انطلقت من طبنجة بشندى الطلقة، متجهة على قلب غازى بالظبط، لكن اللى حصل غير موازين حسابات بشندى. لما غازى وطى يمسك لجام عنتر، كانت الثانية دى هي الفيصل اللي خلى الرصاصة تتخطاه وتنبت في صدر واحد من رجّالته. خلّته وقع مكانه. غازى اترمى على الأرض في ثانية، وابتدا صراخ على عوض والرجالة: "بشششندى! ديه بشندى! هاتووووه! لو فلت من اديكم هكتلكم كلكم النهارده وملكمش عندى ديه".
أما بشندى، ففضل مستنى غازى يقوم عشان يكرر الطلقة. ولما لقى مفيش فايدة، اتحرك للهرب. وهو واعي الرجالة قربت عليه، لكن الحظ محالفهوش لما طلقة اخترقت رجله، وقعته مطرحه من طلقات بنادق رجالة غازى اللي ابتدوا يضربوا ضرب عشوائي على غيط القصب. فضل نايم وكاتم المه، وسامع خشوشة القصب حواليه، ويدعي من ربنا إن عينهم تغفل عنيه. لكن المكتوب ممنوش هروب. وغمض عينيه وهو شايف بوز بندقية عيشق عيدان القصب ويتلزق في دماغه.
بشندى: "اضرب ياواد المركوب، مستنطر إيه؟ "له، الشيخ عاوزك حي، ماعوزش يموتك دلوكيت." وطى خد الطبنجه من يد بشندى، وهو لسه مثبت فتحة البندقية في دماغه. وبعدها شال البندقية وضرب طلقة نصر في الهوا وزعق بعلو صوته: "لقيته يارجاله! تعالوا اهنه." وشوية والكل اتجمع حواليه، وشالوه وراحوا بيه على غازى، اللي أول ما شافه في إيدين رجّالته، في اللحظة دي بس اللي قلبه خفّت رجفته، وريقه الناشف من الخوف طِري واتبلع.
ولما وصل حداه، ضحك بتشفّي: "والله ورجع الطير ليد صياده تاني. ليك وحشة يابشندى والله. كنت وين ياراجل؟ دانى برمت عليك البلد والبلاد اللي جارها. أصلي عحبك ياراجل ومعحملش بُعادك عن عيني واصل." بشندى وهو كاتم المه: "له، وإنتا الصادق، دانتا كنت عتدور عليا خوف مش محبة. عشان خابر زين إن طول ما أنا حر وبعيد عنك، موتك محتوم."
غازي بضحكة: "صوح. مش هجادلك ولا أكدبك. كنت خايف منك. وكرامة لكل الخوف اللي حسيت بيه ديه بسببك، إني هخلصه من عنيك وهطلعه على جتتك. خدوه يارجاله على المندرة. وتاوو ديه بعيد. أو ارموه فالرياح، هو أكده أكده محدش يعرفه ولا هيدور عليه."
وبالفعل، الرجالة اتقسموا نصين. نصهم ربطو بشندى واتصرفوا وجابوا شوال خيش كبير، حطوه فيه وربطوه ورفعوه على عنتر، وواحد من الرجالة جره. وغازى ماشى وراهم بفرحة كنه راجع هو ورجّالته بغنايم حرب. والنص التاني حطوا الراجل الميت في شوال زيه، وحطوه على حمار وحملوا فوق منه جراو عشان يداروه، وراحوا بيه للرياح (منفذ للماء للبلد كلها يغذي مصرف أو أكثر بالماء) ورموه ورجعوا، ولا مين شاف ولا مين درى.
وصلوا المندرة، وواحد من الرجالة اتطوع يطلع لبشندى الرصاصة. وسخن مطوة على النار وشق رجله بالطول، ومد إيده في الجرح طلع الرصاصة. وكل ديه من غير تخدير ولا حاجة تخفف الألم. وبشندى روحه طلعت وردتله كذا مرة من الألم. ومع كل حركة كان يشهق شهقة تشق صدره شق. خلص الراجل وخيطله رجله بإبرة خياطة بعد ماكبّلو عليها سبيرتو، وجاب خيط شوال نايلون وابتدا يخيطله غرز حلزونية. ودي طريقة المطاريد في الخياطة عشان تالت يوم يقصوا الخيط ويشدوه من الجرح ويطلع من غير ما يتقطع.
خلص وطلع. وفات بشندى منتهى الوجع. ودخل بعد منه غازى وعوض. غازي: "هاه، كيفك دلوك؟ يارب متكون بخير." بشندى بصّ له بعيون حمرة ومردش عليه. وغازى كمل حديثه: "هسألك سؤال واحد يابشندى. ولو جاوبتني عليه، هرحمك من العذاب ديه كله. وأموتك موتة مريحة متحسش بيها. وين عقود الأرض والمعامل؟
ورفع صباعه بتحذير: "واوعك تكدب علي وتقول معارفش، عشان إنتا عتعرف القرد داسس ولده فين، وحاجة تخص حكيم، لاممكن ماتعرفهاش. اتحدت بالزوق بدل ما أخليك تتكلم بالغصب، وإني أعملها، وإنت خابر زين." بشندى بلع ريقه وبص لغازى واتحدت وهو بيمثل الخوف: "له، ملوش عازة الغصب. إني هقولك داسسهم وين." وشاور له بإيده يقرب. وغازى قرب منه باهتمام. وأول ما ودن ودنه قريب من خشم بشندى. بشندى: "عاوز تعرف العقود وين يا غازي؟
غازي هز له دماغه بسرعة. بشندى كمل حديثه: "أقولك فين ومتزعلش." وضحك ضحكة عالية خلت غازى اتجنن. وقام على حيله وابتدا يضرب في بشندى بكل قوته. ومع كل ضربة بشندى يضحك ويقول له كلمة: "أو اضرب زين ياواد. أو اضرب ضرب رجالة يا منسون، ديه ضرب حريم. أو اضرب ياواد كيف ضرب شيخك حكيم. فاكر سيدك وتاج راسك حكيم، ولا نسيته؟
وكل كلمة وضحكة من بشندى كان غازي يزيد. لدرجة إن غازي تعب من كتر الضرب. وبشندى برغم جروح وشه وجسمه، إلا إنه لسه محافظ على قوته قبال غازي. ونظرة الاستصغار اللي عيبص بيها لغازي مخليه غازي نفسه يقلع عينيه من مطرحهم ويدوسهم برجليّه. غازي تعب من الضرب في بشندى. وبشندى لسه على موقفه ومراضيش يفتح خشمه بكلمة غير الإهانة لغازي والمقلتة عليه، لغاية ما غاب عن الدنيا خالص.
عوض: "بكفايك اتعبت يا شيخ. سيبني إني أخلص لك عليه. متتعبش حالك أكتر من كده." غازي بغل وهو بيفرك ايديه اللي نملت من كتر الضرب وباصص لبشندى المغمى عليه: "له تخلص لي عليه إيه؟
إني لسه عايزة محدش غيره. واد المحروق ديه يعرف عقود الأرض وين. اعرف مطرحهم، وبعدها أديهولك إنت والرجالة تمرمشوه. ودلوك خدوه لي على السرايا. وتاوو ديه بعيد. أو ارموه فالرياح هو أكده أكده محدش يعرفه ولا هيدور عليه. ودايما على طول، ما تفكرش في حاجة، وإني هقولك على كل حاجة." عوض: "حاضر يا شيخ. تامر أمر."
وطلع أخد راجلين ودخلوا السرايا. ومعاهم عرقين خشب، واحد طويل وواحد قصير. ودقوهم في بعض ودفنوا الطويل في الأرض. وراحوا جابوا بشندى ووقفوه عليه. ومدوا دراعاته وربطوه ربطة زينة. وكل ديه قبال عين غازي.
حكيم شايف كل حاجة من أول ما الرجالة ابتدت تعمل العروسة ومستغرب ومركز في الصورة. وصرخ بعلو صوته وهو شايفهم جايبين بشندى كر من رجليه ووقفوه على العروسة وخلعوه خلجاته. مسابوش عليه غير السروال وربطوه. وهو لاحِس ولا حركة. وباين إنهم لاعبين بحاله لعب. وزاد في قلب حكيم قهر جديد فوق قهره على بشندى، وهو واعي متربط كيف أسد مأسور. وحاله ميقلش عنيه. زعق بعلو صوته وهو
عيضرب الحديد في السرير: "آآآخ يا غازي لو تقع تحت يدي آآآخ. ورب العزة لأكون ضاربك بعدد كل ضربة ضربتها لحد منهم عشرة. وكل جرح عشرة. وكل وجع بعشرة. ياااارب إنت عالم بحالي وحال قلبي. حلها من عندك يا رحيم بالقلوب."
جمارة سمعت صوت الخبط مرة تانية وقامت من على السرير متململة. وراحت على الشباك فتحته واتنهدت وهي عتبص منيه عالجنينة. وبرقت عينيها ومسكت في الشبك بإيديها الاتنين وهي عتطلع دماغها منه عشان تتأكد من اللي شايفاه. شهقت بعد ما اتأكدت من اللي عينيها شافته وصرخت بعلو صوتها: "عممممم بشنددددى!
" ونزلت السلم جرى وبوشها عالجنينة. وحتى أمها عيشة لما شافتها جريت وراها. وغالية زيهم. وزبيدة اكتفت إنها تقف على باب السرايا تبص عاللي بيحصل من بعيد. جمارة وقفت قصاد بشندى تنهج. وفي الوقت ده كانت الرجالة طلعت ومفregelen غير غازي واقف جاره. جمارة بصراخ: "عم بشندى! عميلت فيه إيه يا ظالم يا مفترى؟ ليه كل الضلال بتاعك ديه؟ " وقربت عليه ومدت يدها على حبله. لكن ضربة من شومة غازي خلتها ترجع يدها بصرخة.
وعيشة جريت خدتها في حضنها: "اسم الله عليكي يا بتي. كسر يدك يا غازي اللي طايحة في الكل داي يبتليها بشلل. قول آمين." غازي: "طب خدي عشان تدعي زين." ورفع شومته ونزل بيها على زندها بكل قوته. خلاها صرخت من قُفُف راسها. وجمارة جرتها وبعدت بيها وهي عتفركلها في مطرح الضربة. والتنين كل وحدة دموعها مغرقة وشها من الوجع. غالية: "حررررام! ديه حررررا! بكفياك عاد يا غازي! بكفياك!
غازي: "كلمة تانية وهنزل بالشومة على راسك إنتي كمان وأخليكي تفرفطي في الأرض فرفيط. ودلوك تغورو كلكم من قبال عيني أحسن. ويمين الله ما تلوموا غير حالكم." قالها ولما شافهم لسه واقفين، اتوجه على مطرح جمرة واتلافى الكرباج المتعلق على الحيطة ورجع بيه وهو ماسكه بتوعد وعينيه عليهم هما التلاتة والشرار عيطفر منهم. "إني قووولت إييييه؟ شوية حريم مهعرفشي أمشي كلمتي عليهم ياك؟
وابتدى يضرب بالكرباج في التلاتة بعشوائية خلاهم يجرو قدامه، وهو وصلهم ضرب لغاية باب السرايا ودخلوا وهم عيصرخوا من الألم. وزبيدة أول ما شافتهم وشافته طارت ادست جوا المطبخ بخوف. وهو رجع لبشندى وفضل يضرب فيه بغل حتى وهو شايفه جثة لا بتتحرك ولا تقاوم، لغاية ما خلى جسمه خرايط.
بعدها راح على السرايا ونبه عليهم إن أي واحدة هتوصل بشندى ولا تلاقيه بوق ميه ولا لقمة، موتها هيكون على يده من غير تفكير. وراح المطبخ ووقف قبال زبيدة اللي أول ما شافته رجفت من الخوف. ووجه لها الكلام وهو رافع الشومة وموجهها ناحيتها: "وإنتي. كلمة تطلع عن بشندى لحد. طلقتين بشلن، وحدة تبيت في راس جوزك، ووحدة في راس ولدك البكري. وإنتي لسانك يتقطع مع أديك ورجليكي، وأفوتك تزحفي زحف على الأرض لا طايلة موت ولا حياة. سامععععه؟
زبيدة هزت له دماغها بخوف وطاعة. وهو نزل شومته خبطها في الأرض بقوة خلت زبيدة فطت من الخوف. وطلع من المطبخ وبص لهم كلهم بتوعد. وبعدها سابهم وطلع من السرايا. كل واحدة تبص للتانية وجواها صرخة مكتومة.
تماضر في أوضتها سامعة كل الزعيق والصراخ وعمالة تزوم وترمي في الحاجات حواليها عشان حد يسمعها ويدخل عليها يطمنها، لكن من غير فايدة. وفضلت على الحال ده لغاية ما غالية دخلتلها. وهي أول ما شافت غالية مدتلها أيديها وبكت بصوت عالي من الخوف اللي كانت حاسة بيه. أحسن غازي يكون عايميل فيها حاجة، لكنها اطمنت بشوفتها. دخلت غالية وخدتها في حضنها وطمنتها: "متخافيش مفيش حاجة. هدي حالك. بس هدي."
تماضر شاورتلها على بره في الجنينة بمعنى إيه اللي كان بيحصل بره. وغالية اتنهدت وجاوبتها: "جابوا بشندى مربط ومشندل حاله، ونزل فيه ضرب وفينا لما رحنا نشوفو خبر إيه." تماضر غمضت عينيها وهزت دماغها بقهر. وبعدها رفعت دماغها للسما تناجي ربها بعنيها وقلبها من غير صوت. عيشة أكتر واحدة قلبها كان متقطع على بشندى وحالته. وراحت على باب السرايا ووقفت تبص له بشفقة. وكل عين تبكي حفنة دموع.
وفضلت تهمس لحالها: "والله الموت أرحم من اللي هو فيه ديه. يا حزني عليك يا بشندى. عامل كيف صقر مسكوه وربطوا رجليه وقصقصوا جناحاته وسابوه يموت بحسرته." خلصت كلامها ودخلت جوه وقعدت جار جمارة وزبيدة. وشوية وجمارة فاتتهم وطلعت أوضتها وفضلت رايحة جاية فيها وحاسة بقلة الحيلة على بشندى والنار تاكل فيها. وكل كل ما تبص من الشباك وتشوف حاله.
عدى باقي اليوم على الكل. وبشندى ابتدا يفوق بالليل ويأن من ألم رجله وألم جسمه والضرب اللي خده من غازي. رفع وشه المورم وعينيه المقفولة من الورم ويادوب قادر يشوف منها. واتلفت لقى حاله في السرايا. السرايا اللي من ساعة موت ولده حكيم مدخلهاش ولا يعرف إيه عيجري فيها. اتلفت حواليه بحنين لكل ركن فيها. وخد نفس طويل ودموعه نزلت واتخلطت بالدم الناشف على وشه. ودندن بصوت مدبوح وهو عيتلفت على جمارة وعلى الشجر والسرايا.
وكل كلمة بعدها شهقة وغصة: "دار.. يادار.. يادار.. يادار.. قوليلى.. يا.. دار... راحوا.. فين.. حبايب الدار.. يادار قولى." واتخنق صوته بالبكا وهو عيفتكر حكيم وجلعه معاه، ورميحة وحسه اللي كان مالي الموطرح، وضحكته اللي لما يضحكها وسنه يبان تضحك معاه الدنيا في وش اللي عيتطلع له. واتفتح من عينيه بحر دموع موقفشي.
غازي في الوقت ده كان دخل السرايا وراح أوضته هو وغالية عشان ينام. وجمارة كانت واقفة في الشباك واستنته يدخل السرايا. وصبرت شوية وراحت على باب الأوضة. وقفها صوت أمها: "رايحة وين يا جمارة؟ اوعي يا بتي تنزلي أحسن يموتك ديه. ما يتفاهمش والكتل حداه أسهل من شربة ميه. أديكي ريتي بعينك كان هيفطس مرت عمه لولا ما غالية لحقها ورضيت تتجوزه! جمارة: "محاملشي أشوف عم بشندى في الحالة ديه يمه. ديه حبيب الغالي."
عيشة: "ومين سمعك يا بتي. ومين متحمل اللي عيجراله ديه؟ بس ادي الله وادي حكمته." جمارة: "إني مليش صالح بالحديث ديه. إني هنزل. أقولها قبل ريقه ببوق ميه ولا لقمة. ديه تلاقيه هيموت من العطش يا ناس." وراحت على الباب فتحته بس. وقفتها يد أمها: "وقفي إنتي. إني هنزل وأروح له. إنتي مهتحمليش ضربة من غازي وإنتي حالك منتهى أكده. اركدي مطرحك وإني هزقيه بوق ميه وأعاود لك قوام." جمارة: "بس يمه...
عيشة: "مبسش. مش هتروحي يعني مش هتروحي. إني مهتحملش أشوف فيكي حاجة. اوعي أكده." وزقتها ونزلت تتسحب على تحت. وجمارة عاودت للشباك مرة تانية تراقب في خوف. دخلت عيشة المطبخ وخدت ميه وكل وراحت على بشندى وهي عتتلفت حواليها وقلبها عيرجف من الخوف لحد ماوصلت عنده. بشندى أول ما حس بيها رفع راسه بضعف وشافها قباله. نزل راسه للارض تاني بكسرة.
عيشة قربت منه وهمست له: "ارفع راسك يا سيد الرجال. مش كل اللي تتربط أديه يوبقى ضعيف. إنت لسه كيف الأسد بس أسد وقع في شباك صياد خسيس. خد اشرب وبل ريقك وارفع راسك. ارفعها للسما وقول يارب وناجيه في جوف الليل. ودعوة المظلوم مسموعة وما بينها وبين ربنا حجاب." قربت الميه على خشم بشندى اللي شرب بلهفة كنه كان تايه في صحرا ليه أيام. شرب لحد ما ارتوى. وبعدها رفع عينه على عيشة. "أصيلة يا أم جمارة. أصيلة."
عيشة هزت له دماغها وابتسمت له تهون عليه اللي هو فيه. ومدت له يدها بلقمة قبال خشمه. وقبل ما يفتح خشمه سمعوا صوت خلى عيشة رمت اللي فيدها وراحت ورا بشندى تدس وتحتمي فيه برغم ضعفه: "والله صدق اللي قال إن الفجر ليه ناسه. بقا يا ولية أضرب وأهدد وأجلد. وبرضه مخفتيش وجاية تتسحبي فنصاص الليالي عشان توكليه وتزقيه؟ مالكل خاف ولبد وسكت. إنتي اتنصبتي ليه وجيتيله؟ شجيعة سيما ولا بايعة عمرك؟!!!
على العموم إنتي اللي جبتيه لحالك. تعاااالي." ومد يده سحبها من ورا بشندى وجرها بعيد. وهي فضلت تصرخ وتقاوم لحد ما وصل قريب عن مطرح الكرباج واتلافاه ورماها في الأرض ونزل عليها ضرب. في الوقت ده جمارة كانت واقفة في الشباك وشافت كل حاجة. ولما لقت غازي طلع ومسك أمها نزلت طايرة ورمت نفسها عليها تحوش عينيها ضرب. غازي لكن الكرباج كان طايل الاتنين، كل وحدة ليها نايب من الضربة وعمالين يتلووا تحته منيه وصراخهم شاقق سكون الليل.
وبجانب صراخهم صوت بشندى اللي عيزعق بكل حيله ويتنفض من كتر العصبية ويحرك في أديه ورجليه نفسه يفكهم بس من غير جدوى: "بعد عنهم ياواد المركووووب. كف يدك من الحريم يا مخنث يا عرة الرجال يا عديم النخوة والشرف. آآآخ يا مين يطلقني عليك ويلايمني على زمارة رقبتك دلوكيييت."
لكن غازي كان مستمر في الضرب ولا سامع صوت بشندى ولا مأثر فيه صراخ ولا ضعاف تحت يده. أخيرا بعد عنيهم لما تعب من الضرب وقعد على نص البرميل قصادهم. وشايفهم وهم عيلموا في بعض وكل وحدة يدها وعينيها عتعاين جروح التانية. غازي بص لجُمارة اللي عتشد في هدومها تغطي جسمها اللي اتكشف من كتر ما فرفطت برجليها وبلع ريقه واتحدت بقلة صبر: "إنتِ. عدتك هتوخلوص ميتة؟ جمارة بصتله ومردتش عليه. وهو
كرر السؤال مع ضربة كورباج: "لما أسألك تجاوبي. عدتك باقيلها كد إيه؟ ردت عليه عيشة بسرعة وهي عتضم جمارة عليها وتحميها بأديها: "باقيلها ٢٨ يوم." غازي: "لسه باقي كل ديه! " ومسح على وشه بغضب. "عموما هااانت. نصبروهم وامرنا لله." جمارة بصت له ونطقت بغضب: "٢٨ يوم ٢٨ ساعة. نجوم السما أقرب لك مني يا غازي. وحط في بالك إن عمري مهخليك تحط يدك عليا مرة تانية. إني مرة الشيخ حكيم وعمري بعد منه ماهكون مرة ليك أبدا."
غازي بضحكة: "مش بمزاجك." جمارة: "له بمزاجي. وهقف قبال المأذون وأقول معاوزاهوش ومش موافقة أتزوجه. وأبقى وريني هتعقد عليا كيف وقتها." غازي بضحكة: "واااه. دانتي بقيتي فاقدة على أكده وعاملة حالك محدش هيقدر عليكي!! جمارة: "تقدري متقدرش. تجلدني تموتني اعمل فيا ما بدالك إني معدتش هخاف ولا حياتي بقت تهمني. اللي يطلع من تحت يدك اعمله."
غازي: "ومين قال إني هضربك ولا اعمل فيكي حاجة عشان ترضي تتجوزيني. له يا بت أمك مهعملشي ولا حاجة من ديه. إني كل اللي هعمله إني هخلي أمك الحلوة داي في أمانتي بره السرايا في الحفظ والصون تحت يد رجالتلي لحد ما تتجوزيني. وافقتي. كان بها. موافقتييش ومشيتي كلامك اللي قولتييه دلوك ديه أمك تاني يوم تكون مخنوقة ومرمية في الرياح ولا من شاف ولا مين درى لحد مايلقاها فلاح ساده المصرف قبال غيطه ويطلعها بعد ما يكون السمك كل نصها. أما إنتي فبلاها جواز إني ميهمنيش وهخليكي ملك يميني. كيف الجواري أكده بالظبط. وأبقى سلميلي على شيخك حكيم عاد."
قالها وقام وقف وراح على بوابة السرايا ورجع براجلين خدوا عيشة من حضن جمارة والاتنين عيصرخوا وكل وحدة ماسكة في التانية مش عايزة تسيبها، بس على مين. دا الرجالة لو كانوا الاتنين ملزوقين في بعض بغرا هيفصلوهم. خدوا عيشة ومشوا بيها. وجمارة فضلت تصرخ وتتخبط وبشندى يصرخ عليهم يرجعوها لحد ما حسه راح هو كمان.
غازي بص لجمارة وبص لبشندى وضحك وهملهم وراح على السرايا. وعلى الباب شاف غالية واقفة على باب السرايا ومربعة أيديها وبصاله بنظرة خالية من أي تعبير، وكأن اللي بيعمله بقى شيء عادي بالنسبالها، وكأنها خلاص مهتتفاجأش بيه بعد كده. هو وقف قصادها وبنبرة آمرة: "فوتي جوه." خطى خطوة. ولما غالية متحركتش
صرخ فيها بصوت فززها: "قلتلك فوووتى جوه هِممممى." واتحرك وغالية اتحركت وراه ودخلوا الأوضة واتقفل بابها. وغازي حط راسه طوالي على المخدة ونام ولا كأنه ظالم حد ولا كأنه عامل أي حاجة عفشة وسايب وراه قلوب محروقة. كل واحد ليه مظلمة في رقبته رفعها لرب العالمين ومنتظرين يوم رد المظالم.
أما حكيم فخلاص روحه دابت من كتر الألم وهو واعي كل ده عيُحصل في حبايبه قبال عينيه لدرجة إنه عاهد حاله إنه مش هيبص على الشاشات اللي قباله داي نوبة تانية وهيمنع عينيه تشوف وجع أكتر. لكنه مقدرش وعينه خانت العهد لما راحت على الشاشات تتنقل مابينهم بلهفة وخوف وحسرة واشتياق كيف لأول.
وعدت الأيام يوم يبعد يوم. وجمارة معارفاشي حاجة عن أمها. وخلت زبيدة دورت عليها في البلد. وحتى جوزها دور من سكات. بس عيشة من يومها لا حس ولا خبر. كيف ما تكون الأرض اتشقت وبلعتها. وحرايق قايدة من الخوف والقلق عليها في قلب جمارة.
أما بشندى فلسه تحت رحمة غازي وتحت تعذيبه. والرحمة الوحيدة اللي طالها منه إنه قعده على حيله وهو متربط. وكل كام ساعة واحد من الرجالة يدخل يوديه بيت الراحة ويرجعه ويربطه تاني. والميه مرة واحدة في اليوم. والوكل كسرة خبز حاف أو ثمرة فاكهة وحدة. وبشندى اللي كان كيف الباب. يوم عن يوم جسمه يضمر من الجوع والعذاب لدرجة إن اللي يشوفه ميعرفهوش.
جمارة قاعدة في أوضتها بالليل على سريرها. ومرة واحدة باب الأوضة اتفتح وبصت شافت غازي واقف على الباب. جمارة لمّت حالها زين وسألته بخوف: "جاي في نصاص الليالي عاوز إيه يا غازي؟ غازي اتقدم منها: "عايز أقعد جارك هبابة وأتحدت معاكي يا جمارة." واتقدم منها وعينه عتاكلها. وكل ووقف جار السرير وهي انكمشت على روحها. "مفيش قعاد ولا حديث بيناتنا يا غازي وروح اطلع بره." غازي وهو عيقرب
منها اتحدت بصوت منتهى: "جمارة اسمعيني زين. إني صوح قلبي ميت ومعحبش حد واصل. بس إنتي الوحيدة اللي ليكي حتة في قلبي. إنتي الوحيدة في الدنيا اللي شغلت فكري وبالي. وعرفت قيمتك وغلاوتك بزيادة من يوم ما بعدت عنك. إنتي مرة مفيش منك. يا جمارة اللي خرطك مات بعد ما خرطك طوالي. هاوديني واسمعي كلامي وإني هخليكي ست الستات كلها. بعد كام يوم هتخلص عدتك وهعقد عليكي. أحلفلك برحمة أبوي إنك لو طاوعتيني وخللتيني أعيش ليلة أحس فيها إنك راغبة فيا وعاوزاني ورضيتي بيا جوزك وأبو عيالك. هخليكي تمشي تعفصي على الفلوس والدهب. هخليكي ست الناس كلها. حتى على غالية هعليكي وأعلى مقامك."
ورفع يده قبالها: "ويدي داي تنقطع لو اتمدت عليكي مرة تانية. هاه قولتي إيه؟ جمارة بصت له وردت عليه من بين سنانها: "مش كل الناس تبيع حالها بالفلوس ولا عشان الفلوس يا غازي. مش كل الناس غازي ولا كل الناس فيها طمعك. إني كنوز الدنيا متغيّرش كرهك في قلبي ولا تخلق ليك مطرح فيه حتى كد حباية سمسم." غازي: "بلاها فلوس. اللي إنتي عايزاه. اطلبي عليا واتمنى يا جمارة وإني شبيك لبيك. بس تسمعي كلامي."
جمارة أخدت نفس وزفرته بقلة حيلة وفكرت وشافت إنها طالما أكده أكده هتتجوزه يبقا تستغل الفرصة وتحط شروطها ويا صابت يا خابت: "أمي تعاود أهنه تاني." غازي: "يجرالك بس بعد كتب الكتاب. غيره." جمارة: "أمي لما تعاود تقعد في المشتمل ويتفتح لها الباب الوراني تطلع وتدخل منه براحتها ومحدش يقولها رايحة وين ولا رادة من وين. وإني هكون مراتك ساعتها وغالية بقت مراتك ومفيش واحدة هتهرب منك."
غازي وقف منفوض بغضب: "له كله إلا ديه. المشتمل فيه ناس عتكحت فيه لسه على الطميرة ورجالة طابة ورجالة طالعة كيف تقعد فيه يعني؟ جمارة: "خلاص بعد ما الرجالة تخلص تقعد فيه." غازي بعصبية: "إيه حكاية المشتمل معاكي أمال؟!! وبعدين مانتي قاعدة في دور لحالك أهه في السرايا وأمك تقعد في الأوضة اللي تعجبها جارك إيه لزمته المشتمل وقعدته؟
جمارة: "والله ديه شرطي عشان أتقبلك وأسمع كلامك. نفذت أنفذ. منفذتش ادينا على حالنا وأكده أكده هتتجوزني. بس مهبصش في وشك واصل." غازي اتحدت بهدوء وهو عيمد يده على خد جمارة: "على العموم ساهلة. نتجوزو بس وتتعدل بعدين." جمارة نشكت يده بعيد عنها وكلمته بغضب: "يدددك. إني لسه محرمة عليك. وفعدة والمفروض قعدتك داي معايا من غير محرم حرام." غازي لم يده وضم
قبضة ايده ورجعها وابتسم: "ماشي يا جمارة. إني هسمع كلامك ومهزعلكش. عشان إنتي كمان توبقي تسمعي كلامي ومتزعلنيش." وفاتها وطلع وهو مبتسم بعد ما أدى حكيم نظرة في الكاميرا في غفلة من جمارة وهو متأكد إنه شايفه دلوك. وطلع وهو مطمن إنه خلاص جهز الضربة القاضية لحكيم اللي هتنهي على كل اللي فاضل حي منه. وهو شايفه مع مرته وففرشته وبكل رضاها واستسلامها.
جمارة قامت راحت على الشباك واتنهدت وهي باصة لبشندى اللي بقى عامل كيف العش خاوي وضعيف ولو اتطبق ميملاش قُفُة. ووشه كانت تشوفه من بعيد في النهار جروح اتراكمت فوق جروح ضيعت ملامحه وخلته واحد تاني. وبدال ما كانت هيبته وطلته تهز اتخن شنب، بقا مرمي كيف خرقة قديمة. فضلت واقفة مربعة أيديها وباصة للجنينة لغاية ما الليل قسم. وهي قاعدة على حالها. ومرة واحدة ضيقت حواجبها وفكت أيديها وبعدت عن الشباك ولفت حوالين نفسها وعملت حاجة وبعدها نزلت تتسحب.
طلعت الجنينة وراحت لبشندى بعد ما اتلفتت زين واطمنت إنه مفيش حد. قعدت قصاده ولقيته مدّرمس. مدت يدها عليه هزته بالراحة وهمستله: "عم بشندى.. عم بشندى فوق.. عم بشندى." بشندى رفع دماغه ورد من غير تركيز: "هاه." جمارة بلهفة وخوف: "جمارة. كيف حالك يا بتي؟ بشندى بتوهان وبنبرة هامسة: "جمارة. كيف حالك يا بتي؟ جمارة: "سيبك مني ومن حالي وصحصح معايا. إني ههربك من السرايا النهارده." قالتها وهي بتمد يدها تفك الحبال اللي متربط بيها.
بشندى: "تهربيني كيف وكلاب غازي محاوطة السرايا كلها!
جمارة: "محاوطين السرايا من ٣ جهات بس. ورا السرايا مفيش حد واقف. إني طلعت على السطوح دلوك واتأكدت إنه مفيش حد ورا السرايا. إني لميت كل الملايات بتاعت السراير وربطتها وعملتها حبل طويل. هتربط حالك بيها وإني همسك طرف الملايات وأنزللك وحدة وحدة. السرايا دورين ومش عالية قوى يعني متخافش. بس المهم إنك أول ما رجلك تلمس الأرض تفك الربطة منك وتدخل القصب على طول قبل ما حد يشوفك من الرجالة." بشندى: "غازي هيموتك يا بتي."
جمارة: "إني أكده أكده ميتة يعني ما فارقاش. أهم حاجة تدور على أمي وتخلصها من يد غازي وتبعدها عن البلد خالص. واوعى تخليها تهوب يم السرايا وتخلي غازي يلوي دراعي بيها. لو وصلتلها ابعتلي خبر مع زبيدة. ماشي؟ بشندى هز دماغه بموافقة. وبعدها ابتدت تقومه واتحركوا بحرص وهم عيتلفتوا حواليهم. وكل ديه حكيم شايفه قبال عينيه. وواقف يبلع في ريقه بقلق ومراقب كل حاجة حواليهم وخايف غازي أو أي حد يمسكهم.
وعمال يهمس: "إيوة يا جمارة جدعة. براوه عليكي يا بت قلبي. وم كل خطوة بشندى يخطيها بضعف وهو مسنود على جمارة حكيم يهمس له بتشجيع كأنه سامعه: "هُم يابشندى هبابة. يلا يابشندى شد حيلك وامشي."
دخلت جمارة ببشندى السرايا ولساتها مسنداه. وحكيم نقل عينيه للشاشة التانية يراقبهم بتوتر. وكل شوية يبلع ريقه بخوف وواقف على أعصابه لغاية ما غابوا عن عينيه وهم عيتسحبوا من غير صوت لغاية ما وصلوا الدور التاني. وجمارة دخلت خدت الملايات من الأوضة وهو شايفها. وطلعت راحت على أوضة غالية خدت كام ملاية زيادة ربطتهم فيهم زيادة اطمئنان.
طلعوا سطوح السرايا وهم مطاطيين راسهم عشان ميبانوش من الحيطان اللي في وش السرايا لغاية ماوصلوا لآخر السرايا من ورا. جمارة مسكت أول الملاية وربطتها على وسط بشندى بأحكام. وراحوا على الحيطة. جمارة عشان تشجع بشندى وتشيل أي ذرة خوف جواه: "متخافش يا عم بشندى إني شديدة وأقدر أمسكك زين. واصلا إنت مبقاش فيك حاجة بقيت خفيف قوي. انزل ومتقلقش من حاجة."
بشندى بص لها وابتسم: "إني مخافش من الموت عشان عمري يا بتي. إني خايف أموت قبل ما آخد بتار الغالي من الكلب غازي. وتاري إني كمان وتاركم وتار كل واحد ظلمه غازي وجار عليه." جمارة هزت له دماغها وابتسمت له. وهو خطى الحيطة ونزل بكل جسمه وفضل متعلق بأديه على الحيطة وبص لجمارة. جمارة: "سيب أديك يا عم بشندى وانزل متخافش." بشندى ساب يد ولسه هيسيب التانية. جمارة اتحدثت بلهفة
كأنها افتكرت حاجة مهمة: "عم بشندى استنى. أول ما تمسك الأمان بلغ عن غازي. غازي عيحفر لطميرة تحت المشتمل." بشندى باستغراب: "طميرة إيه داي؟ جمارة: "طميرة فيها مساخيط دهب. بلغ عنه وخلي الحكومة هي اللي تيجي تخلصنا منه وتاخده."
بشندى هز دماغه بموافقة مع إنه مفاهمش حاجة بس عارف هو هيعرف كل حاجة عيعملها غازي من مين. وساب يده التانية. وجمارة اتلحت في الملاية بكل حيلها وصاده الحيطة برجليها عشان تقاوم تقل بشندى اللي كانت عملاه خفيف متعرفش إن عضم الراجل عيوزن حتى لو كان رفيع. وحدة وحدة جمارة بقت تنزل الملايات ببشندى لغاية ما وصل الأرض واتلفت حواليه. وبسرعة فك الربطة وبالباقي من حيله اتحرك ناحية غيطان القصب ودخل فيها من غير ما يهتم لحاجة ولا يخاف من الديابة اللي ممكن يتلموا عليه ياكلوه حي لو عتروا فيه ولا قدروا يشموا ريحة دمه.
جمارة ابتسمت بعد ما شافته اختفى في القصب ولمت الملايات بسرعة ونزلت بيهم على أوضتها وحطت يدها على قلبها بارتياح بعد ما قفلت الباب وراحت على السرير تفك في الملايات من بعضها وتطبقها كيف ما كانت وترجعها في الدولاب. وحكيم مراقبها وعيضحك بفرحة ويكلم جمارة كأنها سامعاه: "عجبك يا بت عيشة. عجبك يا بت قلبي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!