الفصل 39 | من 39 فصل

رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
22
كلمة
7,378
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

حكيم انتفض من الخوف وعينه راحت على باب جمارة وبلع ريقه بتوتر وهو يهمس لنفسه: استغفر الله العظيم وديه وكته برضك يا جمرة! حكمتك يارب. راح على الأوضة وخبط عليها وطلب الدكتورة تطلعله. بمجرد ما الباب اتفتح بص لجمارة اللي كانت واخده وضع الولادة على السرير المخصوص للولادة الطبيعية وأمها جنبها ماسكه إيدها والتعب باين عليها. بصتله باستنجاد وهمست باسمه من غير صوت، بس هو شاف حروفه على شفايفها ونار قلبه زادت عليها بزيادة.

غصب عنه بعد عينيه عنها وسأل الدكتورة: قدامها قد إيه وتولد يا دكتورة؟ الدكتورة: خلاص تقريباً نص ساعة وتكون والدة وقايمة بالسلامة بإذن الله. الرحم فتح والطفل معدول وكل حاجة طبيعي. حكيم هز دماغه وابتسم وهو يبص لجمارة مرة أخيرة يطمنها، وهي في عز تعبها ردتله الابتسامة. بعدها الدكتورة دخلت وقفلت الباب.

حكيم بسرعة الريح كان مغادر الوحدة وراكب الكارته اللي جاله بيها الغفير بعد ما بشندي روح بيها طوالى بعد ما وصلهم بطلب من حكيم عشان يفضل جنب جمارة. طلع بيها حكيم بكل سرعة وهو يهمس لنفسه: سامحيني يا جمرتي، مش بإيدي. وبص للسما وابتدا يدعي:

يارب عدلها من عندك وسهلها عليهم هما الاتنين يارب. يارب حطني في أي اختبار في الدنيا تمتحن بيه صبري وإيماني، بس بعيد عن جمرتي وجارتي. عبدك الضعيف قليل الحيلة عشمان في كرمك يا أكرم الأكرمين. دقايق معدودة بأقصى سرعة بالكارته وكان حكيم قدام بوابة السرايا وفط من الكارته حتى من قبل ما توقف. زين ورمح دخلوا السرايا وشافوا بشندي والسايس بيحاولوا ينيموا جمارة وهي رافضة وواقفة. بمجرد ما شافته صهلت عليه باستنجاد.

حكيم قرب منها قوام وحضن رقبتها وبص لبشندي والسايس وسألهم بقلق: هي واقفة على حيلها ليه؟ ليه ما نايمهاش؟ السايس: بكرية وخوافة قوى يا شيخ، كل ما تنام ويجيلها الطلق تقوم تقف من الخوف. وديه سبب خلفة العيل وانه جاي بدماغه مش برجله. حكيم حب جمارة وابتدا يهمسلها وهو بيمسد عليها بحنان وخوف ويميل رقبتها للأرض ويقعد معاها بالراحة عشان تنام:

يلا يا جمرت حكيم، شدي حيلك هبابه. عارفك عفيه وكدها وكدود. يلا عشان تقوميلي بالسلامة وتجيبيلي مهره حلوة شبهك أكده. يلا يا حبيبتي متخافيش، دانتي قمتي من حضن الموت وعارفك أقوى فرسة في الدنيا. يلا يا بتي يلا.

ومع كل همسة كانت جمارة تستجيب وتطمن لصوت حكيم أكتر وتنزل معاه للأرض لحد ما نامت. وبمجرد ما عملت كده بشندي بسرعة مسك رجليها القدامية والخلفية وضمهم قيدها. وهي بصت عليه بخوف، لكن حكيم بسرعة خد دماغها على حجره وطبطب عليها يهدّي خوفها وبص للسايس وقاله بحزم: ادفع الراس لجوه تاني والقُط الرجلين بسرعة. السايس هز دماغه بالموافقة وبسرعة ابتدا ينفذ. وبمجرد ما عملها جمارة رفعت راسها وجضت بألم خلت حكيم يزعق بعلو صوته للسايس:

ما بالراحة يا خي. السايس: هدّي حالك يا شيخ، ماهي لازم تتألم. دا ولادة، ومش أي ولادة، دا بكرية وخلفت العيل وحدها عذاب ليها. ادعيلها ربنا يسلم وتقوم بالسلامة عشان الفرس شكله اتخنق. حكيم رد عليه بتوتر زاد مع كلامه: ربنا معاها ومعاي، قادر يجبر بخاطرنا. بس انت هم برضه وبالراحة عليها هبابه. السايس بفرحة: أهم الرجلين أهم، مسكت واحدة. وادي التانية. اااه.

وابتدا يشد لحد ما طلع الرجلين بعدهم الراس بالأكتاف، وبعدها جمارة حزقت مرة واحدة وطلع منها العيل. وبشندي والسايس هللوا بفرحة لما الفرس الصغير نزل حي. وبشندي بص للسايس وبضحكة قاله: مش قولتلك مهتولدش غير لما تشوف حكيم الفاجر عشاقة حكيم. أصل إني عارفها يا بوي، روحها مربوطة بيه القزينة دي. حكيم ضحك بفرحة وبالذات لما جمارة حطت راسها على حجره بتعب. وميل عليها وحبها وهمسلها:

مبروك يا روح الشيخ ورفيقة دربه. والله وبقيتي أم يا جمرة. وبسرعة شال دماغها سندها على الأرض وجرى لبره بعد ما وصى بشندي على جمارة وولدتها. وركب الكارته وطار على نص قلبه ونص عقله التانيين. وبشندي هز راسه هو ووعيه متشندل وهمس لروحه: يعينك يا ولدي عاللي انت فيه ده. وانتبه وبص للسرايا على صوت بكا ولده سخاوي واطمأن على جمارة قوام وراحله يشيله ويسكته.

حكيم وصل الوحدة ومن على بابها صوت صراخ جمارة خلى رجليه بادوا، وبالعافية قدر يمشي المسافة لحد أوضتها. ووقف قدام الأوضة يرجف وهو سامع صرخات متتالية من جمارة. ومسك مقبض الباب وكان هيفتحه ويخش لها، لكنه وقف مطرحه لما صراخها اتبدل بصرخة تانية صغيرة شقت قلب حكيم شق من الفرحة. غمض عينيه وابتسم لأحلى نغمة ممكن حد يسمعها في الدنيا، صوت حتة منه بتعلن عن وجودها في الحياة وبتنبه الجميع إنها وصلت للدنيا.

دقايق معدودة فضل فيها حكيم يحمد ربه ويشكر فضله. وبعدها طلعتله عيشة شايلة العيل ومدتهاله وهي بتقول بفرحة: مبارك عليك الشيخ الصغير يا شيخ حكيم. حكيم قبل ما يبص للعيل، رفع نفسه وبص لجمارة من فوق دماغ عيشة. وهي أول ما شافته ابتسمتله بتعب. ووقتها بس قلبه ارتاح. وشال عينه من عليها ونزلها على حتة اللحمة الحمرا اللي ملفوفة بالقماش وقلبه رفرف عليه. وشاله وكبر في ودنه وسمى.

ورفع حواجبه بدهشة واستغراب وهو شايف ولده عمال يودي خشمه شمال ويمين وهو فاتحه كيف الزرزور الصغير الجعان. حكيم بص لعيشة وضحك وهو بيقولها: ده نازل جعان يا خالة، كانه طالع على عمته غالية مفجوع. عيشة: حقه يا ولدي، شوف أمه بقالها كام ساعة ما أكلتش. هروح أساعدها تقوم وأجيبها أنا والتومارجيه على الأوضة التانية ترتاح لها هبابه وترضعه السرسوب اللي يشبعها ويشد حيله. حكيم وهو بيمدلها الولد: هتساعدها كيف؟ هتخلوها تمشي يعني؟

له يا بوي، خدي الواد أنا هدخل أشيل مرتي وأجيبها على الأوضة. تقدر تمشي كيف وحيلها باد من وجع الولادة. اداها الواد ودخل على جمارة الأوضة وشالها بعد ما لفلفها بالملاية اللي كان جايبها بيها كويس. وطلع وداها على الأوضة التانية وسط استغراب الدكتورة والتمارجيه اللي معاها. عشان ده أول مرة يشوفوا راجل بيعامل مرته بالحنية والحب ده كله. ومش أي راجل، ده الشيخ حكيم بذات نفسه. حكيم وصل بيها للسرير ونزلها بشويش وهمس في ودنها:

كبرتي وبقيتي أم يا نن عين حكيم، وخللتيني أب يا جمارة القلب. بساحل أم في الدنيا كلها والله. جمارة همستله بتعب: شفت ولدنا يا حكيم؟ طالع شبه مين فينا؟ حكيم: والله ما كنت فيه زين من قلقي عليكِ وخوف قلبي. وبعدين يا ستي يطلع كيف ما يطلع. أهم حاجة تمام الخلقة. وأثناء ما هما بيتحدتوا، تدخلت عيشة في الحديث وهي بتقرب منهم: خدي يا بنتي وشوفيه وملي عينك منه. افرحي يا بنيتي بعوضك بعد تعبك وقري عينك.

جمارة مدت إيدها لولدها، لكن حكيم سبقها وهو اللي شاله من عيشة وقربه على جمارة. وهي ضحكت بفرحة وهي شايفاه بيعمل مص من الجوع. وحطت صباعها جنب خشمه وهو ابتدا يحاول يوصل لصباعها عشان يرضع. وهي زادت في الضحك وحكيم كمان ضحك عليها معاها. جمارة: بص يا حكيم، عامل كيف الزرزور الصغير كيف! حكيم: والله لسه قايلها. عيشة: يتربى في عزك يا شيخ وفحنانك يا بنتي. حكيم: تعيشي يا أم سخاوي.

عيشة وهي فرحانة وضحكهم، وجمارة واخدة الواد في حضنها وحكيم واخد الاتنين في حضنه. دعتلهم من كل قلبها: ربنا يديم الفرح عليكم والود مابينكم يارب يا عيالي. الحمد لله القلوب الصافية عرفت طريق بعضها وربكم جمع ووفق. وبعدها علت صوتها وهي بتسأل: هتسميه إيه يا شيخ؟ حكيم ابتسم وهو باصص لابنه: تميم. هسميه تميم. جمارة ضيقت حواجبها باستغراب وسألته: تميم!! إيه الاسم الغريب ده يا حكيم؟ وبعدين معناه إيه؟ حكيم: غريب كيف يا بوي؟

تميم معناه الرجل الكامل الخَلْق والخُلُق، الشديد. وبنو تميم من أكبر قبائل العرب. جمارة هزت دماغها بتفهم وبصت لولدها ومسكت إيده وميلت عليها، حبتها بحنان وهي بتهمسله: نورت الدنيا ونورت قلوبنا يا سي تميم. عيشة: زين ما اخترت وسميت يا بو تميم. حكيم هز لها دماغه وابتسم لها ورجع بص لولده ومرته. واتقطعت لحظة السكينة اللي الاتنين فيها بسماع صوت بشندي بيعلعل في الوحدة: هي فين بت المحروق ده؟ مهملة الواد اللي بيرضع وجاية بطولها.

عيشة جريت عشان تفتح باب الأوضة وأول ما فتحت لقيته في وشها وعلى وشه غضب الدنيا. ومدلها الواد وهو جازز على سنانه: الواد اتفلق من البكاء، شاله تتفلقي نصين يا بعيدة. فايتالك عيل صغير ورايا ما ياكلش وما يعرفش غير يرضع، للناس تعمل فيه إيه وتسكته كيف؟ عيشة: وأنا كنت فايه ولا فايه يا بشندي؟ كنت هوعاله ولا أوعى لبنتي! بشندي:

ولدي أولى من بنتك، سخاوي ده سخااااوى واد بشندي، يعني تهملي الدنيا وتقفيله زنهار سامعة. غورى يلا رضعيه في الأوضة التانية دوكها. عيشة طلعت بالواد من جاره وهو بص لحكيم وجمارة: حمد لله على سلامتكم انتوا الاتنين. وبالذات حكيم اللي كان بيعطلوق أكتر منكِ. قوليلي جبتي إيه يا بت عيشة؟ جمارة: واد يا عم بشندي. بشندي ابتسم بفرحة: جدعة يا بوي، طالعة لأمك. يتربى في عزك يا شيخ البلد. نقيتوا له اسم ولا اسميهولكم أنا؟

الاثنين في نفس واحد: له نقيناله. بشندي: ومالكم فطيتوا من مطرحكم أكده؟ ده أنا كنت هسميهولكم اسم محدش مسميه واصل، كيف سخاوي أكده. بس يلا انتوا حرين. أقول لك صح، جمارة قامت على حيلها وولدتها قامت ورضعت وبقوا كيف الورد هما الاتنين. حكيم غمز لبشندي عشان ما يكملش، لأنه ما صدق إنه لحق رجع لجمرة في الوقت المناسب وكان ناوي يدس عنها إنه راح لجمرة وهملها، لكن بشندي كمل وهو بيقلد حكيم وهو بيغمز: عتغمزلي ليه؟ ليه بتغمزلي أكده؟

وحكيم عض على شفته وبرضه بشندي عض على شفته زيه وكمل: عتغمزلي بعينك وخشمك ليه هاه؟ واستمر يقلده. حكيم ضرب مقدمة دماغه بأسى وبشندي كمان عمل زيه واتحدت بإدراك أخيراً: إيوه إيوه، انت عاوزني ما أقول قدام جمارة إنك هملتها تولد ورحت ولدت جمرة وعاودتلها تاني. آهو أنا دلوقتي فهمت. طب مش تقول يا خي! حكيم بص لبشندي بغيظ: يا ريتك ما فهمت يا شيخ. روح يا بشندي روح شوف مراتك وولدك فين روح. بشندي وهو ماشي:

أنا واد مركوب أصلاً، أنا واقف وعاخد وادي معاكم يا شوية هلس ما بيتمشيش فيكم. أروح لولدي يا بوي. حكيم رفع عينيه على جمارة اللي كانت بصاله ومبتسمة وهمسلها: يلا بسرعة قولي اللي في نفسك بس ما تتعصبيش عشان مش زين عليكي وانتي نفسه. قالها وغمض عينيه وعقد وشه استعداد لوابل من الشتائم وموجه من الغضب، لكنه اتفاجأ بنبرة جمارة الهادية وهي بتقول له: حمد لله على سلامتها. جابت مهر ولا مهره؟

حكيم فرد ملامحه وفتح عين واحدة وبص لجمارة يتأكد إن كانت ملامح وشها هادية زي كلامها ولا الكلام الهادي ده ما هو إلا سخرية. لكنه اتفاجأ بنفس الابتسامة على وشها وفتح عينيه الاتنين وبرق بذهول وهو يسألها: يعني مزعلاناشي عشان هملتك وروحت لها؟ جمارة هزت دماغها بنفي: له مزعلاناشي يا حكيم، عشان خابرة إن جمارة ماليهاش غيرك وإنك ما كنتش سامحت حالك أصلاً لو كنت هملتها وقعدت جاري وهي جرتلها حاجة. حكيم حب على راسها

واخد نفس وزفره براحة: ما تتصوريش إني كنت بعاطل هم إني أقولك كيف. لدرجة إني فكرت ما أقولكيش عشان ما تزعليش. جمارة: اهو إني لو كنت دسيت عني كنت وقتها زعلت منك صح يا حكيم. إني خابرة إنك النوبة دي كنت هتدس عني عشان ما أزعلش وأخذ في نفسي. لكن إني بقولهالك أهه. مفيش حاجة تحصل مع حد فينا ويدسها عن الثاني حتى لو كانت هتزعله. الزعل بيروح لكن كسرة النفس بتتخزن. حكيم مسك إيدها حبها وهمسلها:

آخر نوبة هدس حاجة عنيكي حتى لو كان فيها زعل. هقولها وأزعلك وهعرف ما أراضيكي بعدها. وغمزلها وضحك. جمارة ابتسمت وميلت دماغها على صدره وهمستله: هاه مقولتليش برضه جابت مهر ولا مهره؟ حكيم: والله ما أعرف ولا استنيت أعرف، إني بمجرد ما نزلته هملتها وجيتلك جري وما كانش في دماغي أي حاجة غير إنها قامت بالسلامة وإني أطمن عليكِ انتي كمان وتقوميلي زيها بالسلامة. عيشة كانت واقفة على الباب بقالها شوية، مراضياهاش تقطع حديثهم،

لكنها في الآخر اتنحنحت: احممم. يلا يا جمارة عشان ترضعي تميم. اديكي استرحتي هبابة يا بنيتي. جمارة اتعدلت وعيشة قربت منها وحكيم استأذن حياءً من عيشة لما جمارة ابتدت تفتح زراير جلابيتها. وطلع قعد جنب بشندي بره. جمارة ابتدت ترضع ولدها واخدت نفس وزفرته بضيق وبصت لولدها وهمستله: واعى أبوك هملني أنا وانت بين الحياة والموت وراح لفرسته كيف! عيشة:

وااااه، يشندلك شنديل. ما كنتي كنتي بتقوليله مزعلانش وكنتي ناعمة في الحديث كيف قالب زبدة عيد. قدامه يابنت عيشة. إيه قلب حديثك دلوقتي! جمارة:

قلتها من ورا قلبي يا أمي. قلتها بلساني بس برضه صعب عليا منه وصعبت عليا نفسي. بس اديكي وعيته كان هيدس عني عشان ما يشوفشي زعلي ولا يسمع مني كلام يأنبه. الوحدة يا أمي لازم تدس غيرتها وزعلها من جوزها على حاجة بيعملها عشان لو عمل كده هياخدها على قد عقله ويعملها من وراها. على قد غيرة الوحدة من حب جوزها لغيرها زي أهله زي حاجة تخصه زي شغله. وخابرة زين إنها حاجة غصب عنه وما بيطلهاش. يبقى تكتم في قلبها ومتبينش وتخلي كل حاجة تحصل قبال عنيها بدل ما تحصل من وراها.

واديكِ شايفة الشيخ حكيم بذات نفسه كان هيبتدي يعمل الحاجة من وراي ويدس عني. هو أيوه لمصلحتي بس برضه إني ما بحبش الدس حتى لو لمصلحتي. عيشة ابتسمت لبنتها وهزتلها دماغها بالموافقة: طول عمرك عاقلة يا جمارة ومن صغرك عقلك يوزن بلد. ربنا يكملك بعقلك يا بنتي. حكيم قاعد جنب بشندي اللي كان شايل ولده وعمال يلاعب ويهشتك فيه. وفضل باصصله شوية ومبتسم. وبعدها جلى صوته وكلمه بهدوء وعينه على سخاوي: عتحبه كد إيه يا بشندي؟

بشندي وهو بيحب ولده: ياااابوي يا حكيم. أحبه كد الدنيا بحالها. أحبه أكتر من نفسي. حكيم: طب إيه إحساسك لو ربنا لا قدر الله حب ينتقم منك في اللي عملته في غالية وولادها اللي سقط على إيدك في سخاوي. واهي روح بريئة قبال روح بريئة؟ بشندي ملامحه اتغيرت وضم ولده لصدره بخوف وبلع ريقه ورد على حكيم بتوتر: ليه بت تقول كده يا حكيم؟ حكيم: بعرض معاك فرض وعوعيك لقصاص ممكن يتخد منك، وكما تدين تدان. بشندي لسه هيفتح خشمه ويتحدث،

لكن حكيم سبقه: خابر اللي هتقوله وخابر زين كنت تقصد إيه باللي عملته وقتها. بس أنا بتحدث على حق ربنا يا بشندي. قبل ما الواحد يعمل أي حاجة لازم يحط ربنا قبال عينيه حتى لو الحاجة دي كانت هتخدم وتريح ناس كتير، لكن في الآخر هو وحده اللي هيتحاسب عليها مش الناس اللي ريحهم.

خابر إني قولتلك ليه الحديث ده ودلوقتي بالذات. عشان دلوقتي بس أنا جربت غلاوة الضنا وعرفت إنه أغلى من الروح، وعشان كده قولتلك الكلام ده. قولتهولك خوف عليه يا بشندي. قولتهولك عشان تستغفر ربك في كل ثانية على ما اقترفت يداك بجهالة. أيوه اللي عملته ريح غالية وريح الكل وريحني أنا شخصياً وغالية ربنا عوضها بجوز زين وحبلة بعيل غيره. لكن برضه هيفضل وزرُه في رقبتك لحالك ولازم تراضي ربك بالتوبة وكثرة الاستغفار.

وطبطب على كتفه وقام وفاته حاضن ولده وباصصله وبيبلع ريقه بخوف من كلام حكيم ليه. وبرغم حسن نيته في اللي عمله، إلا إنه خاف إن ربنا يردهوله في فرحة عمره ويتكسر ضهره على كبر ويتحرم من ولده كيف ما حرم واد غازي من الدنيا. حكيم راح على الدكتورة يشوف هيقدر يعود بجمارة وولده للسرايا متيته. وبشندي فضل على حاله ضامم ولده وعمال يستغفر في سره بخوف خلاه حكيم بكلامه غزا روحه غزو.

أخيراً حكيم رجع السرايا بولده وجمارته. وجمارة وقفت هي وأمها اللي ساندها لما حكيم وقف غصب عنه وهو شايل ولده يبص بفرحة على جمرة وولدها اللي طالع نسخة منها، نفس الشكل ونفس الجمال. وجمارة واقفة بترضعه وتشمه ورجع بص لولده وبص لجمارة وابتسم: بذمتك فيه قلب يتحمل كل الفرحة دي في يوم واحد! جمرتي وجارتي سوا! ألف حمد وشكر ليك يارب. جمارة ابتسمتله بحب وهي بتهمس: على كد القلب ما يستاهل ربنا يعيد له فرحة يا شيخي.

وكملت هي وأمها للسرايا وحكيم وقف لما شاف السايس جاي عليه يجري: مبروك ما جا لك يا شيخ. ألف مبروك يتربى في عزك. حكيم: الله يبارك فيك. قولي جمرة جابت إيه؟ السايس: مهره يا شيخ. مهره الخالق الناطق أمها. حكيم هز دماغه برضى: صح اللي يشوفها يقول جمارة صغيرة. السايس: هتسميها إيه يا شيخ؟ حكيم وهو باصص للمهرة بإعجاب: بشاير. هسميها بشاير. السايس: حلو قوي يا شيخ. ربنا يجعلها بشرة خير عليك يا رب. حكيم: آمين يارب العالمين.

وحط إيده في جيبه طلع فلوس من غير ما يعرف قد إيه ولا فاهم للسايس اللي خدهم النوبة بفرحة من غير تل ولا سحب وباسهم وبارك لحكيم تاني وتالت ومشى. حكيم بص لبشندي اللي كان قرب منه وهو شايل ولده: خش بالواد واقف ليه بيه هنا في الطل. ده كيف الكتكوت ما يحملش. حكيم: كنت بطمن على جمارة وبشاير. بشندي: الاثنين كيف الورد. خش بالواد يا بوي خش. حكيم اتحرك لكنه لف لبشندي تاني وكلمه بحنان:

تزعلش من حديثي يا بشندي، إني بعوعيك عشان تفكر في الحاجة قبل ما تعملها من هنا ورايح. بشندي: يا بوي ما بزعلش، وقولتلك قبل سابق إني وربى نتخلصوا. متشغلش بالك بيا. انت بس ادخل بالواد الله يرضى عليك.

حكيم هز دماغه واتحرك على السرايا وبشندي معاه ودخل بالواد حطه في حجر أمه تماضر اللي ما بطلتش زغريت من أول ما شافته ودموعها بقت نازلة عشرة عشرة. وحتى زبيدة انضمت لها في الزغريت وصوت الفرح صدح في السرايا بتميم واد الشيخ حكيم ونسل وامتداد الشيخ جاهين حامل كتاب الله اللي عاش ومات يتحرى شبهة الحرام في كل حاجة حتى اللقمة اللي كانت تدخل جوفه.

عدت الأيام واليوم السابع اتدبحت الدبايح. عجول حكيم اشتراها من بيوت موثوقة وتحرى عن وكلها وتربيتها ودبح ووزع لناس البلد وعمل ليلة حضرتها كل البلد والبلاد اللي حواليها بشيوخها بشبابها بشيبابها. وكانت ليلة فضلت الناس تتحاكى بيها شهور.

عدت سنة على ولادة تميم ومن يوم ولادته ودخوله للسرايا وولادة بشاير، وكأنهم اتولدوا ونزلوا جارين الخير في إيديهم للشيخ حكيم اللي كل يوم عن يوم تجارته تكبر وتزيد والبركة ملازماها والفرح من يومها نزيل السرايا.

حكيم لما هد المشتمل طلع منه الأجهزة التلاتة وحطهم في السرايا وشغلهم ورجع الكاميرات تشتغل من تاني. بس نقل الكاميرا اللي في أوضته لأوضة غالية القديمة اللي بقا ينام فيها تميم. عشان لما أمه تنزل وتهمله نايم تبقى وعياه في الجهاز وتشوفه لما يصحى. والتانية فضلت في الجنينة كيف ما هي عشان تميم وخاله سخاوي لما يلعبوا في الجنينة يكونوا قبال عينهم ووعينهم. أما التالتة فخدها ركبها على بوابة السرايا عشان وهو في السرايا يشوف الرجالة ويشوف مين جايله ومين رايحله. ودي وفرت على بشندي مشاوير كتير للسرايا عشان ينادي حكيم للناس. وبصراحة الكل اجمع إن الكاميرات دي أحسن حاجة عملها غازي قبل ما يموت.

بشندي في يوم خد عيشة على استعجال وخلاها تهمل سخاوي مع أخته وولد أخته وركبها الكارته وطار بيها من غير ما يقولها رايح بيها فين. جمارة استغربت وسألت حكيم بشندي واخد أمها ورايح فين. وحكيم ضحك وقالها مفاجأة لما تعود أمك هتبقى تعرفهالك وهملها بحيرتها وطلع.

بشندي وصل بعيشة على أطراف البلد قصاد بيت مسلح مبني دورين بس كبير وتقريباً بحجم سراية الشيخ حكيم، لكن جنينته أصغر هبابه. بشندي نزل من الكارته وساعد عيشة تنزل ودخل بيها من بوابة البيت وهي مستغربة وبتتلفت حواليها وسألته: بيت مين ده يابشندي وداخل كيف من غير أحم ولا دستور أكده! بشندي وقف وبص لعيشة ومسك إيدها:

ده بيتنا الجديد يا عيشة. بيت السخاوي واد بشندي. بيت يليق بولدي. حطيت فيه تحويشة عمري عشان ما يبقاش أقل من حد ولا يكبر في سراية حكيم وحد من عيال حكيم يسمعه كلمة تهينه وتحسسه بالقل. الناس هتكون غير الناس ومتعلميش النفوس هتكون كيف. ولدي أدي سرايته وغير حتة أرض اشتريتهاله باللي فضل من الفلوس اللي معايا. عيشة وهي بتبص حواليها ومش مصدقة حالها: يشندلك يابشندي. بقا معاك كل الفلوس دي ومبينش عليك! جبتها منين يا راجل؟

بشندي ضحك وساب إيدين عيشة وبص للبيت بفخر:

عيشت طول عمري أحط القرش عالقرش ومصرفشي حاجة غير للضرورة. عملت فلوس كتير وكنت كلت يوم بالليل قبل ما أنام أسأل حالي. ياترى هتعمل إيه بالفلوس دي يابشندي وياهل ترى الفلوس دي هتروح لمين بعد منك وانت وحداني مليكش حد في الدنيا. كتير كنت أقول أصرفهم يا د واتبجح بيهم وأعيش والعمر خلاص قرب يخلص. لكن فيه حاجة كانت تقول لي له. هملهم عازتهم جاية. وأول ما ربنا رزقني بسخاوي عرفت إن ربنا كان شايلهاله. بنيت له البيت واشتريت له حتة أرض وأمنت له مستقبله ودلوقتي ارتحت ولو ربنا خد أمانته في أي وقت. هموت وأنا مطمئن مخايفش عليه ولا عليكي.

عيشة بسرعة سدت خشمه واتكلمت بخوف: أوعك تنطقها تاني. ربنا يديك طول العمر لحدت ما تفرح بيه وتجوز عيال عياله. بشندي بضحكة وهو بيشيل إيدها من على خشمه ويحبها: واه عيال عياله يا عيشة. أخي بس يديني العمر وأفرح بسخاوي بس. هو يعني العمر فيه قد إيه؟ عيشة:

العمر لسه قدامك وانت لساك في عز شبابك. العمر ما يتقاسش بالسنين يابشندي. العمر يتقاس بالفرح وبتطول من الراحة. واحنا اللي جاي كله هنقضيه في راحة. راحة من بعد تعب وصبر هترجعنا شباب من تاني. بشندي ابتسم وهو باصص لعيشة وعينه في عينيها: كلامك هينزل القلب كيف المية الباردة بتنزل في الجوف العطشان في عز الحر يا بت المحروق انتي. عيشة ضحكت وهو شاور لها بدماغه عالبيت:

همي اتفرجي على دارك عشان ندشنوه قوام قوام ونعودوا للواد. بطلي سهوكة وغمز لها بعينه وخشم. عيشة شافته بيعمل كده وضحكت بصوت عالي ودخلت قدامه وهو دخل وراها وهو بيضحك وبيقول: غازيه يا بوي والله. إني بقول متجوز غازية محدش مصدقني. أهي حتى الضحكة ضحكة غواز. ودخل وقفل باب البيت وراه.

ابتدت الشهور تمر وتميم كبر وتم سنتين وبقا روح السرايا كلها. وطول الوقت يا أما مع حكيم في المندرة ياخده يحضر قعدات الرجال يا أما يفضل يحفظه قرآن هو وسخاوي ويعده للمشيخة من صغره. يا أما مع ستة تماضر تحكيله في قصص الأنبياء وسيرة الرسول بطريقة شيقة وتخليه يحب سماعها.

أما جمارة فكانت ملهية عنه بحبل تاني أصعب من حبلها فيه. ويادوبها من النوم في حضن حكيم للنوم في حضن المخدة لما يطلع. وحركتها بقت بطيئة وتقريباً ما تقومش من مطرحها غير للضرورة. ولو نزلت تحت لازم حكيم يطلعها فوق شايلها ذنب عليه لو كان عايزها تنام جاره يا أما تهدده لو هملها تنام مطرحها تحت للصبح. وهو يشيل ويلفح وعلى قلبه كيف العسل.

أما بشندي فنقل للبيت الجديد واشترى له كارته تسهل عليه المشوار للسرايا. وحكيم اداه فرس عفى هدية للكارته. وبشندي اتحسب على الأعيان سرايا وأرض وكارته. لكن برضه لسه في خدمة ولده البكري حكيم وأول فرحة قلبه. ولسه واقف في ضهره وقفة أب لولده. وبرغم غلاوة سخاوي ولده إلا إن حكيم لسه ولد قلبه وولد القلب ما بيترخصش واصل.

غالية كل كام يوم تكلمهم ويكلموها. وعرفوا إنها جابت راغب صغير وكلهم هناك طايرين بيه وبيها. ودايماً تشكر في جوزها وتقول إنه شايلها على كفوف الراحة هو وأهله. وقالت لامها إنها ادته الدهب باعته وابتدا بيه تجارة جديدة وحالها ماشي وبتجيب له فلوس خير من الله وحالهم من بعدها اتحسنت كتير. وراغب وأسامة شايلين لغالية الجميل وفي الطالعة والنازلة ميندهوش عليها غير بالأصيلة.

ورد الشام اتجوزت من تاجر كبير ساكن في الشاغور واستقروا هناك وعايشة معاه في سعادة وحامل من قريب وهو أهله طايرين بيها طير. جمارة لتاني مرة تخلي قلب حكيم يرجف من الخوف عليها لما دخلت في أم الولادة وجالها الطلق. لكن النوبة كانت أسهل من اللي قبلها وولدت في البيت وجابت لحكيم بنت. أول ما شالها بين إيديه ابتسم في وشها وهمسلها في ودنها بعد ما كبر وشهد:

يامرحب بالمؤنسات الغاليات يامرحب. نورتي دار أبوكي يا نوارة الدار وبت الشيخ. واتمعن فيها وابتسم وهو واعي فيها ملامح أمه كلها وراح على أمه حطها في حجرها: بصي على تماضر الصغيرة يا أم حكيم. تماضر سمت وضحكت وهي بتبصلها: أيوه الله يا حكيم يا ولدي شبهي صح! حكيم: اهو الشبه اللي خدته منكِ ده هيخليني أحبها أكتر من الكل. وزيدي عليها لما تاخد الاسم كمان. يعني من اليوم ورايح بقيت تماضر الصغيرة اسم وصورة من تماضر الكبيرة. تماضر

ضحكت بفرحة وبصت لحكيم: يخليك ليا يا نن عيني وواد روحي. حكيم: ويخليكي ليا يا لبة القلب. وقرب ليها: هاتي تماضر عشان أديها لأمها ترضعها. وبصي للي واقف جنبها مكلضم ده على مطرحه في حجرك بس شاف غيره قاعد فيه. تماضر بصت لتميم وفردت له إيدها بحب: له له له. ولا يحلى ولا يغلى إلا الغالي. أول بلة الزور وأول فرحتنا. تعالي يا تميمت الخير يا غالي ستك.

وتميم أول ما عمل كده راح عليها جري وقعد في حجرها وحضنها بتملك كيف ما يكون كان متغرب عنها سنين وحس إن غيره استولى عليها. أما حكيم فدخل بالبنت لجمارة وحطها في حضنها وقعد جنبها. جمارة: هتسميها إيه يا حكيمي؟ حكيم: سميتها تماضر يا جمارة. بعد إذنك يعني عشان مش عاوز اسم أمي يتقطع من الدنيا. أبوي اسمه ملازم اسمي وبيتُنطق معاه في كل وقت. لكن اسم أمي هيتنَسى بعد موتها بعد عمر طويل. وعشان كده سميت البت على اسمها.

جمارة ابتسمتله: يا زين ما سميت يا شيخ قلبي. يارب بس تاخد من ستها الاسم والطبع والطيبة وكل حاجة كيف ما خدت الاسم. حكيم: ما خدتش الاسم بس له ده وأخدت الشكل كمان ولا ما خدتش بالك من دقة الحنك. جمارة: له خدت بالي ولسه كنت أقول لأمي عليها. وبصت للبنت واتكلمت بطفولية وحنان: تماضر.. يا تمره.. يا جميلة.. افتحي عينك خليني أشوف لونهم يا قمرة. يارب تكوني وراثه لون عيني كيف أخوكي. افتحي يا قلب أمك.

وحطت إيدها فوق عين البت عشان تعمل لها ضل وبالفعل البنت فتحت عينيها وجمارة ضحكت بفرحة. زورق يا حكيم. عينيها زورق كيف عيني وعينين تميم. حكيم ميل عليها وباسها وبعدها بص لتمرة وهمس: والله واتحاوطت يا حكيم بعيون البسس وعوم عاد في بحر العيون الزورق لودانك. جمارة بدلع: ما عجباكش العيون الزورق يا شيخ ولا إيه! حكيم:

واه يا بوي كيف ما أعجبانيش عاد. طب وهو أنا إيه اللي شندل بالي غير العيون الزورق دول طيب. ده أنا لو خرج المارد من قمقمه وقال لي لبيه. دقيقة واحدة لديك تختار فيها كل ما تريده. من قطع الياقوت والزمرد. لاخترت عينيك الزرقاء بلا تردد. جمارة ضحكت بفرحة وسندت دماغها على صدر حكيم وهو حاوطها بدراعه وميل عليها وباس دماغها وبص لفوق واخد نفس وردد:

يارب قلبي لم يعد كافيا لأن من أحبها تعادل الدنيا. فضع بصدرى واحدا غيره يكون في مساحة الدنيا. (نزار قباني) ورجع بص لجمارته اللي بتضحك بفرحة وبعنيها الفايضة محبة وشكر لرب العباد.

عدت السنين وجمارة خلفت فيهم ولد تاني وحكيم سماه بكر. وأصبح معاه تميم وبكر صبيان. وكان بعض الناس ينادوا له أبو بكر وهو يستبشر بالاسم تيمنا بأبو بكر الصديق متمنياً أن ينال من الاسم بعض ما ناله أبو بكر الصديق من مكانة عند ربه. وأصبح حدا حكيم ولدين وبت هما نص الدنيا عنده ونص القلب والنص التاني فيه باقي الناس. واستمر الشيخ حكيم على عهده يصول ويجول حاكماً بالحق ناصحاً بالمعروف قابضاً على دينه محافظاً عليه كالقابض على جمرة من نار. واشتهر بين الناس بالشيخ الحكيم اسماً وفعلاً.

أما جمارة فمن بعد بشاير ما حبلتش تاني. وبشاير بقت لعبة تميم المفضلة هو وسخاوي. وطول اليوم يا أما فوق شجرة التوت. يا أما يتعاونوا فوق ضهر بشاير. وتمارة وراهم تبكي عايزة تلعب معاهم وهما يقولولها: إحنا رجالة ما بنلعبش مع بنات. أما بشندي فعايش في راحة بال مع عيشة وفرحته بتكبر يوم عن يوم وهو واعِ سخاوي بيكبر قدامه. وطول الوقت مقعد الواد قباله ويقوله:

أوعك تخلي حد يغلبك ولا يجور على حقك. واعمل حسابك إن ولاد أختك دول إخواتك وانت كبيرهم والمسؤول عنهم وعن حمايتهم. واوعك تفوت حد يجي عليهم في يوم طول ما راسك بتشم الهوا. وفعلاً سخاوي بقى واخد دور الكبير وبقى يحكم على ولاد أخته وهما يسمعوا. وياويله اللي ما يسمعش كلامه ولا ينفذه يبقى يوم مشندل ما طلعتلوش شمس على الكل. فتحت جمارة عينيها ببطء وهي تشعر بأيدي تلتف حول خصرها بحنو بالغ. فتبسمت وهي تشعر برأس حكيمها تتوسد كتفها

وهمس بجوار أذنيها بحب: سنين تباعد سنين والشيب غزا الشعر وكبرنا ولساتها التنهيدة ملازماكي كل ما بتطلعي للجنينة!! تعبت من كتر الكلام وإني أقولك انسى وامحي الذكريات العفشة من جواكي وانتي مفيش فايدة فيكي. جمارة همستله: مش بإيدي. كل ما أطلع للجنينة أحس بلسعات الكرباج على جسمي. وحتى الطلق مطرحه بحس بألمي حتى بعد كل السنين دي. حكيم: يعني كل الحب والهنا اللي عايشناه ده مقدرشي ينسيكي! جمارة:

الحب والهنا دول عوض. وبالعكس طول ما أنا باصة للعوض بفتكر اللي ربنا عوضني عنه. حكيم: قولتلك نهملو السرايا وابنيلك وحدة غيرها مرضيتيشي ونشفتي مخك. كنت عايز أريحك وأبعدك عن ذكرياتك العفشة خالص. جمارة:

ماهي زي ما ليا فيها ذكريات عفشة. ليا فيها كمان أحلى ذكريات عمري. فيها قابلتك وفيها حبيتك. فيها اتجوزتك وقضيت معاك أوقات لو هتتحسب يبقى تتحسب كل دقيقة بسنة عشق. فيها خلفت عيالي وفيها كبروا قبال عيني. السرايا ده ليا فيها حياة كاملة يا حكيم. حياة حبها بمرها بزينها بشينها. بحلوها اللي غير طعم المر وحلاه. وكيف ما شفت فيها القسوة شفت فيها العشق. وما بين القسوة والعشق مرت سنين العمر.

ما إن أنهت كلماتها حتى أدارها حكيم عليه وقبلها. حكيم قبلها على جبينها قبلته الصباحية المعتادة والتي يعقبها دائماً بأبيات شعر اعتاد أن يرددها على مسامعها كل صباح منذ أن أخبرته كم أنها تعشق تلك الأبيات من فمه فعاهدها بأن يسمعها إياها في كل صباح حتى ينتهي العمر. ويصمت اللسان عن الكلام: يا من غزلت قميصك من ورقات الشجر أيا من حميتك بالصبر من قطرات المطر أحبك جداً وكان الطريق إلى المستحيل طويل أحبك جداً

وأعرف أني أسافر في بحر عينيك دون يقين وأترك عقلي ورائي وأركض أركض خلف جنوني وأستجدي كي عطفا بألا تتركيني فماذا أكون أنا إذا لم تكوني أحبك جداً وجداً وجداً وأرفض من نار حبك أن أستقيلا وهل يستطيع المتيم بالعشق أن يستقيلا وما همني ان خرجت من الحب حيا وما همني ان خرجت قتيلا أحبك جدا وجدا وجدا (نزار قباني) حكيم خلص الأبيات وخد نفس قوي وزفره وهمس لجمارة:

خابرة يا جمارة إني كل ما أشم هوا الصبح ونسيمه تلاطف وشي عيبقي نفسي في إيه. جمارة: إيه يا شيخ قلبي! حكيم: نفسي أعود لأيام زمان وأشوفك وانتي متلملمة وشايلة طبق الجبنة وماشية. وإني أمشي وراكي وأراقبك بجمرة وقلبي يرجع يرقص بين ضلوعي على خطوات رجليكي وأشم ريحتك اللي بتنعش روحي وهي حاملها الهوا ليا هدية. جمارة ضحكت وهمستله: بس أكده؟ هو ده اللي نفسك فيه يا ضي عيني! حكيم:

ما تستهونيش بكده. دي أمنية كبيرة وفرحة لقلبي ما تتقدرش. جمارة خدت نفس ومدت إيدها اتلمست دقن حكيمها اللي الشيب غزاها وزاده هيبة ووقار وجمال فوق جماله. وبعدها حاوطت رقبته بإيديها الاتنين وابتدت تقرب منه وهو كمان. لكن الاتنين بعدوا مرة واحدة وهم سامعين صوت أكتر حد مزعج في الدنيا: اصطبحي يا زرازير الحب وبعدوا عن الشبابيك. عيب على شيبكم. هملي قيس يا ليلى وروحي صحي عيالك ورانا مدارس يا خيتي. حكيم جز على

سنانه وهمس بقلة حيلة وغلب: سخااااوى. جمارة ضحكت واتحركت بسرعة قبل ما سخاوي يشن الحرب عليهم. دقايق معدودة وكان الكل صاحي وبيلبسو. وبعدها نزلوا وسخاوي في الوقت ده كان صبح على بشرى وفطرها وانضم له حكيم يفطر جمارة وسأله على بشندي أبوه. وسخاوي قاله إن أبوه قاله إنه النهاردة إجازة. سخاوي نتر إيديه بقلة صبر وهو واعي عيال أخته التلاتة طالعين من باب السرايا وزعق فيهم:

ما تفضونا وتصحوا بدري كيف البني آدمين عاد. ينفع يعني كل يوم أكده آجي أصحيكوا من النوم! دم يلحس عنوقكم عايشين الدور قوي. الولاد مردوش عليه عشان عارفين لو ردوا صبحيتهم ما هتعدي. وتميم وبكر صبحوا على أبوهم من بعيد. لكن تمرة راحت جري لأبوها وحضنته وباسته وهو ضحك لها بحب وهمسلها كيف كل يوم: اصباح الهنا على دلوعة أبوها وست البنات كلها.

وطلع لهم مصروفهم هما الأربعة كلهم كد بعض. واتأكد إنهم خدوا السندوتشات اللي عملاها لهم خديجة بت زبيدة اللي بقت تيجي مع أمها تساعدها. ووقف يراقبهم وهم ماشيين سخاوي في النص وفارد دراعيه الاتنين محاوط عيال أخته بكر وتميم وواخد كل واحد فيهم تحت جناحه بالظبط كيف ما كان يعمل معاه بشندي. وتمارة ماشية قدامهم ومشكلين وراها سد حماية منيع مخلي حكيم مطمئن عليها طول ما هي في وسطهم.

النهاردة الجمعة وحكيم نايم بعد ما صلى الفجر. ومرة واحدة حس بأيد تهزه وسمع صوت بتة تمرة وهي بتصحيه وتقوله: أبوي ابووي. أمي بتقولك لو عايز تشوف بت بياعة الجبنة روح لها قبل ما تخلص بيع جبنة وتعود.

حكيم فتح عينيه ورفع حواجبه باستغراب وهو واعي النور لسه ما طلعش زين والدنيا مضهضبة. وقام منتور لما فهم القصد ونزل يجري خد جمرة وطلع بيها يسابق الريح على طريقهم القديم والضحكة شاقة حلقه. وكان الطريق فاضي مفيش غيره هو وجمرة ونسيم هوا باردة بتلاطف شعره وملامح وشه. وزادت ابتسامته لما لمحها في وسط الطريق واقفة وحاطة اللثام على وشها وشايلة الطبق فوق دماغها. وأول ما شافت قرب عليها ابتسمت وعرف من ضيق عينيها لما قرب منه.

بصت له بطرف عينها وبعدها اتحركت تتمشى قدامه بدلع رجعه لسنين فاتت. وحتى قلبه رجع افتكر الدقات اللي كان يدقها زمان وهو شايفها على نفس الطريق ورجع يدق بنفس الطريقة وهي بتتمشى قباله بدلع ورهدنة وتتمايل في طريق مفهوش غيرهم هما التلاتة. بعدت عينيه كام خطوة وهو ابتدا يمشي وراها بجمرة بشويش والاتنين يضحكوا بصوت عالي. واللي يشوفهم يحسبهم عيال صغيرة قلبها أخضر وطالعة للدنيا جديد ولسه شرارة العشق بادئة ما بينهم.

حكيم مرة واحدة قرب من جمارة وبسرعة وبذراع واحد خطفها وحطها على جمرة قدامه كيف ما كان يتمنى إنه يعمل زمان. وهي رمت الطبق الفاضي وصوت ضحكها خلى العصافير تغادر الشجر وتحلق فوقهم مستغربة. وحكيم لف إيديه حواليها ودفن دماغه في رقبتها يشم ريحة الصبا وسنين فاتت لكنها هملت حلاوتها في جمارته قبل ما تغادر. ورخى اللجام لجمرة اللي انطلقت بيهم بسرعة تقطع شوارع العشق بالعشاق وجعتهم ورجعت معاهم للذي مضى. ونسمات الهوا الباردة بتلفح قلوبهم الفايضة بالمحبة. وجمارة فردت إيديها وغمضت عينيها باستمتاع وفرحة بحبيب العمر اللي حافظ على عهده ليها وحافظ على حبها في قلبه سنين زاد فيها حبها في قلبه ما نقصش.

تمت الرواية كاملة .

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...