فتح عينيه بهلع وهو يشعر بجسدها يرتخي بين يديه. سقط معها أرضاً وقلبه سقط معه خوفاً وفزعاً عليها. كفّاها باردتان كالثلج، وجهها شاحب، دموعها تغرق وجنتيها، وجهها يظهر عليه الحزن والوجع حتى وهي مغمضة العينين. من صدمته وخوفه لم يتحدث ولم يصرخ، فقط ينظر إليها وقلبه ينكوي من الحزن وجسده يغلي من الغضب. أنفاسه سريعة غاضبة، ينظر إليها بعينين ملتبستين بدموع الخوف عليها.
حملها وهو يتحرك ببطء، كأن الهم أثقل خطواته. وضعها على الفراش برفق شديد وجلس بجانبها وهو يراها ذابلة ضعيفة، والأقسى موجوعة. أخذ من عطورها ونثرها على يده، وضعها أسفل أنفها لتفوق من إغمائها. كرر فعله مرة، اثنتين، ثلاث، حتى بدأت تفتح عينيها بهدوء. نظرت إليه، نظرت إلى أخيها وشهقت بعنف.
شهقات عالية متتالية، تبكي كما لم تبكِ من قبل، تبكي قبله، قبل عينيها، تشعر بوجع عظيم. كانت منذ ساعة وأكثر أسعد إنسانة في العالم بأكمله، بينما الآن هي أتعس واحدة. تبكي وتشهق بعنف وهو يحتضنها بقوة ومواساة ويربت على ظهرها، كأنه يعتذر منها على ما تشعر به. يشعر بذنب عظيم تجاهها، ليت لم يصاحب هذا الحقير. كانت هي الآن بسلام دون هذا الجرح العميق الذي وجعه قبلها، الذي شطر قلبه لنصفين وهو يرى أخته الوحيدة تبكي وتتألم.
لا يعلم ما يجب عليه فعله، ما تؤمر به سينفذه على الفور، ولكن لا يوجد شيء مهما كان ثمنه يداوي جراح قلب نازف، يشعر بالوجع والخزي. سقطت من السماء السابعة أرضاً بعنف، أوجعها وحطمها وشطر قلبها الضعيف لنصفين. هدأت وصمتت، ولكن بشكل يقلق. وجهها الشاحب أقلقه، جعل قلبه يرتجف بخوف. أغمض عينيه بتعب، يشعر بمتاعب الدنيا بأكملها محملة على ظهره. نظر إليها بخوف عميق يتخلله، وهو يراها صامتة، شاردة، كأنها لم تكن تبكي منذ لحظات.
هدوئها الغريب جعل الخوف يتزايد أضعافاً مضاعفة. ابتلع لعابه بخوف وقال بصوت مختنق وهو ينظر داخل عينيها الذابلتين:
"غالية، أنا حاسس بيكي. صدقيني أنا بتقطع وأنا شايفك كده. والله حاسس بنار في جسمي كله، سكاكين باردة بتنغز جوه قلبي وأنا شايف بنتي بالشكل دا. فريد ميستهلكيش، الوسخ ده ميستاهلش دمعة واحدة تنزل من عيونك. دموعك غالية زي اسمك. الحقير ده ميتبكيش عليه ولا لحظة يا غالية. صدقيني هاخدلك حقك منه، هاخد حق كل دمعة نزلت من عينك كوت قلبي." حاوط وجهها الشاحب بين كفيه وابتسم بوجع يكاد يبكي وهو يرى حالتها تلك:
"إنتِ تستاهلي راجل يشيلك فوق راسه ويحطك في عينيه، راجل يحبك يخاف عليكي من نسمة الهوا. أنا مش هسلمك لأي حد، هسلمك للي يصونك ويخلي الابتسامة مرسومة على وشك." هبطت دموعه رغماً عنه، يشعر بنار حارقة تلتهم جسده التهاماً. يشعر بوجع شديد في قلبه. هي صامتة، لا تتحدث ولا تبكي، فقط تنظر إلى الفراغ، وقلبها مشطور. عقلها توقف عن العمل، كأنها لا تريد الحياة بعد ما عرفته ورأته بعينيها.
فريد وجنى اجتمعا سوياً لكي يفرقا شمل عائلتهم باستخدامها هي. فريد يمثل عليها الحب ليستغلها، وجنى تقف من بعيد تبتسم بنصر. وهي الحمقاء الوحيدة التي برسالة واحدة منه طارت من السعادة وشعرت بأنها محلقة كطير ترفرف بأجنحتها في السماء. وبعد دقائق، فاقت من حلمها الجميل على كابوس بشع لا تريد تصديقه، ولكنه للأسف الواقع المرير التي ستتعايش معه مرغمة، كارهة، نافرة منه.
عض على شفتيه يحاول التحكم بأعصابه، يشعر بأنه سينهار بين لحظة وأخرى. أوليان في غرفته كانت خائفة، منهارة. أخته بين ذراعيه تشبه الأموات في شحوب وجهها ونظراتها الفارغة. والدته التي عندما تعلم سيتألم قلبها. عائلته تنهار واحدة تلو الأخرى، وهو يقف يشعر بالهم، التعب، والثقل الشديد. وجدها تغمض عينيها بهدوء، شعر بالقلق. وضع كفه أسفل أنفها، وجدها تتنفس بانتظام. نامت أم تمثل النوم؟ لا يعلم.
وقف بجد متعب ثقيل، ينظر إليها بحزن شديد وكفه يضغط على خصلاته بعنف. لن يقف صامتاً وهو يعلم أنهم يتآمرون عليه. خرج من الغرفة قاصداً غرفة والدته. لابد وأن تعرف كل شيء حتى تقف بجوار ابنتها المنهارة وزوجته الخائفة المرتعبة.
صرخت صفاء بصدمة عندما قص لها عبيدة كل شيء. وقلبها انقسم لوجع ابنتها. دموعها تسابقت كنزول المطر على وجنتيها وركضت لغرفة ابنتها تطمئن عليها. ولكن وجدتها غافية. شعرت بالرعب، فاحتضنتها بقوة وتملكت إلى صدرها ودموعها تتسابق. أغمضت عينيها بوجع لهذا الأمر. كانت ابنتها متغيرة، صامتة معظم الوقت. ليتها قست عليها لتعرف سر تغيرها، حتى تنصحها أن تتحكم في قلبها كي لا تتألم. وضعت ابنتها على الفراش وخرجت قائلة بصوت غاضب لعبيده:
"عبيدة، أنا مش هقف وشايفة عيالي بينهاروا كده. إنت عارف إنهم بيتأمروا عليك عشان يأذوك في أختك ومراتك. متستناش حاجة تانية ليهم يا عبيدة." أغمض عبيدة عينيه بقوة، هو فعلاً عقله توقف عن التفكير في أي شيء. فقال بصوت مختنق موجوع: "أنا مش مستني حاجة يا أمي. أنا دماغي واقفة، مش عارف أفكر ولا عارف أعمل إيه. كل اللي حاسس إني عايز أقتلهم وبطريقة بشعة تطفي النار اللي قايدة في جسمي بتاكلها بغل."
جلس بإهمال، وقفت صفاء تبكي على حالهما جميعاً. قلبها يكاد يتوقف من الوجع على الجميع. ابنها وحزنه الشديد، ابنتها التي تحطم قلبها لشظايا، وزوجة ابنها الخائفة النائمة بوضع الجنين، وهي ونارها المشتعلة بسبب ما يحدث حولها. أزالت دموعها وجلست بجانبه وقالت:
"أول حاجة، إحنا لازم نبعد عن هنا فترة كبيرة يا عبيدة، مكان محدش يعرف إننا موجودين فيه. أوليان تطمئن إن جدها مش هيطولها، وغالية تبعد وتغير جو ونحاول ننساها، رغم إني عارفة إنه صعب." قالت جملتها الأخيرة باختناق، وقلبها يتفتت لرؤية ابنتها بهذا الشكل. زفر عبيدة أنفاسه بقوة، يشعر بأنه لا يستطيع التنفس براحة وحياته تنقلب أمامه رأساً على عقب. أومأ موافقاً وقال:
"حاضر يا أمي. هكلف مازن ومديرين الشركة يتولوا هما مسؤولية الشركة الفترة دي، وبالليل نسافر في أي مكان بعيد، بس الأول أوليان هتروح المستشفى تفك الجبس." فرك وجهه بعنف، وقد فكر في مازن وحبه الشديد لغالية، ولكن أخته في حالة انهيار وحزن شديد، فكيف سيستطيع مازن الدخول لقلبها؟ كيف يُنسيها ما هي به؟ هي تتألم هنا وهو الآخر يتألم هنا. نظر عبيدة إلى والدته وهمس باختناق:
"أنا تعبان يا أمي، حاسس إن الدنيا مستكتره عليا الفرحة. الدنيا بتضيق من حواليا أوي وأنا شايف غالية بالشكل ده." جذبت رأسه تحتضنها بقوة ودموعها تنهمر دون توقف، وقلبها يلعب بقسوة. جنى وفريد فقالت بهدوء كاذب: "خلي أملك في ربنا كبير يا حبيبي. ربنا هيحلها. أما جنى وفريد دول حسابهم هيبقى عسير أوي لأنهم طلعوا أعن من أهل أوليان." خرج من بين ذراعيها، مؤكداً بهزة من رأسه وعينيه الحمراء غاضبة، تعصف بمشاعر متضاربة يتفوقها الغضب.
قام بتعب واتجه إلى غرفته حيث مازالت هي نائمة. مجرد ذكر اسم ناجي أرعبها، جعل كل خلية من جسدها تنتفض بخوف شديد. اتجه نحوها وأيقظها بهدوء، فقامت منتفضة خائفة. هدأت فور أن رأته أمامها، وجدت نفسها تحتضنه بقوة كأنها وجدت أمانها يتجسد أمام عينيها. تنهد بتعب وألم وحرك كفه بحركات طولية مهدئة وقال: "إهدي يا حبيبتي ويلا البسي عشان نروح المستشفى نطمن على رجلك."
أومأت بصمت واتجهت بخطى بطيئة، ترتدي أي شيء قابلها بإهمال. هي حتى لم تكن قادرة على انتقاء ملابسها بعناية. كلما خرجت معه. حملها بين ذراعيه وهبط بها الدرج، والصمت هو سيد الموقف. ذهب بها المشفى وتم فك جبيرة ساقها، ونصحه الطبيب بالاهتمام وعدم الركض والضغط عليها لفترة محدودة. فأومأ بصمت وحملها وخرج.
في السيارة، هي صامتة، ليست متحدثة كباقي الأيام، تضحك وتغني وترقص بيدها بحركات خرقاء. كان هو يضحك عليها بصوت عالٍ، وعيناه على الطريق بشرود، وهي تضع رأسها على زجاج السيارة بصمت خارجي وخوف ورعب داخلي. في القصر، دخلت صفاء غرفة ابنتها المظلمة. أنارت الإضاءة ونظرت إليها بوجع. ابنتها تتمدد جسدها على الفراش تنظر إلى الأشياء بجمود دون إبداء أي رد فعل.
حاولت بصعوبة كبت دموعها. كانت نجلاء في المطبخ تقف تعد الطعام بحزن شديد. وضعت الطعام لغالية على الصينية وحملته وصعدت. دخلت الغرفة هي الأخرى ولمعت عيناها بالدموع. تنهدت بتعب وقالت بثبات مصطنع: "أنا عملتلك كل الأكل اللي إنتِ بتحبيه يا غالية." قالت جملتها ووضعت الصينية على المائدة الصغيرة التي تتوسط الغرفة. ومدت يدها على منكب صفاء تضغط عليه بدعم. لا تريدها تبكي دون فعل كما فعلت هي مسبقاً.
نظرت إليه بتحذير صامت أن يكف عن البكاء، فمسحت صفاء عينيها من الدموع واتجهت نحو ابنتها بابتسامة ألم وجلست بجانبها على الفراش وقالت: "يلا يا غالية يا حبيبتي عشان تاكلي. عمتك نجلاء عملتلك الأكل اللي بتحبيه. إنتِ مش شامة ريحته تجنن؟ رغماً عنها، سقطت دموعها. لم تستطع التحكم بدمعاتها الساخنة التي هبطت على وجنتيها، ألهمتهم، وهي ترى ابنتها في تلك الحالة الصعبة.
بينما لم تنظر إليهم غالية ولم تنطق، بقيت كما هي صامتة، جامدة. عيناها فقدت الحياة، وجهها شحب شحوب وجوه الموتى، كأنها حزينة منذ سنة وأكثر. لم تستطع صفاء البقاء في الغرفة، فانصرفت جاهشة في البكاء، تلعن جنى وفريد بصوت عالٍ. بينما جلست نجلاء بجانب ابن أخها وقالت بحزن دفين:
"أوعي تبقي ضعيفة وتستسلمي للأمر الواقع يا غالية. أوعي تغلطي غلطتي يا بنتي وتعيطي، تحزني وتسكتي. هتندمي ندم عظيم. هتحسي إن عمرك بيروح واللي حواليكي بيتأذوا عشان بس استسلمتي." "فريد ده مش الراجل اللي يتزعل عليه ولا إنك حتى تنزلي دمعة من عينيكي عشانه. ده تدوسي عليه برجلك زي حشرة قرفانة منها. يمكن الحشرة أحسن وأفضل لأنها مبتأذيناش في حوالينا بشر ملعونين عايشين بس عشان يأذوا اللي حواليهم."
"الناس دي بتبقى عندها عقدة نقص يا غالية، بيحسوا بمتعة بأذية اللي حواليهم أو التقليل منهم. إنتِ أحلى وأجمل مليون مرة من جنى. تصدقي إن نفسي فريد وجنى يجتمعوا مع بعض عشان هما شبه بعض، عندهم نقص وغرور هيجيبهم الأرض. لكن إنتِ غالية يا حبيبتي، هتعوزي الراجل اللي يصونك ويسندك. أنا عارفة إنك تعبانة وموجوعة وكمان مصدومة، بس يمكن كلامي ده ينبهك لحياتك شوية."
"أمك بتتقطع وهي شايفاكي كده، وأخوكي مش شايف قدامه، حاسس إن بنته بتروح من بين إيديه." وضعت نجلاء كفها على وجه غالية تحركه بلطف شديد وأكملت: "هسيبك مع نفسك شوية، عاوزاكي تركزي في كل كلمة قولتهالك. أوعي تسيبي حياتك تتسرسب من بين إيديكي من غير فايدة. اليوم اللي بيروح مش هيجي زيه يا غالية، وكله من عمرنا يا بنتي." أنهت كلامها وتنهدت بوجع وحزن على حالها، فمن يراها يقسم أنها ستموت بعد دقائق من هيئتها تلك.
خرجت نجلاء وأصبحت غالية بمفردها، صامتة، مصدومة، عقلها لا يستطيع العمل. شعرت بآلة حادة مدببة اخترقت قلبها بقسوة دون رحمة. وهمها أنه يحبها ويريدها زوجته، وهو يفعل هذا كتمثيلية حقيرة مبتذلة بالاتفاق مع جنى ابنة خالتها..؟! لماذا تفعل معه هذا؟ لماذا يتفقان على تدميرها وتحطيم قلبها المسكين؟ لماذا فعلوا ذلك معها..؟!
هبطت دموعها بكسرة، وقد شعرت بوجع كبير بقلبها لدرجة أنها وضعت كفها عليه تضغط بقوة وانفجرت باكية. أغمضت عينيها بقوة وهي تضغط بقسوة على قلبها، تريد إيقاف نبضه حتى ترتاح من وجعه المتزايد. وصل عبيدة وأوليان التي تتحرك بجانبه بصمت، وجدوا صفاء تبكي بشدة في حضن نجلاء التي تربت برفق على ظهرها وتهمس بكلمات بسيطة تحاول تهدئتها، ولكن دون فائدة. اندهشت أوليان وتحركت بخطوات سريعة إليهم تقول في لهفة وهي توزع نظراتها القلقة
بين والدتها وزوجة خالها: "إيه؟ بتعيطي ليه يا طنط؟ إيه اللي حصل يا ماما؟ نظرت نجلاء إلى عبيدة وتنهدت بتعب. ازداد قلق أوليان وانقبض قلبها خوفاً. ونظرت إلى عبيدة وصرخت ببكاء: "إنتوا لازم تعرفوني إيه اللي بيحصل. حرام عليكوا، قلبي هيقف من الخوف."
حاوطها عبيدة بذراعه بقوة وقص عليها ما حدث بالتفصيل. لن يجد فائدة في تخبئة الأمر عنها. فتحت أوليان عيناها بصدمة وهي تستمع لما يقوله عبيدة. طال الأذى غالية بسببها. هي السبب الأول والأخير فيما يحدث. اقشعر بدنها بقوة. غالية الآن محطمة وتعتبر هي السبب الرئيسي للأذى التي تتلقاه غالية.
جلست بإهمال، غير مصدقة لما يحدث حولها. فجأة انقلب نعيمها إلى معاناة. قبضت قلبها الغريبة عندما رأت جنى للمرة الأولى ليست من الفراغطلاقاً. فهي شعرت أن حياتها ستنقلب رأساً على عقب وأن الحياة التي فتحت ذراعيها لها فجأة ستغلقهم عليها بقسوة لتدمرها وللأبد. نظر عبيدة لها بتفحص، وقد علم ما يدور داخل عقلها الصغير. كان متأكداً أنها ستفكر بتلك الطريقة التي ستجعلها تصمت وتحزن.
زفر أنفاسه القوية بعنف، آملاً أن يهدأ وتهدأ نيران جسده حتى ولو قليلاً، ولكن دون جدوى. اتجه عبيدة إلى والدته وقبل رأسها مطولاً بحنو قائلاً: "إهدي يا أمي، كل حاجة هتتحل. صدقيني." أومأت برأسها بعدما هدأت قليلاً وتنهدت مطولاً بتعب. بينما صعدت أوليان بصمت، وراقبها عبيدة بعينين حزينتين متعبتين وصار خلفها.
دخل الغرفة وجدها تجلس على الفراش تدفن وجهها بين كفيها، تبكي بصوت عالٍ بشهقات عالية. فرك وجهه بعنف، هو حرفياً استنزفت طاقته بأكملها. شد خصلاته بقوة وتنهد واتجه نحوها يجلس بجانبها، وقبل أن ينطق بكلمة، وجدها تتكلم بصوت مختنق باكي: "كل ده بسببي. تخيل لو مكنتش جيت وقابلتني، كانت غالية متخدعتش بالطريقة البشعة دي." رفعت عينيها وقالت بشهقات عالية:
"كان نفسي تقولي ابعد عني وسيبني، يمكن المشاكل تهدى وتقل، بس مش هقدر يا عبيدة، مش هقدر أعيش بعيد عنك. صدقني مش هقدر." احتضنها بقوة كأنه يؤكد لها أنه لا يستطيع إبعادها عنه، أنه من يحتاجها بجانبه، ليس العكس. فقال بصوت قوي:
"أوليان، بلاش جنان. كله مقدر ومكتوب. ربنا رايد يورينا قلوب اللي حوالينا وجواهم إيه من نحيتنا. ربنا له حكمة في كده. له حكمة إني أشوفك وأحبك وتبقي مراتي، وله حكمة إن غالية تعرف نوايا فريد الحقيرة عشان متفضلش متعلقة في قشة لآدمي وسخ وحقير. صدقيني كل حاجة هتتعدل. أنا كنت ناوي أصبر أشوف آخرهم إيه، بس لا، يا ويلهم مني يا أوليان، يا ويلهم."
ابتعدت تنظر إليه بضياع، حيرة، وخوف عليه قبل أي شيء، ومن بعده غالية التي وجدت بها الأخت والصديقة. تنفست أنفاس طويلة كأنها تعطي لرئتيها أكبر قدر ممكن من الهواء. بينما ابتسم عبيدة ابتسامة لم تصل لعينيه وقال: "عايزك تهدي ومتفكريش بدماغك الصغيرة دي تاني، فاهمها؟ أومأت بتعب، فقال: "عايزك تحضري شنطة ليكي عشان هنسافر بكرة أو بالليل الفجر نروح أي مكان نريح فيه أعصابنا ونبعد شوية."
حملته ووضعت قبلة مطولة على جبهتها وانصرف متجهاً إلى غالية، بينما هي تريد أن تذهب إليها، ولكنها هائفة من تلك المقابلة. غالية تدمرت بسبب فريد الذي كان يريدها هي. لها كل الحق أن عاملتها بضيق أو قسوة، حتى، ولكنها ليس لها ذنب في أي شيء... هي حتى لا تعرف فريد إطلاقاً، لا تتذكر أنها رأته. تولد كره كبير اتجاهه دون أن تراه. جنى وفريد أصبحت تكرههم وتنفر منهم بعد ناجي ويوسف. تتمنى هلاكهم جميعاً ولن تشفق حتى عليهم.
دخل عبيدة غرفة غالية، فأغمضت عينيها سريعاً حتى لا يعلم أنها مستيقظة. هي لا تريد أن تتحدث أو أن تسمع شيئاً، لا تريد الجدال، ليس لديها قوة لتخرج حرفاً من جوفها. هي لا تريد الكلام أو الاستماع لأي شيء..!! جلس هو بجانبها يتلمس خصلاتها بحنو أبوي وأخوي شديد، متنهداً بقوة وقال: "تعرفي يا غالية، كل دمعة نزلت من عينك ولدت جوايا غل عمري ما كنت أتخيل إنه يبقى في قلبي وحياة. كل دمعة نزلت من عيونك هجيبلك حقك تالت ومتلت."
قبل جبينها مطولاً وخرج، وهو متأكد أنها مستيقظة واستمعت إلى كل كلمة أخبرها بها. رفع سماعة هاتفه يطالب أحدهم، الذي أجاب بعد ثوانٍ قليلة بلهفة قائلاً: "أؤمرني يا عبيدة بيه." ابتسم عبيدة ابتسامة سوداء قاتمة، لا مرح بها ولا مزاح، وتنهد بعمق كأنه يخطط لشيء ما، وقال بهدوء يحسد عليه: "لما تلاقي يوسف راح للشقة إياها اللي بيسهر فيها مع الأوساخ اللي زيه، عرفني بعدها ثانية عشان ألحق أعمل اللي في دماغي."
ثم أغلق المكالمة وقرر أن يبدأ مخططه. به يوسف الذي سيحطم قلب ناجي، ووقتها لن ينفع مخطط فريد وجنى. سيجعلهم يلتفون حول أنفسهم فقط لأنهم خططوا لأذية عائلته.... !!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!