في المنصورة بعد عشر أيام. غزال كانت قاعدة لوحدها في الجنينة وهي زهقانة، رغم أنها لسه راجعة من شرم الشيخ مع شهاب، لكن هو رجع الشغل متنكرش أبداً إنها أول مرة تستمتع بالشكل ده، وبالذات الوقت اللي قضوه في السفاري. وكل لحظة بينهم كانت مميزة بشكل جنوني، مخلياها حاسة إن قلبها هيقف من كتر ما بيدق. كل كلمة بيقولها، وكل حركة. تقلباته المزاجية، صرامته، عصبيته وهدوئه، كل شيء فيه متناقض بشكل يخليه يخطف أنفاسها.
هند مش موجودة من وقت ما بدأت تشتغل مع معتز في السنتر. كانت بتتفرج على الصور اللي أخدتها ليهم في شرم الشيخ. ظهرت ابتسامة بسيطة وهي بتكبر صورته. فاقت من شرودها على صوت حد بيتكلم بصوت عالي عند البوابة. لكن أول ما وصلت كانت الست مشيت. غزال بصت للغفير باستغراب. "في إيه يا عم جابر؟ ومين الست دي؟ بص لها بارتباك وافتكر تحذير شهاب ليه لو صباح دخلت البيت أو حد سمع عنها. رد بارتباك.
"دي ست كانت بتسأل على بيت الحج نعمان اللي في البر التاني، وكانت فاكرة إنه هنا، لكن أنا كنت بفهمها إن دي مش فيلته." غزال رفعت عينيها تبص على الست اللي ماشية بعيد باستغراب. "طب هي كانت بتزعق ليه؟ "معرفش بقى يا ست غزال، بس أهي مشيت لحال سبيلها." غزال مكنتش عايزاه تمشي، فضلت تبص عليها وكأنها منتظرة إن الست دي تلتفت ناحيتها، لكن بدون فايدة. في لحظات قليلة كانت اختفت من قدامها. "هي مرات عمي خرجت؟
"آه ست حليمة خرجت من شوية مع الآنسة نرمين. تؤمريني بأي حاجة؟ "تسلم." غزال دخلت بهدوء وقابلت قاسم على السلم. قاسم بابتسامة ومرح كعادته. "صباح الجمال يا غزالة." "صباح الورد يا عم قاسم." "مال صوتك يا غزال؟ غزال اتنهدت بهدوء وقعدت على السلم. "قاسم، إحنا أخوات صح؟ قاسم استغرب طريقتها وقعد على السلم. "أكيد أخوات، وبعدين أنتي بنت عمي ومرات أخويا، ولو عايزة تتكلمي معايا في حاجة." "شهاب... أقصد هو ممكن يكون يعرف بنات أو حاجة؟
"مش فاهم يعني إيه؟ غزال بارتباك. "حاسة إنه مخبي عليا حاجات كتير مش فاهمها. يعني نكون بنتكلم سوا وفجأة يجيله مكالمة ويقوم يرد. مكالمة معينة يعني. حصل كذا مرة نكون مع بعض لو حد اتصل بيه بيكنسل عادي، لكن في مكالمة لما بتجيله بيبعد عني ويرد عليها." قاسم ابتسم بهدوء. "أنتي شاكة إنه بيعرف بنات من وراكي ولا إيه؟ غزال هزت كتفها بهدوء. "مش عارفة، بس أنا خمنت مثلاً إنه يكون يعرف."
"مظنش يا غزال. بصي، هو آه شهاب غامض شوية في حاجات كتير، وبالذات لما يقعد مع جدي بحس إنهم بيخططوا لحاجة. بس شهاب مش من النوعية دي، ومش بيفرق معاه إنه يكون مع بنات كتير، وتعاملته معاهم بسيطة جداً. لما كان بيسافر مصر علشان الشغل كان ممكن يبقى مضطر، لكن مظنش." "طب أسيبك أنا بقى. صحيح، هو طه بقى كويس دلوقتي؟ "لسه يا غزال، العلاج من الإدمان بياخد وقت، بس إن شاء الله عن قريب. يلا، أنا لازم أخرج، عايزة حاجة أجبهالك معايا؟
"تسلم يا قاسم." *** في محطة القطار. صباح كانت قاعدة في الانتظار وهي حاسة بالحزن لأول مرة. متعرفش هي ليه راحت أصلاً لبيت الحسيني. رغم إن رأفت قالها متعمليش أي حاجة من غير ما ترجع له. جايز لما راحت كان عندها أمل تشوف غزال بعد ما كبرت. كل ما تقرب من بيت الحسيني أحس إنها بتتخنق، وهي بتفتكر أد إيه كانت أم بشعة. تخلت عن بنتها وهي مكملتش سنة ونص. فاكرة صوتها وهي بتعيط، كانت صغيرة، جميلة، لكن صباح مكنتش تستحق إنها تكون أم.
صباح لنفسها. "بتعذبي نفسك ليه يا صباح؟ ما كنتي نسيتي وعدّيتي وتجاهلتي وجودها من حياتك، راجعة تاني ليه؟ يا ريتك ما رجعتي. رجعتي تتفقي مع اللي كانت سبب في كرهك للعيلة دي؟ رجعتي علشان تحطي إيدك في إيد حليمة على بنتك اللي من دمك؟ ضحكت بسخرية. "بنتك! من أمتي وإنتي كنتي أم يا صباح؟
ده أنتي من بجاحتك لما كنتي عيلة صغيرة روحتي تقولي لجدها إنك هتاخديها وتبعدي علشان بس الحج محمود يديكي فلوس وتسيبي ليهم غزال. طب ليه بقا جايه دلوقتي وعايزة تشوفيها؟ حنيتي ولا ضميرك أنبك وبيوجعك علشان كنتي بالندالة دي؟ شافت القطار وقف، قامت. كانت مستنية لحد ما ظهر شاب في بداية الأربعين ومعه واحدة باين عليها في آخر العشرين. "أترجب" ابتسم بخبث وهو بيقرب منها مع فردوس أختها. فردوس حضنت صباح وسلمت عليها.
"رجعتي تاني المنصورة ليه يا صباح؟ "رجب: زوج فردوس. في بداية الأربعين. شعر أسود خفيف. يرتدي ألوان غير متناسقة. بطن كبيرة. طماع وجشع. بلطجي." رجب بابتسامة ماكرة وهو بيحرك إيده على رأسه. "منورة يا صبوحة." صباح بصتله بضيق ورجعت بصت لفردوس. "يالا يا فردوس خليني آخدكم البيت." "إيه المعاملة الناشفة دي يا صباح؟ صباح بضيق. "بقولك إيه يا كرم، أنا مش ناقصة. وبعدين انتي إيه اللي خلاكي تجيبيه معاكي يا فردوس؟ مش قيلالك تيجي لوحدك؟
رجب بحدة وهو يمسك دراعها بعنف لدرجة إنها كتمت تاوهها. "مالك يا صباح؟ شكلها هبت منك. اقفي معوج واتكلمي عدل، ده أنا المعلم رجب، يعني مفيش حرمة تعلي صوتها عليا. وبعدين انتي فكراكِ اختك تقدر تتحرك خطوة واحدة من غيري ولا إيه؟ ده أنا أدبحها فيها." صباح بوجع. "سيب دراعي يا رجب بدل ما والله هصوت وألم عليك أم لا إله إلا الله." رجب ابتسم بمراوغة وساب دراعها.
"و ماله يا سنيورة. اختك قالتلي إن مجيتك هنا فيها سبوبة حلوة، وأنا بقا بعشق اللقمة الطرية. مدام من ناحيتك." صباح بصت لفردوس بغضب لأنها عارفة إنه شراني ولو اتفق مع رأفت وحليمة هياذوا غزال أوي مدام من وراها مصلحة. فردوس بتوتر. "أنا بقول خلينا نمشي من هنا، مش هنقف نتكلم في المحطة قصاد اللي رايح واللي جاي." "أنا بقولك كدا برضو." "اتفضلوا خلونا نكسح من الخرابة دي." *** بعد مدة في بيت صباح.
رجب كان في أوضة بياخد دش، وصباح قاعدة مع فردوس. صباح بغضب. "الزفت ده إيه اللي جابه معاكي؟ مش قيلالك تيجي لوحدك؟ "والله ما أقصد يا صباح، والله العظيم ما كان قصدي. هو سمعني وأنا بكلمك وكان هيقلب ليلة سوداء على دماغي لو مقلتلوش، وإنتي عارفة ميعرفش الرحمة." "ما هو ده اللي مخوفني. انتي هتاخديه وتمشيوا من هنا قبل ما رأفت يحس. الاتنين دول لو قعدوا سوا هيعملوا مصيبة." "شفتيها يا صباح؟ صباح سكتت للححاحظات. "معرفتش أشوفها."
"طب احكي لي بقى كل حاجة من أول ما جيتي علشان مفهمتش منك حاجة في الموبايل." صباح بدأت تحكيلها عن اللي حصل من أول ما نزلت المنصورة ومقابلتها مع حليمة. فردوس شهقت بصدمة وهي بتضرب على صدرها. "يلهوي يا صباح! حليمة تاني؟ ما كنا خلصنا منها. ما تسيبك من رأفت بقى يا صباح وابعدي بكفاياكي."
"أنا بحبه يا فردوس. لما وعيت على الدنيا معرفتش أحب. سعد ورأفت كان أول واحد أحبه في حياتي. عارفة إنه بتاع نسوان وحلنجي، بس أنا بحبه رغم جوازنا في السر ورغم طريقته معايا، بحبه أوي يا صباح." "ده انتي كدا تبقى مجنونة يا صباح. والله العظيم تبقى مجنونة لو وافقت تأذي بنتك علشان ترضي سي زفت."
"أنا عارفة إن ده كله غلط، بس أنا مش عايزاه أخسره، وعندي حل. أنا ممكن أعمل اللي هو عايزه، بس في نفس الوقت أخرب له خطته وأبلغ شهاب باللي بيحصل، وشهاب هيقدر يحميها وفي نفس الوقت ما أذيش غزال." فردوس بحزن.
"شيلتك تقيلة يا صباح، تقيلة أوي. ظلمتي نفسك يوم ما حبيتي رأفت المنشاوي. كأنه ابتلاء. يا ريتك عرفتي تقلبي سعد في قرشين وتهربي منه، لا ده انتي قعدتي وخلفي وجبتي بنت للدنيا دي علشان تعيش يتيمة وأمها عايشة وسايباها تتمرمط على إيد الست اللي كانت مخلية حياتك جحيم. فوقي يا صباح أبوس إيدك وكفاياكي." صباح فضلت قاعدة في الأوضة ساكتة. فردوس خرجت على صوت رجب وهو بيزعق علشان عايز الغداء. *** في وقت متأخر من الليل.
شهاب وصل البيت بارهاق، كان البيت كله ضلمة والكل نايمين. طلع أوضته دخل وقفل الباب وراه، لكن استغرب وهو شايف تورته محطوطة على التربيزة. بص لغزال اللي كانت نايمة بأريحية، بص لها بدهشة وصدمة وهو شايفها نايمة ولابسة فستان أسود قصير بدراع مكشوف وشعرها مفرود حواليها، باين إنها فضلت مستنية لوقت طويل بملل لحد ما نامت. استغرب لأن النهاردة مش عيد ميلاده ولا هو مناسبة مهمة. ابتسم وقرب منها بهدوء، قعد جنبها على طرف السرير.
"غزال... غزالة... غزال فتحت عينيها بنوم، بدأت تفوق، بصت له بحزن واتعدلت. "أيوه، في حاجة؟ "لا أبداً، بس كنت هسألك التورته دي بتاعة إيه؟ غزال بحزن. "ولا حاجة. أنا بس طلبتها من برا، ولما جيت مكنش ليا نفس آخد منها، لكن شكلي نمت ونسيتها. هقوم أغير وأنزلها." "لا خليكي، بلاش تنزلي دلوقتي." قام أخد هدوم وراح ناحية الحمام. غزال لنفسها. "كان نفسي أقضي عيد ميلادي بشكل مميز ولو مرة واحدة بس في حياتي. مرة واحدة!
بس هو حتى مفتكرش. متزعليش، هو يعني مشغول، وبعدين ما أنتي طول عمرك بتقضي اليوم ده مع هند، عادي بقى." غمضت عينيها وشدت الغطا عليها. بعد دقايق. شهاب خرج من الحمام لقاها نايمة. قعدت على السرير وحط موبايله على الشاحن لأنه كان فاصل. لحظات وجاله إشعارات كتير عن رسائل واتساب من هند وتلات مكالمات فائتة منها. "شهاب ممكن متتأخرش النهاردة لو سمحت."
"غزال النهاردة عيد ميلادها وأنا للأسف في السنتر طول اليوم، بلاش تخليها تقضي اليوم لوحدها." "شهاب أنا رنيت عليك كذا مرة، أتمنى تشوف الرسائل. أنا عارفة إنها حاجة تافهة، بس صدقني هتفرق معاها لو حتى تقولها كل سنة وانتي طيبة. عارفة إن مالكش في الحاجات دي، بس معلش تعالي على نفسك."
شهاب قفل الموبايل وبص لغزال اللي نامت، وبعدها بص للكيك اللي على التربيزة. أخد نفس عميق وحس إنها كانت زعلانة. قعد جنبها وهو بيبصلها وبيفكر في طريقة يصلح بيه اللي حصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!