بدأ يوم جديد بأمل جديد وفرحة جديدة وحياة جديدة الكل مطمئن لها في ظل وجود الشيخ حكيم. والشيخ حكيم نفسه مطمئن ومؤمن بوجود جمارته في حياته أخيرًا، وحاسس أنه لم يعد يريد من الدنيا أي شيء آخر غيرها. وبرغم قوته وضعفها، إلا أنها هي مصدر كل قوته وصلابة قلبه. جمارة واقفة قدام حكيم بتلبسه العبايه، وبعد ما خلص، مد إيده ومسك الشال الأبيض اللي على طرف السرير، ولفه على راسها، ودخل بإيده كام شعرة كانوا باينين، وشد الشال لقدام.
جمارة بضحكة: براحة هتجيبه على عيني وأمشي مش شايفة وأتكفي على بوزي. حكيم: طب تصدقي إني نفسي أديهم عنيكي دول ومخليش حد يشوفهم غيري أصلاً. حتى لو كانت مرة زيك، ولا أمي ولا أختي، ولا حتى أمك. جمارة: بدأت رحمة الله وبدت الغيرة عاد. وهي يعني البصة هتاخد مني ولا تنقصني يا شيخ؟ حكيم: ده أملاكي وأنا أحب حد يتطلع لحاجة ملكي أبداً. عاجبك ولا مش عاجبك؟ أوعى يكون مش عاجبك يا سِت جُماره!
جمارة قربت منه وحاوطت رقبته، ورفعت روحها واتعلت أكتر لما وقفت على رجليه، واتكلمت بهمس وعينيها في عينه: عاجبني ونص وتلات تربع كمان. أصلاً كل حاجة منك بتعجبني يا شيخ قلبي. حكيم ابتسم وهو يحاوط وسطها بإيديه ويقربها منه، وبص على السرير وبصلها، وهي بعدت عنيه بسرعة لما فهمت قصده وهي بتضحك.
له عاد بكفاياك. خلينا ننزل نفطر، الواحد بطنه بتظوظه من امبارح وأنا لا اتعشيت ولا اتغديت. وأنت مصمم ننزل نفطر تحت ومخلتش حد يطلع لنا وكل. مش كنا قعدنا النهاردة هنا وكانوا جابولنا فطور كيف كل العرسان؟ حكيم وهو بيعدل خلجاته: له يا جمارة، أنا عاوز أفطر ما بين حبايبي كلهم وأتقاسم معاهم اللقمة والفرحة. وبعدين عشان طالع بعد الفطور أشوف اللي ورايا. جمارة بعدت عنيه وحطت أيديها في وسطها، واتكلمت باستغراب: اللي وراك!!
إيه اللي ورا عريس يوم صباحيته يا حكيم؟ حكيم مد يده ومسك يد جمارة،
وشالها من وسطها: أول حاجة يا جمارة، نزلي إيديكي. وأوعي وإنتي بتتكلمي تعملي الحركة دي نوبة تانية، ولا تكلمي الشيخ بالأسلوب ده. أنا بحبك أيوه، بتنفسك مع الهوا ماشي، بتجري مجرى الدم في عروقي زين. لكن تقللي احترام في طريقة كلامك معايا، هركن كل ده على جنب وأربيكي من أول وجديد على مزاجي وكيف ما أحب. أنا شيخ، وإنتي مرة الشيخ، والنهاردة شيخك في صباحيته جايله فصل من يوم ما غبت عن الدنيا. أصحابه دلوقتي ليهم 3 شهور، وهبابة
يقتلوا في بعض، والعيلتين داخلين في حرب لما اتصفت رجالتهم خالص. هحاول أوقف بحر الدم ده وأصلحهم على بعض بأي طريقة. ويكون في معلومك، طلعتي، طبّتي، سفري، فصولي، وقتي أقضيه فين، دي حاجات غير قابلة للجدل أو للسؤال أو حتى للزعل والقمص. جمارة، مرة الشيخ حكيم، لازم هي اللي تهمه. لو كسل من مصالحه واتوانى عن مساعدة الناس، أنا عاوز مرتي تكون حزام ضهري، مش شوكة في ضهري يا جمارة. إنتي اللي ليكي حداي وتعاتبي وتحاسبي عليه. العين لو
اتطلعت لغيرك، القلب لو دق لغيرك، الروح لو اتعلقت بغيرك، ومحبة تزيد مع الوقت متنقصش. عشان دول ملكك، ولازم صاحب الملك يراعي أملاكه ويحافظ عليها. لكن غير كده، متتدخليش في أي حاجة.
أخد نفس وهو شايف جمارة باصة للأرض ومرفعتش عينيها، وعترسم دوائر في الأرض برجليها، وخابر زين إنها ما بتعملش الحركة دي غير وهي زعلانة قوي. رق قلبه ونبرة صوته وهو بيتكلم: أنا مش هقول لك الكلام ده عشان أزعلك وأعكنن عليكي يوم صباحيتك يا جمارة. أنا هحط النقط على الحروف عشان كل واحد فينا يعرف الحق اللي ليه حدا التاني واللي عليه ليه. وأظن كلام الحق ما يزعلشي حد، مش كده؟ ولا إنتي بتزعلي من الحق عاد؟ جمارة
رفعت عينيها ليه وابتسمت: ومين قال لك إني زعلت من كلامك؟ أنا بس زعلت عشان كان نفسي إنك تشوف كل الحاجات اللي نبهتني عليها دي، وتشوفني وإني بعملها لحالي عشان متقولش دي تنبيهي وكلامي وهي بتمشي عليه وتنفذه. أنا خابرة حالي مرة الشيخ، وعشان مرة شيخ، خابرة زين إن ليا وعليا كيف ما ليك وعليك. وكيف ما نبهت على اللي ليك، أنا كمان هنبه على اللي ليا يا شيخ. حكيم ابتسم ورفع حاجبه وضيّق عينيه وهو بيسمعها وهي ربعت أيديها وابتدت كلام.
جمارة: أول حاجة، غرفتنا دي أول ما رجلك تخطى فيها، تخلع على عتبتها توب المشيخة وتدخل حكيم وبس. نضحك نهزر نلعب كيف عيال صغيرة من غير حواجز ولا مسافات. كل واحد فينا هنا مراية التاني ونفسه اللي بيتعرى قبالها من كل حاجة من غير خوف ولا خجل. نطلع برا عتبتها، محدش يوعى ولا يسمع من التاني ليه غير كل التقدير والاحترام في الحديث والقرب، وحتى النظرة بينا تكون بالأصول وفي حدود الأدب قبال الناس. وأنا عمري ما هقلل منك قبال حد بكلمة
ولا هقلل احترامك، وعايزاك إنت كمان عمرك ما تعملها. وحقك في طاعتي ليك، وحقك في برا للي منك، وحفظي ليك في غيبتك كيف حضورك، وخوفي على حالك ومالك. كل ده ليك مني قسم برب العرش إنه يتعلق أمانة في رقبتي للممات، وإني عمري ما هخون الأمانة.
حكيم بإعجال وابتسامة مكتومة: خلصتي يا مرة الشيخ كلامك، ولا لسه الحديث ليه باقي؟ جمارة: له، خلصت. وبناءً على حديثي وحقوقي اللي قلتها لك دلوقتي أهه. وحطت أيديها في وسطها تاني وبصتله ورفعت حاجبها بتحدي. حكيم بضحكة: أنا مش لسه منبه من الحركة دي؟ جمارة: وإني مش لسه قايلة غرفتنا نعملوا فيها اللي نعملوه، والتنبيهات تبدأ من بعد عتبتها!
حكيم قرب عليها بسرعة ولف من وراها، مسكها من وسطها بدراع واحد ورفعها، وبإيده التانية شد شعرها، ميل دماغها وخلى وشها في وشه، واتطلعلها بحب وهمس جار ودنها: عاوز أفهم لسانك ده ما يطولش، ولماضتك دي ما تشوفهاشي ليه غير معايا أنا وقدامي وبس، ومع غيري هتكوني أغلب من الغلب وتخطف عشاقي القطّة، وخوفك وخجلك مشندل حالك!
جمارة بهمس: عشان إنت حبيبي. عشان إنت نفسي، وبين الواحد ونفسه كل حاجة مباحة، والخجل مرفوع، والزعل ممنوع يا شيخ قلبي. حكيم خد نفس ونفخه، ومرة واحدة شال جمارة وبقت بين إيديه الاتنين، وضحكت من حركته وهي بتدفن راسها في صدره، وعتحاوط رقبته وهمست بدلع: بالهداوة على جمارك يا حكيم، قلبها وروحها عاد. وحكيم شاف دلعها عليه، زعق بصوت عالي: يااااااابووووي! قلبك هيتحمل كيف كل الدلع والكلام الحلو ده كل يوم يا حكيم!
خفي على شيخ قلبك هبابة يا بت عيشة، دا القلب مهري عشق وفراق ولوعة. دوّقيه الفرحة هبابة هبابة. نقطيها عليه نقط لحد ما يبل ريقه الناشف، وبعدها ازقيه، وهو هيشرب لما يرتوي، مهيقولشي له. جمارة رفعت وشها ليه وهمستله بدلع: أمرك على قلبي قبل راسي يا تاج راسي. كل اللي يريحك ويريح قلبك، يجرالك من عيوني يا ضي عيوني. حكيم بلع ريقه وهمس: جمارة، أنا هقول لغالية أقولها تيجيبلنا الوكل هنا، بلا فصول بلا وجع قلب عاد. ولا أقولك...
بلاها فطور، أنا مستعد أعيش طول عمري من غير وُكل، على الجمارة وبس. جمارة ضحكت ورجعت دفنت روحها في صدره تاني، وهو اتحرك بيها ناحية الباب وهو بيقول: الصبررر ياااارب.
نازلين الاتنين على السلم، حكيم متقدم بكل هيبته، والسبحة الدهب في إيده، وجمارة وراه، والاتنين وشهم منور من الفرحة، وكل تعب الشهور اللي فاتت اتمحى من على وشوشهم بليلة واحدة قضّوها في حضن بعض. ومن أول ما التقوا وكل اللي في السرايا شافوهم، انطلقت الزغاريت من الكل، وبالذات عيشة اللي ما فصلتش ولا خدت نفسها لحد ما كملوا السلم وراحوا حداهم.
حكيم صبح وراح على أمه، وحب راسها وإيدها، وجمارة كمان راحت على أمها، عملت كيف ما عمل حكيم. وبعدها أمها حضنتها وباركتلها بهمس وفرحة. جمارة ما حستش بيهم منها يوم ما اتجوزت غازي، وحتى قبل ما تعرف شينه من زينه.
بعدت عن أمها، وراحت على تماضر وحبت على إيدها وراسها، وتماضر حضنتها وطبطبت عليها بمحبة. وبعدها غالية خدت جمارة بالحضن وباركتلها. والكل قعدوا يفطروا المصفط أبو سمن بلدي اللي عاملاه عيشة. وحتى زبيدة وولدها جابوها تأكل معاهم. عيشة طول ما هي بتاكل، فكرها مشغول وسرحانة ومبتسمة. وكل اللي يبص عليها يفتكر إنها من فرحتها ببنتها، لكن الحقيقة إن عيشة كان فكرها كله مع المشندل بشندي.
خلص حكيم أكل، وقبل ما يقوم، كان بشندي على باب السرايا واقف عينادم عليه. حكيم: خش يا بشندي، تعالا. أنا فطرت وكنت جايلك طوالي أهه. خش بشندي وباركلهم وقعد على السفرة، واتلافى فطيرة قطعها وبدأ ياكل. بقى كده هتاكلوا فطير من غيري يا ردايا! طب حتى قولوا لقمة لبشندي الغلبان اللي محدّاه حد يعمله فطير ولا حتى يفطره يا ولداه!
عيشة ردت عليه بسرعة: والله عاملة حسابك وشايلة لك منابك، وكنت مستنية لما الشيخ حكيم يطلع أدهوله عشان يفطرك. ولحقت نفسها لما انتبهت: إنت والرجالة، يعني تفطروا كلكم سوا مع بعض. حكيم غمز لبشندي وضحك، وبشندي ابتسم لعيشة وهو بيقول لها: تسلم يدك وعمايلها يا أم جماره. المصفط حلو لحاله كنه معجون بالعسل معاه. عقبال ما تخبزي لي مصفط صباحيتي بيدك وإحنا في بيتنا. الكل بص لبشندي بصدمة واستغراب، وحكيم ضحك بصوت عالي وضرب
بشندي على ضهره بهزار وقلة: أيوه عااااد يا بشندي! بشندي ضحك وبص لعيشة وهي شنقت في الشاي اللي كانت بتشربه، وجمارة فضلت تضرب على ضهرها وهي كحتها تزيد. وبشندي بص لحكيم بعتاب: عينك المدورة دي هتفطس المرة في موطرحها أهي. حكيم: له يا خوي، مش عيني، ده دخلاتك المميتة وكلامك العامل كيف قطر بضاعة ملوش فرامل.
بشندي: طب المهم، إني هجيب المأذون وأعقد عليها بعد العصر النهارده، بعد ما تخلص الفصل، وأخدها عشية على بيتي القديم. هبعت حد من الرجالة يكنسه ويطهر فيه أمروب تكون حية ولا طريشة لابدة فيه هنا ولا هنا. حكيم: وسألتها لأول ووافقت على كده؟ ولا هتتجوز وتكتب منك لحالك كده؟ بشندي: قلت لها امبارح بعد الفرح، وهي من الفرحة قعدت تتبلبل في الأرض، بالعافية قومتها.
حكيم ضحك بعلو صوته، وحتى تماضر وغالية ضحكوا. وعيشة لسه شقّانة، والشقّة كل ما تزيد، وهي سامعة حديث بشندي، وبصت له عشان يسكت، وهو البعيد مفيش أكل. اللي قالهولها: أوعي تفرفطي وتموتي يا قزينة قبل ما أتجوزك وأورث بيتك، ما تبقيش مرة فقيرة عاد. هههههع هههه هع. أخيراً عيشة عرفت تاخد نفسها وقامت من على الأكل، وشها صابغة الخجل من حديث أبو بشندي قدام حكيم، ودخلت المطبخ، وجمارة راحت وراها وهي بتضحك على حال أمها.
جمارة: مالك يا أم جماره؟ قومتي من عالوكل ليه ورمحتي؟ عيشة وهي بتضرب بإيديها الاتنين على رجليها: يابووووي! ما وعياش الراجل اللي باع المستحى ده كان هيقول إيه؟ والله خسفت بيا الأرض من الكسوف المشندل، والأكاد قدام حكيم، يا مري يا مري يا كسفتك يا عيشة. وحطت راسها بين إيديها بغلب. أنا متجوزهوش الراجل ده يا بوي! جمارة ضحكت وراحت عليها، وميلت خدت دماغها في حضنها كيف ما تكون هي اللي أمها،
وهمستلها بحنية: له يا أم جماره، متتجوزيهوش كيف!
طب إنتي خابرة يمه إن عم بشندي ده هو عوضك وآخر صبرك سنين من غير جواز، فضلت تشقّي فيها عشان تربيني ومتجيبيليش جوز أم يتحكم فيا، وعشتي وحدانية عشان خاطري. اهو ربنا بعت لك جبر الخاطر لحد عندك على هيئة عم بشندي اللي قلبه أبيض من لبن الحليب، ويفيض بالمحبة لكل اللي حواليه، وواخد الكل تحت باطه ومحادّي عليهم، وأولهم حكيم، وعامل كيف الصقر اللي بيحادي على عياله. خشي يمه تحت جناح الصقر واتحامي فيه، اللي باقي لك من العمر وافرحي واتهني، ده ربنا رايدك الخير.
عيشة بعدت عن بنتها ومسحت دمعة نزلت منها من كلام جمارة لما فكرتها بالشقا اللي شافته واتحملته طول عمرها، وهمست لجمارة: على سيرة الشقا، سبع الرجال، الصقر بتاعك عاوزني إني اللي أصرف عالبيت لما نتجوزو من بيع الجبنة. وجمارة سمعت كلام أمها وفضلت تضحك بعلو صوتها، وأمها ضحكت على ضحكها، وسكتوا الاتنين لما سمعوا صوت بشندي بيتكلم بره بصوت عالي: اتجننت عيشة من الفرحة يا ولداه!
أهي عارفين لو دخلتوا عليها دلوقتي هتلاقوها بتتبلبل في الأرض من الفرحة يا عيني. يا بوي عالولية المتبلعة اللي هتجوزها دي. وتبع كلامه بضحكة. والتنين جمارة وأمها سكتوا، وبصوا لبعض، وبعدها انفجروا في الضحك بصوت أعلى، وحتى اللي بره كلهم ضحكوا. وعيشة هزت راسها وهي بتقول لبتها: هعيش معاه كيف الكياد دي يا بتي؟
جمارة: طب والله دمه شربات ورد مكرر، وكيف العسل كمان. بس والله ما ليكم حق تتجوزوا يوم صباحيتي، مش كنتوا تأجلوها كام يوم كده! عيشة: وعتقولي لي، إني هو، إني بأجل ولا عارفة حاجة. دي المقطور في نافوخه هو اللي بيحدد ويجود من كيفه، وأنا ولا كأني العروسة ولا ليه صالح بيه. جمارة: معلش، يلا حصل خير. ما هو خير البر عاجله برضه. الراجل تعبان ومحتاجك جارة.
وفضلوا الاتنين قاعدين في المطبخ، وانضمتلهم زبيدة، وبعدها غالية، وفضلوا يتكلموا هيعملوا إيه النهاردة في كتب كتاب عيشة، وهيطبخوا إيه للعرسان. أما حكيم، فطلع مع بشندي على المندرة، وفي طريقه حاد على جمرة، صبح عليها، وبص لبشندي وسأله: وكلت عوض من امبارح يا بشندي، ولا فوته بالجوع؟
أوعك تهمله جعان، عشان الجوع ده ممكن يدخلك جهنم يا فقري. احبسه وخلص تارك منه كيف ما إنت عاوز، بس أهم حاجة توكله. داني غازي هوكله عيش وبلح كد الأيام اللي خلاني أكلته فيهم، وبعدها هنزله وُكل زين. بشندي: يا بوي، ما تخافش، وكلته. حكيم: جدع يا بشندي. بشندي: بس وكلته للديابة. هههع هع هع. حكيم: عيميلت إيه يا واكل ناسك، إنت قتلته؟
بشندي: له وغلاوتك، إني بس ربطته في عنتر، خليته مرجحة في البلد، هبابة تين تلاتة، وبعدها رميته جار زرعة قصب وفوتته صاحي والله. الديابة هي اللي كلته لحالها، إني مليش صالح أصلاً. حكيم ابتسم وهز راسه: واعر قوي في عداوتك إنت يا فقري، واللي يندك بيك يبقى فاقد عمره. بشندي: له وإنت الصادق، اللي يندك بيك إنت يفقد عمره على يدي.
حكيم ضحك وراح على شنطة سكر النبات اللي عباها لجمرة من تاني، وكبش بيده وجه يوكلها، وهي خدت واحدة منه وبعدت خشمه، مرضيتش تاكل الباقي. حكيم بص لها باستغراب، وبص لبشندي وسأله بقلق: مالها جمرة يا بشندي؟ ما بتعوداشي؟ بشندي هز له كتفه بعدم معرفة وقله: ما أعرفشي. لساها امبارح كانت خاربه الدنيا رقص في الفرح ونطيط. تلاقيها اتحسدت من اللي عملته الغازية دي.
حكيم بقلق: له، إني مش مطمن عليها يا بشندي. ده حتى وُكلها قاعد في المخول كيف ما هو، ما قربناشي عليه من امبارح. ما عودى الصبح تكون ماسحاه مسح. روح عالاسطبل يا بشندي وابعت لي السايس قوام. هو اللي هيعرف فيها إيه. وبالفعل راح بشندي ورجع بالسايس اللي لف حوالين جمرة لفتين، وبعدها ابتسم وبص للشيخ حكيم: اطمن يا شيخ، جمرة مفهاش أي حاجة. وقلة وُكلها دي بسبب إنها اليومين دول عايزة تكون مع عنتر.
بشندي بص لجمرة وضحك: أيّ قليلة الحيا، غيرتي من صاحبك وعايزة تتجوزي يا به! فرسة غيّارة صوح. هههع هع. السايس: له، مش حكاية غيره هي. اليومين دول أيام التزاوج بتوع كل الخيل. الأسطبل كل فرسة فيه تقريباً حبلى، وهي زيهم عايزة تبقى أم. حكيم: وديه تخليها تقطع الزاد كده؟ بشندي: وتقطع النفس كمان، وتلف الدنيا كيف المجذوبة. هي اتعلمت على يد مين يعني. ههههههههااااى. حكيم بص لبشندي وعض له شفته عشان يسكت، وبكفاية فضايح.
ونجدة السايس لما اتكلم: هي الفرسة في الأيام دي شهيتها بتتقطع وزادها يقل وتخس، بس بعد ما تحبل، وُكلها يزيد وتعاود في الوُكل أكتر من الأول. حكيم هز دماغه بتفهم، وبص للسايس: طب خدها الأسطبل، ومش هوصيك تحطها مع خيل أصيل، فاهم. السايس هز دماغه بطاعة وراح على جمرة يفك ربطتها: هو عنتر مفيش غيره، وأصلاً هو ما بيخليهاش تقرب على حصان غيره، ولا حصان غيره يقرب لها. كيف ما يكون متجوزها وبيعير عليها، والله يا شيخ.
حكيم ابتسم وفضل باصص على جمرة وهي ماشية مع السايس، وانتبه على بشندي بيضربه بكتفه: يا بوي، فضنا الناس. زمناتها كلها وصلت، وأنا ورايا فرح عايز أستعد وأحلق وأظبط حالي للبسة. هم يا حكيم يا ولدي هم. ده العشق تراه شندلة صوح.
وطلع الاتنين وراحوا على المندرة، وخلصوا الفصل. وبعد ما خلصوا، بشندي عقد على عيشة، وعشية قالها تلم خلجاتها وخدها بعد ما سلمت على الكل معاه على بيته اللي كان كيف عشة الفراخ، عبارة عن أوضة وسقيفة صغيرة وفرن، وسلم يطلع للسطح، وكله بالطين. عيشة أول ما دخلت البيت، اتلفتت على كل ركن فيه. وبشندي قرب
منها ووقف قبالها وقالها: عارف البيت مش كده مقامك يا عيشة. والشيخ حكيم عرض عليا إننا نتجوز في المشتمل، بس أنا مرضيتش، وحبيت إني ومرتي نقضي أول ليلة مع بعض في بيتي ومطرحي عشان أحس بالفرحة زين. عيشة خلعت الملس الأسود اللي كانت لابساها، وظهر الفستان الأزرق اللي كانت لابساها امبارح تحت منه، ونفس الشال الأزرق،
وبصت في عينه وقالت له: عمرها ما كانت بالمطارح يا بشندي. البيوت بقلوب أصحابها وطيبتها. وإنت قلبك واسع وفيه براح الدنيا بحالها، وأنا لحالي اللي هقعد فيه، يعني هكون مرتاحة كني قاعدة في قصر حيطانه عاج وسقفه مرمر. بشندي كان بيسمعها وهو فاتح خشمه على كلامها الحلو، وعينه على ملامحها وشفايفها اللي بتتكلم.
وأول ما خلصت همسلها: طب خشي الأوضة دي قوام يا واكلة ناسك، وإني هشكل الباب وجايلك. خشي بعينين البسس دي. خشي، داني ما كنتش متجوز قبل سابق، ولا شفت حريم قالها. وتحرك بسرعة على الباب. وعيشة ضحكت وهي شايفاه، ووطت اتلافت بؤجة خلجاتها من على الأرض ودخلت الغرفة، وبشندي حصلها. وقضوا ليلة من ليالي العمر، كل واحد عوض التاني فيها عن صبره وقعده من غير جواز كل السنين اللي فاتت. وكتبوا سوا أول صفحة في كتاب حياتهم الجديد مع بعض، وبصموا عليها بالرضى.
مرت الأيام، يوم بعد يوم، وشهر عدى على جواز حكيم وجمارته، و29 يوم على جواز بشندي. والفرحة طول الوقت مخيمة على الكل. وعاود الشيخ حكيم من تاني يصول ويجول بحكمته وحكمه العادل، وردت له عافيته من تاني. والناس كلها في البلد والبلاد اللي حواليها، ماليهاش سيرة غير الشيخ اللي عاود من الموت، وكان مأسور في بيته على يد ولد عمه. وكل الناس نسبت نجاته لعمله الزين، وتقاه، ولأنه حامل لكتاب الله وماشي طول عمره على سنة رسوله.
بشندي النهارده صابح ساكت، وكلامه مع عيشة قليل. وعيشة عرفته إنه بيفكر في حاجة مهمة، واتعودت لما يكون فكره مشغول تبعد عنه وتهمله، وتلهي حالها بأي حاجة عشان ميشندلش حالها ويقول لها: قطعتي فكري وتوهتيني.
قام بعدها لبس وراح على السرايا في معاد كل يوم، ودخل المندرة، واتحفظ هو والرجالة. وبعدها دخل السرايا وطلع مفاتيح المشتمل، النسخة اللي عطاها له حكيم يخليها معاه عشان لو سافر ولا حاجة، هو اللي ينزل وُكل لغازي. خد الكورباج معاه، ودخل وشال غطى الحفرة، ونزل لغازي. سلمه سلمه. والتاني شافه وكان نايم، قام وقف في استعداد لحماية أي حاجة فيه يقدر يحميها من بشندي. ورجفة سرت في جسمه، وخوف أكتر من خوفه من حكيم، عشان متأكد إن بشندي جاي النهارده يخلص منه اللي كان بيعمل فيه، وخصوصي وهو واعي الكورباج في إيده، وخابر زين إن بشندي ما يرحمش.
بشندي أول ما عينه جات في عين غازي، ضحك بتشفي ووعيد. وغازي همس بخوف: العفو عند المقدرة يا بشندي. يا تعفو عني يا تموتني نوبة واحدة وتخلص مني وتخلصني. وأنا أترجاك تعمل التانية. بشندي: والله إنت بجح وعينك بيضة يا دة، إنت! يا دة بتطلب الرحمة والعفو والراحة بأنهي عين وبتطلبها من مين؟ مني أنا؟ وكمل حديثه لما وعى
غازي بص للأرض وقطم الحديث: صح عوض بعت لك معايا السلام. باعته لك من قلب الجحيم اللي زمانه بيتشوي فيه دلوقتي. عوض الكلب بتاعك، وُكلته للديابة حي، وفوتها تنهش في لحمه. بقا يا دة، كنت عاوز تبقى شيخ، ولبست العمة، وحطيت حالك موطرح الشيخ، وخدت حاله وماله، ونسيت إن موطرح الشيوخ ما يعلاهوش الفجر؟ بس ربك قال إيه؟ قال تعالى (إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم)
. وأهو الشيخ عاود لنعيمه من تاني. وعشان إنت فاجر، ولد فاجر، يبقى ماليكش غير الجحيم. جحيم الآخرة ده على ربنا. بس جحيمك في الدنيا هيكون على إيدي أنا، كل يوم من هنا ورايح. كل يوم هاجي أسلم على جثتك بالكورباج دي لحد ما أخليك تستمنى الموت استمناية. أنا هملتك في اليومين اللي فاتوا عشان مكنتش فاضيلك بس. لكن مش ناسيك ولا ناسى اللي ليك حداي يا ولد شهين.
قالها وفرد الكورباج ونزل على غازي، فين تاكل فين تشرب لحد ما إنهى خالص، وقعد على السلم قباله ينهج، وهو واعيه متمدد على الأرض، والأه بتطلع منه بالعافية. بشندي: ليك جولة تانية النهارده في ذمتي، هاجيلك آخر النهار أدهالك. لو عاوز تتعفى منها يبقى تحكي لي عن خطة إبليس اللي عملتها مع الشيخ حكيم، ومين اللي ساعدك فيها غير دكتور الوحدة، ونفذتوها كيف، ومين اللي اتدفن موطرحه. والأهم من ده كله، الطلقة اللي صابته كانت بيد مين؟
يا كده يا متلومش غير حالك. والضرب مفيش أسهل منه على اللي بيضرب، وإنت مجرب وخابر زين. قالها وطلع وقفل الحفرة وقفل المشتمل، وطلع على المندرة يستنى حكيم أول ما يصحى عشان يشوفوا هيعملوا إيه في باقي العصابة اللي ساعدت غازي وخططت لموت الشيخ، أول ما يعرفوهم. غالية قاعدة في أوضتها اللي بقت تحت دلوقتي من يوم ما اتجوزت غازي، وبقالها كام يوم حاسة بدوخة ومعدتها مقلوبة، وبتترجع كل صبحية. وقلبها رجف لما شكت في حاجة.
طلعت الصبح رايحة على أوضة أمها، بس وقفتها الدوخة ولعبان النفس، ورجعت رمت على الحمام واتقيت لما قالت يابس. طلعت من الحمام وهي بتعصر بطنها بإيدها، والملامح صفرا من التعب، وراحت صبحت على أمها وقعدت جارها، وفضلت باصة من الشباك للفراغ بتوهان. تماضر بخوف: كنتي بتتقيئي ليه يا بتي؟ فيكي إيه؟ غالية: سلامتك يا حبيبتي، مفياشي حاجة.
تماضر بصت بشفقة على حال بتها اللي اتقندل وبقت متعلقة، لا طايلة سما ولا أرض، ولا إنها بت بنت كيف الأول، ولا إنها اتجوزت جوازة عدلة واتحسبت عليها جوازة. -متفكريش كتير يا غالية يا بتي. أنا خابرة إنك مقهورة على حالك، وده اللي مخليكي عيانة. أنا هخلي حكيم يطلقك من الخسيس ده، وربنا هيرزقك بالأحسن منه، وأخوكي هيجوزك لسيد سيده. غالية بصت على أمها بعيون زايغة، وردت عليها بنبرة يأس: أنا حبلى يا إمه.
تماضر سمعت الجملة وكل مخاوفها اتحققت، وضربت على صدرها، وبعلو صوتها صرخت: يا مررررك يا تماضر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!