جمارة رجعت للسرايا وراحت على أوضة غازي تتسحب عشان ترجع المفاتيح بعد ما طبعتهم على صابون كيف ما قالها حكيم. خوفها وهي رايحة ترجعهم كان أضعاف عن وهي رايحة تجيبهم. بس اللي كان مخفف الخوف ده إن أي حاجة هتحصل من غازي تهدد حياة حكيم، هتقتله حتى لو هتموت معاه وتروح الروح لشيخ قلبها وحكيمه فدوه.
لكن الحمد لله مفيش حاجة من مخاوفها اتحققت وطلعت بأمان بعد ما عاودت المفاتيح مطرحهم بالهداوة. وطلعت على أوضتها وقفلت الباب وحطت إيدها على شفايفها وفضلت تضحك وتتنطط بفرحة. وحكيم شايفها وعمال يضحك معاها وفرحته متقلش عن فرحتها. وقلبه هيرقص مع تنطيط جمارته ودعوته ليها بالستر والسلامة مفارقتش لسانه من وقت ما سابته وطلعت.
وفضلوا الاتنين صاحيين والفرحة مطيرة النوم من عينهم لحد قرآن الفجر. وكل واحد فيهم اتوضى وسجدوا مع بعض يصلوا، كأنهم على معاد واحد لشكر ربنا. فسجدة واحدة وعلى قلب واحد خاشع، بيحمدوا ربنا حتى وصل الحمد عنان السماء.
ومع ساعات النهار الأولى، واقفة جماره فالشباك تستقبل نسمات الصبح الباردة اللي حست إنها هتنفع لقلبها وترطبه من بعد ما جف واتشقق من كتر الحزن والقهر. وبعد ما وعى غازي، نزلت للسرايا تحت بملامح مرتاحة وقلب منشرح للدنيا وابتسامة مخفية وفرحة واخده القلب وطايرة.
دخلت على أوضة تماضر وصبحت عليها ومسكت إيدها حبتها. وتماضر مسكت وش جماره بين إيديها وهزت دماغها باستفسار عن سبب الفرحة اللي شايفاها في عينيها والضحكة اللي برغم إنها مكتومة، إلا إنها مورّدة الخدود وباسطة الملامح. جماره ابتسمتلها ومسكت إيديها الاتنين حبتهم وخدت إيدها حطتها على قلبها اللي بيخبط في صدرها من الفرحة من امبارح. وتماضر ديقت عينيها وهي حاسة بضربات قلب جماره المتسارعة. جماره ضحكت وهي بتهمس لتماضر:
"قلبي عاودتله دقاته نوبة تانية يا لبّة القلب." تماضر شهقت من الكلمة اللي مكانش حد يقولها غير حكيم، وحطت إيدها على خشمها وهي حاسة باللي بتلمح لها ليه جماره واللي بيأكده لها قلبها، بس مقدّرةش تصدق.
فاتها جماره وراحت على المطبخ بعد ما غالية جاتلها. وأول نوبة تعمل لحالها فطور وتقعد تاكل بنفس مفتوحة كأنها كانت محرومة من الأكل واتسمحلها بيه. بعدها قعدت في المطبخ تستنى جيّة زبيدة. على نار وحاسة إنها اتأخرت قوي النهارده، ولا هي من كتر ما مستعجلة حاسة إن الوقت مبيفوتش.
وأخيراً وقفت بفرحة وهي واعية داخلة من باب السرايا وعتخلع في برّدتها ودخلت المطبخ وعلقتها في المسمار اللي متعودة تعلقها فيه. وبصت لجماره باستغراب وهي شايفاها بتتلفت شمال ويمين كأنها عملالها عملة. ومرة واحدة جماره مسكت دراعها وشدتها بعيد عن باب المطبخ ووقفت قبالها تبلع ريقها بتوتر. زبيدة: "عايزة حاجة يا جماره يا بتي؟ قولي لو نفسك في حاجة أعملهالك طوالي من عيوني." جماره:
"أيوه عايزة منك حاجة يا خالة وعايزاها من قلبك مش من عيونك. بس الأول هسألك سؤال وبعد ما تجاوبيني هقولك عايزة منك إيه." زبيدة ديقت حواجبها باستغراب: "اسألي يا بتي! جماره: "كنتي بتحبي الشيخ حكيم يا خالة؟ زبيدة: "وديه سؤال برضه يا بتي! ومين ما كانش يحبه ويحب التراب اللي كان يمشي عليه. ربنا يرحمه برحمته الواسعة ويجعله مع الشهداء والصديقين." جماره:
"طب ولو الدنيا حطتك في اختبار واتطلبت منك حاجة قصاد إن الشيخ حكيم يعاود للدنيا من تاني؟ زبيدة: "أي حاجة في الدنيا تتعمل أعملها. هقايض عمري قبل عمره والعمر يهون لجل يعاود للدنيا من تاني." جماره ابتسمت: "طب واللي يقولك إن رجعت الشيخ حكيم للدنيا في إيدك انتي ومش هتقايضيها بعمرك ولا حاجة. كل اللي هتعمليه حاجة بسيطة بس." زبيدة بعدم فهم: "بتقولي إيه يا جماره؟ انتي زينة يا بتي؟
ومدت إيدها على جبين جماره تتأكد إنها مش سخنة وعيانة وبتعزي من العيا. ولمت إيدها تاني لما لقت جماره زينة والأكيدة بتضحك وحاطة إيدها على خشمها. زبيدة اتمصمصت: "إلا العقل إلا الدين يا رب." قالتها وجماره غصب عنيها بطلت ضحك واتحدثت بجدية وهمس: "زبيدة اسمعيني زين. الشيخ حكيم عايش مماتش. غازي حابسه في السرايا في قبّو تحت الأرض ومسلسله بسلاسل بقفال." وراحت على كيس كانت كافية عليه حلة. شالت الحلة وطلعته وفتحته قبال زبيدة:
"وديه مفاتيح القفال يا زبيدة. أني حفرتهم أهنه والشيخ حكيم بيقولك تروحي لحداد ولا بتاع اقفال وتخليه يعملهملك وتعاودي بيهم ولا من شاف ولا من دري. وكمان بيقولك تروحي للشيخ زايد وتبلغيه إن الشيخ حكيم مأسور في السرايا تحت يد غازي. وإنه ناخيه يخلصه من يده. وقوليله بأمارة العقود اللي حداك." خلصت حديثها وبصت لزبيدة اللي كانت بتسمع وفاتحة خشمها وواخدة وضع الصدمة. وهزتها من كتفها: "فهمتيني زين يا خالة زبيدة؟ زبيدة:
"وقفي يا جماره وحدة وحدة يا بتي. يعني انتي دلوقتي عايزة تقولي لي إن الشيخ حكيم عايش؟ جماره هزتلها دماغها بتأكيد. زبيدة: "وغازي حابسه في السرايا وقافل عليه! جماره برضو هزت راسها بتأكيد. زبيدة بعدم تصديق: "احلفي! احلفي إنك مدبتيش ومخك خِوي وفات من عمايل غازي فيكي." جماره: "وغلاوة الشيخ حكيم. وحق لا إله إلا الله إن حكيم عايش وإني لا اتدبيت ولا مخي فوت وإني مليحة وعقلي يوزن بلد بحالها."
زبيدة بحركة لا إرادية رفعت إيدها على خشمها عشان تزغرت، بس إيد جماره وصلت لخشمها في الوقت المناسب وكتمت الزغروطة قبل ما تطلع وهمستلها وهي بتتلفت حواليها: "له يا خالة زبيدة، أوعك! أوعك حد يحس بأي حاجة. وقتها غازي يموت حكيم بحق وحقيق ونخسره النوبة دي من صوح. كتمي على الخبر وعلى الفرحة ومتخافيش هنفرحوه بس وهو واقف بينا ومتحاميين فيه وهو يكون آمن من شر غازي."
زبيدة هزتلها دماغها بفهم وموافقة. وجماره بعدت إيدها عن خشمها وفضلت بصالها وهي بترجع تلبس برّدتها تاني. وخدت كيس الصابون دارته في البردة بطريقة متخليش حد يقدر يشوفه. وبصت لجماره واتحدثت بصوت عالي: "معلش يا بتي متأخذونيش إني جيت النهارده أقولكم إني مقدرشي أشتغل عشان ولدي الصغير فوته محموم في البيت وجيت أقع في عرض سي غازي يسلفني قرشينات من أجرتي مقدم عشان أوديه الوحدة وأجيبله الدوا اللي هيكتبه الدكتور."
جماره بنبرة صوت مماثلة: "ولا يهمك يا خالة زبيدة، روحي اقعدي جار ولدك والشغل مش إشكال، إحنا نعملوه بدالك النهارده." اتحركت زبيدة على بره المطبخ. ولقت غالية جاية بأمها وقريبة عليهم. وأول ما وقفت قبالهم، وجهت الكلام لزبيدة: "ألف لابأس على ولدك يا خالة. روحي وداريه ومتشغليش بالك بشغل ومتاجيش لحدت ما يطيب خالص." زبيدة هزت دماغها وابتسمتلها غصب عنيها. ولما بصت لتماضر، ابتسامتها زادت بفرحة. وتماضر بصتلها باستغراب!
وجماره لما لاحظت، زغزغت زبيدة عشان تنتبه لحالها. وزبيدة فعلاً انتبهت ولمت برّدتها زين واتحركت. لكن قبل ما توصل لباب السرايا، وقفها صوت غالية: "استني يا زبيدة." زبيدة لفت وشافت تماضر لسه بتشاور لغالية على أوضتها. وغالية اتحركت راحت الأوضة ورجعت وهي ماسكة قرشينات في إيدها ولفّتهم لزبيدة: "اخدي دول من أمي عشان ولدك."
زبيدة رجعت خدتهم من إيد غالية وميلت على إيد تماضر مسكتها عشان تحبها. وتماضر سحبتها منها وطبطبت على كتفها بحنان. وزبيدة همستلها: "كله من تحت راس قلبك الحنين وروحك الطاهرة." ومشت وهي فاتحة تماضر في حيرة أكبر من كلامها وتصرفاتها هي وجماره النهارده.
طلعت زبيدة. ولما سألوها غفر غازي رايحة ليه، قالتلهم نفس الكلام وإنها جاية تستأذن وتعاوَد. وسألت على غازي عشان تاخد منه قرشينات. الرجال قالولها إنه في المندرة. وواحد فيهم راح قله على طلبها ورجع بعد شوية يقولها الشيخ بيقولك معاهوش فلوس روحي.
وبعدها مشت زبيدة وهي بتهز دماغها على الفروق اللي لا تتعد ولا تحصى بين غازي وحكيم. اللي يوم ما كان عيل من عيالها يعيا، تبص عشيه تلاقيه فوق راسهم باللي يقدره عليه ربنا ويحط تحت مخدته اللي فيه النصيب ويفضل كل يوم يسألها عنه لحد ما يطمن إنه بقى زين ويشوفه زين بنفسه حتّى يقطع السؤال عنه.
وصلت الأول لبتاع القفول. وأدته من الفلوس اللي أدتهالها تماضر وخلته يعمل على المفاتيح وخدتهم. وخدت الصابون معاها لبيتها بعد ما نبهت عليه ميفتحش خشمُه بأنها جاتله. وزيادة تأكيد، أدته فلوس زيادة. وهو خدّهم وضحك وقالها بصوت واطي بعد ما بص حواليه: "طب متنسيش تبقي تطلع زكاة للغلابة اللي زيي من اللي هتقلبيه."
وضحك ضحكة سمجة وهي ضحكت على ضحكته تأكد له الفكرة اللي وصلت له واللي هي أخف وأرحم من أي حاجة تانية. رجعت بيتها واستنت جوزها لما عاود من بره وحكتله الحكاية كلها. وجوزها وقف على حيله يضرب كف بكف: "ياواد الحرام يا غازي! آه يا نسل شاهين الكلب." ورجع قعد ومسك إيدين زبيدة بفرحة: "يعني صوح يا بت؟ شيخنا حكيم عايش؟ زبيدة هزت له دماغها: "عايش وطلعتو في رقبتي أمانة ولازم أوصل للشيخ زايد وأبلغه برسالة هنهارده ضروري."
"عشيه آخدك ونتسحّب تحت ستارة الليل ونروحو عشان محدش يوعانا." وقام وقف وراح جرى على الباب. زبيدة: "رايح فين؟ "هروح أجيب ولدك اللي بيلعب مع العيال ديه بره في الشوارع. وانتي قولتي عيان أحسن حد يوعاله ويكدبك ودماغه تودي وتجيب ويتكشف المدارى كله."
زبيدة هزت له دماغها بموافقة وهو طلع. ومغابش كتير ورجع بالواد ونبه عليه ميطلعش من البيت النهارده واصل. وقعد جار زبيدة يتحدّتوا عن اللي بيعمله غازي ديه، وياترى الشيخ حكيم لما يطلع هيعمل فيه إيه. وكل واحد يقترح اقتراح. وفرحة الاتنين متقلش عن بعض بأن شيخهم طلع حي.
أما في السرايا، فجماره فضلت في اليوم ديه طول النهار في المطبخ تصبّن وتطبخ بنفس مفتوحة وضحكة شاقّة الحلق. وكل هبابة ترفع إيدها تتلمس شفايفها وتغمض عينيها. وغالية كل هبابة تبص عليها وتسألها مالك. ولما جماره مداهاش إجابة نافعة، جابت كرسي وقعدت قبالها وحطت رجل على رجل وحطت إيدها على خدها. جماره بصتلها ورفعت حاجبها: "مالك يا غالية قنبرتي قبالي كده ليه؟ غالية:
"قنبرت من العجب يا جماره. من الفرحة اللي واعية بتلالي في عينك ديه. وعايزة أفهم سببها. عشان شوفي وصلني لسبب واحد وعقلي مش متقبلهوش وعايزة أتأكد. جماره انتي فرحانة عشان هتعاودي على ذمة غازي؟ جماره ردت على كلام غالية بضحكة عالية. وردت عليها وهي واعية طرف جلابية غازي بره المطبخ:
"أيوه يا غالية، فرحانة عشان هرجع لغازي. وفرحتي الكبيرة عشان أمي هتعاودلي. خلاص يا غالية الدنيا كلها بقت ماشية طوع غازي. واللي اتعلمته إن اللي مهيمشيش بطوعه ويمشي على هواه هيخسر كل حاجة في الدنيا. وإني اتكويت لما أمي بعدت عني يا غالية. ومش مستعدة أخسر أي حاجة غير اللي خسرته. كفاياني خسارة عاد." غالية فضلت بصالها ونفسها علي. وقامت عليها مرة واحدة ومسكتها من دراعها وشدتها بعنف: "ونسيتي حكيم بالبساطة ديه؟
نسيتي عمل إيه عشانك وفرط في إيه عشان يخلصك من يد غازي اللي فرحانة إنك هتعاوديله؟ جماره وهي بتسحب دراعها من غالية: "منسيتش، بس مش هوقف حياتي وأقعد الباقي من عمري ذليلة لمعروف صاحبه مات يا غالية." قالتها وقلبها كان بيسمي عليه من الكلمة. "إني صح هقعد فاكرة جميلة وأترحّم عليه، بس الدنيا ماشية ولازم نمشوا معاها. وأديكي انتي أهه. متجوزة غازي وعايشة وبكرة تخلفي منه والأيام تنسيكي حكيم." غالية:
"صح حقه غازي فيكي لما كان بيقول بت بياعة جبنة واطية." جماره: "الواطية ديه بكرة غازي يخليها أعلى منك ومن الكل وتاج راسك وراس الحريم كلها." غالية رفعت إيدها عشان تضربها بالكف وهي بتقولها: "تبقي تاج راس مين يا جربانة انتي! وقبل ما تنزل بيدها على وش جماره، كانت إيد غازي ماسكة إيدها. وكان واقف قبالها وهمسلها من بين سنانه:
"أوعك تفكري يوم ترفعي إيدك ولا تتطاولى على جمارة الشيخ غازي يا غالية. ويكون في معلومك كل اللي قالتهولك ديه هيجرالها وهتطوله. وجماره هخليها تاج على راس الكل. سواء رضيتي ولا مرضيتيش." غالية سحبت إيدها منه وردت عليه بتهكم: "واني أرضى ولا ما أرضاش ليه؟ ربنا يهنيكم حلة ولقيت غطاها. اتنين قلّة أصل واتلموا على بعض. صح الطير مبيوقعش غير عاللي شكله. يا حيف اللي اتعمل فيكم ورديتوه أذية ونكران. يا حيف! وسابتهم ومشيت.
وغازي لف لجماره وهو مبتسم: "عجبتيني يا جماره والله. توني اتأكدت إن عقلك رد في راسك وعرفتي مصلحتك زين. وخذي مني كلمة رجالة إن كل اللي وعدتك بيه وزيادة هيجرالك." قالها ومد إيده على خدها، لكن جماره رجعت لورا واتحدثت بدلال: "له يا غازي لم يدك. لسه العدة باقي فيها بكرة خليها تكمل وبعدها هكون ملك يدك ويحقلك تعمل ما بدالك. الصبر حلو." غازي لم يده واخد نفس:
"حاضر يا جماره. هصبر اليوم ديه ومن بعده تعوضيلي كل كل الصبر ديه فاهمة." جماره بضحكة دلع: "فاهمة يا شيخ." غازي: "له عاد يا واش يا واش على الشيخ أكده مش هتصبريه؟ ده انتي هتلعني سلسفين الشيخ."
قالها ولم عبايته وطلع. وفثواني ضحكة جماره اتحولت لجز على السنان وعيونها لمعت بنار الكره. ويدها راحت على السكينة اللي قصادها ومسكتها وغزتها في الطربيزة بغل. وفضلت تضرب بيها الطربيزة ضربة ورا ضربة وهي بتتخيل إن كل ضربة بتدبها في قلب غازي وشايفاه بيفرفط قبال عينيها على اللي عمله في حكيمها.
انتبهت لحالها وسابت السكينة وطلعت لأوضتها تعد الدقايق والساعات لحد ما جه الليل. وقسم وردت الشباك وهي شايفة غازي رايح على المشتمل وواخد فيده علبة بلاستيك. وغاب النص ساعة اللي بيغيبها كل مرة وبعدها طلع وقفل المشتمل وراه. وقالت في نفسها إن أكيد اللي في العلبة ديه وكل وداه لحكيم. وهمست لنفسها بتهكم: "فيه الخير قلبك الحنين والله." *** بشندي: "هاه يا خيري، برضه ملقتهاش؟ خيري:
"والله يا خوي فص ملح وداب وملهاش أي أثر في البلد. يكونش قتلها وتوه واد المحروق ديه. أصله واطي ويعملها." بشندي: "ده توبقى وقعته مربربة ووقعتي إني كمان مربربة أكتر منه. وحط راسه بين إيديه بتفكير. ياترى عيشة ممكن يكون غازي عمل فيها إيه ووداها وين؟ ***
جماره عدت الليل على أعصابها. وميت مرة تفكر إنها تنزل تاخد المفاتيح نوبة تانية وتروح لحبيب قلبها تونسه هبابة وتشبع بطلته. لكنها تتراجع في آخر لحظة وتخاف أحسن غازي يكشفها وكل اللي عملته يضيع في شربة ميه. وبدال ما تساعده تأذيه أكتر. وفضلت رايحة جاية في الأوضة بقلق وانتظار لبكرة اللي طال انتظاره. وحكيم ميقلش قلق عنيها. وواقف على حيله يدعي ربنا بدعوة سيدنا يونس (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)
. وعنده يقين إن ربنا هيخلصه من ظلمات غازي كيف ما خلص سيدنا يونس من ظلمات بطن الحوت. *********** وأخيراً طلع النهار بعد ما القلق خد من عفية جماره وحكيم كل الحيل. وهي على وقفتها في الشباك شافت غازي طلع وعند البوابة قابل زبيدة داخلة. وبصلها بطرف عينه وطلع من غير كلمة. وهي بلعت ريقها وكملت طريقها.
في الوقت ديه كانت جماره نزلت من أوضتها تسابق الريح. وحكيم بينقل برجله بتعب وعينه عليها مستنظراً يشوف أي إشارة فرج. لحد ما راحت على السرايا ودخلت. وأول ما رجلها خطت، جماره كانت واقفة قبالها وماسكاها من دراعاتها. وسألتها بلهفة: "بشرى يا خالة؟
زبيدة ابتسمت واتلفتت شمال ويمين. ومدت إيدها في صدرها طلعت مفاتيح مربوطين بشريط. وأول ما عين جماره شافتهم، إيدها خطفتهم طوالي وضمتهم على قلبها بفرحة. وبلعت ريقها وهي مستنية باقي الفرحة عشان تقدر تفرحها زين. زبيدة: "الشيخ زايد أول ما قولته وقفت على حيله كأنه قرصته عقربة. وفضل يضرب كف بكف بغضب. وبصلنا أنا وجوزي وضرب على صدره وقال: بلغى الشيخ إن بكرة الضهرية خلاصه على يد الشيخ زايد."
جماره سمعت الكلمة وفضلت تتنطط في مطرحها بفرحة. وشافها حكيم ورفع شعره من على وشه وضحك بارتياح ورجع قعد على السرير تاني وهو متأكد إن فرج ربنا خلاص بقى قاب قوسين أو أدنى. جماره فضلت قاعدة في الصالة وانضمت لها تماضر وغالية. اللي كانت طول الوكت بتبصلها بغضب وعايزة تهجم عليها تقطع لحمها. وهي شايفة الضحكة على وشها من الودن للودن. ولا كأنها لسه في عدّة ونست خالص إنها في حداد على جوزها الميت.
عدت الساعات وغازي رجع بعد الضهر وقعد على السفرة اللي كانت زبيدة حضرتها في معاد رجوعه وغداه اللي بقت حافظاه. وهو قعد من غير كلام ولسه بيشمّر كمام جلابيته وقال: "يا هادي! وحط أول لقمة في خشمه وقلبه كان هيقف. لما سمع ضرب نار وزيطة بره السرايا. واللقمة وقفت في زوره. وقام بخوف يتلفت حواليه معرفش بيدور على إيه. وهو بيزعق بصوت عالي وخوف: "بشندي ديه بشندي؟ جاني الواكل ناسه جاني!
ودخل أوضته بسرعة وطلع شايل طبنجته وراح على الجنينة. ولحقته جماره ووراها غالية بأمها وزبيدة واقفة في المطبخ ترجف وتدعي ربنا. وهو وقف في الجنينة ووجه الطبنجة على بوابة السرايا ومستعد لأي حاجة. وقلبه وقع في رجليه لما شاف البوابة اتفتحت. وكل راجل من رجّالته داخل مثبتينه راجلين. واحد حاطط طبنجته في راسه والتاني موجه طبنجته على غازي.
شوية والجنينة اتملت بجيش جرار من رجالة حكيم القدام ورجالة البلد ورجالة غريبة. ورجالته مأسورين وسطهم كيف سبايا الحرب. وهو بيتعود لورا بخوف وبيتلتفت كيف المجذوب ومستني بشندي يطلع من وسطهم وطلقته تخترق جسمه وتنهي حياته. لكن اللي فرق الرجال واتقدم كان الشيخ زايد. وهو لافف على قرّته العمة بطريقة معروفة حداهم إنه طالع في فزعة وحد ناديه. ووقف قبال غازي وهو ماسك سلاحه بس منزله للأرض. غازي بخوف:
"إيه اللي بيحصل ديه يا شيخ زايد؟ كيف تدوس بيتي وتستباح حرمته انت ورجالتك أكده؟ مين اداك الحق ديه؟ اللي عملته ديه فيه حق عرب وتضيع فيه رقاب. ولا مخابرش الحديث ديه انت." الشيخ زايد: "الحديث ديه لما يكون بيتك وانت صاحبه. وقتها يحقلك تحقن. لكن صاحب البيت ديه حي يرزق. وإني جاي النهارده عشان أطلعه. فين الشيخ حكيم يا غازي؟ طلعه من مطرح ما تاويه دلوقت." غازي بلع ريقه ورد عليه وهو بيمثل الثبات: "شيخ حكيم إيه واطلعه كيف؟
أدّبيت انت يا شيخ زايد. الشيخ حكيم مات وشبع موت! الشيخ زايد صرخ بصوته كله زلزل المكان كأنه نذير حرب. ورفع سلاحه اللي كان منكسه للأرض ولآخر لحظة مش راضي يتعدى ويشيل حق عرب: "متخليش حسابك يكون معاي يا غازي. والزم لسانك وخلي حسابك مع الشيخ حكيم وبس. عشان لو هو هتاخده بيك شفقة ولا رحمة، إني له. ودلوقت كلمة ورد غطاها، طلع الشيخ حكيم." غازي نزل سلاحه اللي كان رافعه في وش الشيخ زايد. واتحدث بنبرة واثقة:
"إني مدبسش حد عشان أطلعه. وفرد دراعاته. والسرايا أهي قدامكم فتشوها شبر شبر. لو لقيتوا حاجة ولا حد اعملوا فيا ما بدالكم. لكن لو ملقتوش، إني عاد اللي هعمل فيكم ما بدالي. ومبقاش إني غازي واد شهين لو ماشلت عمت المشيخة من فوق راسك ودوسها برجلي على عملتك ديه." قالها وبص للشيخ زايد بتحدي. وللحظة الشيخ زايد حس إن غازي صادق. لكن جماره محت الإحساس ديه. وهو بيتقدم من الشيخ زايد بسرعة واتحدث بلهفة:
"له الشيخ حكيم أهنه وإني عارفة مطرحه." الشيخ زايد بصالها باستغراب. وهي بصت لغازي: "امسكوه الأول عشان ميتحركش ويهرب." وفوراً الشيخ زايد كان مشاور لرجّالين اتقدموا ومسكوا غازي وجردوه من سلاحه. وجماره اتحركت بسرعة على المشتمل وابتدت تفتح القفل. وغازي شافها ورجليه بادت وكان هيوقع وهو شايفها. وهمس لنفسه وقلبه كان هيوقف: "يابت الكلب!
الدقائق مرت. دخلت فيها جماره والشيخ زايد ورجّالين المشتمل وفتحوا الأوضة وزاحوا الغطا. وجماره نزلت أول وحدة على شيخ قلبها وابتدت تفك القفول بفرحة وإيد بترجف. والشيخ زايد نزل نص السلم. وأول ما شاف حكيم زعق بصوته كله: "يا حيف علينا يا حيف. والأسد مأسور على يد كلب واحنا خالت علينا وقعدنا في بيوتنا نايمين ورجلينا في الشمس. يا حيف الشناب اللي مزروعة في وشنا والله."
حكيم في الوقت ديه كانت جماره حررته من قيوده. والشيخ زايد نزل لآخر السلم والتنين خدوا بعض بالبط. وحكيم همسله جار ودنه: "متلومش حالك يا شيخ عشان عملت غازي متعملهاش إلا بالأسى ولا يتوقعه عقل بني آدمين." وبعدوا عن بعض. والشيخ زايد طلع بعد ما بص بصة أخيرة للمطرح وضرب الحيطة بإيده واخد نفس ونفخه بنار قايدة من الغيظ كيف التنين.
حكيم بسرعة بص لجماره وضمها عليه ضمة مسروقة. ومسك إيدها وطلع معاها. وبفضلها سلمه سلمه للحياة تاني. أول ما طلع ووصل لباب المشتمل وواجه نور الشمس، غمض عينيه وحمى وشه بإيده. ووحدة وحدة حتى قدر يفتح عينيه. وكل اللي شافه من الرجال هلل ورفع سلاحه ضرب طلقة في الهوا. وغازي أول ما شافه غمض عينيه واتأكد إنه ماهي إلا دقائق معدودات وينتهي أجله. حكيم طلع من المشتمل كام خطوة وصرخة طلعت شقت صياح الكل ووصلت لقلبه قبل
ودنه وخلته يلف على مصدرها: "ولدييييييييييييييييي! جرى بكل سرعته اللي هي هرولة واترمى تحت رجلها يحب فيها ويحب إيدها. وهي تصرخ وتخلص إيديها منه عشان تضمه بيهم لقلبها. وصوتها مستمر في الصراخ: "حكييييييم! ولدي! ولدي يا رب عاودلي! والله العظيم كان قلبي حاسس وبيشاورلي على مطرحك وبيقولي ولدك أهنه. حكيم أهنه! كنت هقولهم بس محدش كان فاهمني. نزلني أسجدله. نزلني خليني أحني جبيني بالتراب شكر وحمد. نزلوني ولدي عاودلي يا ناس!
أما غالية فواقفة وكل اللي بيجري ديه كتير على عقلها إنه يصدقه. اتقدمت على أخوها اللي وقف لها وفرد لها إيديه الاتنين. وهي اترمت وسطهم كأنهم طوق نجاة لغريق في نص البحر. وبكت بعلو صوتها وهي ماسكة خلجاته: "حكيم يا خوي! حكيم يا حبيبي! انت حي يا نظر عيني حي! يا رحمتك بينا يا رب! يا رحمتك اللي وسعت كل شيء! حكيم مسد على ضهرها يهديها وهمسلها بحب وعينه على اللي واقفة جاره وعينيها الزرقا فايه بالدموع:
"خلاص يا غالية قلب أخوكي. إني عاودت ومعاوز أشوف دموع في عين وحدة فيكم بعد النهارده. ورب العرش اللي كان السبب في الدموع ديه لأبكيه بدالها دم." وبعد عن عينيها وراح وقف قبال الرجال ووجه كلامه للشيخ زايد: "كفو والله يا شيخ كفو. تسلم وتسلموا الرجال." الشيخ زايد: "أفِق عليك يا شيخ حكيم. مبارك علينا رجوعك يا حامل كتاب الله يا تقي. ومن يتقي الله يجعل له مخرجاً." حكيم: "صدق الله العظيم." زايد:
"إيه عملك في الكلاب دول وحكمك عليهم يا شيخ؟ حكيم: "سلمهم للمركز يا شيخ وإني متأكد إن كل واحد منهم عليه أحكام كد شعر راسه. واللي معليهوش انت مفوض بالحكم عليه. بس هملي منهم ديه." وبص لعوض وشاور على العروسة اللي كان مربوط فيها بشندي: "اربطوهولي أهنه يا رجال." والرجال جروه وهو فضل يصرخ: "إني مليش ذنب. إني عبد المأمور. إني كنت بنفذ أوامر غازي. هو كان يقولي هنطلعوا طميرة. مقاليش إنه بيحفر عشان يحبسك. مقاليش مكونتش أعرف."
كان يصرخ ويتكلم لكن محدش كان عامل لحديته باع. ولا كأن حد سامعه. زايد: "اعتبره تم. وكان بالنسبة للرجال." "وغازي؟!! حكيم بص لغازي وهمس من بين سنانه: "له غازي ديه هملهولى ديه إني وهو والزمن طويل والدين كتير قوي." الشيخ زايد: "حقك يا شيخ. وأوعى تاخدك بيه رحمة ولا شفقة. ولك في القصاص حياة يا أولي الألباب." حكيم: "له متقلقش من الحتة ديه."
قالها وبص لغازي اللي وشه بقى مطعون بسواد الخوف وشكله كيف واحد بيعانق وشايف ملك الموت قباله جاي يقبض روحه. الشيخ زايد هز له دماغه وأدى أمر لرجاله بإيده عشان ينسحبوا. وفعلاً انسحبوا. مبقاش فاضل غير اللي ماسكين غازي ورجلين من رجالة حكيم القدام. وعوض اللي مربوط على العروسة. حكيم قرب من غازي وبص في عينيه جامد وشاف رجفته. وهمسله وهو بيعجز على سنانه: "تعرف المثل اللي بيقولك من حفر حفرة لأخيه وقع فيها يا غازي؟
اهو المثل ديه متفصل مخصوص عشانك." واتعدل وبص للرجال: "هاتوه وراي عالمشتمل." وغازي سمع كلمة المشتمل وبقا يصرخ بعلو صوته: "له يا حكيم! المشتمل له! اقتلني! حط طلقة في راسي بس القبو له! بصله حكيم عليه والرجال موقفينه. ونزل بعينيه على الميه اللي ابتدت ترشح على جلابيته. وضحك بعلو صوته وهمسله: "شوف الفرق بيني وبينك حتى في الخوف. شوف انت الخوف عمل فيك إيه من عذاب لسه مدقتهوش. امال لما تدوقه هتعمل إيه؟
هتقول المشتمل له وعاوزني أموتك وأريحك. وانت اللي قلتلي الموت راحة ليك مهتطولهاش. طب أطولها لك ليه إني دلوقتي؟ مش الدنيا ديه دقة بدقة يا ولد عمي برضه." وبمناسبة الدقة. وقف قبل ما ينزل خد اللي ليك حداي. وراح على مطرح الكرباج اللي حافظه زين واتلافاه. وراح وقف قبال غازي. وبص للرجال: "خلعوه خلجاته واربطوا إيديه ورجليه."
والرجال نفذوا فوراً. وغازي بقى قبال حكيم عاري الصدر متربط وعيرجف من الخوف. وصرخ بعلو صوته مع أول ضربة كرباج تنزل على جسمه من حكيم اللي اتحول لأسد غاضب وهو بيضربه ضربة بعد ضربة وهو بيزعق فيه: "بتصرخ من ضربة الكرباج وانت راجل ممتحملهوش. امال الحريم اتحملته كيف؟ وجمرة. اتحملته كيف؟ وبشندي. اتحمله أيام كيف. فاكر بشندي واللي عملته فيه. فاكر. فاكر. فاكر. فاكر." وكل كلمة بضربه. غازي:
"ارحمني يا حكيم. ارحمني كرامة لوصية أبوك. ارحمني كرامة لأبوك وأبويا يا حكيم." حكيم: "وانت لما مرحمتنيش معملتش كرامة لأبوك وأبويا ليه؟ فاكر جمرة وهي بتفرفط من لسعة الكرباج أكده." وضربته. "وفاكر جماره وعيشة لما كانوا بيتولولوا ويصرخوا تحتك أكده." وضربه. وفضل يضرب ويضرب لما غازي انتهى وخلاص بطل مقاومة وصوته راح. مفيش غير عينيه بترمش مع كل ضربة.
حكيم لم الكرباج وقعد على حيله قبال غازي ينهج ويمسح في عرقه. وبص ناحية السرايا على التلاتة اللي حاضنين بعض وعيبكوا. وزبيدة واقفة وراهم تمسح في عينيها بشالها. بس رغم البكا وشهم مبتسم براحة واطمئنان. وهو ابتسم لهم يزيد اطمئنانهم ويمحيلهم الخوف اللي في عينيهم إن كل اللي شايفينه ديه ممكن يكون حلم.
رجع بص لغازي وقام على حيله وراح على جمرة اللي صهلت بفرحة كأنها مش مصدقة هي كمان إنه حي. وقربت دماغها منه كأنها هتقوله احضني. وهو خدها في حضنه فوراً وحبها. وميل وهمس في ودنها: "بينا نخلصوا اللي باقي من تارنا يا جمرة القلب."
قالها وبعد عن عينيها وطبطب عليها. وجاب سرجها حطه عليها. واتلافى الحبل المعلق على الحيطة جارها وربطه في السرج من الناحيتين. وفك جمرة وراح بيها حدا غازي. ووطى وربط رجليه في الحبال. ووقف وبصله بصة أخيرة وهمسله قبل ما يدي الأمر لجمرة بالانطلاق: "فاكر جرة أمي من دراعها وسحلها في الأرض يا غازي؟ هدوقهالك دلوقتي بس حاجة تليق براجل عاد."
وضرب جمرة ضربة خفيفة. وجمرة جريت بكل سرعتها كيف ما تكون خابرة زين هتعمل إيه. وجرجرت غازي وفاتت فيه في الشجر وفي كل حاجة تقابلها. وقدرت تخلي حسه يعاود للصراخ من تاني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!