الفصل 12 | من 15 فصل

رواية غزوة حب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماء ايهاب

المشاهدات
17
كلمة
4,413
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

استمعت إلى طرقات على باب الشقة الخاصة بهم، فأخذت حجابها وارتدته وخرجت لتفتح الباب لعدم وجود والديها بالمنزل. أمسكت بطرفي الحجاب وهي تفتح الباب، نظرت إلى ذلك الرجل الواقف أمامها وبيده بعض الأوراق باستغراب وهي تقول بهدوء: _أيوه، أي خدمة؟ _دا منزل زينة حمدي عبد الله. ابتلعت ريقها بصعوبة حين نطق اسمها بجمود، لِتُومئ برأسها له وهي تقول باستفسار ونبرة متوترة: _أيوه أنا زينة، في حاجة؟ مد يده إليها بورقة وقلم وهو يقول

بجدية وملامحه لم تتغير: _أمضيلي هنا بالاستلام. زادت نبضات قلبها وارتجفت يدها وهي تنظر إليه قائلة بتلعثم: _أمضي على إيه؟ مد يده بالورقة مرة أخرى منبهًا إياها وهو يقول: _دا إنذار بطاعة من جوزك الأستاذ حسام نور الدين. صكت على أسنانها بعنف وهي تقبض على كف يدها قائلة بغضب وصوت مرتفع: _عملتها يا ابن نبيلة. _أمضي هنا يا مدام من فضلك.

تعجل الرجل متأففًا، لِتَمسك بالقلم وتدون اسمها على الورقة مرغمة على فعل ذلك، ليمد يده بورقة أخرى لها مغادرًا. نظرت إلى الورقة مطولًا وهزت رأسها بإيجاب، وقد عقدت العزم على شيء، لِتَمسك بالمفتاح المعلق بجوار الباب وتغلق الباب خلفها متوجهة إلى الأسفل حيث شقته. طرقت الباب بقوة مزعجة حتى فتحت لها والدة حسام السيدة نبيلة. نظرت إليها بغضب قائلة: _إيه بتخبطي كدا ليه؟ خبطة في نفوخك. رفعت زينة الورقة أمامها وهي تقول بتهكم:

_معلش، أصل برمي بلايا عليكم. ثم نظرت إلى داخل الشقة وهي تصرخ باسمه بصوت عالٍ حتى خرج هو من الداخل يعدل ياقة قميصه ويصفر بصوت عالٍ. أغمضت عينيها بعصبية وهي تقول بغيظ: _يا رايق. أمسكت بكتفه، تقبض بيدها على قميصه وهي تلوح بالورقة باليد الأخرى قائلة: _إنذار بالطاعة يا حسام، أنت هتصدق نفسك؟ أبعد يدها عنه وهو يعدل من قماش القميص الذي تجعد وهو يقول بضيق مصطنع: _القميص مكوي يا زينة، يوووه كرمشتيه.

صكت على أسنانها بعنف باستفزاز من نبرته، وكادت أن تتحدث إلا أن صوت نبيلة المذهول أوقفها حين نظرت إلى ابنها بصدمة قائلة: _طاعة!! طاعة إيه يا حسام؟ عقدت زينة ذراعيها أمام صدرها وهي تنظر إلى نبيلة بضيق قائلة: _حسام اتجوزتني غصب عني يا طنط، أنتِ منعتيني عن ابنك بس منعتيش ابنك عني.

اتسعت عينا نبيلة وهي تنظر إلى ابنها، تأبى أن تصدق ما تقوله تلك الفتاة، لقد بذلت قصارى جهدها حتى تبعده عنها، حتى أنه إلى الآن لا يحادثها كالسابق، ولكن في الأخير تزوجها رغماً عنها. تحدثت نبيلة بذهول من فعلة ابنها الشنعاء: _اتجوزتها ليه يا حسام؟ وكمان غصب عنها، تعصي أمك ليه يا حسام؟ أبعد حسام عينه عن والدتها بعدم اهتمام لحديثها، فبداخله حزن كبير مما فعلت بحقه وبحق تلك العنيدة "زينة".

أمسك بيد زينة يجذبها إلى الداخل متوجهًا إلى غرفته القريبة منه وسط صرخاتها بالابتعاد عنها ومحاولتها للهروب من بين براثنه، متحدثًا لوالدته بهدوء مريب: _وليه الوقت اللي عرفتي فيه يا ماما. دفعها داخل الغرفة بغيظ من تصرفاتها ودلف خلفها مغلقًا الباب. لِتَنظر إلى الباب المغلق بأعين متسعة وهي ترفع سبابتها تشير إلى الباب قائلة بثبات غاضب تحاول تخبئة الخوف بداخلها، ولكنها يحفظ ما يجول بخاطرها وما تشعر به دون أن تتفوه:

_أنت قفلت الباب ليه؟ افتح الزفت دا. استند حسام ظهره على الباب وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يهز رأسه بالنفي ببرود تام قائلاً: _مش لما تكوي القميص اللي كرمشتيه؟ أروح الشغل إزاي دلوقتي يا مدام؟ في واحدة تنزل جوزها بالشكل ده. قضمت شفتيها السفلية بعنف وهي تتقدم منه، تمسك بقميصه بكلتا يديها وتبدأ بالكمش عليه حتى تجعد كليًا وهي تقول: _متصدقش نفسك يا حسام، أنا هرفع عليك قضية، هطعن في الورق وهاتهمك بالتزوير.

أبعد يدها عنه وهو ينظر إلى القميص قائلاً: _يعني كدا ارتحتي؟ وجه أنظاره إليها وهو يقول: _على العموم، لو عايزة ترفعي مية قضية، وقضية المتهم الوحيد هنا هو أبوكي، لأنه هو اللي جوزك ليا وهو اللي مضالك على الورق، وأنتي زي العبيطة مش فاهمة حاجة. أنا مش هاخد ولا يوم في السجن، عمك هياخد العقوبة كلها، بنت دخلت أبوها السجن عقوق والدين بصحيح.

ترقرق عيناها بالدموع وهي تنظر إليه وشفتيها مذمومة بطفولية خاطفة، لِيمد يده يحاوط خصرها يجذبها ويعكس الوضع لتكون هي مستندة على الباب وهو يقف أمامها، يضع يد على خصرها ويد على الباب خلفها، ينظر إلى داخل عينيها قائلاً بهدوء: _بتعيطي ليه يا زينة؟ وإيه السبب في الرفض ده كله؟ أنتي مبتحبنيش؟ رفعت رأسها تنظر إليه مطولًا ومن ثم همست بضعف: _ما هي المشكلة إني بحبك. نظر إليها بتعجب عاقدًا ما بين حاجبيه قائلاً باستغراب: _مش فاهمك؟

تحدثت باختناق وهي تحاول إبعاده عنها: _يعني أنت اتجوزتني غصب وأنا ما فيش حاجة أعملها غصب، أنا ما أتجوزش غصب يا حسام. ارتفع جانب شفتيه بسخرية وهو يقول بغضب واضح في ارتفاع حاجبه الأيسر لأعلى: _والله على أساس إنك موافقة على أي حاجة، ولا كأنك كنتي عاملة زي المعزة اللي عايزة تخرج من تحت إيد الراعي وخلاص؟ دوختيني ودوختي نفسك. نتكلم بالعقل مفيش، وبالغصب مفيش. أنتِ عايزة إيه بالظبط؟

بتحبيني وعايزاني زي ما أنا عايزك، ولا مش عايزاني يا زينة؟ _عايزك بس طلقني يا حسام. ردها الغريب الذي امتزج ببكائها جعله يجن أكثر من السابق. طرق بيده بحدة على الباب بجوار أذنها جعلها تنكمش على نفسها وهو يصرخ بها بغضب: _جنان بجنان وعناد وقلة أدب بقلة أدب بتقابل في تنفيذ حكم الطاعة يا زينة.

ابتعد عنها قليلاً لِتَنظر إليه متوسلًا حتى يتفهم موقفها، لكنه التفت عنها يوليها ظهره، لِتَخرج من غرفته بل من الشقة كاملة غير معيرة انتباه لنداء الغيظ الذي يطلق من فم نبيلة، ويجلس هو على الفراش يدفن رأسه بين كفي يده لا يفهم ما يجول بداخلها. هل جنّت تلك الجملة المتناقضة التي نطقت بها؟ جعلت من عقله يكاد يحترق من كثرة التفكير، لماذا تحبه وتريده، وفي ذات الوقت تريد الطلاق منه والابتعاد عنه؟ لابد أنها الآن مجنونة لا محالة.

*** نظرت فيروز أمامها، رأته ممدًا على الأرض أمامها والدماء تخرج من صدره محل قلبه بغزارة. ركضت بكل ما بداخلها من طاقة وهي تلهث بقوة وشعور أن الأكسجين لا يصل إلى رئتيها يشعرها أنها ستفقد الوعي. الصدمة التي حلت على رأسها لا تجعلها تسيطر على ردة فعلها، حين وصلت إليه لم تتحمل أكثر، لتسقط على ركبتيها أمامه. وضعت يدها على وجنته تمسد عليها بارتجافة أصابت جسدها بالكامل. سقطت الدموع من مقلتيها إلى وجنتيها

وهي تهمس بتلعثم وخوف شديد: _شهاب. رفعت رأسه على فخذها وهي تربت على وجنته بحدة أكثر وهي تقول بصياح يخرج صامتًا إلا من بعض همهمة: _شهاب فوق عشان خاطري.. شهاب رد عليا. نظرت حولها لعل أحدًا يساعدها بانتقاله إلى المشفى، إلا أنها وجدت المكان حولها صحراء واسعة كاحلة السواد. سلبت أنفاسها برعب وهي تمسك بيده بقوة وتصرخ به: _قوم يا شهاب، متسبنيش لوحدي، أنت عارف إني بخاف، قوم.

لا استجابة منه ولا صمت منها كان يزداد رعبها أكثر فأكثر، حتى مال برأسه إلى الجهة اليمنى وانقطعت أنفاسه وشحب وجهه. شهقت بقوة خائفة ورفعت يدها على العرق النابض برقـبته، لقد وافته المنية، لقد انتهى أجله. أسرعت دقات قلبها بمعدل غير طبيعي وهي تدلي رأسها على صدره موضع الجرح وهي تقول بهذيان:

_لا يا شهاب، لا عشان خاطري متسبنيش يا شهاب، مش هقدر. شهاب عشان خاطري قوم، أنا مش هقدر أعيش من غيرك يا شهاب. أنا كدابة، كذبت عليك، أنا بحبك وهقدر، بقي قوم قوم عشان الدنيا ضلمة وأنا خايفة لوحدي. لا استجابة ولا رد، فقط الصمت سيد الموقف وصوت بكائها العالي هو السائد مع أنفاسها المسموعة. اعتدلت بجلستها وهي تمسك بوجهه بين راحتي يديها تتأمل وجهه الشاحب الفاقد للحياة وسكونه التام. انحنت تقبل جبهته وهي تقول بحرقة:

_هتوحشني أوي. _شــــهــــــاب. صرخت بقوة وهي تستيقظ منتفضة بفزع، تلهث بقوة وصدرها يعلو ويهبط بشكل هستيري. وضعت يدها على وجهها المتعرق تزيل حبات العرق على وجهها وهي تتمتم بخفوت: _أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أستغفر الله العظيم.

وضعت يدها على قلبها تضغط عليه بقوة حتى تهدأ. في حين فتحت هناء الباب تتقدم منها بقلق وقد استيقظت على صوتها العالي الخائف. جلست جوارها على الفراش وهي تهمس بالبسملة. لِتُسرع فيروز باحتضانها بشدة وهي تجهش بالبكاء. ربتت هناء على خصلات شعرها وهي تقول: _بسم الله الرحمن الرحيم، مالك يا حبيبتي؟ أغمضت فيروز عينيها تتذكر ذلك الحلم ومن ثم دفنت وجهها أكثر بوالدتها وهي تقول بزعر:

_كابوس، كابوس وحش أوي يا ماما، كنت حاسة إن روحي بتروح ونفسي بيقطع. أسندتها والدتها حتى تسطحت من جديد وبدأت بتلاوة ما تيسر لها من آيات الذكر الحكيم حتى غفت فيروز من جديد. قلبها رغم أن ميعاد عملها قد حان، إلا أن والدتها لم تجعلها تنتبه لذلك، يكفي أن تأخذ قسطًا من الراحة بعد ما عانته بذلك الكابوس. *** _أنا والله كويسة يا أحمد.. لا خلاص ظبط الفستان.

تحدثت بتلك الجملة فيروز وهي تنظر إلى نفسها بالمرآة والهاتف على أذنها تتحدث مع خطيبها أحمد عن تحضيرات عقد القران وعن تغير مزاجها وصوتها الذي يدل أنها ليست جيدة أبدًا. وكيف لها أن تكون كذلك؟

زوج قد فرضه والدها عليها بعد أن كانت تستسلم للأيام حتى تجعلها تتقبله بالأصل. وكابوس مزعج رأت به حبيب العمر مقتولًا وغارقًا بدماءه. مهما حدث لا تقدر على كرهه، لا تعلم لما لا تقدر، خانها وجرحها وتزوج بشقيقتها وسوف تنجب منه، وهي بالأخير لا تقدر على الكره. لا يمكن أن تكون بكل هذا الغباء، لا يمكن أن تستسلم لقلب خاضع لذلك الخائن. تنهدت بضيق من نفسها وهي تقول بهدوء: _حاضر يا أحمد، لو ناقص ليا حاجة هكلمك، مع السلامة.

أغلقت الهاتف ووضعت أمامها على طاولة الزينة. ثم نظرت إلى الفستان التي ترتديه بنفس لون عينها الفيروزية. حركت خصلات شعرها إلى الجانب الأيسر متدلية على كتفها وهي تقول بصوت مختنق: _مبقدرش أنسي عشان.. صمتت تبتلع ريقها وتتنفس بهدوء مكملة: _عشان أنت حتة من قلبي.

تنهدت بثقل وهي تلتفت نحو خزانة الملابس لتبدل ملابسها، إلا أن صوت الهاتف أعلن عن اتصال جديد لها. توجهت نحو الهاتف، ابتسمت حين وجدت زينة هي من تهاتفها. فتحت الاتصال وجلست على الفراش واضعة الهاتف على أذنها وهي تقول: _أنتي يا حيوانة ياللي سيباني لوحدي وأنتي عارفة إن كتب الكتاب بكرة. ردت زينة عليها بهدوء تام عكس المعتاد، حتى إنها أيقنت فيروز أنها ليست بخير: _معلش يا فيروز، حقك عليا، هجيلك بكرة من الصبح. عقدت فيروز حاجبيها

باستغراب وهي تقول متسائلة: _مالك يا زينة، في حاجة؟ صمتت لوهلة ظنتها فيروز أنها أغلقت الخط، حتى تحدثت من جديد قائلة: _بابا جوزني حسام غصب عني يا فيروز، وحسام رفع عليا قضية طاعة. ارتفع حاجبي فيروز بذهول مما تتفوه به زينة، ولكن قطع فترة صدمتها حين استمعت إلى صوت زينة الباكية: _أنا مش عارفة هما عملوا كدا ليه. مررت فيروز أناملها بخصلات شعرها بعدما فاقت من صدمتها، لِتَتحدث مهدئة من روعها قائلة بهدوء: _طب بتعيطي ليه؟

أنتي مش بتحبي حسام؟ هتفرق معاكي في إيه طريقة جوازكوا؟ شهقت زينة ببكاء متحدثة: _لا هتفرق معايا يا فيروز، أنا مش عايزاه غصب ومن غير ما أعرف، مش عايزاه وهو بيتحدى أمه، مش عايزاه لأن بابا مجوزني ليه احترامًا لوصية عمي بزواجي من حسام، لو بيحبني كان اتقدم لي واتكلم معايا عشان يقنعني بيه، مش فجأة ألاقيه بيقولي أنا هربيكي ويبعتلي القسيمة. بكت زينة أكثر، لِتَتنهد فيروز وهي تتحدث بهدوء مواسية:

_أنتي يا حبيبتي زعلانة عشان طريقته وبس، أنتي بتحبي حسام يا زينة وكان نفسك ياخد خطوة، هو أخد خطوة بس أنتي اللي مش متقبلة الطريقة. ممكن تتفاهمي معاه يا زينة بدل المحاكم والكلام ده؟ أنتوا أعقل من كده. _أتفاهم في إيه يا فيروز؟ ده بعتلي إنذار بالطاعة من المحكمة وعلى إيد محضر، وهو كان تحت ولما نزلت له عرفت إن أمه متعرفش وبتقوله اتجوزتها ليه؟ هي مش عايزاني. صرخت زينة بغضب، لِتَتحدث الأخيرة بهدوء:

_يا حبيبتي ابعدي مامته عن تفكيرك دلوقتي، أنتي مش فاكرة لما بعدتوا عن بعض كان عامل إزاي؟ هو ملوش دعوة بأمه يا زينة، أنتي كدا بتظلميه وعايزة أقولك إنك بتظلمي نفسك كمان، أنتي بتحبيه يا زينة، أنتي ناسية إنه حسام، ولو كانت طريقة جوازكوا غلط، حاولي معاه عشان تصلحي علاقتكوا مع بعض عشان أنتي بتتضحكي على نفسك. تنفست زينة بقوة وكأن الهواء انسحب من رئتيها، ومن ثم زفرت بهدوء متحدثة باختناق واضح بنبرة صوتها:

_أنا هكلم بابا يتكلم معاه، بما إنه كان موافق وخلاني أمضي على ورق الجواز من غير ما أعرف.. اقفلي كدا وأنا هبقى أكلمك لما أشوف هعمل إيه. وقفت فيروز عن الفراش وهي تذهب نحو خزانة الملابس قائلة: _ماشي يا حبيبتي، ربنا يهدي الحال ويهديكي يا زينة. ***

تقف جوار زينة بغرفتها بعد أن انتهت من ارتداء فستانها الفيروزي وحجابها باللون البيج. ربتت زينة على كتفها بهدوء، لِتَنظر إليها فيروز بأعين حزينة يملؤها الدموع، لِتُحاوط زينة بوجهها بكلتا يديها وهي تقول: _لا عشان خاطري يا فيروز، متعيطيش، معدش حاجة والماذون ييجي. هزت فيروز رأسها بإيجاب وهي تهمس بخفوت:

_مش قادرة، قلبي مقبوض ومش مرتاحة. اعترضت واعتراضي مش مقبول، كأني زي أي حتة أثاث في البيت. أنا أول مرة أشوف بابا كدا، كأنه عايز يخلص مني. احتضنتها زينة بقوة وهي تمسد على ظهرها تهمس لها بهدوء: _والله يا حبيبتي محدش عارف الخير فين، وباباكي أكيد عارف مصلحتك. أسندت ذقنها على كتف زينة وهي تقول بألم: _أنا مش مصدقة لحد دلوقتي إن اللي هتجوزه بعد شوية ده مش شهاب. أنا عارفة إني بظلم أحمد، بس مش عارفة أفكر غير كدا.

أبعدتها زينة عنها وأمسكت بيدها تجذبها نحو الفراش تجعلها تجلس فوقه بارتياحية قائلة: _ممكن متفكريش في حاجة عشان وشك، أنا هروح أجيب لك عصير على ما المأذون ييجي.

هزت فيروز رأسها بإيجاب وهي تبلل شفتيها بطرف لسانها، لِتَخرج زينة مغلقة الباب خلفها. مرت فيروز يدها على وجهها وهي تتنهد بضيق. استمعت إلى صوت شيء يطرق بباب الشرفة، عقدت حاجبيها باستغراب وهي تقف تتقدم قليلاً من الشرفة تستمع لعلها تتوهم، إلا أنها استمعت من جديد إلى ذلك الصوت. فتحت باب الشرفة قليلاً لتنظر إلى ما بداخلها، إلا أن دفعة من خلف الباب جعلتها تعود إلى الخلف خطوتين وهي تتأوه بخفوت، لكنها شهقت بتفاجأة حين وجدت شهاب أمامها. اتسعت حدقتاها بصدمة

وهي تصيح به بصوت خافت: _أنت جيت هنا إزاي؟ جيت ليه؟ ليـــه؟ نظر إليها بلا تعبير، بلا روح، بل جامد تمامًا، ينظر إليها متأملًا وجهها الملائكي الخالي من مستحضرات التجميل، وحجابها الذي لاق بها كثيرًا، وثوبها الذي هو نفس لون عينها الفيروزية. تحدث ببهوت: _اشمعنى أنا ضعيف في بعدك؟ اشمعنى أنتي قدرتي وأنا مقدرتش.. أنا بموت. نظرت إليه وقد ارتجفت شفتيها السفلية ببكاء متحدثة:

_ارجع من مكان ما جيت يا شهاب، أنا مش عايزة فضايح، لو حد جه ولقاك معايا هتبقى كارثة، ارجوك سيبني في حالي بقى. تقدم منها ببرود وكأنه لم يستمع إليها، لِتَعُود هي إلى الخلف بخوف من هيئته التي تدل أنه ليس بخير، في حين تحدث هو بصوت مبحوح: _لابسة نفس اللون اللي كنا متفقين عليه؟ قابلة إنك بعد شوية هتبقي مراته. خرجت منه ضحكة ساخرة وهو يقول: _وأنا مش مهم؟ معدتش فارق معاكي يا فيروز؟

تماسكت وهي تقبض على ثوبها بقوة وقلبها يخفق بين ضلوعها، تخفض رأسها إلى الأسفل. نظر إلى يدها القابضة على ثوبها ومن ثم نظر إلى عينها قائلاً: _خايف مني بجد؟ رفعت رأسها تنظر إليه بدموع عالقة على أهدابها قائلة: _عايز إيه يا شهاب؟ أبوس إيدك اطلع برا، أحمد زمانه جاي مع المأذون، هروح في داهية. رأت دمعة تجمعت بمقلتيه وهو يهمس بصوت مزق الباقي من قلبها:

_أنا بحبك يا فيروز، أنا مقدرش أشوفك مع غيري، أنا بموت من ساعة ما اتخطبتيله، متعمليش فيا كدا يا فيروز. نظرت إليه فيروز قليلًا ثم تغمض عينيها تتنهد بثقل كأن الجبال تجثو فوق صدرها قائلة: _مش الوقت المناسب، صدقني، أنا مش عايزة أسمع حاجة بعد كده، ارجوك سيبني أعيش حياتي، كفاية إني بظلم أحمد معايا.

فتح الباب فجأة، لِتَنظر فيروز نحو باب الغرفة بخوف، لِتَجدها زينة. تنهدت براحة، لكن صدمة زينة كانت المسيطرة عليها، لِـينظر إليها شهاب قائلاً: _اطلعي برا يا زينة، أرجوكي. نظرت زينة إلى فيروز، لِـتهز فيروز رأسها إليها، لِـتَضع زينة الكوب على طاولة الزينة وخرجت من الغرفة تقف أمام الباب حتى لا يدخل أحد ويرى شهاب بغرفة فيروز. نظرت إليه فيروز ببكاء وهي تقول: _قول اللي عايزه، أرجوك، وامشِ.

رفع قميصه وأخرج سلاحه الناري من بنطاله، لِـتشهق فيروز واضعة يدها على فمها بصدمة. نظر إلى السلاح ثم إليها وهو يقول بألم: _فكرت أقتلك عشان متبقيش لغيري. ضغط على شفتيه وهو يهز رأسه بالنفي قائلاً: _بس مقدرتش، قلبي وجعني من مجرد الفكرة بس. رفع السلاح نحو رأسه وهو يقول بضعف شديد وكأنه أصبح رخوًا: _بس أقدر أموت نفسي عشان مشوفكيش مع حد غيري، أول ما تخرجي من الباب ده هكون ميت. بكت بقوة وهي تنظر إليه تنفي برأسها قائلة:

_لا يا شهاب، بالله عليك، أبوس إيدك متعملش فيا وفي نفسك كدا. تقدم منها خطوة وهو يمد يده بهاتفه لها قائلاً: _أول ما تفكري تفتحي الباب هكون ميت في إيدك، إنتي تعيشي أو أموت. على صوت بكائها الحاد وهي تمد يدها إلى هاتفه، في حين تحدث هو: _أنا مسجل كل اللي حصل بصوت شريف أخويا، لأني حالف على المصحف مقولكيش ولا كلمة، لو مت اسمعيها كويس وسامحيني. تقدمت تمسك بيده المتواجد بها السلاح وهي تقول بتوسل:

_مش هقدر أعيش الكابوس ده يا شهاب، ارجوك عشان خاطري بلاش. لِـيعود هو إلى الخلف ولم يجعلها تطوله وهو يقول بأعين حمراء كالدماء: _بلاش أنتِ تعيشيني كل ده، مش هقدر أتحمل. ياريت عرفت أخليكي تحبيني أكتر، ياريت خليتك تحبيني زي ما بحبك عشان تعرفي اللي أنا فيه.. وحياة عيون الفيروز بحبك أوي.

تلاقت أعينهما الحزينة وسط بكائها العنيف الذي يزلزل قلبها وقلبه المتحطم وروحه الباهتة. تنقل بصرها عليه بخوف شديد وارتجافة، وينظر إليها هو باعتذار وألم ممزوج بوداع حزين يلوح بعينيه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...