من صفات العاشق عدم شعوره بالإرهاق وهو يُتابع من يعشقه لساعاتٍ دون مللٍ او كلل، خصوصاً عندما يكون الاجتماع بمن يعشقه حلم بعيد كان يُصعب تحقيقه، وعندما تحقق يخاف قلبه أن يكن حلماً بالفعل لا صلة له بالواقع. ها هو يجلس بجانبها على الفراش منذ ساعتين وأكثر، فقط يراقبها في صمت وعيناه ملتمعة بالدموع، يراقب وجهها الجميل حتى تشويهه بسبب الدرجات، لم يقل جماله. يرفع كف يدها كل دقيقة وأخرى يُقبله بدفء كبير وهو يهمس بعشقه لها.
تنهد بحرقة وهو يرفع كفه يتلمس به وجهها المكدوم بخفة شديدة، ويسأل حاله: كيف تحملت كل هذا الألم؟ ماذا عانت؟ صرخت؟ بكت؟ ترجته أن يتوقف عن ضربها؟ هبطت دموعه من مقلتيه الغاضبتين وهو يتخيل الساعات بل الليالي والسنين التي عانت بهم تلك الطفلة. شعر بها تتململ، فكبت أنفاسه حتى لا تستيقظ، راقبها بشغف تتحرك على الفراش يميناً ويساراً وتتأوه، ولكنها مازالت نائمة مغمضة العينين. تنهد بحرقة ومازال يتابعها في صمت.
نظر إلى الكومود وفتحه بهدوء، وأخذ دفتره وقلمه، نظر إليها وابتسم باتساع، وبدأ يُسجل: "منذ ساعات مضت كنت أكتب إليكِ وأشكي بُعدك...
أنتِ الآن جانبي بل أصبحتِ زوجتي، وأشعر بفرحة عارمة رغم كل ما بي من ألم وغضب كبير، ولكن بالاضافة إلى ذلك أشعر بأميال تفصلنا، ولكني سأزيل ذلك الفاصل سريعاً. سأعلمك تدريجياً كيف تثقي بي قبل أي شيء، ثم بعدها تبدأ المرحلة الثانية وهي الأصعب، أن تحبيني ولو بمقدار ضئيل، وهي الأصعب لأن القلب ليس له سلطان ولم يقدر أحد على التحكم به، وهذا ما أخشاه يا أوليان... فأنا أعشقك بينما أنتِ لا."
انتهى من سرد ما يشعر به، ونظر إليها بمشاعر كثيرة متعددة، أكثرها العشق، ولكن براكين غضبه مازالت ثائرة، كل ذرة في جسده تشعر بالألم وهو يراها في تلك الحالة. أغمض عينيه قليلاً دون أن يغفو، هو فقط يفكر فيما يجب عليه فعله معها، هل سيستطيع التحكم بشكل كامل في مشاعره؟ أم سيصرخ بحبه لها بمجرد فتح عينيها؟ ظل يفكر في هذا الأمر طيلة الليل دون أن يريح بدنه المنهك. ***
في صباح اليوم التالي مبكراً، لم يمل من مراقبتها، لكنه يريد أن يهبط ليحضر إليها طعاماً خفيفاً لتتناول الجرعة الثانية من دوائها، لذلك قام وخرج من الغرفة بعدما ألقى عليها عديد من النظرات التي يشوبها القلق والحب. فتح الباب وكاد أن يهبط، ولكنه نظر إلى غرفة والدته بتوتر، قليل عليه إخبارها بالأمر وإقناعها بما فعله حتى لا تشعر بالحزن لما فعله.
يعلم أن والدته تحبه هو وأخته أكثر من أي شيئاً في الحياة وتريد فقط إسعادهم، لذلك لن تعارض، هو تمنى ذلك وهو متجه نحو غرفتها. فتح الباب بهدوء بعدما طرق، واستمع إلى صوتها يسمح بالدخول، ابتسمت فور أن رأته، فردها بتوتر شديد واقترب حتى جلس أمامها على الفراش. نظرت إليه بقلق لما صامت متوتر، عيناه مليئة بالأحداث، فسألته بنبرة قلقة: "مالك يا عبيدة فيك إيه يا حبيبي؟
لم يستغرب من شعورها اتجاه، فهي هكذا دائماً، هو ليس متوتراً لما فعله، هو فقط خائف ألا تحزن منه وتلومه، وهو الآن غير قادر على أي شيء. نظر إليها نظرات مبهمة لم تفهم ماهيتها، وصدمها بجملة واحدة: "أنا اتجوزت... نظرت إليه بملامح مصدومة كلياً، غير مصدقة ما سمعته للتو، فردت كلمته بزهول: "اتجوزت؟ حرك رأسه ببطء مؤكداً، فنظرت إليه وقالت ببهوت: "اتجوزت إمتى وإزاي ومن غير ما تقولي يا عبيدة، أنت اتجننت؟
قالت كلمتها الأخيرة بحدة نابعة من عدم تصديقها للأمر نهائياً، بينما هو نظر إليها باعتذار شديد، يعلم أنه مخطئ للغاية، فوالدته كانت أحق بأن تعلم كل شيء، ولكن لظروفه أحكام عصيبة. مسك كفها وقال معتذراً: "أمي أنا آسف، عارف إنك زعلانة بس هتقدري موقفي لما تفهمي." وقفت بغتة وشدت كفها بعنف من يده، ومازالت توجهه لنظرات مصدومة، وردت بحزن بالغ: "أقدر إيه وأفهم إيه؟
أفهم إن ابني جاي يبلغني بإنه اتجوز وجاي يبلغني زي أي حد، كتر خيرك يا سيدي إنك بلغتني، عاوزني أقولك إيه؟ قام ونظر إليها برجاء وهتف: "أمي ارجوكي افهميني، الحكاية غير ما انتي فاكرة، أنا هحكيلك كل حاجة."
بدأ يقص كل شيء لها منذ بداية عشقه الجنوني منذ سنوات حتى وقتهم هذا، وهي توسعت عيناها في ذهول وصدمة وهي تسمع حكايته الخيالية تلك، وجدت نفسها تدمع وتلتسم في نفس اللحظة. حزن قلبها لزواجه بتلك الطريقة غير المرضية، ولكن شيئاً ما داخلها يدق بسعادة لتحقيق حلمه. هبطت دموعها وقالت وهي تُقبّل وجهه بين كفيها المرتعشتين:
"بتحبها وكاتم في قلبك كل الوقت دا، وقبلت تخطب عشان بس ترضيني وعشان تحاول تناساها. غلطت يا عبيدة غلطت يا حبيبي، أنت معملتش حاجة غير إنك وجعت قلبك الفترة دي كلها، وجع القلب علاجه صعب يا حبيبي. منكرش إني زعلانة وده غصب عني، كان نفسي أفرح بيك. وفنفس الوقت فرحت إن ابني أمنيته اتحققت وشايفه السعادة في عينك رغم حزنك وغضبك، بس سعادتك طاغية كل ده، وأنا زي أي أم بتتمنى السعادة لعيالها." ابتلعت لعابها وقالت بضيق:
"أول حد غلط في كل ده هي عمتك اللي قبلت إن بنتها يحصل فيها كل ده. أنا مش قادرة أحط نفسي مكانها، مش عارفة كنت هعمل إيه، بس كنت هموت من الوجع وأنا شايفه بنتي بتتدمر جنبي." ارتمى في أحضانها بقوة، كأن أحداث اليوم تتوالى عليه تباعاً، يشعر بضيق شديد في التنفس كلما تذكر معاناتها تلك وهي بعيدة عنه، ولكنها الآن أصبحت بجانبه وعلى اسمه، سيفديها بروحه حتى تخرج من جسده. ربتت على جسده بحنان شديد وهمست تسأله:
"المهم يا حبيبي هي عاملة إيه دلوقتي؟ لسه نايمة؟ أومأ إيجاباً وأخرج صوتاً من حنجرته يدل على الإيجاب، ولكنه لم يبتعد عن أحضانها الذي شعر بدفئها وكم الحنان والراحة التي انبعثت بداخله، فقالت مبتسمة: "أنت عاوز إيه يا عبيدة؟ تلك المرة خرج ببطء من أحضانها ونظر بعمق إلى عينيها المنبعث منها الحنان، وقال بصوت متحشرج:
"عاوزها تحبني بس مش غصب، مش عاوزها تحبني لمجرد حبي ليها. أنا مش هعرفها إني بحبها رغم إني مفضوح بحبي ليها من تصرفاتي ومش هقدر أتظاهر بالبرود مستحيل، بس مش هعترف. عاوزها تحبني بمزاجها يا أمي، وتاخد الوقت اللي تحبه، لو سنين هستناها، عاوزها تحبني حتى لو ربع حبي ليها." أدمعت عيناها متأثرة لحال والدها الوحيد، ولكنها أزالت دموعها سريعاً وقالت بمزاح: "طبعاً هتحبك يا حبيبي، ده أنت ابني يا واد."
ضحك بخفة ومال مقبلاً جبينها بقوة وراحة شديد بات يشعر بها بعدما صارحها بكل شيء، وهي بكل صدر رحب استقبلته بحنان شديد. لعب في خصلاته بقوة وحرك جسده يميناً ويساراً، يشعر بتشنج شديد في عضلاته، وقال بتثاؤب: "أنا هروح أطمن عليها يا أمي، مهمتك غالية تعرفيها، عاوزكوا تقربوا منها وتطمنوها، هي بعد اللي شافته هتكون حريصة إنها متتكلمش مع حد، بس ارجوكي ساعديها تعدي المرحلة دي."
ابتسمت بإطمئنان وهي ترمقه بحب وفرحة لرؤية عينيه اللامعة تلك، وأومأت مؤكدة بصمت، فابتسم وخرج من الغرفة متوجهاً نحو غرفة أوليان أولاً يطمئن عليها، ومن بعدها يهبط ليحضر إليها وجبة خفيفة. بينما جلست صفاء بإهمال على الفراش تفكر فيما قاله عبيدة بدقة، شعرت بألم يغزو قلبها من معاناة أوليان، تخيلت غالية مكانها فانتفض قلبها بخوف، سعيدة لرؤية الفرحة في عيني ولدها، ولكن رغماً عنها تشعر بحزن لما حدث، خصوصاً بتلك الطريقة.
ابتسم عبيدة ابتسامة واسعة وهو يقف يراقبها وهي نائمة بشغف، وضع كفه على خصلاته يبعثرها يميناً ويساراً، وابتسامته تتسع شيئاً فشيئاً، تنهد بصوت عالٍ وقرر الهبوط ليحضر وجبة خفيفة لها. التفت وغادر بعدما ألقى عليها نظرة محبة أخيرة. بعد مرور عدة دقائق، استيقظت من نومها الطويل بفعل حبة المهدئ، وفتحت عينيها ببطء، رفعت جسدها قليلاً عن الفراش ونظرت حولها بجهل، ولكن أغمضت عينيها فجأة بألم وقد تذكرت كل شيء. رفعت
عنها الغطاء فشهقت بخضة: أين ملابسها؟ فكانت ترتدي قميص رجالي أسود اللون وبنطال كبير. سمعت صوت أحدهم يفتح الباب، فنظرت اتجاهه، وجدته يطل عليها بابتسامته الدافئة ويحمل بين يديه صينية متوسطة الحجم ويقول: "صباح الخير، بقيتي أحسن؟ أزرقت لعابها بتوتر وخوف داخلي كبير، وأومأت بتردد، ولكنه سألته بنبرة خفيضة خجلة: "هدومي فين ومين اللي غيرلي؟ جلس بجانبها ورفع وجهها لتنظر إليه، نظر إلى عينيها بثبات وقال بنبرة جادة للغاية:
"أنا اللي غيرتلك، أنا جوزك، مش هكشفك على حد غيري حتى لو أمي، اتفقنا." اشتعلت وجنتيها بحرج كبير وأبعدت وجهها عنه تنظر إلى اللاشيء بشرود، تنهد بقوة فما يريده مستحيل في هذا الوقت على الأقل، وضع يده على منكبها فانتفضت، فصك على أسنانه حانقاً من خوفها منه، وقال بصوت حاول بث الهدوء به: "قولتلك متخافيش، أنا مستحيل آذيكي."
التفت بوجهها لتنظر إليه بأعين مليئة بالدموع، تنظر إلى وجهه بتفحص بعمق تبحث عن الشر والقسوة بعينيه، ولكنها لم تجد غير الهدوء والحنان، ابتسامته دافئة ليست خبيثة كالابتسامة التي رعبتها. هبطت دموعها واحدة تلو الأخرى، وقالت متسائلة بصوت مرتجف مهزوز: "ليه... ليه عملت كل ده؟ ابتلعت لعابها باختناق ووضعت الغطاء على جسدها من جديد، وقالت بنبرة متعبة للغاية:
"أنت دمرت حياتك وأنت ملكش ذنب، بس متقلقش زي ما ماما قالتلك أول ما تيجي تطلقني وتعيش حياتك زي ما انت عاوز." تلك المرة وجدت عيناه تحتد بطريقة أرعبتها حقاً، على صوت تنفسه بصورة ملحوظة، وضغط على كفيه بقسوة حتى ابيضت مفاصله، حاول التحكم بأعصابه بشتى الطرق، وقال بنبرة جافة غاضبة: "مينفعش تبقي متجوزة امبارح وتتكلمي في الطلاق النهارده، ياريت ترتاحي شكلك تعبان."
قال حملته وانصرف مغلقاً الباب خلفه بعنف، بينما نظرت إلى أثره بعدم فهم لما تحول لتلك الدرجة. فردت جسدها المتعب وأغمضت عينيها الحزينة تفكر في والدتها الذي يأكلها قلبها قلقاً عليها في تلك اللحظة. بينما هو خرج من غرفتها متوجهاً نحو الحديقة يسير بها بوجه غاضب متجهم بدرجة كبيرة، قلبه الذي كان يرقص فرحاً لوجودها تصدمه في اليوم التالي بخبر الطلاق.
وقف قليلاً يفكر في رد فعلها، فردة فعلها طبيعية تماماً، هي لا تعرفه وتظن أنه لا يعرفها، ولكن بما سيخبرها أنه يحبها منذ أكثر من ثلاث سنوات، يحبها وهي فتاة ذات الخمسة عشر عاماً. ابتسم بسخرية متألماً، حاله رد فعلها طبيعية لا قصي حد، ولكن درجة حبه لها ليست طبيعية. قلبه كاد أن يشق صدره من عنف دقاته، قلبه يرقص فرحاً وعيونه يلتمع بها بريق العشق والخيال.
زفر بعنف وأخبر نفسه بأنه عليه الصبر لوقت طويل، طالما هي معه ماذا يريد أكثر؟ الإنسان بطبعه طماع، فهو كان يحلم فقط بالتحدث معها والآن تزوجها، أصبحت على اسمه، ماذا يريد أكثر. ابتسم بخبث وأردف في نفسه: يريد احتضانها، يريد سرقة قبلة من شفتيها. ضحك بخفة وهو يطرد تلك الأفكار الوقحة التي تهاجمه منذ وجودها في بيته وخاصة غرفته. ***
طرقت صفاء الباب عدة طرقات منخفضة هادئة وهي واقفة أمامه تتنهد، سمعت صوتها الضعيف فدخلت راسمًة ابتسامة صغيرة على شفتيها، حاولت أوليان القيام ولكن وجع جسدها الشديد لم يسعفها، فتحركت صفاء بخطى سريعة وساعدتها على التمدد بأريحية قائلة بنبرة هادئة: "خليكي نايمة يا بنتي."
نظرت إليها أوليان بأعين شبه مغلقة حزينة ولم تتحدث، فربتت صفاء على منكبها بهدوء شديد وقلبها ينكوي حزناً وغضباً لما حدث لها، تبدو صغيرة للغاية على كم الألم التي عاشته وتحملته، سنها صغير على القهر والحزن التي عاشت بهم طيلة السنوات المنصرمة، تخيلت غالية مكانها فانتفض قلبها فزعة.
"أنا مش عارفة أقولك إيه، أنا صفاء مرات خالك الله يرحمه، أنت مش شفتيني قبل كده ودي غلطتنا. حبل الود كان مقطوع، أنا آخر مرة شوفتك كنتي انتي صغيرة أوي وكان مع خالك ربنا يرحمه، بعدها روحت هناك مرة مقابلة جدك محبتهاش فمرحتش تاني. يوم وفاة والدك كنت عاملة عملية غضروف في رجلي قبلها بكام يوم فللأسف مرحتش. أنا عاتبة عليكي وعلى ماما إزاي تسمحي لكل ده يحصلك وتسكتي، إزاي تتكلموا في الوقت ده بس والسنين اللي فاتت كنتوا فين؟
أنا لو شفت الراجل ده هاكله بسناني." تتحدث بحدة والثانية تنظر إليها والدموع تهبط بقهر وجسدها يشتد ألماً عليها، وهمست بصوت مختنق: "كنت كل يوم بفكر إزاي أهرب من المكان ده، ده مكنش بيت ده كان سجن، بس سجن كبير وسجانه ناس ظالمة متعرفش الرحمة، بس مكنتش بعرف، مكنتش لاقية طريقة أهرب بيها، أنا كنت ممنوعة من كل حاجة حتى إني أنزل الجنينة تحت، فإهرب إزاي؟
أمي حنية الدنيا فيها بس كانت بتقول مسيرهم هيتغيروا بس بعد ما كسروني ودمروني. أنا عمري ما هسامح." هو خلف الباب يسمع كلامها بحرقة وقهر وقد تجمعت الدموع الكثيفة داخل مقلتيه تشعره بنار، جسده مشتعل من الغضب وقلبه يدق بقوة حزناً وألما عليها، سمعها تقول بصوت تحاول بث القوة به: "أنا مش هعيط تاني، أنا ياما عيطت وياما اتوجع قلبي، كل حاجة لازم تتغير."
قالت جملتها ومسحت دموعها بعنف، فابتسمت صفاء باهتزاز بعدما مسحت دموعها هي الأخرى وتنهدت بخنقة واحتضنتها بهدوء، شعرت بجسدها ينتفض بين ذراعيها، فكانت تربت على جسدها بلين شديد.
هدأت أوليان كثيراً، فطرق عبيدة الباب مرة واثنتين ثم دخل حاملاً بين يديه صينية صغيرة موضوع عليها كأس كبير ملئ بالحليب الطازج، رأته صفاء فابتسمت ابتسامة خفيفة واستأذنت وخرجت، بينما جففت أوليان وجهها بالكامل، لا تريد أن تظهر ضعفها لأحد على الإطلاق، لا نريد أن يهبط من جفنيها دمعة أمام أحد مرة أخرى. وجدته دون حديث يقدم إليها كوب الحليب، فامتعض وجهها وقالت بضيق: "شكراً مش عاوزة."
راقب امتعاض وجهها البريء ونظرات الاشمئزاز التي تنظر بها إلى كوب الحليب كالاطفال تماماً، حافظ على جديّة ملامحه بصعوبة كبيرة حتى لا يضحك وتذهب جدية الموقف، وقال بهدوء: "العفو بس لازم تشربيه، جسمك محتاج الكالسيوم اللي فيه وكمان انتي بتاخدي علاج." نظرت إليه بحدة وقالت برفض: "مش هشربه، أنا مبحبوش."
رفع حاجبه الأيمن ينظر إليها بتحدي، وقام. ظنت أنه خضع لرغبتها، ولكنها فاجأته وهو يضع كفه حول وجهها مجبراً فمها على الانفتاح، وباليد الأخرى يسيقيها الحليب رغماً عنها. أغلقت فمها بضيق وتقزز، فأردف بحدة: "افتحي بؤقك واشربي اللبن، متتبقيش عيلة خايبة." نظرت إليه بحدة لا تريد أن تفعل شيئاً مجبرة، فرفضت وحركت وجهها الناحية الأخرى، فزفر بضيق وقال بلهجة خشنة: "أوليان اسمعي الكلام الله يصلح حالك."
نظرت إليه بضيق وقالت بحدة وصوت عالٍ: "مش هعمل حاجة غصب عني، قولتلك مبحبوش." تنهد وقد فهم معنى حديثها جيداً، عيشها كل الفترة السابقة بأمور لا تحبها وكانت مفروضة عليها، سيجعلها عنيدة شرسة لا تخضع لأمر بسهولة، فحاول الكلام بهدوء: "أنتي مش هتعملي حاجة غصب عنك بس ده لمصلحتك، جسمك محتاجه." استنشقت رائحة اللبن لقرب الكوب منها، فنفرت ملامحها وقالت بنبرة ممتعضة: "لو سمحت ابعد الكبايه عني، أنا مبحبوش."
زفر أنفاسه بيأس، يبدو أنها عنيدة ورأسها متحجر بشدة، فتنهد بقوة وقال: "شكلك عنيدة يا أوليان، وتمسكنا بالعند أوقات كتير بيخسرنا، جسمك محتاج لاهتمام، انتي تعبانة وبتاخدي علاج يهدم جبل." نظرت إليه بملامح خالية ووجهه جامد ولم تتحدث مطلقاً، أغمض عينيه يطالب الصبر، فتلك هي بداية رحلته الطويلة معها، وهي حقاً طويلة للغاية وهذا ما يؤرقه. قام متنهداً بتعب وقال: "أنا مش هضغط عليكي يا أوليان، هسيبك ترتاحي."
قالها وغادر ولم ينتظر الرد، من الواضح أن الطريق معها صعب وعسر، ولكنه سيبذل قصارى جهده حتى يحصل على ابتسامة محبة منها.
أغلق الغرفة بهدوء ورفع أنظاره، وجد غالية تخرج من غرفتها ومن خلفها والدتها التي أعلمتها كل شيء، ابتسمت في وجهه بحب رغم خلافهم البسيط، فما كان منه سوى أنه يفتح ذراعيه على أوسعهم ليستقبلها بحنو بالغ، ركضت إليه وارتمت على صدره بقوة وبكت عيناها لكل ما تمر به من تشتت لتلك الفترة، ظن أنها تبكي لقسوته وحدته معها في الحديث، فهمس معتذراً:
"أنا آسف حقك عليا يا ست غالية، عارف إني زودتها معاكي حبتين بس ده من حبي وخوفي عليكي صدقيني." شدت من احتضانه كأنها تؤكد له حبها الشديد وعدم استيائها منه، لأنه تعلم جيداً حبه الشديد لها، ابتسمت صفاء بمحبة وهي تراهم في هذا الوضع وتنهدت بقوة تفكر فيما سيحدث في الأيام المقبلة. بعد ساعة جلس عبيدة في غرفة مكتبه في الطابق السفلي، يضع رأسه بين كفيه يفكر بها، حتى رن هاتفه، فوضعه على أذنه قائلاً بصوت مرهق:
"مازن معلش عارف إني متقل عليك يا صاحبي." ابتسم مازن من الجهة الأخرى وقال بود: "ملكش دعوة، المهم طمني عليك، أنت كويس؟ تنهد عبيدة باختناق وقال بتشتت: "صدقني مش عارف يا صاحبي، أنا تايه ومش لاقي مرسى، ادعي لي." رد عليه مازن بهدوء قائلاً: "اصبر يا صاحبي وبعد الصبر هتلاقي صدقني، المهم نفسك يكون طويل." زفر عبيدة بقوة يطرد الهواء من رئتيه ليستنشق بعض من الهواء النقي وقال: "هو فريد حب الموضوع ومطول ولا إيه؟
ضحك مازن بقوة وقال مجيباً بتأكيد: "واضح كده الباشا عجبه الجو هناك، أنت مبتشوفش صوره اللي بينزلها." ثم تحدث بجدية قائلاً: "بس الشغل كتير هناك فعلاً والاجتماعات مبتخلصش، يومين ولا حاجة وهنلاقيه ناطط هنا." عاد عبيدة برأسه للخلف يستند على حافة المقعد الوثير، وقال: "ياريت لآني مش هعرف أنزل الشركة اليومين دول وميبقاش كل حاجة مرمية على كتفك انت." تنهد مازن وأردف بنبرة جادة:
"متشلش هم، أنت بس هسيبك ترتاح، صوتك تعبان، سلام يا بيدو." ضحك عبيدة بخفة وأغلق الخط، وقام بإرهاق وتسطح على الكنبة الكبيرة الموجودة في الغرفة، مغلقاً عينيه سابحاً في النوم، وهذه الليلة دون كابوسه المزعج. في الأعلى، تسطحت على الفراش بشرود وحزن كبير وقلبها يدق بخوف، لا تعلم لما، أصبحت متزوجة بين ليلة وضحاها، لا تعلم أتلك الليلة ستجعل حياتها تختلف للأفضل أم للأسوأ.
سيكون وافياً بوعده ويطلقها وتعيش حرة كما كانت تتمنى، وستعمل على تبديل حياتها كلياً للأفضل، أم ماذا سيحدث معها؟ فرت دمعة خائفة من عينيها وهي تفكر في والدتها التي مازالت في بيت الشياطين نفسهم، تُرى ماذا تفعل ولما أصرت على التواجد هناك؟ ولكنها اطمأنت قليلاً لتذكرها بوجود رجال عبيدة معها. عبيدة!
ابتسمت بخفة لا تعلم لما، ولكنها غير مصدقة بالمرة ما حدث، ظهر في حكايتها كالبطل الذي جاء لينقذها مما هي به، تذكرت عنفه معهم، وطيف ضرب يوسف لينال منه ويثأر لها، رغم أنها لا تتذكر أنهم تحدثوا حتى ولو مرة قبل ذلك. لما فعل كل هذا معها؟ عدة أسئلة عديدة تدور داخل عقلها لا تعرف لها إجابة مطلقة، تذكرت زوجة خالها الحنونة التي تدخل الغرفة فقط لتطمئن عليها وتخرج، وابنتها التي رأتها مرة واحدة اليوم ومبتسمة مثل والدتها.
غلبها النعاس وهي تفكر، فنامت وتلك الليلة تشعر براحة غريبة تسكن كيانها. *** في الصعيد، ظلت جالسة أمامه تضع قدم فوق الأخرى وتنظر إليه بتشفٍ وشماتة شديدة، لا تختبر شعورهم من قبل، في تلك اللحظة نست بل تناست وصية زوجها وهذا رغماً عنها. اتسعت ابتسامتها الشامتة وهي تراه ملامحه مسودة كالتراب المختلط بالماء وعيونه حمراء دامية، بالتأكيد يفكر في حفيده الأرعن الملقى بالمشفى بعظام مفككة من كثرة ضربات عبيدة.
أصدرت صوت من حنجرتها جعلته ينتبه، فنظر لها بغضب بائن، يمنعه عنها فقط حفيده الذي هو الآن تحت رحمة عبيدة، فلم ينطق بحرف، لكن ملامحه انتقامية شرسة. ضحكت بشماتة وقالت براحة كبيرة تسكن قلبها الآن وتكلمت بإريحية شديدة:
"يااااه قد إيه أنا فرحانة دلوقتي، أنا مش فرحانة على قد ما أنا شامتة فيك وأنا شايفاك كده، إيد ورا وإيد قدام، مش قادر تعمل حاجة، عاجز عن حماية اللي مسميه راجل وحفيدك، أنت عاجز قلب ورحمة وتفكير. العاجز ديما مش اللي قاعد على كرسي مريض، العاجز اللي زيك كده، معندوش قلب يحس بيه ولا عقل يفكر بيه. هفضل عمري كله أدعي عليك وعلى يوسف ده لو قام منها، كل ما افتكر اللي عملتوه في بنتي هشمت فيكوا أكتر."
زادت نظراته غضباً شراسةً وعنفاً وهو يراها تجلس أمامه بتفاخر مبتسمة الثغر، وهو قلبه ينكوي على حفيده. زادت الطين بلة عندما وقفت وضحكت بعلو صوتها وأكملت حديثها وقالت: "شايف نفسك دلوقتي، متسواش حاجة، فين حفيدك؟ فين ضهرك وسندك وعجازك اللي كنت واجع دماغنا بيهم؟ أنت فاكر يوسف الشمام هيبقي ضهر وسند؟
أحب أقولك إن يوسف ده اللي هيقطم ضهرك، واللي انت ضربتها وهنتها وكسرت عضمها مسيرها تقوى وتقف قدامك وتضحك عليك بعد اللي عملته فيها، اللي انت عملته مش قليل ولا يُغتفر، أنت هتعيش اللي باقي من عمرك لوحدك وهتموت لوحدك ودا اللي أتمناه."
لم يدري بحاله غير وهو يقف ويتقدم نحوها ببطء مخيف، وهي تستكمل حديثها الذي أشعر كتلة النار والغضب في جسده. لم يتحكم في نفسه وهو يطبق بكفه الغليظ حول رقبتها ويضغط عليه بعنف شديد يخنقها حتى أصبح وجهها شديد الازرقاق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!