهي ترى ابنتها بهذا الوضع، مظهرها مزري للغاية، شعرها مشعث بسبب كفه الغليظ الذي قبض عليه وجذبها منه دون رحمة، وجهها شديد الاحمرار بل غذي عليه اللون الأزرق الغامق، أنفها وفمها ينزفان دمًا، ملابسها تمزقت من الضربات، وجدت حزامًا جلديًا غليظًا قابعًا بجانبها أرضًا. صرخت بصوت عالٍ وهي تحتضنها بقوة، يكاد قلبها أن يتوقف عن الدق من الرعب على ابنتها. سمعت همس أوليان الضعيف وهي تقول

بنبرة متعبة تكاد لا تسمع: "لو حصل اللي عاوزين يعملوه، عمري ما هسامحك يا ماما." قالتها وأُغشي عليها، تتمنى ألا تستيقظ، تتمنى أن تموت وتذهب لبارئها في مكان لا يوجد للظلم فيه مكان، بل العدل فقط. استيقظ من نومه بفزع، لا هذا جنون. جسده متعرق ويتنفس بسرعة شديدة. استغفر الله عدة مرات، تلك المرة لم يحلم بطفلته، بل حلم بها هي، أوليان. غزالته، حلم بها تصرخ وتبكي، ووحوش مخيفة تهاجمها. انتصب في وقفته بخوف هامسًا بنبرة مذعورة:

"معقول... معقول تكون البنت اللي بحلم بيها أوليان؟ قلبي هيقف فيها إيه؟ قاطع وصلة رعبه وتفكيره صوت رنين هاتفه. ركض إليه وأخذه بكف مرتعش، وتوقف قلبه عندما وجد الشاشة تضيء باسم عمته التي لم تهاتفه أبدًا. كان هو يهاتفها كل مدة ويسألها عن أحوال أوليان بشكل غير مباشر، كان يتمنى أن يسمع صوتها، ولكنه لم يطلب، خاف أن يجن عندما يسمع صوتها ويصرخ بحبه لها مباشرة.

فتح الخط بعدما ابتلع لعابه الجاف بصعوبة بالغة، وكاد أن يتحدث ويلقي السلام، ولكنه تصنم وهي تقول: "الحقني يا ابني، أبووس إيدك، هيموتوا بنتي." وضع يده على قلبه مباشرة، قلبه الذي يؤلمه الآن بقوة. توقف لسانه أو شلت عضلته، لا يعرف. يريد التحدث، يريد الصراخ بذعر، ولكنها واصلت وقصت له ما حدث على عجل، وقالت برجاء بعدما انتهت من سرد الحكاية الموجعة: "الحق بنتي يا ابني، أبووس إيدك."

طمأنها بسرعة وأخبرها أنها مسافة الطريق فقط وسيقبع أمامها. رمى الهاتف على الفراش بعدما هاتف مازن بضرورة وجوده حالًا، ففريد سافر أمس إلى شرم الشيخ ليحضر بعض الاجتماعات الهامة، كما هاتف أحد معارفه صاحب شركة حراسات بتجميع أقوى وأكفأ رجاله. بمعجزة إلهية من الله، تحرك بسرعة ليرتدي ملابسه على عجالة. حقًا لم يهتم بأي ملابس يرتدي، أي شيء قابله ارتداه بسرعة قصوى، لا يعرف كيف خرج من المنزل وكيف تجمع بصديقه والرجال.

لم يرد على أسئلة مازن الذي يلقيها كل ثانية على مسامعه، يريد فقط أن يطمئن ويعرف ما الذي حدث. أما هو، فلم يسمعه من الأساس، فقط ملامحه سوداء شرسة وعيناه أصبحت حالكة قاسية، والسيارة تكاد أن تطير عن الأرض الإسفلتية لسرعتها القصوى. وثلاث سيارات من الرجال تتبعه بسرعة عالية، فقد أمرهم الرجل الذي هاتفه عبيدة أن يسمعوا ما يأمرهم به وينفذوه، أي كان الأمر.

تجلس باكية بجانب ابنتها الراقده بتعب شديد. تأخرت كثيرًا حتى اتخذت تلك الخطوة، ليتها فعلتها منذ زمن، ولكن ما تأذت ابنتها الوحيدة وقد شاركت هي بخوفها وسلبيتها في أذيتها. وضعت كفها على رأسها بحنو تلعب في خصلاتها برفق شديد حتى لا تؤلمها وهمست بندم، ولكنه الآن لا يفيد، فابنتها مسجية أمامها وكان جسدها منذ ساعات قليلة مدرجًا بالدماء.

"آه يا بنتي، يا ريتني كنت مت قبل ما أشوفهم بيعملوا فيكي كده. أبوكي الله يرحمه وصاني قبل ما يموت إني استحملهم وإن مسير أبوه قلبه يحن عليا وعليكي، يا ريتني ما سمعت الكلام. خوفي آذاكي أكتر منهم." شهقت باكية وهي تضع رأسها على صدر ابنتها تنتحب بقوة: "سامحيني يا أوليان، سامحيني على الخطوة اللي جت متأخرة سنين. أنا كلمت عبيدة ابن خالك، طمنّي وقالي إنه مسافة الطريق وإني مخافش وأطمنك، هيقدر ياخدك من هنا غصب عنهم كلهم."

"أكيد أبوكي هيسامحني إني مسمعتش وصيته ومعملتش بيها، هو ميرضاش إن يحصلنا كدا، بس انتي قومي واتكلمي معايا، قلبي وجعني عليكي أوي، يا ريتني أنا اللي راقدة رقدتك دي يا بنتي، سامحيني يا أوليان... سامحيني يا نور عيني."

أغمضت عينيها بقهر وقد توالت دموعها بكثرة تسقط بعنف فوق وجنتيها وقلبها يحترق على ما آلت إليه الأمور. ابنتها نائمة على الفراش شبه فاقدة للحياة، رغم أنها حممتها وأبدلت ثيابها وهي شبه فاقدة لوعيها، لكن آثار الضربات القاسية ظاهرة بشدة على وجهها الملوث بعلامات أصابعه القاسية التي طبعت ألوانًا متداخلة من الأحمر والأزرق. وجهها منتفخ من كثرة الصفعات المؤلمة التي تلقتها. عندما أزالت نجلاء ثيابها، صرخت بصوت مكتوم وهي ترى علامات الحزام الجلدي على جسد ابنتها وبعض الأماكن مكدومة بشدة كضربات لعصا غليظة.

أشرق الصباح، فالساعة أصبحت السادسة وقت الشروق وما زالت هي تجلس بجانب ابنتها النائمة. كل دقيقة تنظر إليها بلهفة تتمنى فقط أن تفتح عينيها. صوت أنفاسها المنتظمة فقط ما يجعلها متيقنة أنها ما زالت على قيد الحياة.

سمعت صوت دربكة شديدة يأتي من الأسفل، فقامت وفتحت الشرفة وقلبها انقبض وهي ترى بعض الرجال يقومون بتزيين الحديقة بالزينة التقليدية لحنة الرجال في بلدتهم. وضعت يدها على قلبها مباشرة، قلبها الذي يعتصر من الألم. ولكن مكالمة عبيدة لها منذ قليل وأنه قارب على الوصول هدأتها قليلاً. ضرب عبيدة على المقود بعنف وصرخ بنبرة مرتعشة: "الطريق بيطول كده ليه؟

تنهد مازن بقوة وربت على كتفه يهدئه دون حديث، فقد قص له عبيدة منذ ساعات قليلة للغاية ما حدث، يعذره في خوفه وقلقه، بل رعبه عليها. صرح عبيدة بعشقه دون كلام، خوفه عليها وغضبه بتلك الطريقة جعلوا مازن يفهم شعور عبيدة، لذلك كان متعبًا طيلة أيام خطبته، يبدو أنه ليس الغبي الوحيد. ليس الوحيد من يحب بصمت دون البوح بمشاعره. وها هما الآن يجنيان ما حصدوه من كتم المشاعر. صديقه يعشق ابنة عمته الصغيرة، الذي رآها مرة...

مرة واحدة وأصبح عاشقًا مجنونًا بكل ما تحتويه الكلمة من معنى. حب وعشق بصمت، عشق تغلغل لأعماق قلبه، وما أقساه العشق من طرف واحد وهو يعلم كثيرًا. فهما يمران بتلك التجربة القاسية، ولكن ما أقساه في حالته هو أن من يعشقها تعشق آخر، بل والألعن تعشق صديقه. "اهدي يا عبيدة، إحنا الحمد لله هنوصل قبل ما أي حاجة تتم." صرخ عبيدة بقسوة وقد احمرت عيناه للغاية وهو يزيد من سرعة السيارة: "اهدي...

دا برحمة أبويا لهدوس عليهم برجلي، ولاد الكلب اللي ضربوها وأذوها وعاوز دكر فيهم يقف قدامي." تأكد مازن بالفعل أن عبيدة وصل لمرحلة الجنون. أغمض عينيه قليلًا وتخيل غالية مكان تلك الفتاة وعلم أنها ضُربت وتأذت. نفض تلك الفكرة عن عقله سريعًا، لم يستوعبها من الأساس ولن يتحملها، وبالفعل من يأذيها سيأكله بأسنانه حتى يطلب الرحمة، ولكن عبثًا لن ينالها.

أخيرًا، بعد قيادة السيارة على سرعة عالية جنونية وبعد عدة ساعات كان القلق والرعب بلغ به مبلغه، وقفت السيارات الأربع أمام بوابة سوداء كبيرة، وجدها مفتوحة على مصراعيها فدخلها دون استئذان، والثلاث سيارات مثله. هبط عبيدة من السيارة بشكل متأهب كأنه على وشك قتل أحدهم، ودخل بخطى راكضة وهو يصرخ باسمها بصوت عالٍ: "أوليــان... ابتسمت نجلاء بفرحة وهي تسمع صوته في الأسفل، بينما أوليان ما زالت كما هي نائمة، لم تفتح عينيها حتى.

في الأسفل، دخل عبيدة ومازن ووقفا أمامهما ناجي ويوسف، الذي قال بصوت عالٍ غاضب: "انت مين يا جدع انت وكيف تدخل سرايا ناجي بالطريقة دي؟ نظر إليه عبيدة نظرة قاسية، فقد تكون الجحيم داخل مقلتيه المشتعلة، بينما صاح ناجي بتساؤل: "ما ترد يا جدع انت كيف تدخل علينا إكده؟ أنا بشبه عليك بس مفكرش انت مين." اقترب عبيدة عدة خطوات وقال بصوت مزلزل يرتعد منه الأبدان: "أنا اللي هندمكوا هنا نفر نفر...

هخليكوا في الصعيد كله متسووش جنيه، هخلي العيل الصغير يشوفكوا يضحك عليكوا، هخليكوا عبرة." ضرب ناجي بعصاه الخشبية الغليظة أرضًا بقوة وصاح محتدًا: "الزم حدك يا واد انت واعرف انت بتكلم مين زين، لاحسن أدنك مطرحك." وقفت نجلاء أعلى الدرج وصاحت بإستغاثة: "عُبيـده... رفع عبيدة رأسه بلهفة واتجه إليها راكضًا، وقف يوسف حائلاً، ولكن عبيدة دفعه بقسوة أوقعه أرضًا وصاح في الرجال بنبرة عالية حادة:

"محدش يطلع من هنا، خصوصًا ابن الكلب دا." قالها وهو يشير إلى يوسف الملقى أرضًا يتأوه، فهو بمقارنة بعبيدة كالقط في مواجهة الأسد بسبب ما يتناوله من مخدرات وتجرعه للخمر بكثرة. صعد عبيدة الدرجات بسرعة قصوى، فكان يصعد بالثلاث درجات مرة واحدة، وما إن وقف أمامها صاح بلهفة ورعب لا يستطيع تخبئته: "أوليــان... أوليــان فين يا عمتي؟

أحيانًا كثيرة يتألم القلب بقسوة ما إن يشعر فقط بألم من يعشقه، وهي تألمت وعانت منذ سنوات وهو شعر بمعاناتها دون حديث.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...