الفصل 13 | من 15 فصل

رواية غزوة حب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماء ايهاب

المشاهدات
18
كلمة
4,212
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

لا حول له و لا قوة غائب في دنيا من اللاوعي. يلف ضمادة كبيرة حول صدره. تصدر الأجهزة المحاوطة به صوتها المعتاد الذي يمزق قلب تلك الواقفة خلف الزجاج الشفاف الذي يظهره أمامها. غافي في عالم آخر. تمسد على الزجاج وكأنها تتلمسه وهي تبكي بحرقة حتى احمر وجهها بشدة وأصبح كالدماء.

مشهد سقوطه أمامها بعد أن تلقى تلك الرصاصة التي خرجت من سلاحه الناري، كانت بمثابة موتها. وجدت من يربت على كتفها بحنو. لتلتفت برأسها لتجدها والدة شهاب التي تكاد تنهار من شدة بكائها على فلذة كبدها. احتضنتها فيروز بقوة وهي تبكي، تربت على ظهرها. لا تعلم أتواسي نفسها أم تواسيها هي. استمعت إليها تهمس من بين شهقاتها: "شهاب بيموت يا فيروز." هزت فيروز رأسها بنفي سريعاً ضد كتفها وهي تتمسك بها باكية بقوة، هامسة بألم:

"لا يا طنط عشان خاطري متقوليش كدا. شهاب هيبقي كويس." ابتعدت قليلاً عن والدته تمسح دموعها وهي تقول: "أنا آسفة يا طنط اللي حصله بسببي وأنا مش هسامح نفسي." نظرت من الزجاج مرة أخرى تتأمل شحوب وجهه الذي يفتقر للحياة. وهي تعود إلى ماضي قريب حين تقفت أنفاسها وهي تراه مستعد للموت حقاً. ***

نظرات الرجاء منها وتوسل أن لا يفعل، ولكن قد أصر ألا يعيش ذلك الموقف مرة أخرى. يكفي ما عاشه حين تقدم لخطبة ياسمين وزواجه منها. أما أن تكون له أو سيتخلص من ذلك الثقل الذي يضغط عليه حد الموت. ضغط بالسلاح على رأسه. لتتقدم هي منه بارتجاف وهي تهمس: "نزل إيدك يا شهاب عشان خاطري لو بتحبني متعملش كدا. أنت كدا هتأذيني." أعينه الحزينة تحكي قصة عشقه لها على مدار سبع سنوات. دمعت عينه وهو يبتعد عنها خطوة قائلاً:

"أنا مؤذي ليكي دايماً." هزت رأسها بنفي وهي تبكي، وهي تتقدم إليه من جديد بحرص تحاول أن تأخذ منه السلاح قائلة: "أنت كدا مش بتحبني يا شهاب. لو بتحبني بجد هاتي المسدس دا. أوعدك مش هطلع. مش هتجوزه والله." ظل ثابتاً متجمداً لا يبدي أي رد فعل. ما كادت أن تتحدث من جديد حتى فتحت زينة الباب سريعاً تقول بتوتر ولم تلاحظ السلاح بيد شهاب: "عمو أكرم جاي ياخدك يا فيروز. المأذون جه."

على صوت بكائها بحدة، لتنظر زينة نحو شهاب وتشهق بحدة واضعة يدها على فمها. لتنظر فيروز إلى شهاب وهي تقول بصوت مرتجف: "استخبى عشان خاطري. مش هطلع وعد مني مش هطلع معاه بس استخبى." أشار إليها وهو يبعد عن رأسه السلاح إلى الستار قائلاً: "هستخبى بس أقسم بالله لو خطيتي خطوة واحدة برا الأوضة دي هفرغ المسدس في دماغي وأنا هعملها يا فيروز."

أنهى جملته وتحرك نحو الستار. لتنظر فيروز نحو زينة التي تقدمت منها تنظر إليها بحزن من بكائها الحاد وما أوقعت نفسها به. فتح أكرم الباب يبتسم بهدوء. تقدم منها وهو يتحدث قائلاً: "يلا يا فيروز أحمد جه ومعاه المأذون." نظر إلى وجهها الباكي ومد يده ليمسح دموعها وهو يتساءل: "بتعيطي ليه يا فيروز؟ نظرت إليه فيروز بأعين راجية وهي تمسك بيده بقوة قائلة: "أنا مش عايزاه يا بابا عشان خاطري بلاش." سحب أكرم يده منها وهو

يقول بحدة من بين أسنانه: "نعم!! يعني إيه بلاش يعني إيه مش عايزاه. أنت عايزة تفضحيني. خطيبك والناس اللي بره." هزت رأسها بنفي وهي تنظر نحو الستار القابع خلفها شهاب ممسك بسلاحه. مسحت دموعها وهي تتوسل قائلة: "عشان خاطري يا بابا متعملش فيا كدا. أنا مش عايزاه. أبوس إيدك يا بابا بلاش. هو بلاش يا بابا." أمسكت بيد والدها تجذبها وتقبل بها عدة مرات وهي تقول ببكاء: "أبوس إيدك ورجلك يا بابا مش عايزاه. هتجوزني بالعافية."

أمسك أكرم بحجابها بغضب يجذبها نحو الخارج. وهي تتمسك بيده ترجوه ألا يفعل وبكاؤها لا يتوقف. وما كادت أن تتحدث حتى خرج شهاب من خلف الستار يشهر السلاح نحو فيروز يريها إياه وهو يقول: "فيروز." التفت أكرم ينظر إليه بصدمة وهو يترك فيروز متحركاً نحوه. يقف أمامه قائلاً بغضب صاكاً على أسنانه: "بتعمل إيه في أوضة فيروز يا شهاب؟ يوم كتب كتابها." ثم نظر إلى السلاح بغضب يتزايد قائلاً:

"بتهددها بالمسدس. طب إيه رأيك بقى إنها هتخرج معايا كتب الكتاب دلوقتي حالا." توجه أكرم نحو فيروز من جديد التي كانت تراقب ردة فعل شهاب. وما رفع السلاح من جديد مصوباً إياه نحوه حتى ركضت إليه لتمنعه من ذلك. أبعدت السلاح عن رأسه بصعوبة وهو يتحرك باعتراض وكأنه في حالة من اللاوعي. ولكن خرجت الرصاصة رغماً عنهما صوباً بصدره وبالقرب من قلبه ودوى صوت الرصاصة عالياً. ***

انتفضت حين ودت صوت الرصاصة من جديد بأذنها جعلها تفيق من تخيلها. التفتت تبحث بعينها عن شريف شقيقه وصديقه الأقرب. تقدمت نحوه وهي تحاول أن تتجاهل نظرات والدها الغاضب وبشدة وجلوس ياسمين تنظر إليها. كان هدفها الوحيد الآن أن تعلم ما كان مسجل على الهاتف. فحين انتقل شهاب إلى المشفي قد تناست هاتفه تماماً. وقفت جوار شريف وهي تمسح دموعها بكف يدها بهدوء متحدثة:

"شهاب قالي إنك مسجل حاجة على الفون بتاعه بس أنا نسيته. ممكن تقولي إيه اللي متسجل يا شريف من فضلك." نظر إليها شريف والحزن الشديد يحتل ملامح وجهه بالكامل. حتى تنهد بضيق وهو يقول: "اللي متسجل ده هو كل اللي حصل وفرق بينك إنتي وشهاب. هو آه الظرف ما يسمحش بس لازم تعرفي كويس إن شهاب مظلوم في كل اللي حصل."

بدأ شريف يسرد لها كل ما حدث وهي تستمع إليه باهتمام. ملامحها تتحول للأبيض الباهت وشفتاها التي أصبحت تحوي زرقة قاتمة اللون. جسدها الهش الذي بدأ بالارتجاف. دموعها لا تدري كيف تتساقط ولا تستطيع إيقافها. نظر لها شريف بأسف قائلاً:

"عمي حلف شهاب على المصحف عشان يضمن إنه ما يقولكيش حاجة لأن إنتي عارفة شهاب في الحكاية دي إلا الحلفان. وكمان ياسمين كانت ممضياكي على ورق أبيض كانت هتوديكي في داهية لو عرفتي حاجة وده اللي كان ماسك شهاب عن أي كلمة توصلك." شهقت بحدة وشعرت بقلبها يخلع من مسكنه وهي تنظر إلى والدها وياسمين الجالسون وداخلها شعور مضطرب نحوهم. شعور من العتاب واللوم وأيضاً بعض البغض الذي بدأ يتغلل حنايا قلبها. ليتحدث شريف من جديد قائلاً:

"عارف إن الموضوع صعب استيعابه مع اللي حصل النهاردة بس كان لازم تعرفي عشان تسامحي شهاب. دي أكتر حاجة هتبسطه لما يقوم بالسلامة."

وقفت عن المقعد وهي لا تستمع إلى أي أصوات ولا تشعر بأي شيء. فقط تسير متخبطة بممر المشفي وكلمات شريف تدوي صداها بأذنها كاحتفال صاخب لا نهاية له. حتى خرجت من المشفي بالكامل وجلست على الدرج وبدأت دموعها بالانهمار من جديد وصوتها عالي حاد يكاد يمزق نياط قلبها من شدته. رفعت رأسها إلى الأعلى وهي تتنفس بصعوبة متحدثة من بين لهاثها القوي: "لا دي نهاية أصعب من اللي قبلها. مش هقدر أتحمل. مش هقدر."

انخرطت بالبكاء مرة أخرى حتى وجدت من يمد يده يحاوط كتفها. نظرت سريعاً لتجدها زينة التي جلست جوارها على الدرج وهي تقول: "مقدرتش أروح وأنا عارفة إنك هتبقي كدا." أسرعت فيروز باحتضانها وهي تصيح بصوت به بحة من شدة البكاء: "أنا هموت يا زينة. مش عارفة إيه اللي بيحصلي ده." ربتت زينة على كتفها وهي تهمس بهدوء: "اهدي يا حبيبتي والله هيبقي كويس." ابتعدت فيروز عنها تنظر إليها وهي تطرق بيدها بقوة على فخذيها قائلة:

"شهاب مخانيش بمزاجه. ياسمين ضحكت عليه يا زينة." ضربت فوق فخذيها من جديد ولكن بقوة أكبر وهي تصرخ بحدة ولم تهتم لأي شيء: "ياسمين هي اللي خانتني يا زينة. أختــــي. يـا زيــنــة. أختــــي." احتضنتها زينة من جديد حتى تشبثت الأخرى بها ولم تكف ولا لحظة واحدة عن البكاء بحسرة على ما حدث من أقرب الأقربين وبالأخص والدها الذي كان يعلم بكل ذلك وأصر أن تتزوج من أحمد رغماً عنها. ***

صعدت مهلكة إلى الأعلى من جديد تطمئن على حالته ولكن لازالت النتيجة كما هي. شهاب لم يفق حتى الآن. أعادت ظهرها إلى الخلف وهي تغمض عينيها وإلى جوارها زينة. كل خمسة دقائق تطمئن أنها بخير. حتى رأت الطبيب المشرف على حالة شهاب وهو يتوجه إلى غرفته. انقطعت أنفاسها لبعض ثواني بتوتر. حتى دلف الطبيب للداخل وبعد دقائق خرج الطبيب متحدثاً بهدوء:

"الحالة لحد دلوقتي مش مستقرة ولو عدى عليه 24 ساعة وهو كويس هنعدي مرحلة الخطر. بس من فضلكم بلاش التجمع ده. اللي هيفضل معاه حد واحد بس." نظر الجميع إلى بعضهم البعض حتى نطقت والدته بارهاق: "أنا هفضل مع ابني لحد ما يفوق." لينظر إليها زوجها السيد أحمد بقلق لهيئتها وهو يتحدث بحزم: "روحي ارتاحي انتي. أنا موجود معاه وهبلغك لو فاق." تقدم منهم شريف يتحدث بهدوء: "لا حضرتك ولا ماما هتفضلوا هنا. يا بابا أنا هفضل مع شهاب متقلقش."

بعد إصرار كبير خرج الجميع من المشفي. ونظرت فيروز نظرة أخيرة نحو شهاب تتمنى أن يستيقظ وأن يتحدث إليها بكل ما بداخله. ثم ذهبت خلف والدها تعلم ما سيحدث بعد أن تصل إلى المنزل. وكأنها كانت تعلم ما سيفعل والدها. فحين دلفت إلى داخل المنزل أمسك أكرم بيدها بقوة. لـ تلتفت إليه بهدوء ولكن التف وجهها مرة أخرى حين تلقت صفعة قوية من والدها. لتصرخ هي بألم وكادت أن تسقط. إلا أنه ضغط أكثر على يدها حتى لا تسقط. وضعت يدها على وجهها وهي تنظر إليها بجمود. في حين تحدث هو غاضباً:

"فضحتيني قدام الناس. الكل بيتكلم. إيه اللي يخلي جوز اختك يضرب نفسه بالنار عندك في الأوضة. إيه يخليه موجود عندك في الأوضة." صمتت ولم تتحدث ولو ببنت شفة. ليتحدث هو قائلاً: "أبو أحمد كلمني فسخ الخطوبة وطلب شبكته وكل حاجاته." ابتلعت ريقها وسقطت دمعة منها على وجنتيها قائلة:

"وإيه اللي يخليك ما تقولش على اللي ياسمين تعمله. وإيه اللي يخليك تبقى عايز تجوزني أحمد غصب عني وأنت عارف كل حاجة. إيه اللي يخلي ياسمين أختي تعمل فيا كدا." تنفست بصعوبة في حين ترك أكرم يدها. ابتسمت بألم وهي تقول: "اتغيرت أوي يا بابا." توجهت نحو غرفتها. جمعت كل شيء يخص أحمد في حقيبة كبيرة وخرجت بها إلى والدها وهي تقول: "دي كل حاجة لأحمد عندي والشبكة كمان. كدا تمام."

ما كادت أن تدلف إلى غرفتها من جديد حتى استمعت إلى نداء والدها لها. لـ تلتفت إليه بأعين حزينة وهي تسبقه قائلة: "أنا مش زعلانة. أنا كويسة." دلف سريعاً إلى غرفتها وأغلقت الباب. جلست على الفراش تنظر إلى دماء شهاب المتناثرة على أرضية الغرفة بشكل مؤذي لقلبها المتألم لأجله. مدت يدها نحو هاتفه الملقي على فراشها. أغمضت عينها وهي تتذكر. *** كانت تمسك هاتفه ترى العيادة بعد التجهيزات الطبية الذي أجراها شهاب وهي تبتسم إليه قائلة:

"تحفة يا شهاب بجد. كل حاجة فيها تجنن. بس اشمعنى كل الأوض بيضا ما عدا أوضتك فيروزي." ضحك مستنداً على سور الشرفة قائلاً: "عشان تفضل معايا فيروزي حتى وأنا بعيد." ابتسم بخجل وهي تنظر إلى الهاتف من جديد ولكن قد أغلق. لـ تمد يدها إليه وهي تقول: "افتح الفون أشوفها تاني." مرر يده على خصلات شعره مبعثراً إياها وهو يقول: "25/4/97." نظرت إليه فيروز قليلاً بتعجب وهي تقول: "ده عيد ميلادي." هز رأسه بإيجاب بأعتيادية وهو يقول مؤيداً:

"أيوه. افتحي."

نقرت على شاشة الهاتف بيوم ميلادها. لـ يفتح الهاتف وترى الشاشة مزينة بصورة له وبيده وشاحها الروز المميز بالنسبة لها. فقد كانت هدية منه إليها حين سمحت له أن ينادي لها باسم "روز". حبست دموعها وبدأت بتفحص هاتفه واستمعت إلى ذلك التسجيل مرة أخرى. مرت يدها على جميع التسجيلات وانتقت أحدهم عشوائياً. لـ يدق قلبها بشكل مضطرب وهي تستمع إلى صوتها يتحدث إليه في مكالمة بينهم. تسطحت على جانبها الأيمن وهي تكمل استماعها إلى محادثاتهم ولم تكف عينها عن ذرف دموعها.

*** عادت إلى المنزل بعد يوم شاق انتهى بنهاية مأسوية بالنسبة لصديقتها العزيزة. متأثرة وبشدة مما حدث. ما حدث لها أهون بكثير مما حدث لفيروز. كانت تتقبل القدر. لـ يصدمها الواقع. تنهدت بضيق وهي تصعد الدرج. فتح باب شقة عمها وظهر حسام أمامها يقف قبالتها ينظر إليها بتفحص وهو يتحدث قائلاً: "كنتي فين." تنهدت بثقل بقلبها وهي تنظر إليه قائلة بهدوء: "كنت في كتب كتاب فيروز." "اتاخرتي ليه."

تسأل هو وهو يعقد ذراعيه أمام صدره. لـ تغمض عينها وهي تصعد الدرج متحدثة بارهاق: "معلش يا حسام مش قادر أتكلم دلوقتي." صعد الدرج خلفها يمسك بيدها يوقفها عن الصعود وهو يتحدث قائلاً: "ممكن تفهميني مالك." وقفت تستند ظهرها على الحائط وهي تنظر إليه مطولاً. قلبها يحتضنه لا تريد الابتعاد عنه ولكن لظروف رأي أخر بنظرها. أدمعت عينيها ولازالت تفحص وجهه حتى همست إليه بضعف: "أنا بحبك يا حسام. لو حصلك حاجة أنا هموت."

تخيلت مشهد فيروز أمامها وهي تبكي بمرارة على فراق شهاب. لتضع نفسها محلها. كادت أن تنهار من شدة الخوف. يبدو أن قلبها الضعيف لا يحتاج غيره. وجدته يبتسم باتساع وهو ينظر إليها بسعادة. كان يظن أن الطريق لكسر عنادها طويل ويكاد يكون مستحيل. أمسك بوجهها بين يديه وهو يقول: "بتتكلمي بجد يا زينة. أنت عايزاني زي ما أنا عايزك."

التفت على كف يده تستند عليه وهي تهز رأسها بإيجاب. لـ يسرع بجذبها إليه يحتضنها بقوة يكاد أن يكسر عظامها من شدة إطباقه على جسدها وهو يردد بأذنها: "أنا كمان بحبك أوي يا زينة. بحبك ومش متخيل إني أبعد عنك أو أسيبك." لم تتردد وهي ترفع ذراعيها تحتضنه هي الأخرى بحب. تدمع عينها من فكرة فقدانه. لا تريد أن تفقده. تريد أن تظل معه. لا يغيب عنها يوماً. لا يغيب ولا يصيبه مكروه يجرح قلبها. ***

في الصباح كان أول من تحرك للذهاب إلى المشفي لتطمئن عليه. وجدت شريف يجلس على المقعد يبدو عليها الارهاق الشديد وعينه حمراء من شدة شعوره بالنعاس. لـ تتقدم منه وهي تتحدث إليه برفق: "قوم ارتاح أنت يا شريف." هز شريف رأسه وهو يعتدل بجلسته قائلاً بصوت خافت: "لا أنا كويس يا فيروز." مد يده نحو المقعد الآخر قائلاً: "اقعدي." جلست فيروز على المقعد المقابل له وهي تقول بتنهيدة طويلة: "شهاب عامل إيه." "زي ما هو."

اختصر بجملته تلك وهو يفرك عينه. لـ تقف مرة أخرى أمام الباب تمسك بالمقبض: "أنا هدخله وأنت راقب عشان لو الممرضة." صمت قليلاً بتفكير ومن ثم هز رأسه بموافقة. لـ تفتح الباب وتدلف سريعاً غالقة الباب خلفها. وقفت أمامه تتأمل ملامحه تبتسم وهي تتحدث إليه بهدوء: "شهاب فوق عشان فيه حاجات كتير عايز أقولك عليها." جلست على طرف الفراش ومدت يدها تمسد على عروق كف يده البارزة بسبابتها وهي تقول:

"أحمد فسخ الخطوبة وأخد شبكته. فوق عشان تعرف ده. فوق عشان تعرف إني عرفت الحقيقة." انحنت قليلاً حتى وصلت إلى أذنه تهمس وهي مختنقة بالدموع: "أنا بحبك يا شهاب." استقامت مرة أخرى وهي لازالت تتلمس عروقه. حتى استمعت إلى اضطراب دقات قلبه حيث أصدر جهاز القلب صفير حاد. شحب وجهها وهي تنظر إلى وجهه تمسد على وجنته وهي تردد بقلق: "شهاب. شهاب. أنا جنبك. شهاب."

دلف الممرضة ومعه شريف الذي لم يلحق أن يحذر فيروز بوجودها. نظرت إليها الممرضة وهي تتحدث بحدة قائلة: "إنت إيه اللي دخلِك يا آنسة هنا؟ اتفضلي برا." أشارت فيروز بيدها إلى شهاب وهي تقول بارتجاف: "طب شوفي فيه إيه بس هو كويس. أنا هطلع بس أما أطمن عليه." بدأت الممرضة تفحص ما يحدث. لـ يهدأ دقات قلبه ويئن بتألم. لـ تنظر إليهم الممرضة وهي تقول: "أنا هنادي للدكتور. بدأ يفوق."

ابتسمت فيروز بسعادة وهي تتقدم منه مرة أخرى تنظر إليه منتظرة أن يفتح عينه أن تراه بخير. رأته يشدد على جفنيه. لـ تجثو بجوار الفراش تنظر إليه بلهفة تردد اسمه بهدوء. حتى فتح عينه. حمدت الله كثيراً حتى همس بضعف: "فيروز." دق قلبها بقوة وهي تمسك بيده. هي بإرادتها لاول مرة تمسك بيده. لـ تتحدث قائلة: "أنا جنبك يا شهاب. جنبك." شدد على يدها بضعف شديد. حتى دلف الطبيب وبدأ في فحصه. وما أن انتهى حتى تحدث قائلاً:

"الحمد لله مرحلة الخطر عدت على خير." خرج الطبيب بعد أن أمر بخروجهم. ولكنها لازالت تمسك بيده. رفع يده الأخرى يمسح دموعها التي تزين وجنتيها وهو يهمس بصوت خافت: "أنا كويس." هزت رأسها وهي تنظر إلى عينه بعتاب على ما فعله بها وما جعلها تشعر به. لـ يغمض عينه باعتذار وهو يتحدث: "متبصليش كدا." أبعد يده عن وجهها. لـ تميل نحوه قليلاً قائلة: "متجربش تعمل كدا تاني. متختبرنيش فيك عشان إنت."

تنفست والندم يأكلها على ما تقوله لزوج أختها. إلا أنها همست بصعوبة: "عشان إنت أغلى ما ليا. عشان مقدرش أشوفك كدا." أجهشت بالبكاء من جديد وهي تنحني تضع رأسها على الفراش. لـ يمد يده يضعها على رأسه وهو يقول: "عايزك تسامحيني على كل حاجة حصلت. عايزك تعرفي الحقيقة وتقوليلي إنك مصدقة وعارف إن عمري ما أخونك." رفعت رأسها تنظر إلى الأعلى باعين تغرقها الدمع قائلة:

"أنا فعلاً عرفت الحقيقة. عرفت كل حاجة يا شهاب. ومش عارفة هما عملوا فيا كدا ليه. حتى بابا لما عرف." عليها بهدوء لكي يطمئنها: "أنا مش عايز أي حاجة تأثر عليكي. ولا حاجة توجعك. وأنا جنبك." هزت رأسها بإيجاب وهي تهب واقفة عن الأرض تقول بصوت مختنق: "بس غلط اللي بعمله. مش من حقي أبقى جنبك. ولا من حقي أمسك إيدك. مش من حقي نظرة عينيك حتى. هو ده اللي وجعاني يا شهاب."

التقط يدها قبل أن تبتعد عن جواره. لـ تلتفت تنظر إلى يده الممسكة بيدها. لـ يتحدث بصوت غليظ يأتي من أعماق قلبه: "أنا طلقت ياسمين."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...