الفصل 38 | من 39 فصل

رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
21
كلمة
7,577
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

حكيم طلع من السرايا راح على المندرة وفضل شوية متمدد على الكنبة وينفخ بزعل. وبعدها استسلم للنوم لما الصداع زاد عليه وملقاش مفر غير بالنوم. أما جمارة ففضلت طول الليل صاحية ورايحة جاية عالشباك تبص كل هبابة على حكيم وتقول: "هلاقيه داخل دلوك من بوابة السرايا". لغاية ما ساعات الليل انقضت وقرب وقت الفجر. الوقت دا سألت حالها كتير: "ياترى هي غلطت في زعلها من حكيم وكبرت الموضوع، ولا هو أصلاً كبير ومن حقها تزعل؟

وكل مرة تسأل فيها حالها، الإجابة هتكون هي هي: "أيوه من حقها تزعل وتاخد على خاطرها". واللي زعلها أكتر إنه ما عطاهاش هديتها قدامهم وفوسطيهم. مش مهم تكون كبيرة وأغلى من بتوعهم، بس المهم إنه كان سواها بيهم. قعدت على السرير وحطت وشها بين إيديها وابتدت تبكي لما حست إنها أقل من الناس. واللي وصلها للإحساس ده حكيمها بذات نفسه.

الحتة دي خلت نفسها تصعب عليها قوي. بعنف ابتدت تقلع الغوايش من إيدها وترميهم، وحتى السلسلة شدتها وقطعتها ورمتها من طول دراعها. ودفنت وشها في المخده وابتدت تبكي بكل قهر. في الأثناء دي حكيم كان صحي في المندرة بعد ما أخدله غفوة وحس إنه بقى أحسن شوية. وقام رجع على السرايا عشان يصلي الفجر ويصالح مجنونته اللي عملتلها زعلة منه من لا شيء. ومخها التعبان صورلها حاجات استحالة تخطر على باله أصلاً.

دخل السرايا وطلع السلم ووصل قدام أوضتهم. واتقدم بسرعة وهو سامع صوت نحيبها المكتوم. وبسرعة البرق كان قاعد جنبها على السرير وواخدها في حضنه. جمارة أول ما لقت حالها في حضن حكيم زادت في البكا وابتدت تحاول تخلص حالها من بين دراعاته. لكن هو شدد قبضته عليها وحبسها ما بين إيديه وضلوعه. وحط دماغه على كتفها وغمض عينيه. وهملها تحاول تفلت منه. ولما كل محاولاتها فشلت ابتدت تستسلم وتبطل حركة. لكن بكاها ودموعها ما بطلوش.

همسلها لما حسها استكانت في حضنه وهو استكان لريحتها وحضنها الدافئ: "خلصت نوبة الجنان ولا لسه هتهبي تاني بعد هبابة؟ جمارة: "عاودت ليه؟ انتا مش هملتني ومشيت. فالح تقول المرة لو هملت جوزها زعلان يجرالها إيه وحكمها إيه؟ والراجل لو همل مرته زعلانة وفاتها وفاتها الموطرح كله معلهوش ذنب ولا يبقى ده حرام عليه صوح؟ حكيم ضحك بخفة وهو بيحرك دماغه ويدفنها

في رقبته وهمسلها في ودنها: "إني مهملتش الموطرح ولا هملتك غير من شدة الصداع والتعب. ولو كنت استنيت قبالك دقيقة وحدة مكنتش هتحكم في روحي وكنت ممكن أقولك كلمة تزعلك عشان بس أخليكِ تسكتي. وكنتي ساعتها هتسكتي وأني كنت هسكت ويموت بينا الكلام ياجمارة. إني بعدت نفسي عشان أهدى وأعاودلك ببال أطول وخُلق أوسع. وكمان عطيتك فرصة عشان انتي كمان تراجعي حالك في تهمتك ليا. قوليلي عاد جالك منين الإحساس اللي وصلك ده؟

جمارة بنبرة باكية: "جالي من عمايلك ياحكيم. لما تديني حاجة وتقولي لأختي. وبعدها أبص ألقاك مديها لست ورد يبقى إيه؟ ومقولتليش عليها ليه؟ معناتها إيه غير اللي وصلي واللي فهمته؟ حكيم بقهر: "بزيادة دوسي على قلبي ياجمارة وبكفاياكي ظلم فيا عاد. متقوليش كلمة زيادة ومتزعلنيش منكِ أكتر." جمارة: "انت كمان اللي زعلت ياحكيم! مزعلني وهاين كرامتي ومهادي واحدة كانت هتبقى ضرتي بالدهب وتقولي إنك انت اللي زعلت؟

حكيم: "أيوه زعلت ياجمارة ومن حقي أزعل. زعلت عشان ظنيتي فيا السوء وفكرتي إني خايف تطمعي في الهدية وعشان كده دسيت عنيكِ إنها لورد." جمارة: "قولتلي ليه لأختي وكذبت ليه عليا؟ حكيم: "افهمي ياجمارة. إني مكذبتش لما قولتلك الهدية لأختي عشان فعلاً ورد أختي. إني لو عايز مقولكيش وأدس عنيكِ أجي أشيلك انتي العلب! طيب وهو إني هيغيب عن بالي إنك ممكن تفتحيهم وتلاقي فيهم سلسلتين كيف بعضهم وتستغربي وتسأليني التانية لمين؟

لو سألتيني مكنتش هقولك إن التانية لورد وأجاوبك طوالي؟ وبعدها عن حضنه ومسك إيديها وهمسلها: "حجتك في الزعل باطلة يا مرت الشيخ عشان مبنية على سبب باطل. وكل ما بُني على باطل فهو باطل."

جمارة: "له مش باطلة ياحكيم ولا اتبنت على باطل وعندى السبب والدليل عليه كمان. دليلي إنك جبتلي دهب أكتر منهم ياحكيم. جبتلي أكتر منهم عشان إني أقل منهم صوح. بالك انت لو جبتلي سلسلة كيف بتاعتهم بالظبط أو حتى أقل منها هبابة وأديتهاني وسطهم والله كانت هتبقى في نظري كبيرة قوي."

حكيم: "جبتلك أكتر منهم عشان انتي أغلى منهم ياجمارة. جبتلك السلسلة اللي حسيت إن مفيش غيرها تليق عليكي وشوفت إنها مش هتبقى حلوة على مرة غيرك. واديتها لك بيني وبينك عشان أختي لما تشوف سلسلتها من سلسلتك متحسش إني مفضلك عليها وتشيل في نفسها. وكمان حبيت أديهالك بيني وبينك عشان أشوف فرحتك بيها ومحدش يشوف عنيكي لما تلمع بفرحة غيري. إني دي كل مقصدي ويشهد ربي إني ما فيه في نيتي حاجة غيره. ولا قصدي حاجة من اللي وصلت لمخك التعبان دي."

"ياجمارة إني قولتلك قبل سابق انتي نفسي. والنفس مع تكونش محتاجة شرح ولا توضيح من صاحبها عشان هتكون عارفة اللي بيعمله من غير ما لسانه يفصح عنيه." وبص للأرض على الغوايش والسلسلة

المرمية وكمل بحسرة: "جمارة الحاجة الحلوة لما تتفهم غلط ويتعكس معناها بتحسس صاحبها بالكسرة. وبالذات لما يعي على الأرض حاجة جابها بكل محبة وجاي بيها فرحان طول الطريق وهو فاكر إنه هيدخل بيها السرور على قلب حبيبه وفي الآخر حبيبه لا يعمله ولا يعملها قيمة." جمارة بصت موطرح ما بص ونكست عينيها للأرض. وحكيم أخد نفس وهمسلها بعد ما مسك يدها

وطبطب عليها بإيده التانية: "قومي اتوضي عشان نصلي الفجر سوا ونطرد من بينا الشيطان اللي وسوسلك ترميني بتهمة زور وبيعوسوسلي دلوقتي إني أزعل منكِ على كد العشم اللي خاب. قومي يابت قلبي قومي." وهملها وقام ووطى في الأرض يلم الغوايش والسلسلة وهو حاسس إنه بيلم في محبته اللي رمتها جماره على الأرض. وراح حطهم على التسريحة وطلع للحمام يتوضى من غير ما يتحدت ولا ينطق بكلمة.

جمارة غمضت عينيها بألم لما حست إنها زودتها مع حكيم. وكان ممكن فعلاً إنها تسأله والغلطة غلطتها من الأول عشان مفتحتش العلب ولا شافت وسألت. ووقتها صوح لو كان دس عنيها كان هيوبقالها الحق تزعل. قامت بعد ما استعاذت بالله من الشيطان الرجيم وراحت على الحمام تتوضى بعد ما حكيم طلع منه متوضي. وعلى بال ما خلصت وضوء كان هو فارش المصليات وقاعد مستنيها. وأول ما جات وغيرت خلجاتها ولبست إحرامها ووقفت وراه كبر وقام الصلاة طوالي.

حكيم خلص صلاة وسلم ورافع إيديه بيدعي. واتفاجأ بحاجة خبطت في ظهره وابتسم لما لقى جماره حضنته بقوة وحاوطته بإيديها من وسطه وسندت دماغها على كتفه. وهو خلص دعا ومسح على وشه بكفوف إيديه وقعد على المصلاية واتربع وشدها من دراعها نومها على رجليه. وأخد إيدها وخلل صوابعه بين صوابعها والإيد التانية حطها على دماغها. وغمض عينيه وابتدا يقرأ القرآن بصوته العذب.

وشوية شوية السكينة ابتدت تدخل قلوبهم. وجمارة شدت إيده اللي في إيدها وحبتها بحنان وحضنتها وهي بتهمسله: "حقك علي قلبي ياشيخ قلبي. آخر نوبة هزعلك فيها أو هزعل منك. سامحني إني معرفاشي هي كبرت مني كيف أكده بس والله إن كل اللي زعلني هو دسك عني."

حكيم صدق وهمسلها: "مفيش بينا حقي وحقك ياجمارة القلب. الزعل وارد بين أي اتنين بس المهم إنه ميطولش. وخلي دايماً قدام عينيكِ إنه كيف ما حق المسلم على المسلم إنه يلتمسله سبعين عذر، حقك انتي عليا إني هلتمسلك ٧٠٠٠ عذر قبل ما أزعل منكِ. وده وعد ليكي على سجادة صلاة ولساتنا محفوفين بملايكة بتستغفرلنا." جمارة: "واني ليك عليا وعد وعهد ياشيخ القلب إني عمري ماهسيئ الظن فيك ولا هزعل منكِ في يوم من الأيام." وقلبت عينيها شوية بتفكير

وقامت اتعدلت وكملت بحدة: "إلا لو بصيت لغيري ولا اتجوزت وحدة تانية ولا حد هداكِ بمرة وقبلتها. وقتها مش هزعل منك ياحكيم. وقتها هدب إيدي في صدرك وأطلع قلبك اللي حلفت ما يدقش لغيري وأدق فيه ألف مسمار. وهقلع عينيك اللي حلفت ما يبصوا لغيري وأحطهم في دباره وأعلقهم في رقبتي و...

وفضلت مستمرة في الحديث والتهديد اللي بسرعة اتحول لضربات متفرقة من إيدين جماره لحكيم على صدره. وهو ضحك وهو بيحاول يمسك إيديها لغاية ما في الآخر نجح وضمها عليه وهو مكتف إيديها بإيديه وهمسلها بضحكة: "الوعد اتقلب لتهديد والتهديد اتقلب لضرب وياترى الضرب هيتقلب لأيه بعد أكده؟ جمارة ميلت دماغها وبصتله لفوق وهمستله: "هيتقلب لحب."

ثواني فضل حكيم يتأمل فيها وهو مبتسم وعنيه بتسبح في بحور عينيها الزورق. وبعدها مرة وحدة قام وقومها معاه وحول كلامها لحقيقة. واتحول الزعل لعتاب جميل ما زاد العشاق إلا عشقاً. النهار طلع وتماضر قاعدة في أوضتها وصاحية وزبيدة دخلتلها كيف عادتها وودتها الحمام ورجعتها أوضتها تاني. وبعد ما حطتها في فراشها تماضر شاورتلها على السبحة بتاعتها وزبيدة لفتها لها. وتماضر ابتدت تقلب خرزاتها بين صوابعها.

وبصت على الباب شافت غالية خارجة من أوضتها وبتتاوب وقربت من أوضة أمها وصبحّت. ولساتها هتمشي عشان عارفة إن أمها مهتردش عليها. لكن أمها فاجأتها بالرد النوبادي: "صباح النور والبنور يا عروستنا الحلوة. يسعد صباحك يا بنيتي." غالية وقفت واتلفتت حواليها شمال ويمين ملقتش حد غيرها هي وزبيدة. قامت مشاورة على روحها بتعجب: "انتي بتحدتيني أنا يايمة؟ تماضر: "وهو فيه عروسة غيرك هنا يا غالية؟

قربي يا بنيتي تعالي خليني أضمك وأشبع منكِ قبل ما تفارقيني واللقى يبقى على حسب النصيب." غالية قربت من أمها بعيون بتلمع بالدموع وقعدت جنبها ومسكت إيدها حبتها: "يعني خلاص مزعلاناشي مني ياما؟ تماضر: "ردي عليا الأول اتعلمتي من غلطك ولا لسه بجرة كيف ما انتي؟ غالية: "له اتعلمت والله العظيم ودلوقتي حتى الكلمة مطلعاهاش غير لما أتوكد إنها زينة وهتتحسب ليا مش عليا."

تماضر: "يبقى خلاص سامحتك. إني كل همي أعلمك يا بنيتي وأوعيكِ. لكن يعلم الله إنك حداي في معزة الروح كيفك كيف أخوكي بالظبط." وفردتلها إيديها وهي مبتسمة وكلمتها بنبرة باكية: "ودلوقتي هاتِ حضن من زمان محضنتكيش ولا شميت ريحتك يا تمساحة اللي هتهمَليني وتروحي بلاد الشام." غالية بسرعة دخلت في حضن أمها بفرحة وفضلوا الاتنين في حضن بعض بعد فراق وكل واحدة بتحاول تشبع من ريحة التانية على قد ما تقدر.

أخيراً تماضر بعدت جماره عن حضنها ومسحت دموعها بطرف شالها وضربت غالية على كتفها ضربة خفيفة: "هتوحشك قوي يا تمساحة. بقولك قومي قومي. قومي افتحي الدولاب في الضرفة الواسطانية وهاتي الصندوق بتاعي."

غالية قامت وعملت اللي أمها قالتلها عليه وجابتلها الصندوق وحطته على رجليها. وتماضر فتحته وكان فيه دهبها وصندوق تاني صغير جواه. تماضر طلعته وبمفتاحه الصغير اللي كان في الصندوق الكبير فتحته. وأول ما فتحت غالية ضربت على صدرها لما شافت اللي جواه. واللي كان أربع سبايك دهب كل سبيكة تطلع كيلو. غالية مسكت سبيكة منهم ورفعتها: "إيه ده يايمة؟

تماضر: "ده نصيبك من الدهب اللي جدك عطا لابوكي ياغالية. قسمته كيف مالشرع قال علينا احنا التلاتة إني وانتي وحكيم. نصيبي إني وحكيم اشترينا بيه الأرض. ونصيبك عنتهولك. حكيم عايم على عوم أبوه وعيقول إن الدهب حرام. بس إني مصدقة جدك وشايفة إنه حلال. نصيبك أهه تحت يدك خديه واتصرفي فيه كيف ما تحبي. إني خلصت ضميري وقسمت قسمة الحق والباقي في حجركم انتو عاد." غالية بذهول وهي بتمسك سبيكة تانية ورفعت الاتنين قبال عينيها وهي

بتبلع ريقها وهمست بتوهان: "أقولك إيه يايمة؟ إني هاخد الدهب وأصدقك وأصدق جدي ولو كان كداب هو يتحمل عاد وأهو أكده أكده هيروح النار يعني مش هتفرق معاه. بس إني الدهب ده هيفرق معايا ويخليني أشتري حارة بحالها في الشام وأقعد فيها لحالي." تماضر: "ياباى عليكِ. تقعدي لحالك كيف؟ طب ده جنة من غير ناس ما تنداس يا قزينة! غالية بفرحة: "له تنداس وتتحضن وتتباس كمان يايمة. والله يايمة فرحتيني عالصبح. تؤبري قلبي ما أحلاكِ."

تماضر: "وه شوفوا البت حالاً قلبت شامي." غالية: "أيوه أمال إيه مش جوزي شامي عاد." ورجعت السبايك في صندوقهم تاني وقفلته وبصت لأمها وغمزتلها: "بس مش سهلة انتي برضه يا تماضر. بتعترضي وتصالحي في آخر دقيقة كيف اللي رايح يموت وعرف ربه على فراش الموت ورجعله." تماضر مرة وحدة مسكت طرحة غالية بشعرها وميلتها عالسرير وفضلت تضرب في دماغها على الفرشة

وهي بتقولها من بين سنانها: "هو ده الكلام اللي بقيتي توزنيه ومتطلعيهوش غير لما يكون كلام زين يا أم لسان زفر انتي. ده تشبيه تشبهيني بيه عالصبح يا غالية؟ بتعفولي على أمك يا قزينة! غالية بألم: "مقصديش والله يايمة طلعت أكده وانتي أكيد فاهمة قصدي إيه منها." تماضر: "إني أفهم لكن غيري ميفهمشي يا بجرة." وفلتت دماغها واخدت نفس وطلعته وبصتلها بغيظ وكملت حديثها وهي

واعياها بتفرك فراسها بألم: "لو يدوني ميت عقل على عقلي عمرك يا غالية ما هتتغيري واصل. يا خوفى عليكي من لسانك في البلاد البعيدة يا خوفى." غالية وهي بتاخد الصندوق في حضنها وتقف وتضمه كيف عيل صغير: "تخافيش عليا إني معايا الأمان كلياته." وطبطبت على الصندوق. وطلعت بسرعة على أوضتها. وتماضر هزت دماغها بيأس وهي واعية. وابتسمت لما خشت غالية أوضتها جري وقفلّت الباب وابتدت تسبح بسبحتها وورا كل تسبيحة تدعي دعوة لحد من عيالها.

أخيراً نزل حكيم من فوق هو وجمارة ونزلتهم جات بالتزامن مع دخول راغب وجماعته السرايا. صبحوا على بعض وجمارة استقبلتهم بضحكة وهي بنفسها اللي خدت ورد من إيدها عشان يدخلوا يجهزوا الفطور سوا. أما نادرة فراحت لتماضر أوضتها تصبح عليها وتقعد جنبها لغاية ما البنات يخلصوا تجهيز الفطور. أما حكيم وراغب وأسامة فقعدوا في الصالة يتحدتوا مع بعض. وحكيم ملاحظ نظرات أسامة على أوضة غالية وابتسم على لهفته عليها. وكان يقدر يسمحله يقعد جنبها لحالهم هبابة. بس فضل إنه يفضل بشوقه ليها لحد ما تروح بيته وأهناك يقعد معاها على راحته. وكمان عشان هو خابر زين إن النظرة بتطفى الشوق هبابة وهو ما عواش شوق أسامة لأخته ينطفي غير وهم في بيتهم وفي غرفتهم.

غالية طلعت من أوضتها لما سمعت حس الجماعة بعد ما عدلت خلجاتها. وأول ما طلعت من باب الأوضة أسامة عنيه اتعلقت عليها وابتسم. وهي ابتسمت لما وعيتله ونزلت عينيها في الأرض بسرعة. واتحركت من قباله على أوضة أمها لما رفعت عينها على حكيم ووعيتله زاغرلها ومبرق عينيه. دخلت عليهم وصبحّت على نادرة وباست إيدها بنفس طريقة ورد. ونادرة ضحكت

وطبطبت عليها وقالتلها: "الله يرضى عليكي يا أم غالية." قعدت جنب أمها على السرير وبصت في الأرض بكسوف. وتماضر بصتلها وبصت لنادرة واتحدت: "أم أسامة عايزة أقولك على حاجة للأمانة. بتي غالية عاملة كيف الجاموسة وراهاش غير الحش والنوم." غالية رفعت راسها بسرعة وبصت لأمها وهي مبرقة.

وأمها كملت: "ولو فوتيها توصل النهار بالليل وهي نايمة على بطنها كيف التمساح. ولو مقومتيهاش على الحاجة مهتقومش. يعني من الآخر كده بتتساق سوق لولا ما تتحرك. كيف البهايم أكده." غالية مع كل كلمة من أمها كانت عينيها بتبرق أكتر. لغاية ما كانوا هيطلعوا من محجرهم. وريقها نشف ونفسها أمها تبصلها عشان تغمزلاها ولا تعضلا على شفتها عشان توقف. لكن تماضر ولا التفتتلها.

غالية آخر ما أمها خلصت حديث مدت إيدها مسكت طرف شال أمها وميلت وعضته بكل قوتها من الغيظ. وسابته وعاودت قعدت تاني كيف ما كانت وهي بتقول يا أرض اتشقي وابلعيني. نادرة ضحكت وهي باصة لغالية اللي وشها بيجيب ألوان.

وردت على تماضر: "له يا حجية له. ما يرضالك تحكي هيك ع كنتي. كنتي معدلة وما في منها. هي بس كانت عم تدلل عليكي هون. لكن المرة ببيت زوجها غير بيت بيّها وعم تكون قدها وقدود وتخلي الكل يحلف بشطارتها وندارتها. ماهيك بنتي؟ غالية هزتلها دماغها بإيجاب. ونادرة ابتسمت وبصت لتماضر: "أي شفتي حجية كيف كنتي ما في منها وما برضى لحدا يقول فحئها كلمة مو منيحة بنوب بنوب." غالية وهي باصة

لأمها وبتعزز دماغها بأسى: "تشكري يا غالية يا أم الغالي. يسلملي لسانك اللي عمينقط شهد ده. ما جاش الكلام ده من اللي مني. عموما ماشي. بكرة تندمي يا جميل." نادرة ضحكت وتماضر كمان ضحكت. بس من وسط ضحكها ردت عليها: "إني أقول اللي يخلص ضميري قدام ربنا وقدام أم أسامة عشان لو دعت عليا بعد أكده دعوتها متتقبلش."

نادرة زادت في الضحك وغالية ضربت على دماغها بقلة حيلة وقامت حطت أمها عالكرسي وطلعوا كلهم لما سمعوا حس حكيم عينادم عليها عشان تجيب أمها وحماتها ويطلعوا يفطروا. حكيم صبح على أمه أول ما لاقاها وحب إيدها وخدها من غالية وداها مطرحها. ومن الخباثة قعد جنب أسامة وقعد غالية جاره من الناحية التانية عشان يقطع عليهم الشوف واصل.

خلصوا الفطور وطلع حكيم هو والجماعة على صوت بشندي عينادم عليه. وعرف نبرة صوته لما يكون فيه مشاكل بتوبقى عاملة كيف. وعرف علطول وطلع فعلاً ولقى فصل مستنيه قضى فيه النهار بطوله. في آخر القعدة قبال الناس كلها حكيم طلع عقود جديدة بعد ما جاب كل العقود اللي كانت حدا الشيخ زايد وقطعها. وحط العقود قدام حج كبير كان قاعد في المجلس ووقف وسط الناس واتحدت

وهو موجه حديثه للكل: "يا أهل البلد الأرض اللي في الزمام الشرقي واللي هي عشر فدادين أنا متبرع بيها للبلد يتعمل عليها مستشفى ومدرسة ابتدائي ومكتب تحفيظ قرآن للبنات وحتى الحريم وفصول محو أمية. الحاجات دي هتقوم على التبرعات يعني اللي معاه موجود يتبرع وكله لخدمة البلد. والكلام ده لكل النجوع اللي حوالينا عشان المدرسة والمستشفى هتخدم الكل. وأنا أول واحد هتبرعلهم بفلوس الأساسات. ومش بس كده ده أنا هعمل مصنع في البلد للحصر البلاستيك يلم كل الشباب المرمي على القهاوي دي ويخليله دخل شهري يقدر بيه يتجوز ويفتح بيت. قولتوا إيه في الحديث ده."

هو خلص كلامه من هنّه والكل قام يتسابق عليه عشان يحضنه وعبارات الشكر بقت تنزل عليه كيف المطر من الكل غير التهليل والتكبير. وراغب وأسامة بقوا واقفين يبصوا لبعض ونافخين صدرهم بفخر على نسيبهم اللي لو لفوا الدنيا مهيلقوش في كرمه وجوده كرم ولا جود. ***

طرمبيل واقف قدام بوابة السرايا وراكبه فيه ورد الشام ونادره أمها بعد ما ودعوا الكل. وراضي واقف جنب الطرمبيل وغالية لسه في السرايا بتودع في الكل بالدموع. جماره وزبيدة وأمها تماضر وأخوها حكيم وحتى عيشة اللي سمحلها بشندي إنها تروح السرايا في اليوم ده لما قالتله إنها لازم تودع غالية. بشندي كمان كان واقف معاهم. ووعي غالية كل ما تمشي خطوتين مع جوزها تعاود تاني وتفضل تعيد على الكل بالأحضان. وزعق فيها بعلو صوته لما فاض بيه ورفع نبوته

في الهوا عليها بتهديد: "مبزيادة عاد نفختي بطني وفقعتي مرارتي بمياصتك ده. هتفضلي وتطلعي ولا أنزل عليكي بالشومة أخليكي تروحي الشام زحافي." حكيم بسرعة وإحراج مسك الشومة من بشندي ونزلها وابتسم في وش أسامة بخجل وبص لبشندي وهمسله وهو جازز على سنانه: "بتعمل إيه قدام جوزها يا واكل ناسك يا بشندي." بشندي بيحاول يفلت الشومة من حكيم

وهو باصص لغالية وزاغرلها: "اوعى يا حكيم هملني ده. لو فوتناها على هواها هتقعد لبكرة تحب وتحضن بعينيها البيضة دي واحنا مفاضينش عاد." أسامة مسك إيد غالية بخوف وزعر وميل عليها سألها: "شو بُه هاد ليش هيك عم يعمل؟ غالية اتحركت بسرعة وخوف وهي بتشد أسامة وتهمسله: "اجري قوام الحالة جاته تعبان يا ولداه الله يكون في عونه."

وبسرعة ركبوا الطرمبيل وحكيم راح وراهم وودع الكل للمرة الأخيرة. وراغب ركب واتحركوا كلهم على بلاد الشام ومعاهم غالية على حياة جديدة باينة فيها بشاير الهنا من حب الكل ليها وبالخصوص أسامة اللي من أول ما ركبوا الطرمبيل ماسك إيدها مهملهاش كيف ما يكون ما صدق لقاها. ***

"همي يا جماره عاد هنتأخر على معاد القطر أكده. يبااااى عالحريم وعكعكتها عاد. هسافر لحالي كيف الورد البس خلجاتي وأفح شنطتي وأجري على المحطة وألحق القطر وكل ده في نص ساعة." جمارة: "خلصت والله أهه. كنت بجيب الفطاير والبيضات المسلوقين عشان نتقوتوا بيهم في الطريق." حكيم: "يوبوي قلتلك الوكل كتير في الطريق وكل حاجة بالقرش بتيجيب. يا جماره وهواكِ حاجات جديدة."

جمارة: "إني إن مكانش الوكل من تحت إيدي أو يد حد أعرفه ما بأكلهوش. وبعدين مش انت ذات نفسك بتقولي معملاش بطني من وكل بره. يبقى إيه عاد." حكيم بضحكة: "يبقى تهمي يا جماره الله يرضى عليكي."

جمارة خلصت وطلعت من المطبخ وحطت الحاجة اللي جهزتها في الشنطة وسلمت على أمها عيشة وتماضر وزبيدة ووصيتها على العصافير بتوعها وأكدت عليها تاخد بالها منهم زين. وودعتهم وهما دعولها. وعيشة ودعتها بعيون مدمعة وهي بتتمنالها السعادة. وجمارة لبست بوشيتها وراحت قبال حكيم اللي كان واقف يبص في ساعته بغضب: "إني جاهزة أهه خلصت."

حكيم مسك إيدها وشال الشنط وبسرعة طلع بيها وركبوا الكارته اللي كان سايقها بشندي وراحوا على المحطة وركبوا القطر واتحرك بيهم على أم العجايب. *** عدى أسبوع على حكيم وجمارة وهما في القاهرة ما بين فسح وكشوفات وتحاليل ليهم هما الاتنين. والحمد لله طلع معندهمش حاجة واعر تمنع الخلفه غير بس مشكلة بسيطة في التبويض حدا جماره وتتحل بشريط برشام ودستة حقن يتخدوا كل شهر لحد ما يحصل الحمل وبعدها تهملهم.

أما تماضر فعيشة قعدت معاها من أول ما جماره وحكيم سافروا بعد ما استأذنت من بشندي اللي وافق بشرط إنها متمدش إيدها على حاجة. وكمان عشان هو مهيقدرشي يهمل السرايا في غياب حكيم ومهيأمنشي عليها تقعد لحالها في الدار. بشندي كان طول الليل يلف حوالين السرايا ومخلي الرجالة تلف بالدور. ولما حد كان يقوله بزيادة ولا مفيش حاجة كان بعصايته ويضرب الواحد يخليه يفرفط

ويعيد عليهم نفس الكلام: "قعدنا نقولوا مفيش حاجة يا ولاد الفرطوس ونتقلبوا ونناموا وفي الآخر طلعت بتكحت خنادق تحت السرايا يا ولاد الجزم."

أسبوع تاني عدى على دا الحال وحكيم وجمارت قلبه عايشين في جنة كيف ما يكونوا عرسان جداد. فسح وضحك ولعب وحب. والشيخ حكيم مش متقيد معاها كيف البلد وكل يوم يروحوا مطرح جديد وحكيم يوري لجمارة حاجة جديدة وهي مبهورة بالتمدن وحياة الحضر. بس حاجتين هما اللي كانوا يعكنوا عليها كل فسحة. أول حاجة الحريم قليلة الحيا كيف ما كانت تقول عليهم اللي لبسهم فوق الركبة بشبر وشعرهم مطلوق وطالعين بالأحمر والأصفر مالي وشوشهم. وتاني حاجة عيون البنات اللي كانت بتأكل حكيم وكل فكل مطرح يروحوه وكل خطوة يخطاها والهمس والمشاورة عليه من كل اتنين حريم يعدوا من قبالهم. لدرجة إن جماره طول الوقت متشبطة في إيده كيف ما يكون هيهرب منها وهو طول الوقت يضحك عليها.

أخيراً رحلتهم الحلوة خلصت وعاودوا البلد ورجعوا للسرايا. وأول ما حكيم نزل من الكارته هو وجمارة ودخلت جمارة السرايا، راح جرى على الإسطبل وسلم على جمرة اللي استقبلته بفرحة وشوق كأنها حبيبة بتشوف حبيبها بعد غياب. وهو كمان فضل يحضن ويحب فيها كأنها بتّه اللي كان مسافر ومهملها.

ابتدت مع الأيام ومن أول شهر تظهر على جماره العلامات اللي شرحت صدر تماضر. مع إن لا جماره ولا حكيم واخدين بالهم ليها. بس عين تماضر كانت كيف ميكروسكوب متعديش من تحتيه حاجة ميشوفهاش وياخد باله منها. عدى الشهر على جماره وعدوا عليه ١٠ أيام. وتماضر بتحسب فيهم باليوم. وقالت لجمارة من تاني يوم توقف العلاج. وجمارة سمعت ووقفّته طوالي.

جمارة لما شكت في روحها حبلى حبت تتأكد وطلبت من حكيم إنها تروح لأمها تقعد جنبها في بيتها هبابة عشان زهقانة. وحكيم بعتها بالكارته لحد باب بيت بشندي. وأهناك جماره حكت لأمها عن التأخير وخلتها راحت على عجل جابتلها الداية وكشفت عليها وبشرتها بالحبل. وجمارة طارت من الفرحة. وحتى أمها عيشة اللي عطت للداية مبلغ محترم حلاوة بنتها. والداية ما اكتفتش بكده. ده صممت إنها تروح للشيخ حكيم وتاخد منه حلاوة الخبر ولتماضر كمان. بس جماره قالتلها تأجل روحتها يوم ولا اتنين عشان هي حابة تبشر حكيم بنفسها. وأكدتلها إن حلاوتها هتزيد متنقصش. لولا ما وافقت وهملتهم ومشيت.

عيشة فضلت تحضن في جماره وتباركلها وهي بتحمد في ربنا إنه من على بنتها وكمل فرحتهم هي والشيخ حكيم. وندرتلها رز بلبن تفرقه حلاوة الخبر الحلو ده. روحت جماره فرحانة. وتماضر أول ما طلعتلها ووعيت الفرحة في عينيها عرفت إن جماره اتأكدت حدا أمها من حبلها. وبصت لفوق وحمدت ربها على دعاؤها اللي استُجيب وإنه ولدها هيتخاوى من صلبه.

حكيم يومها عاود ومعاه اتنين غرب دخلوا السرايا وفضلوا يمدوا في سلوك وحطوا في السرايا على مرأى من تماضر حاجة شكلها غريب. وبصت لحكيم اللي واقف جنبهم وعمالين يتحدتوا معاه. وهو لما بص عليها ولقاها بصاله بتساؤل راح عليها وخد إيدها حبها وهمسلها بصوت واطي: "ده تليفون يا لبّة القلب. تقدري منه تكلمي غالية وتسمعي صوتها وتطمني عليها كل يوم وهي في بلاد الشام. عمي راغب حداه واحد وعطاني رقمه." تماضر رفعتله

حواجبها وبرقت عينيها: "ملبوس كيف اللي حدا بيت العمده؟ حكيم بضحكة: "أيوه عليكي نور. ملبووووس. بس اسميه تليفون يمه مش ملبوس." تماضر: "له ملبوس. لابسه بسم الله الرحمن الرحيم وهو اللي بيوصل صوت الناس ببعضها. متوبقاش غشيم يا ولدي أصلو مفيش صوت بيمشي جوا سلك. ربنا عرفوه بالعقل يا ولدي. ولو من هنا لبكرة قولتلي غيري بدلي مهغير رأيي دي واصل."

حكيم ضحكته زادت ورد عليها: "طب والله معاكي حق أصل إني عن نفسي معرفشي كيف الصوت بيمشي في السلك من بلد لبلد ومن دولة لدولة. خلاص يمه اسمه ملبوس." تماضر: "طب يلا خليهم يهموا قوام عايزة أكلم غالية بتي." حكيم: "يخلصوا توصيل وهيمشوا طوالي."

وبالفعل خلصوا وراحوا الكبينة اللي قدام دوار العمده ووصلوا لحكيم الحرارة. وحكيم اتصل بغالية مكالمة دولية محولة واطمأنوا عليها كلهم. وغالية فرحت قوي بمكالمتهم وفرحتهم بيها وطمنتهم عليها لما حسوا بالسعادة في صوتها. وكلموا الحج راغب وأسامة. وتماضر وجمارة كلموا نادرة وورد والكل فرح بالمكالمة كأنه يوم عيد.

حكيم كان واقف وعينه على جمارته هي وبتتحدت في التليفون وعنيها اللي بتلمع كيف عيون البسة ويبرقوا برق. ودي ما بتحصلش غير لما تكون فرحانة فرحة كبيرة قوي. حكيم قدر يخمن فرحتها من إيه. بس هو لجم قلبه من فرحة ممكن تطلع كدابة وأمله وأمل قلبه يخيبوا في الآخر.

في الليل حكيم رجع من المندرة ملقاش جماره تحت واستغرب. لكن أمه قالتله إنها خدت عشاء وطلعت عشان يتعشوا فوق وهي اتعشت مع زبيدة. وحكيم طلع وفتح باب الأوضة واتفاجأ بجماره اللي كانت عاملة كيف عروس في ليلة دخلتها. وريحة الأوضة بتعج بريحة العنبر والمسك. ودخل وهو مبتسم وقفل الباب وراه. ومقدرش يمنع قلبه من إنه يرقص من الفرحة وعنيه بتأكده إن شكه في محله وإن دي احتفال ببذرة من صلبه استقرت في رحم حبيبة روحه. وأخيراً العشق هيترجم في صورة حتة منهم هما الاتنين بتمشي على الأرض.

جمارة قربتله وهو مرة وحدة حضنها ورفعها في مستواه وهمس قبل منها: "قلبي حس من غير ما تقوليها. مبارك يا ست البنات وأم عيالي وحبيبة الروح وبت القلب وعشق العين." جمارة ضحكت وهي بتحاوط رقبته وردت عليه بدلع: "كيف يا حبيبي بتحس بكل اللي فيا أكده وتفهمني من قبل ما أتحدت؟ حكيم: "عشان انتي نفسي يا جماره. كيف يعني الواحد ميحسش بنفسه ولا يفهم قلبه ويحفظ كل دقاته."

جمارة أخدت نفس منه وهي دافنة وشها في حضنه. وهو نزلها ومسك إيدها وراح بيها حدا الأكل وابتدا يوكلها بيده وهي توكله بيدها. وحديث اللسان سكت بس العيون لسه بتبوح بالحب وتتقاسم الفرحة.

جمارة شبعت قبل حكيم وقامت غسلت إيدها وعاودت للأوضة. وحكيم وراها راح يغسل إيديه. وجمارة راحت على الشباك ووقفت قباله. وغمضت عينيها لنسايم الهوا الباردة وابتسمت. لكن قلبها نغزها لما فتحت عينيها و وقعوا على المشتمل. وابتدت تعاودلها ذكرياتها العفشة فيه وأيام غازي. ورفعت إيدها حطتها على قلبها تهدئ خوف اتسلل لها من إن كل السعادة اللي هي فيها دي ممكن تكون حلم وتصحى منه تلاقي روحها لسه عايشة في كابوسها مع غازي.

جفلت مرة وحدة لما حكيم حضنها. وهو لما عمل أكده سمى عليها بخوف وهو بيحوطها بزيادة ويمسد على دراعاتها بحنية وهمسلها: "مالك يا جماره القلب سرحانة فيه وجفلتِ ليه من حطت إيدي عليكِ؟ جمارة أخدت نفس قوي وزفرته وشاورتله بعنيها على المشتمل: "كل ما أطلعله وأتفكر اللي شوفته وعيشته فيه قلبي بيتقبض وروحي بتشوق." حكيم: "بسيطة نغيروا الأوضة عشان لما تطلعي متوعيشيش قدامك."

جمارة: "مش كفاية عشان برضه هعدي عليه في الرايحة والجاية ونفس الإحساس هيفضل مقاوطني." ولفت لحكيم وحاطت رقابته بإيديها وهمستله: "هدّه ياحكيمي واردم الحفرة وساويه بالأرض ومتبقالهوش أثر قبال عيني. امحيه وامحي معاه ذكرياتي العفشة كلها وأيام عذابي فيه." حكيم ضمها عليه أكتر وقرب جنب ودنها وهمسلها: "يجرالك يا بت القلب. جمارة الشيخ تأمر أمر. من بكرة مهتلاقيش للمشتمل أثر."

"وموطرحه هنزرعوه إني وانتي أحواض ورد ونبدل الذكريات العفشة بذكريات حلوة ونغيروها سوا. وكل الجنينة هنعيدو زرعها وأزرعلك الورد بإيدي عشان طول ما انتي شامة ريحته أفضل على بالك." جمارة همستله بحب: "انتا طول الوقت في بالي وقلبي وعقلي وعيني من غير ورد ولا ريحته. انتا الوردة اللي اتزرعت في نص قلبي وطرحت بستان ورود محدش بيشوف جمالها ولا بيشم ريحتها غيري."

حكيم بعد كلام جمارته ختم الكلام بطريقته وبسكوت رافض لأي كلمة تطلع بعد الكلام الحلو وتضيع صداه اللي فضل يتردد جوا روحه. ***

عدت الأيام والشهور وحكيم وفي بوعده وهدم المشتمل وحول موطرحه لأحواض ورد زرعهم هو وجمارة سوا. وفوسطهم عمل مطرح لجمرة حاوطه بدرابزين حديد وجابها فيه جاره وقبال عينيه. وجار منها عمل قفص كبير للعصافير أكبر من الأولاني والعصافير كلها ابتدت تبيض وتفقس والقفص اتملى عصافير بكل شكل ولون. وباقي الجنينة زرعها ورد وشجر التوت اللي زرعوه في الأول كله اللي اتكسر واللي مات مفضلتش منهم غير شجرة واحدة بس. فضلت مقاومة وعايشة ودافعت عن حقها في الوجود بكل قوتها. وتاني موسم للتوت كانت طارحة وجمارة كانت كل يوم تراعيها وتسقيها بإيدها وهي تكبر قبل الأوان كيف ما تكون بتقول لجمارة إنها عايشة عشانك انتي. وهطرحلك التوت اللي بتحبيه.

*** بشندي واقف بره الأوضة في بيته وعمال ييجي ويروح ويقعد ويوقف وهو سامع حس عيشة اللي بتوجع من ألم الطلق وصوت صراخها بيهز أركان البيت. وكل صرخة تطلع منها تدخل لقلب بشندي تزلزله زلزل. عيشة: "همووووت يا بويا انجدوووووني يا خالق همووووت يا هوووووه." بشندي راح جرى ع الأوضة وضرب بابها بعصايته وزعق بعصبية: "بطلي صراخ يا بت المركوب سمعتي البلد كلها إنك بتولدي يا قليلة الرباية." حكيم راح على بشندي وشده من إيده وقعده تاني

على الكنبة وهو بيقوله: "اهدي على الولية هبابة هي في إيه ولا في إيه مش غصب عنها يا خي." بشندي هز راسه واتحدت بتوهان: "أيوه أيوه صوح غصب عنها صوح." وقعد يدب بعصايته ع الأرض بتوتر. شوية وسمعوا صوت عيشة بتصرخ تاني: "ياااابوي يشندلك يا بشندي قولتلك مش حمل خلفة نشفت راسي يشندلك يا بعيد يشندلك يشندلك يا أبوووي."

بشندي بص لحكيم وبرق عينيه: "واعى بت المراكيب بتشندلني وهي بتولد ودعوة اللي بتولد بتتقبل." وقام جرى بسرعة ع باب الأوضة فضل يضرب فيه بالعصاية ويشتم في عيشة وعيشة تشتم فيه وحكيم يضحك عليهم. لكن من جواه مرعوب ومعارفشي هيعمل كيف لما جماره تيجي تولد ويشوفها متوجعة وبتصرخ من الوجع أكده وهو واقف كيف بشندي مفيش في إيده حيلة ولا بصارة عليها.

بشندي رجع قعد جنب حكيم وهو عينه بتلمع وبصله وشافه بيضحك وزغرلّه: "بتضحك على إيه انت التاني. وصوح مراتك مجاتش تحضر ولادة أمها ليه؟ طب حسكم عينكم لما مراتك تيجي تولد تبعتوا على مرتي ولا حد يوصلها منيكم أقرطم رجليه بالشومة." حكيم: "يا بوي متعرفشي مقولتلهاش لتروح تخاف وتولد قبل أوانها من الخوف واحنا ما صدقنا هملنا في حالنا الله يرضى عليك."

بشندي هز دماغه بتفهم: "أيوه صوح صوح لتروح تولد. إذا كان أنا راجل ومن صراخ بت المحروق ده حاسس إني هولد." حكيم ضحك وبشندي قام منتور وهو سامع صوت بكاء ولده وهمس لحكيم: "سخاوي جه يا حكيم." وجرى ع الباب بفرحة ولهفة وقعد يتحدت من ورا الباب: "سخاوي يا ولدي. جيت يا حبيب أبوك يا غالي جيت يا ولد الشيب والشيبة." سمع صوت من جوه بيشره: "واد يا بشندي والحلاوة من حباب عينيك."

بشندي: "عارفة واد يا بت المحروق انتي التانية أمال يعني هصبر ده كله وأخلف بت. ده لو عيشة عملت أكده وجابتلي بت كنت أكلتها ليكي تاني." حكيم استغفر ربه وفضل يضحك على بشندي وفرحان لفرحته. وبشندي واصل حديثه: "بت يا عيشة. انتي يابه. حسك سكت ليه يا قزينة لتكوني متي صوح يا حزينة. انتي يابه اتحدتي لو لسه عايشة." عيشة بصوت تعبان: "يشندلك يا بشندي." بشندي بص لحكيم

وشاورله ع الباب بفرحة: "لسه عايشة بت المركوب." واتولد سخاوي آخرت صبر بشندي وفرحته الكبيرة اللي ما مرت ع قلبه فرحة زييها. ومن أول يوم ومن بعد ما الناس مشت وهو شايله على رجله ويحب ويشم فيه. وكل ما عيشة تقوله نزله هيضرى ع الشيلة يقولها "لكيش صالح انتي ولدي وهضريه". وهي تسكت متقدرش تتحدت.

جمارة راحتلها وقعدت جنبها للسابع تخدمها طول النهار وتروح بالليل. وأحياناً كانت تبات وحكيم يوم ما تبات يتجنن ويطلع كل غلّه في بشندي اللي مبقاش يشوفه غير ساعة ولا ساعتين في اليوم وباقي اليوم لابد جنب مرته وولده. ***

عدت الأيام وجمارة خلاص دخلت شهرها وجمرة كمان دخلت شهرها. وهما الاتنين حكيم متشتت ما بينهم. وحارسهم وعايرهم برموش عينيه. وطول الوقت كل ما يبص لواحدة فيهم ويشوفها كاله من حملها يحس بضيق ونفسه الأيام تعدي قوام وياجي يوم ولادتهم بفارغ الصبر.

حكيم طول الوقت رايح جاي ع جمرة ويبص عليها خايف تولد من غير ما يشوفها خصوصاً إنها خلاص بانت عليها علامات الولادة وأي وقت ممكن تولد. وحتى بالليل كان يقوم يطل عليها من الشباك كل ساعة ولا نص ساعة. وجمارة تفضل تتعارك معاه وتقوله "داني مقلقانش عليا كيف جمرة أكده."

وهو يرد عليها رده المعتاد: "يا بوي جمرة خرسه مهتعرفش تقول هولد ولا الحقوني ولا حد هيحس بيها وهي بتولد. إنما انتي هتصرخي كيف ما عملت أمك وتجرسِ الدنيا وتجيبي التايه بحسك. وبعدين بطلي غيرة من جمرة. قولتلك عشان انتو الاتنين في نفس المعزة حداي." جمارة: "أهو إني ما أغار في الدنيا دي كلها غير من جمرة."

حكيم ضحك ورجع جنبها ع السرير ولفلفها في حضنه ونام عشان هي كمان تنام لها هبابة عشان عارفها أول ما يقوم من جنبها هتقوم طوالي. عدوا يومين جماره فيهم كانت كل يوم تحس بهبابة وجع ويروحوا. لكن في اليوم التالت زاد عليها الوجع وفضلت تلدلد خلت حكيم اتجن وبقى يلف حوالين نفسه وهو واعيها بتتقطع من الوجع. وبسرعة بعت للداية وجات.

ساعات قضاها حكيم في عذاب وهو واقف ع باب أوضة جماره وأمها وأمه وزبيدة والداية كلهم معاها. وكل ما يسأل يقولوله "لسه لسه." صرخة طلعت من جماره بعزم ما فيها خلت حكيم

قلبه كان هيقف وهي بتقوله: "همووووت يا حكيم الحقني." وهنا حكيم مقدرش يصبر أكتر ودفع الباب ودخل. ولف جماره بملاية سرير وخطفها ع دراعاته وجرى بيها حطها في الكارته اللي جرى بشندي جابها. وعيشة ركبت معاهم وهملت ولدها لزبيدة. وجرى بيهم ع الوحدة اللي كانوا جابوا فيها دكتورة النوبادي.

دخلها والداكتورة كتبتله حقن جابها طوالي وفضل واقف يرجف قدام باب الأوضة مع إن الدكتورة طمنته إنها بكرية وهتاخد وقت ياجي ساعة ولا ساعتين تاني على ما تولد. وفي الأثناء دي غفير جه لحكيم من الغفرا بتوع السرايا وبلهفة قاله: "يا شيخ الحق جمرة بتولد وبشندي بيقول العيل جاي مخلوف ومعرفشي يعملها إيه." يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...