حكيم شاور لجمره عشان توقف بعد ما حس إن غازي خلاص ممكن يموت لو صبر عليه وهمله. لجمره أكتر من كده، وهو واعيها بتتحرك بيه في جنينة السرايا رايح جاي من غير تعب، كأنها هي كمان بتخلص ثأرها منه. ومنستش إنه وصلها للموت قبل كده وشافت على إيده عذاب أول مرة تشوفه في حياتها، وذاقت بسببه الذل والحرمان من بعد ما كانت بتتعامل معاملة ملوك.
جمره وقفت أخيرًا بناءً على طلب حكيم، بس بعد ما أخدت غازي في لفة أخيرة قطعت فيها اللي باقي من نفسه. حكيم قرب عليه وفك الحبال من سرج جمره وسابه متمدد على الأرض. وأخد جمره ربطها مطرحها بعد ما حبها وخدها في حضنه وطبطب عليها يهدي الخضة اللي هتخضها من المجهود اللي عملته. وهي أول ما عمل كده وحست بحنانه عليها،
كأنه بيقولها: "اهدّي، أنا عدتلك خلاص ومحدش هيقدر يأذيكي تاني". صهلت بصوت عالي ورفعت رجليها الأمامين بفرحة خلت حكيم يضحك كأنه أب شايف بنته بتتنطط قبال عينيه. واقف يبصلها وقلبه فايض ليها بالمحبة. ربطها وودعها بتمسيدة أخيرة ورجع على غازي وأمر الرجالة يشيلوه ويجوا بيه وراه.
راح على المشتمل ونزل قدامهم، وهما نزلوا بغازي وراه. وحطه على السرير وربطه مطرحه بنفس السلاسل وأداه ضربة وداع أخيرة. والتاني فتح عينيه بضعف من غير ما يتحدت وشاف حكيم قباله وغمض عينيه بعد ما بص حواليه بضعف وشاف حاله في القبو والأدوار اتقلبت، وبدال ما كان سجان بقى مسجون. فتحهم تاني على صوت طقطقة، وكان حكيم بيشيل فياش الأجهزة واحد ورا التاني وعينه على غازي.
واتحدت بعد ما زفر بارتياح: "السيما شطبت خلاص. اقعد عاد لحالك انت هنا وراجع حالك وشوف الدنيا كيف ما بتدومش، واللي تحت في لمح البصر بيبقى فوق، واللي فوق بيبقى تحت. اتأمل في قدرة ربنا وقدامك العمر كله تقضيه في تأمل. شوف حالك كيف قعدت سنين تحفر قبر لغيرك، وفي الآخر انت اللي اندفنت فيه".
همله وطلع وقفل باب الحفرة عليه، بس بعد ما اطمن إن العيش والبلح اللي جابهم له غازي امبارح قاعدين كيف ما هما ويكفوا غازي يومين. طلع بره المشتمل وقفل بابه بالقفل وأخد نفسه براحة وهو بيبص حواليه ويتفقد الدنيا اللي عوادلها من تاني. واتقدم ناحية السرايا ووقف قبال أمه وجماره وغالية. وميل على أمه حب
على راسها وهمس جار ودنها: "الحمد لله اللي حسك عدتلك تاني. حقك عليا يا لبّة القلب. امسحي عذابك في ضعفي وقلة حيلتي. على عيني كنت واعي اللي بيجري فيكي ومكبلاني القيود عنيكِ". تماضر مسكت وشه بين إيديها وهمست له من وسط دموعها: "ولما أنا حقّي عليك انت حقّك على مين يا ولدي؟ حقّك على مين وانت قاعد تحت مني في حفره مدفون، اسم الله، بقالك شهور وأنا معرفاكش!
صحيح كان قلبي بيحدثني إن فيه حاجة في المشتمل وقلبي بيرفرف وأنا واقفة على عتبة بابه. بس برضه ما كنتش متأكدة، ولا حد فاهمني عشان يفتح لي ويقطع شكي بيقين. إن جيت للحق يا ولد قلبي، انت اللي حقك علي. حقك علي عشان مسمعتش كلامك من زمان إنك تبعد غازي عنيك. حقك علي إني وافقت إني أسعيلك تعبان ينام ويقوم فطولك، وهو طول الوقت بيحفر وراك ويدبر لموتك. حقك على راسي يا ولدي".
خلصت كلامها واتخنقت بالدموع. وحكيم مسح دموعها وحب راسها وقام خدها على جوه. وجماره في محاولة منها إنها تساعده، مسكت معاه إيد الكرسي وجات إيدها على إيده وهي عملت كده. وبدال ما تساعده، شندلت حاله وهو حاسس برجفة سرت في جسمه من لمسة إيدها الدافية. وقف بالكرسي جوه السرايا وشال إيده من تحت إيدها. واتنفس بقلة صبر وبص للتلاتة يملي عينيه منهم زين، وبعدها راح ناحية السلم. تماضر: "على وين يا ولدي خليك قاعد جارّي هبابة".
حكيم: "هتسبح وأغير خلجاتي يمه وأروح أشوف بشندي وين وأرجعه وأرجعلك ونقعدوا جار بعض لما نشبعوا". وطلع أول سلمتين ونزلهم تاني وراح وقف قبال زبيدة اللي واقفة على باب المطبخ ودموعها مبطلةش. وهمس لها: "جميلك فوق راسي يا أم مصطفى. تسلميلي يا خالة زبيدة على اللي عملتيه". زبيدة: "تسلم وتعيش ويسلم قلبك من كل شر يا شيخ. ده أقل حاجة أعملها عشانك. والله لو طلبت روحي ما تتعز عنيك".
حكيم ابتسم لها: "أصيلة يا خالة. أصيلة وأصلك طاغي والله". خلص كلامه مع زبيدة ورجع للسلم وطلعه درجة درجة والكل عينه متعلقة عليه ودموع الفرح بتلالي والضحكة شاقة الحلق شق. شويه ونزل حكيم متسبح ولابس خلجات نضيفة، بس لسه دقنه طويلة وشعره كماني طولان لدرجة إنه كان لافف العمة والشعر الأسود نازل من تحتها واصل لتحت ودانه. وقف قبالهم وجماره قربت ووقفت قباله واتحدتت بنبرة ترجي: "أمانة عليك تدور على أمي في طريقك ياسى حكيم".
حكيم: "متخافيش يا جماره بإذن واحد أحد هجيبلك أمك من عشيّة". كمل جملته وطلع طوالي وراح على الجنينة وقف مع الرجالة. حكيم: "حد منيكم يعرف مطرح بشندي وين؟ الاتنين هزوا دماغهم بالنفى وواحد منهم رد عليه: "بشندي من يوم ما..". وما قدرش ينطقها. "ما حاصول اللي حاصول كان قاعد في المندرة وبعدها خفي طفى ولا حس ولا خبر ولا حد شاف زواله حتى". حكيم: "طيب ولما أكده محدش فيكم فكر ييجي يسأل عليه ويطمن على صاحب عمره؟!
-يا شيخنا لو كان حد جه يسأل على صاحب عمره كان هيخسر عمره. غازي كان مشدد علينا محدش يهوب ناحية السرايا وعطى أمر لرجّالته اللي يهوب من الغفر القُدام نواحي السرايا يطخوه طوالي". حكيم هز دماغه بتفهم لخوفهم المبرر وراح على عوض ووقف قباله وسأل: "عيشة وين يا عوض؟ وديتها وين انت وغازي؟
عوض برجفة: "آآآني ماعرفش حاجة عن عيشة. غازي خلى راجلين ياخدوها وقلهم يودوها في حتة محدش يعرف يوصلها وهما خدّوها. وورحمة أبوي يا شيخ حكيم ما عرف طريقها".
حكيم: "على العموم يا عوض إني ما حدتكش ولا أتجّادل معاك وأقولك صادق وكدّاب. عشان إني فايتك نايب بشندي وهو حر فيك عاد. هروح أجيبه وهو اللي يقررك بمعرفته وهو هيعرف يطلع الكلام منك كيف وبالمرة ياخد تاره منك بيده. حاكم إني خابر إن القلب ما بيبردش غير لما الواحد بإيده يخلص حقه". عوض: "أمانة عليك يا شيخ. بشندي له. موتني دلوك وحط طلقة في قلبي بس بالله عليك ما تسيبني لبشندي أمانة عليك".
حكيم: "خلاااااص يا عوض انسى. انت عشا بشندي النهارده. وهمله ياكل ويشرب فيك لغاية ما يشبع". قالها واتحرك مع واحد من الرجالة وخلى التاني يقعد يحرس عوض اللي بقى يبكي من الخوف كيف الحريم ويزعق على حكيم ويطلب السماح. وحكيم ولا كأنه سامعه. طلع هو والغفير اللي معاه وراحوا الأسطبل والسايس جه عليه وحضنه بفرحة: "والله ما مصدق عيوني. حمد الله على سلامتك يا شيخنا. إني كنت واقف مع الرجالة واتحمدتلك بالسلامة بس انت مريتنيش".
حكيم طبطب على ضهره وبعده عينيه بالراحة: "معلش ماخدتش بالي ليك. الله يسلمك يا غالي. حضّر لي عنتر قوام وحضر حصان معاه لعواد بس بسرعة". السايس: "تؤمر أمر يا شيخ" وجرى بسرعة يحضر عنتر وحصان تاني وخلص وجابهم جارّهم.
وحكيم بسرعة ركب فوق عنتر والغفير ركب الحصان التاني وانطلقوا على بيوت الغفر القدامى يلموهم واحد واحد. وكل اللي يشوف حكيم قباله يايصرخ من الفرحة يا إما يصرخ من الخوف والمفاجأة. والبلد كلها طول ما هو ماشي بحصانه رجالتها تهلل وتكبر وحريمها تزغرت على البيبان ومن سطوح البيوت بفرحة كأن حكيم ملك ونازل يتفقد رعيته. وصل للكل ومبقاش فاضل في الغفر غير خيري وده بيته على أطراف البلد وآخر حد هيروحوله. ***
دخل خيري على بشندي ووقف قباله متصنم. وبشندي بص له وخبط بإيديه الاتنين على رجليه وصرخ فيه: "اوعك تقول لي ملقيتش عيشة برضه يا خيري؟ يعني لا عوض قادر تجيبه لي ولا عيشة قادر تعرف لي مطرحها! وأنا رجلي عجّزتني وخلتني قاعد مستنظرك تعمل أي حاجة، وانت كيف جالوس طين مبقاش منك منفعة واصل. اعمل حاجة يا خيري، متطلعش كل يوم وتعوّد لي يد ورا ويد قدام!
عشان أنا فاض بيا وقربت أشُط فروحي. عودة كبريته وأولع في نفسي وأخلص من العذاب اللي أنا فيه ده". خيري: "اهدى واتهد وخد نفسك. جاك الحَزون. صحيح مجبتلكش عيشة ولا عوض، بس جبت لك حد بالتنين. تنين إيه؟ ده بالدنيا كلها". بشندي: "حد مين يا وش الشوم؟ يا كش تكون جبت لي غازي وجاي عشان ياخدني وتخلص مني؟
كمل كلمته وخيري ضحك وبدأ يبان من وراه شخص. أول ما ظهر كله قبال عيون بشندي. بشندي طلعت منه شهقة من المفاجأة كانت هتطلع بروحه لولا ستر ربنا. وصرخ بعدها بعلو صوته: "ولددددي! حكيم ولدي! انت ولدي حكيم مش أكده؟ انت حي! انت عايش يا حكيم! انت قدامي دلوقتي صحيح يا ولدي! حكيم ابتسم وهز له دماغه. والدموع اتجمعت في عينيه. وهو عمل كده وبشندي وقف على رجليه اللي برغم وجعها محسش بأي ألم وهو رايح على حكيم ياخده في حضنه. وصرخته
دوت في البيت زلزلت أركانه: "ولدااااااااي". وحضنه يعصر فيه ويبوس وهو مش مصدق اللي عينيه شايفاه. وما فيش على لسانه غير كلمتين: "يا حبيبي يارب. يا حبيبي يارب. يا حبيبي اللي رجعت لي حبيبي. أحمدك وأشكرك. أحمدك وأشكرك يا حبيبي". بشندي بعد عنيه وفضل يتأكد بإيديه من كل شبر في حكيم إنه حقيقة قدامه. وكشف صدره وشاف مطرح الطلقة وميل عليها حبها ومسك راسه حبها واتخنق بدموعه وهو بيقول له: "كيف طيب؟ وكنت وين؟ احكي لي حدثني!
داني واعيّك بعيني وانت تنازع قبال عيني وبعدها اترخيت بين إيديا لا حس ولا نفس والعيون بيضت والشفايف زرقت وسقعة الأموات دبت في جسمك. كيف عاودت للحياة من تاني كيف؟!!
حكيم: "الأسئلة دي كلها عوض اللي حداه الجواب عليها. وهو دلوقتي مربوط في العروسة اللي كنت مربوط فيها في السرايا ومستنيك عشان ترسم على جثته خرايط كيف اللي رسمها عليك. وتمد إيدك تسحب الحديد من جوه كبده. لكن إني لا قادر أتحدت ولا فيا حيل لكلام. هم بينا على سرايتنا لوحدنا طول العمر للحكاوي ونعملو كيف زمان نحطو روسنا في روس بعض ونودّوا للصبح. نرجعو مطرحنا ونرتاحو من اللي شوفناه وبعدها يحلى الحديت ويطيب الكلام".
بشندي: "وغازي الكلب وين دلوقتي؟ حكيم: "خلاص من النهارده معادش فيه غازي. غازي انتهى من على وش الأرض". قالها وقرب على بشندي وشاله مرة وحدة برغم ضعفه، إلا إن الحبايب بتولد لها القوة من قلب الضعف. ورجع بيه وهو حاطه قدامه على عنتر. وبشندي طول الطريق مبطلش ذكر لله وحمد وشكر ليه. وكل هبابة يبص على حكيم بفرحة وهو مش مصدق عينيه كأنه في حلم وحاسس إنه بعد هبابة هيصحى منه. *** أما في وقت سابق:
جماره قعدت بعد ما حكيم طلع من السرايا ورفعت راسها لفوق وحطت إيديها الاتنين على وشها وشالتهم بسرعة لما حست بضربة على دماغها. وبصت لقتها غالية. غالية: "من مته وانتي تعرفي مطرح أخوي ومقايلاشي؟ جماره: "عرفت من أولت امبارح بس". تماضر بعتب: "يومين وما تجيش تبلي ريقي يا بتي ولا تفرحيني! اخص عليكي يا جماره".
جماره: "معلش يا خالة بس دي طلب حكيم عشان كان خايف من أي غلطة ينكشف أمره قبال غازي وتروح عليه الفرصة. وغازي ساعتها كان هيخلص عليه وعلينا ما كانش هيسيب حد واصل". تماضر: "احكي لي طيب عرفتي كيف طريقه. قلبك حس وطلع عليه أحن من قلبي ولا شفتي حاجة من غازي كشفت لك المضمون؟ جماره أخدت
نفس وبصت لتماضر واتحدتت: "ولا ده ولا ده. إني في الليلة اللي علمت بيها إن سي حكيم عايش كنت رايحة ورا غازي وناوية أقتله وأخلص نفسي وأخلصكم منه للابد". تماضر برقت عينيها باستغراب وغالية شهقة مكتومة اتحبست في صدرها. والتنين نفسهم اتقطع كذا مرة. وجماره بتحكي باقي الحكاية وكل واحدة فيهم حاطة إيدها على قلبها كأنها بتسمع حكاية من وحي الخيال ما يصدقهاش العقل. خلصت جماره
حديت وغالية بصت لها بأسف: "حقك عليا على الحديث اللي قولتهولك امبارح يا جماره. غصب عني والله الكلام طلع من حرقتي". جماره: "إني مزعلاناشي منك يا غالية. وأصلاً لولا اللي قلتيه واللي عملتيه غازي ما كانش هيصدق كلامي ولا تخيل عليه حاجة. وكان كشفني من فرحتي وضحكتي يومها. وبعدين رجعت حكيم قلبي يمحّي أي زعل جواي ناحية أي حد".
في الوقت ده حكيم كان عاود ببشندي ونزله من على عنتر. وهو شايله كأنه ابن بار شايل أبوه اللي تعب في تربيته. ومشي بيه على المندرة. وكانت كل الرجالة بتاعته اتجمعت قبال السرايا من تاني. وبشندي باصص لكل حاجة رجعت مطرحها تاني وقلبه بيرقص من الفرحة وهو واعي الأسد اللي ربّاه على إيده عاود لمملكته ومرتعه من تاني ورجع كل حاجة كيف أول ولزم كل قرد شجرته. بشندي: "وديني السرايا يا حكيم". حكيم: "مش دلوقتي يا بشندي".
بشندي: "وديني السرايا يا شيخ خليني أبرد ناري وأطفي هبابة من الجمر اللي قايد بين ضلوعي. قبال عوض ونزلني وهات لي الكرباج وهمله". حكيم بضحكة: "يجرا لك يا بشندي. تعال يا غالي خد قصاصك وارتاح كيف ماني ارتحت".
وبالفعل حكيم راح ببشندي على السرايا. ومهما حد حاول يشيل بشندي عينيه مكانش حكيم يرضى. وهو اللي دخل بيه ونزله قبال عوض. وراح جاب له الكرباج وسابه مع عوض. اللي أول ما شاف بشندي قباله عملها على روحه من الخوف. وركبه بقت تخبط في بعضها. ومعدته قلبت وغمض عينيه وبكى بعلو حسه كأنه حرمة في عزّا جوزها. واشتغل يخبط في راسه في الخشبة اللي وراها بكل قوته يمكن خبطة تنهي حياته قبل ما عذابه يبدأ على يد بشندي.
أما حكيم فطلع أدى أمر لاتنين من رجّالته إنهم يروحوا في الحال يجيبوا طوب واسمنت ورمل ويلفوا يسدوا باب المشتمل الوراني. وكمان يبنوا سور عالي فوق المشتمل يحاوطوه عشان ميوبقاش منطقة سهلة لأي حد يحاول يدخل السرايا ولا يطلع منها. خلص أوامره والرجالة مشت تنفذ. وهو دخل للسرايا ومشي بارتياح على أنغام صوت عوض اللي بيصرخ وصوت كرباج بشندي اللي بيطبل على جسمه. وابتسم وهو واعي بشندي بيتفنن في تخليص حقه من عوض. وفاتهم ودخل السرايا.
وأول ما دخل بص شاف جماره وغالية في المطبخ ومربوكين وريحة أكل طالعة بقاله زمان مشممشها. ابتسم وراح طوالي اترمى في حضن أمه اللي أول ما شافته فردت له دراعاتها بدعوة للراحة. وهو لبى دعوتها وغمض عينيه ونام نومة هنية ما نامهاش من أربع شهور وتسع أيام.
ميعرفش عدى وقت قد إيه. وابتسم قبل ما يفتح عينيه على نبرة صوت أمه الحنينة وهي بتهمس في ودنه: "قوم يا ضي العين ومهجة القلب. قوم يا حبيب الروح كلك لقمة مرتك واختك عملولك. وكل زين يروم عضمك يا نضري". حكيم من وسط كل كلام أمه ودنه وقلبه
ملقطوش غير كلمة واحدة: "مرتك". فتح عينيه. وأول ما فتحهم جو على جماره كأنهم عارفين مطرحها. واتبسم وبان سنه وهي ردت له بضحكة خلت قلبه يترج مع صوت صداها. وقام واتعدل طوالي وقعد أمه على كرسيها وراح بيها على السفرة وقعدها على يمينه. وجماره مسكت إيدها وقعدها على شماله. وقعد هو وسطهم. وغالية قعدت جار أمها.
وحكيم سمى باسم الله وهو باصص للأكل وحمد ربنا في سره على نعمته الكتيرة. ومد إيده غمس أول لقمة وحطها في خشم أمه اللي أكلتها منه ودموعها نزلت شكر لله. ولسه هيغمس لقمة تانية لقى جماره هي اللي مدياله إيدها بلقمة وحاطة إيدها التانية تحت منها. وهو قرب وكلها منها وعينه مفارقتش عينها. ولما بصته طولت جماره نزلت عينها بخجل. وهو أخد نفس بقلة صبر وبدأ ياكل بسرعة عشان بعد الوقت ياخد صاحبة العيون الهربانين من عينيه ويحاكمهم ويحكم عليهم ويقيم عليهم حد العاشق المشتاق.
خلاص حكيم كمل أكل ولسه هيقوم سمع صوت واحد من الرجالة بره باب السرايا بينادم عليه: "شيخ حكيييم. أهل البلد وكباراتها وشيوخ البلاد اللي حوالينا كلهم في المندرة جايين يتحمدولك بالسلامة وكل شيخ جايب معاه دبيحة لسلامتك". حكيم اتنهد وغمض عينيه وزفر وبعدها جز على سنانه بغيظ وفتح عينيه
بص لجماره وهز دماغه بمعنى: "لمّته هيطول البعد". وكأن الدنيا كلها اتفقت على تعذيبهم. وهي كمان برطمت شفايفها بزعل وقلة حيلة. وحكيم ضحك في سره على حركتها وقام طلع من قبالها أحسن لو قعد هبابة تاني قبالها وهي عاملة كيف حتتة جماره مسكرة قبال واحد قاتله الجوع هياكلها ويشبع جوعه ويرمي الدنيا كلها ورا ضهره. طلع حكيم وراح لبشندي لقاه ناهي على عوض ضرب. وهو كمان منتهي من التعب وقاعد ينهج. وقف قباله: "هاه. بردت قلبك ولا لسه؟
بشندي: "هبابة. بس هيبرد على الآخر بالليل. عيشة حابسينها في بيت قديم في النجع اللي جارنا. ابعت لي حد من الرجالة بالكارته هروح أجيبها وأعاود". حكيم: "له خليك انت. إني رايح. بس اوصف لي البيت زين وإني هروح أرجعها وأعاود". بشندي: "له قولت إني اللي هروح لها يعني إني".
وقدام إصرار بشندي استسلم حكيم وهمله هو يروح بالكارته يجيب عيشة. وهو راح للمندرة وقعد وسط الرجال اللي جايين يتحمدوا له بالسلامة ويسمعوا قصته اللي ولا في الخيال مع ولد عمه. وكل اللي يسأل على غازي وين يجاوبه إنهم بلغوا عنيه الحكومة وجات خدته. أثناء قعدتهم حكيم أمر بدبح كل الدبيح والطبخ منها على قد الناس اللي في المندرة والباقي يتوزع على الغلابة. وعلى الحال ده فات باقي اليوم.
جماره من طلعة حكيم وهي واقفة في الشباك مستنياه يعاود. وهو كل اللي عمله بعت على غيار وفضل قاعد في المندرة. وهي بتشتم في سرها الناس قليلة الذوق اللي مقايلاش عريس وطالع من حبس ونهملوه يرتاح هبابة. أثناء وقفتها وانتظارها باب السرايا اتفتح. وكانت هتنط من الشباك وهي واعية أمه داخلة السرايا وداخل معاها بشندي يتعكز على عكاز. ونزلت جري واترمت في حضن أمه. وكل وحدة مش مصدقة إنها شايفه التانية سليمة من تحت يد غازي.
عيشة بشندي وهو جايبها حكالها كل حاجة حصلت في الطريق. وهي وهو كل واحد فيهم اتصعب على حال التاني واللي عمله فيه غازي. وبشندي حلف لها إنه هياخد لها بتارها وتاره منه بيده وإنه ملوش صالح باللي عمله حكيم فيه. "ده دينه غير دين ده".
دخلت جماره بأمها للسرايا. وتماضر وغالية الاتنين مصدقوش عينيهم وهما شايفين عيشة قبال عينيهم سليمة بعد ما الاتنين كانوا متأكدين إن أقل حاجة يكون عملها فيها غازي إنه شالها مثلاً ولا قطع لها إيد ولا رجل. دا إن مكانش موتها ووداها.
اتحاضنوا وسلموا. وعيشة باركت لتماضر برجوع ولدها. ومن جواها بتتبارك لنفسها أكتر برجوعه لبنتها وتخليصها من غازي وتخليص الدنيا كلها من شره. قعدوا مع بعض شوية. جماره شبعت فيهم من حضن أمها واطمنت عليها. ودلوقتي ماباقيش غير إنها تشبع من حكيمها. وطلعت على أوضتهم تستناه بفارغ الصبر. وفضلت تستنى وتستنى وطال الانتظار لغاية ما ملت ونزلت للجنينة. ونزلت قفص العصافير معاها ورجعتهم لقفصهم الكبير عشان يرجعوا يرفرفوا بجناحاتهم بحرية ويفرحوا كيف ما هي فرحانة.
جالت بعنيها في الجنينة وشافت عوض وهو مربوط مطرح بشندي نفس الربطة. وغايب عن الدنيا بنفس المنظر ونفس الجروح على جسمه ووشه. واخدت نفس وزفرته وهمست لروحها: "اللهم لا شماتة". ونقلت عينيها من عليه على جمره. وراحت لها
ووقفت تمسد عليها وتهمسلها: "فرحانة برجعة صاحبك صوح. عارفة إنك فرحانة قوي بس برضه مش أكتر مني. ولا هتحبيه أكتر ما أنا بحبه. أنا بحبه أكتر منكِ. وهو كمان بيحبني كد ما أنا بحبه". وقطعت كلامها بضحكة لما جمره نفرت في وشها بغضب كأنها فهمت حديثها وبتعتقلها: "بطلي كيد فيا".
شويه وانتبهت لبوابة السرايا بتفتح ودخل منها حكيم. وكحلت عينيها بشوفته أخيرًا بعد انتظار. وكان لابس الهدوم اللي بعت عليهم وحالق ومظبط حاله وعاود تاني. برغم ضعف جسمه كيف البدر المنور. ووقف في نص الجنينة وربع إيديه وهو شايفها واقفة جار جمره والضحكة شاقة الحلق والوش مصبوغ بلون الخجل. فضلت تتطلع عليه من بعيد وحطت إيدها على قلبها كأنها بتطمنه إن حبيبها عاد له وتأكده إنه ما بيحلمش. نزلت إيدها ومسكت إيديها في بعض ورا ضهرها. وابتدت تتقدم من حكيم خطوة خطوة وهي بتتمايل بدلال ورهدنة. وهو ابتسم وضغط على شفته التحتانية بسنانه وهو مبتسم وواعيها بتقرب عليه وعينيه بتأكلها وكل ومتابعة خطوات رجلها اللي كأنها بتخطيها على جسور الشوق والبعد تطويها.
وهمس لنفسه: "قَرِّبْ خُطاكَ فإنَّني مُشْتاقُ عندي الحنينُ وعندكَ الإشفاقُ أتُراكَ لم تعلمْ بحالي بِعَدمعصفتْ براحة قلبيَ الأشواقُ قرِّب إليَّ الماءَ إنِّي لظاميءٌ ولديْكَ أنتَ الماءُ و الترياقُ مهما تطاولَ عنكَ ليلُ صبابتيفأنا إلى فجر المُنى توَّاقُ"
قربت جماره ووقفت قباله. والتنين عينيهم مشبعاناش من بعض شوف. وحكيم أخد نفس وغمض عينيه وبعدها بص لفوق وطلع النفس بالراحة. ورجع بص لجماره ومد إيده لمس خدها بحب. وهي غمضت عينيها واستسلمت للمسة وحست بحكيم وهو بيقرب منها والمسافة اتلاشت. وحست بأنفاسه قريبة من وشها وصوت همسه نقلها لعالم تاني: "من أجل عينيك عشقت الهوى بعد زمانً كنت فيه الخلي وأصبحت عيني بعد الكرى تقول: للتسهيد لا ترحلي فاتناً لولاهُ ما هزني وجدٌ
ولاطعم الهوى طاب لي هذا فؤادي فامتلك أمرهُ أظلمهُ أن أحببت أو فاعدلِ" لحظات.. فقط لحظات.. وبعض الكلمات.. وبعض الهمسات كانت كفيلة إنها تخلي جماره تنصهر من فرط السعادة وتوازنها يختل عشان تلاقي نفسها بين إيدين حكيمها وضاممها لدرجة إنها حاسة إن دقات قلبهم اتوحدت وبقوا كيف روح ورجعت للجسد بتاعها. وخلت الحياة عاودتله من تاني. لكن اللحظة مادامتش أكتر وهما سامعين صوت بشندي بيزعق من وراهم.
"بعِد يا وِلددد.. بعدو الاتنين وبصوله وشافوه مادد نبوته عليهم. وكمل حديث بنبرة تحذير: مفيش حاجة قبل ما يعاد الفرح والزفة وتنعاد الفرحة من تاني. حكيم وجماره الاتنين بصوا له بترجي. وهو نزل نبوته ودبه في الأرض وبإصرار أكبر: متحاولوش. صدر القرار وقُضي الأمر. ودلوقتي قدامي على المندرة هتبيت في حضني أنا النهارده. الليلة ليلتي. أصلي متوحشك أكتر منها. ههع هع هع".
ومسك حكيم من دراعه وجره على بره بالعافية. وحكيم عينه على جماره اللي واقفة مبرطمة وبتضرب الأرض برجليها باعتراض. وهو رفع لها كتفه بحركة: "إن ما باليد حيلة".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!