بشندى: لازم أطلع يا خيري النهاردة. قلبي قايد نار، ما أقدرش أصبر على ولد المركوب ده أكتر من كده. خيري: تطلع فين؟ تطلع فين؟ البِد يا واكلهم ده عينكش عليك في البلد بأكملها هو ورجالته. وما تطلعش من غير ما تكون محاوط بعشر رجالة بسلاحهم على الأقل. بشندى: مش مهم عشرة، عشرين. أنا كده وكده وهبقى. خيري: يا بوي، وهما هيخلوك تلحق تشوف حالك كده ولا لأ؟
دول أول ما هيلمحوك من على بعد عشر قصبات هينشوك طلقة، تقومك موطرحك يا حبيبي. ودول كتير، يعني لو كل واحد بس ظبطك طلقة واحدة من بندقيته، قيس أنت عاد هتكون عامل إزاي وقتها. بشندى وقف وضرب إيديه في بعض: والله زمن، اللي قعد فيه بشندى مدسوس في بيت زي النسوان، ما يطلعش ومكتّف خوف من طلقة بندقية!
خيري: لازم تخاف، عشان الطلقة اللي بتتدحرج عينيها دي بتنهي العمر في لحظة. واديك شفت عمل إيه في الشيخ. والعمر مش بعزقة يا بشندى. اصبر، اصبر لحد ما يطمن إنك ما عدتش قاعد في البلد كلياتها، ووقتها هيدي أمان وتقدر تلقفه لحاله. بشندى بص لفوق بعد ما ضرب كف بكف: الصبر من عندك يا رب. صبر قلبي اللي زي دمسة نار على حبايب ولدي اللي ما أعرفش حالهم عامل إزاي، ولا الخسيس مسوّي إيه فيهم. *** أما في وقت سابق
غازي علامات الخوف متجلية على وشه، ورعشة جسمه وإيديه. وهو بيتحدث بعصبية: قدر يهرب منك كيف يا عوض؟ كيف بشندى يهرب من وسط رجالة تسد عين الشمس؟ كيف وأنا منبه ومؤكد ودافع كد أكده فلوس لرجالة طلعت بظرميط، مقدرتش تحرس واحد عيان ملكوم، مقادرش يصلب طوله. يا واد عليكم يا واد. وكمل وهو بيعمل بجسمه لقدام ولورا بتوتر: بشندى طلع وفلت من تحت إيدي. غفلت على راسك يا غازي. غفلت على راسك وبس. ده أنت طارت راسك يا غازي خلاص.
عوض: تخافش يا شيخ، إحنا كلنا حواليك ومش هنهملك واصل، ولا بشندى ولا غيره يقدر يهوب ناحيتك. غازي: أنتم!
أنتم يلعن أبوكم واحد واحد، كلبه ولاد كلب منسونين. وأنا اللي مسنود عليكم وفارد قلوعي، تاريكم شوية هفق اتلميت عليكم. غور من وشي، لولا الملامة كنت قمت خنقتك بإيدي وطلعت روحك. تلف البلد شبر شبر وزقاق زقاق، والزرع بين كل بوصة شامية والتانية. تبص وسطهم على بشندى الكلب، لغاية ما تجيبهولي تحت رجلي تاني. وما تعاودش من غيره يا عوض، فاااهم. عوض: حاضر يا شيخ، هدور البلد زنقورة زنقورة أنا والرجالة وهنعثروا فيه، متخافش.
قالها واتحرك من قدامه، وأخد معاه رجالة بسلاح وطلعوا يدوروا على بشندى. في الوقت الحالي غازي على ضهر الفرس عنتر في الأرض، والرجالة محاوطينه وبيتلف حواليه في كل اتجاه. عوض: يا شيخ، قلت لك فات البلد وغار خلاص. وخصوصي إنه خلاص ما عدش له حد هنا. تلاقيه حسبها وقال لك مش هضيع اليومين الفاضلين في عمري عشان آخد بتار واحد مش من بقية عيلتي. غازي: ليه أنت عامله زيك يا ك؟
تبقى متعرفش بشندى واصل. بشندى حكيم، كان كل عيلته وناسه. ولو فيه حد في الدنيا كلها يحط حياته على كفه عشان ياخد بتاره، الحد ده بشندى. أوعك تكون عامل إن كل الرجالة اللي حواليا دول هيحموني منه لو جالي. ولا كده تاني، وحياتك. بس اللي مستغربه هو غاطس فين بقاله 20 يوم دلوقتي من يوم ما هرب ما ظهرش. ويا ترى قاعد فين، وحدا مين؟
عوض: تلاقيه طلع برا البلد خالص، وأصلا تلاقيه لسه تعبان من المخدر اللي كنا عندهوله ومقادرش يقوم لحد دلوقتي. غازي: الراجل ده طول عمري أتغير من حبه لحكيم ومدارته ليه كيف ما يكون ولده، وفرحته بيه في كل وقت. وأي حاجة يعملها كنت أحسد عليها حكيم أكتر من أي حاجة تانية. كنت أقول، أشمعنى هو مات أبوه لقيله أب وأنا مالي؟ كنت حاسس إن حتى ربنا مفضل حكيم عليا بأنه زارع محبته في قلوب الناس كلها.
عوض: أهو غار بمحبته وبزينه وبشينه، والناس تلاقيها نسيته ونسيت محبته معاه. غازي: عمر الناس ما هتنساها يا عوض. حكيم، أحسه لسه عايش في عيون الناس اللي بيطلعوا لي وأشوف فيها كلامهم اللي نفسهم يقولوهولي وخايفين. أشوفهم ينطقوا من غير لسان ويقولوا لي، عمرك ما هتبقى كيف الشيخ حكيم لو عملت إيه. دول حتى من ساعة ما أخدت المشيخة، محدش قالي منهم في فصل ولا في مشكلة أحلهاله، وياخدوا مشاكلهم ويروحوا بيها بلد تانية يحلوها بعيد عني.
عوض: طيب، ما دي أحسن لك. برد راسك منهم ومن مشاكلهم، وأوعى لأرضك وحالك ومالك. وجوازك من بت عمك اللي ما فاضلش عليه غير 15 يوم وعايزين نحضروا له من دلوقتي. دي جواز شيخ البلد، مش أي حد عاد. غازي: لا، ما أعملش فرح ولا يحزنون. هعقد عليها سكاتي وسط كام نفر وبس. واد عمي لسه ميت، ميصحش برضك يا عوض الناس تاكل وشي. الفرح اللي بحق صح، هعمله يوم فرحي على بت عيشة. وابتسم بشر.
عوض ضحك: والله أنت غريب يا شيخ. متعملش فرح لحلالك وعايز تعمل فرح للحرام. يلا، خلي الشياطين تفرح وتهيس. دول هيكونوا كلهم حاضرين الفرح ومبسوطين بيك وبعملتك آخر انبساط والله. ههههع. غازي ضحك بزهو على كلام عوض ورد عليه: عيب عليك يا ابني، دول بييجوني كل عشية ياخدوا دروس من العبد لله. *** أما في السرايا غالية: يلا يا أمي، هطلعك هبابة بره الأوضة عشان تشمي هوا وتغيري جو. هطلعك في الجنينة.
تماضر هزت دماغها لغالية برفض، لكن غالية أصرت عليها إنها تطلعها من الأوضة اللي من يوم موت حكيم وهي جواها، ما طلعتش.
حطتها على الكرسي بتاعها بالراحة، وطلعت بيها من الأوضة. وبمجرد ما طلعت، ظهرت على الشاشة قدام حكيم، وقام وقف على حيله وقرب لأبعد مكان السلسلة تسمح له يوصله. ووقف قدام صورة أمه، وقلبه اتزلزل من الحزن وهو شايف حالها وانكسارها عليه، ودماغها اللي باصة للأرض، كيف ما تكون عاوزة ترفعها ولا تشوف حد قبال عينيها في الدنيا واصل. فضلت غالية ماشية بيها وحدة وحدة لغاية ما وصلت باب السرايا، وبعدها صورتها اختفت من قدام عينيه.
عشان تظهر مرة تانية في الجهاز التاني اللي بيجيب صورة الجنينة، وغالية ماشية بيها وحدة وحدة. حكيم رجع قعد مكانه على السرير لما مقدرش يوقف من ارتعاشة رجليه وجسمه، وهو شايف لبّة قلبه قباله بعد المدة دي كلها. وشاف حالها اللي يصعب على الكافر. تماضر أخيراً رفعت دماغها وبصت على جمرة، وشاورت لغالية عليها. غالية: عايزة تروحي لجمرة؟ تماضر هزت لها دماغها، وغالية دفعت الكرسي ناحية جمرة ووقفته قريب منها.
تماضر أول ما وقفت جارها، مدت لها إيدها بحب، نفسها تلمسها. وكيف ما تكون جمرة حسّت بيها. قربت دماغها عليها، وتماضر ابتسمت ورفعت إيدها مشتها على غرتها بحب وحنان، وجمرة استمتعت بلمستها ومطت جسمها باسترخاء، كيف ما كانت تعمل لما حكيم كان يمسدلها على شعرها بالظبط. حكيم شايف كل ده ومقدرش يحوش دموعه، وهو شايف أمه قبال عينيه ومقدرش يروح لها، ياخدها في حضنها اللي كان بيهون عليه كل حاجة وحشة في الدنيا.
تماضر فضلت شوية قبال جمرة، وبصت لغالية بتعب. وغالية قامت من قعدتها ومسكت الكرسي واتحركت بيه. لكنها وقفت مرة واحدة، لما الكرسي ما رضاش يمشي، وبصت شافت أمها مثبتة عجلاته بإيديها ونفسها عالي، وبتتلفت حواليها. تماضر: فيه حاجة يا أمي، عايزة حاجة؟ عايزة نستنى شوية تاني في الجنينة؟ تماضر مستمرة تتلفت، ومرة واحدة ثبتت عينيها على المشتمل، وشاورت لغالية عليه. غالية: ماله المشتمل؟ بتسألي على غازي؟ عايزة تعرفي قاعد جوا ولا لأ؟
تماضر هزت لها دماغها برفض، وشاورت لها تاني على المشتمل. غالية: طيب، عايزة إيه طيب من المشتمل؟ مانيش فاهمة. تماضر فضلت تزوم وتهز في دماغها وتشاور على المشتمل، وتضرب بإيديها الاتنين في عجلات الكرسي بعنف. وحالتها خلت غالية اتبشلت، ما بقتش عارفة تعمل إيه. وفهمت بعدين لما شافت أمها بتحرك في عجلات الكرسي ووجهتهم على المشتمل. غالية بسرعة مسكت إيدين الكرسي وحركته: عايزة تروحي ناحية المشتمل؟ طب ليه؟
تماضر مردتش عليها، وغالية كملت بيها لغاية باب المشتمل اللي كان قافله غازي بقفل وواخد مفتاحه معاه. حكيم شايف أمه وهي بتقرب عليه، وعرف إنها حست بيه وبمكانه كيف ما قلبها دايمًا بيحس بيه. وقام وقف على حيله، وهو شايفها قدام باب المشتمل على بعد خطوات منه، وبدأ يصرخ بعلو صوته: أمااااااااااه، أنا هنا يا يمااااااااا. أنا هنا يا تماضر، تبعي قلبك وتعالي لي. أمااااااااااه.
وفضل يهز في السلاسل ويضرب بيها في السرير الحديد عشان يعمل صوت، لعل أمها تسمعه. وبالذات وهو شايف تماضر رفعت إيدها حطتها على قلبها وبتتلفت شمال ويمين كيف المجنونة. غالية: مالك يا أمي، فيكي إيه؟ حاجة بتوجعك ولا إيه؟ رجفتي قلبي. تماضر مردتش عليها، بس شالت إيدها من على قلبها ومسكت رقبتها، وهي حاسة بخنقة وديقة نفس، وقلبها بيحدثها إن حكيم قريب منها، وإنها حاسة إنها شامة ريحة كيف ما يعقوب شم ريحة يوسف.
غالية: ياما، ردي عليا، فيكي إيه؟ طب تعالي، هندخل السرايا. شكلك تعبتي قوي، يا ريتني ما طلعتك. واتحركت بيها، وتماضر تهز في دماغها برفض، وبدأت تبكي بصوت عالي وتشاور على المشتمل وعينها عليه، لغاية ما غالية دخلت بيها السرايا، وهي مش فاهمة جرالها إيه خلاها تعمل كده.
عيشة كانت قاعدة تحت مع زبيدة، اللي ما بقتش تهملها أصلًا. ودايمًا مع بعض عشان زبيدة بتحكيلها أخبار البلد وناسها واللي بيجري فيها، عشان ما فيش غيرها اللي بتطلع من السرايا وتعاود لها. وسايبة جماره قاعدة لحالها فوق.
جماره في الوقت ده كانت نايمة على السرير ومغمضة، بس ما نامتش. وفتحت عينيها على صوت هزة في السرير. قامت اتعدلت وقعدت على حيلها، ونفس الهزة والصوت بيتكرر. غمضت عينيها لما جه في دماغها إن أكيد ده غازي رجع يحفر على الطميرة تاني، بس دلوقتي بيحفر بالنهار وقبال الكل من غير خوف. ما هو اللي كان بيتدسدس منه كيف الفار راح خلاص.
نفخت بغلب ورجعت اتمددت وغمضت عينيها، وهي سامعة الصوت وبتدعي من الله إن الحفرة تقع على دماغ غازي وما يطلعش من تحتها تاني. واتنهدت وهي نفسها تضرب حالها 100 صرمة عشان ما قالتش عليها لحكيم، يمكن ساعتها كان زمانه بلغ عن غازي واتخلصوا منه. واتقلب في السرير، وهي حاسة بنغزة في قلبها وحطت إيدها عليه، وبصت على صورة حكيم بحنين، وديقت
حواجبها وهي بتهمس له: ما أعرفش ليه حاسة إنك جاري. حاسة إنك قريب مني. أكيد روحك قاعدة جاري دلوقتي وحاسة بيّ يا نور العين وحبة القلب. توحشتك قوي يا حكيم، قوي. أما حكيم، فكان شايفهم قبال عينيه، وعينادم بأسمائهم وحدة وحدة، وبيصرخ عليهم لغاية ما حسّ راح. وقعد في الأرض على حيله، وحط راسه بين إيديه، واستسلم لنحيب العجز اللي عمره ما كان متخيل إنه هيحس بيه في يوم من الأيام. وفضل يلعن في غازي عدد كل ساعة وفي كل كتاب. ***
عدت الأيام، يوم يسلم يوم، والحال هو هو. والقهر في القلوب بيزيد ما بيخسّش. وخلاص النهارده أربعين حكيم، وبدل ما يكونوا بيجهزوا لختمة الأربعين، غازي بيجهز حاله لفرحه على غالية.
أما غالية، فمن يوم ما طلعت أمها للجنينة أول مرة، وهي بتعاني معاها نوبات بكا كتيرة وديقة من غير سبب. وتفضل تشاور لها على الجنينة وعلى المشتمل، وتاخدها غالية تطلعها وتوديها قدام المشتمل المقفول، وتتقطع قبالها، وهي شايفاها بتشاور وتبكي كيف عيل صغير. محدش عارف بيبكي ليه ولا عاوز إيه.
حالة أمها من سيء لأسوأ، وحالة جماره وصلت لحال الزهد في الدنيا. الوكل والشرب والكلام قليل، والوش اتبدل. والدنيا كل ما بتمشي بتزيد سواد حواليها. واللي لمسها خالص غازي، وهو بيقول لها: النهاردة حضري حالك عشان بكرة العقد. كل عشية كانت تشوفه بيلف في السرايا، ويدخل كل الأوض، ويعبش في كل ركن فيها على أوراق الأرض، ما يلاقيهاش. ويجي لها يسألها مرة واتنين على مطرح العقود،
وهي تقوله: ما أعرفش، ولا أعرف حكيم كان بيدس ورقة فين. وهو تركبه العفاريت الزرق، ويفضل يتنطط قبالها بغضب ويمشي بعد ما يشتمها كل الشتايم. وادّي النهارده أربعين حكيم، والمفروض تتعمله ختمة وثواب وعزا حريم. لكن غازي قفل السرايا ومنع أي مرة تدخلها من بره. وأصلًا ما فيش غير كام واحدة بس اللي جو، وانطردوا. والباقي ما جاش لحاله، خاف من كلاب غازي اللي واقفة على باب السرايا. غازي دخل السرايا آخر الليل، وشايل كيس كبير في إيده،
ووقف قبال غالية وسألها: حضرتي حالك ولا لسه يا غالية؟ غالية كانت قاعدة جار أمها، وردت عليه وإيدها على خدها: إيه ف حالي يتحضر يا غازي! غازي: وه! مش عروسة وتتجهزي لعريسك عاد ولا إيه؟ بتغمّشي روحك ياك، عاملة حالك ما تعرفيش، وأنتِ لبك طايح وداخله على عنس! غالية: أنا ما أعملش حاجة واصل، وزينة على كده. عاجبك عاجبك، ما عاجبكش هملني وروح وسيبني في حالي، بلا جيزة بلا هم قاسي. أنا في إيه ولا في إيه.
غازي: على راحتك يا معفنة. عمومًا، اتلافي ده، وبكرة كيف دلوقتي تكوني متربربة ولابسة، ومستنية المأذون ييجي يعقد لنا في السرايا هنا. سامعة. غالية بصت له وهزت دماغها بقلة حيلة، ومسكت الكيس رمته على الأرض، وحطت دماغها بين إيديها وغمضت عينيها. وغازي برطم وطلع، وهو بيتوعد لها يتم الجواز بس، ويحرق قلب حكيم عليها، وبعدها يبدأ معاها اللعب اللي على أصله، ويربيها التربية اللي تستحقها.
طلع، وغالية قامت وطلعت قعدت جار جماره، والتنين فتحوها مناحة على حكيم، اللي أربعينه النهارده، ولا قدّروا يروحوا قبره يقروا الفاتحة على روحه، ولا حتى يعرفوا هو مدفون في أنهي عين. ونوحوا على حالهم وحال السجن اللي وصلوا له، وكل واحدة فيهم كيف بقت جارية ذليلة لغازي، بعد ما كانت أميرة على قلب حكيم.
عدى الليل وعدت الساعات، وغالية واقفة بفستانها الأبيض، لكنها ما رضيتش تغير ربطة الراس السوداء، وفضلت بيها. وغازي أول ما شافها جرى عليها، شد الربطة من على راسها ولفها على رقبتها، كان هيطلع روحها. أنا قلت إيه؟ مش قلت لك النهارده تكوني عروسة لابسة أبيض من ساسك لراسك؟ بتخالفي لييييه؟ وتطلع عفاريتي؟ حطي طرحة الفستان على نافوخك، واطلعي للصالة الضحكة من الودن للودن. ولو خشمك اتقفل، هكسر سنانك دول بضربة نبوت، فاهمة!
غالية هزت دماغها بضعف، عشان بس يبعد عنها ويسيبها تاخد نفسها ويحرر رقبتها. وهو شوية وسابها وبعد عن عينيها، وهي راحت لأمها اللي كانت بتزوم بكل صوتها وبتترجف على بتها اللي في يد غازي، بتصارع الموت ومش قادرة تطولها ولا تخلصها منه.
غالية اترمت في حضن أمها، وتماضر لمّتها على صدرها بإيديها الاتنين. وشوية ورفعت إيديها لفوق، وبصت للسما تدعي على غازي. وهو أول ما شاف حركتها دي، بسرعة رفع نبوته وضرب إيديها، خلاها تصرخ من الألم ونزلتهم. وغالية اتولت بدالها مهمة الدعاء: ربنا ياخدك يا بعيد. روح، ربنا ينتقم منك يا ظالم. كنت أحب فيك إيه أنا؟ كنت شايفه فيك إيه زين؟ ما سمعتش ليه كلامهم، واتجوزت؟ كان زماني خلصت منك، وجايب لك راجل يقفلك ويديك على نافوخك.
وعضت إيدها بندم ودموع. وغازي ضحك ومسكها من دراعها، وقومها: دي ترتيب ربنا يا بت عمي. هو مقسملي النصيب الزين. هتعترضي على تقاسيم ربنا ولا إيه؟ يلا يا عروسة، همّي، خلينا نعقد المأذون والشهود قاعدين بره مستنيين، عايزين نخلص. يلا، حطي طرحتك على راسك يا عروسة.
غالية مسكت الطرحة وربطتها على راسها كيف العصابة، وطلعت مع غازي وكتبوا الكتاب. وعيشة وزبيدة باصين عليها من المطبخ بعيون باكية على حالها، وهي بتغيب وتمسح في دمعها بسرعة قبل ما غازي يوعاها ويقندل عيشتها. وطول الوقت غازي باصص للسقف وبيضحك، وغالية مستغربة من عملاته، بس ساكتة، ما لهاش صالح بيه.
خلصوا كتب الكتاب، وغالية رجعت أوضة أمها، حضنتها وبكت على صدرها شوية. وأمها برغم كل اللي بيحصل حواليها، لكنها ما تعرفش ليه حاسة قلبها مطمن ومآمن. وإن فيه فرج جاي قريب، ما تعرفش مصدره منين، بس مخلي قلبها بارد هبابة. مسكت وش بنتها بين إيديها وحبت خدودها وراسها، ومسحت دموعها، واتكتلت على عينيها تصبرها. وغالية سلمت أمرها لله، وقبل ما تقوم تروح على الأوضة التانية كيف ما أمرها غازي، مسكت إيدين أمها اللي ضربهم غازي وأثر
الضربة باين عليهم، وحبت مطرح الضربة ومسحت عليها بشفقة، وقامت طلعت، وبعتت لها عيشة وقالت لها تبات معاها الليلة، ما تفوتهاش لحالها. وينقلوا قعدتهم هي وزبيدة جارها، حتى لو أمها شاورت لهم عشان يسيبوها لحالها كيف كل مرة، ما يسيبوهاش. واتحركت من قدامها، ومشت بروح مهزومة، كأنها بتوصي وصية موت.
رجع غازي بعد شوية، ودخل الأوضة وشاف غالية قاعدة على السرير وحاطة راسها بين رجليها وبتعيط بصوت عالي. ابتسم على حالها، وخلع عمته وعبايته وجلابيته، وقرب منها وقعد جارها ومد يده على إيدها، لكنها جفلت وبعدتها عن عينيه. غازي خد نفس واتحدث: غالية، غالية بصي يا بت الناس، أنا أحب العنف والضرب والغصب والأذية في كل حاجة، إلا الحتة دي. ما أحبش أستخدم العنف فيها، مع إنّي أقدر. بتسأليني ليه؟
هقول سبحان الله، حط فيا قسوة الدنيا كلها، بس في الحتة دي لأ. فما تضطرنيش أنتِ وتعلميني إن قسوتي وغصبي يمتد لها، عشان ما حدش هيتعب غيرك. قومي غيري، وتعالي لبي أوامري من سكات، وطيعيني عشان تكسبِ حياتك وحياة أمك الغلبانة اللي مرمية بره دي. غالية قامت بضعف وخوف من تهديده، ونفذت كلامه. وغازي طبع عليها صك ملكيته، وتأكدت بعدها إنه خلاص سلسلها بقيد يجبرها إنها تعيش في طغيانه لآخر عمرها.
وعدت الأيام، وغازي اتنقل يبات في السرايا من يوم جوازه بغالية. بس لازم يقوم من جارها كل يوم بالليل ويطلع. وهي تتلكلك وتنام وتتمنى إنه ما يعاودش. وفي النهار يفضل اليوم كله بره السرايا، وهي تقعد مع أمها وعيشة. وشوية تطلع لجماره تقعد جارها هبابة. وما بين هنا وهناك تصبر حالها وتضيع وقتها، لغاية ما ييجي غازي بالليل، تدخل غرفتها وتنجبر تنام جاره، وغصب عنيها لازم تتصرف كأنها راضية ومرتاحة معاه، وإلا عشيتها تبقى مشندلة لو دخل ولقاها مبوزة في وشه.
*** خيري بكل حيلة ماسك بشندى ومتلتل فيه، وواقف بينه وبين الباب: والله ما أسيبك تطلع وتروح للموت برجلك. أنت اتهوست يا بشندى ياك! بشندى بكل عزيمة بيزيح في خيري: بعد عني يا خيري، هقعد لحد ميتي مدسوس في البيت وخايف كيف الحريم، وسايب كتّال ولدي يسرح ويمرح على وش الدنيا! فوتني، هروح له، ويا قاتل يا مقتول، بس المهم ما أعدش بناري القايدة جوايا أكتر من كده. هملني يا خيري، هملللل.
قالها وزاح خيري بكل قوته، رزعه في الحيطة، وطلع بعد ما حط إيده على صدره، اطمن إن الطبنجه قاعدة. ولف الشال على وشه واتلثم، وطلع على طول، في طريقه اللي مش خابر هيعاود منه حي ولا متشال على الكتاف والروح مفارقة الجسد. بس برضه ما همّهوش.
وصل قريب من أرض حكيم، ودخل في غيط قصب، وفضل قانص ومستني في ميعاد روحة غازي للأرض كل يوم، اللي كان مخبره بيها خيري. فضل مستني شوية كثار، لغاية ما وعى غازي وناره شعللت في الحال من شوفة خلقته، وخصوصي وهو شايفه راكب عنتر وجاي بيه وسط رجّالته اللي محاوطينه. وأول ما وصل الأرض، نزل من فوق عنتر ولفّ لجامه لواحد من الرجالة، ووقف يتحدث مع الرجالة اللي محاوطينه، ومانعين بشندى إنه ياخد عدله في النشان عليه. فضل بشندى قانص ومستني، لغاية ما جات له الفرصة، وغازي اتقدم الرجالة عشان يركب عنتر، وضرب بشندى الرصاصة اللي قلبت الموازين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!