الفصل 2 | من 39 فصل

رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الثاني 2 - بقلم ريناد يوسف

المشاهدات
51
كلمة
6,679
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

التفاته من والدته نحوه وهي تحرك رأسها يميناً ويسارا برفض، ترجوه ألا يفعل ما يفكر به الآن، وما تُتيقن تمامًا أنه لو فعله لذهب غازي في غياهب النسيان ولضاع فلذة كبدها هو الآخر. جاهد حكيم مجددًا لكبت جماح غضبه، حين خفض عينيه إليها ورأى منها مارأى، وسيطر على انفعاله أكثر وهو يرى غاليته تقف على آخر درجات الدرج من الأعلى، تناظر الموقف أمامها بصمت وهدوء، هو متيقن تمامًا أنه عكس ما تشعر به.

أثر كسر غازي لقلبها هي الأخرى، والذي بالرغم من كل مساوئه، ورغم عدم رضى أخيها حكيم عن تعلقها به، ورفض أمها تماضر لذلك الحب الذي بدأ يتجلى في كافة تصرفاتها معه ونظراتها إليه في سن مبكرة جدًا، إلا أن غاليه لم تكن عينيها ترى من كل الدنيا سواه، ضاربة بتحذيرات أمها وأخيها منه عرض الحائط.

وبدأ غازي رويدًا رويدًا، تحت أنظار الجميع ورغم أنوفهم، يصبح كل عالمها، فقد كان لها اسمًا على مسمى، فقد غزى قلبها وعقلها وكيانها، وأصبحت سعادتها مرهونة على كلمة أو ابتسامة كانت تستجديها منه في كل مرة تراه فيها.

قرر حكيم ألا يضعف لكي لا تضعف غاليته هي الأخرى، بالرغم من أنه يعلم جيدًا أنها الآن أضعف ما يكون، وأنها مثله تمامًا خاوية من الداخل كتمثال مصنوع من الجص المفرغ، وبرغم تماسكه الخارجي إلا أنه سيتفتت ويتحول لمئات القطع من أقل ضربة. ما أصعبها لحظات، وحكيم وأخته غاليه، كل منهم يقف أمامه محبوبه بجانب غيره، وقد أصبح قلبه لا يملك الحق فيه.

أردف لغازي من بين أنيابه وهو يحاول التحدث بنبرة صوت عالية، بالرغم من عدم استطاعته ذلك، لكنه حاول، فخرج صوته أشبه بالفحيح: "أهلاً يا غازي، أصباح الخير... أصباح الخير يا عروسة... صباحية مباركة عليكم... مش غريبة طلعتك بعروستك النهارده وفالوقت ده يا غازي، مع إنكم المفروض دلوقت تكونو قاعدين بتفطروا لحالكم يوم صباحيتكم؟ عليه غازي بابتسامة سمجة:

"والله جمرتي قالت لي كده وكانت عايزة نفطر لحالنا، بس إني قلت لها له، والله ما أغير عادتي ولا أفطر غير مع مرت عمي وولد عمي وأخوي وحبيبي... ونظر للأعلى وأردف مكملًا، وقد زادت ابتسامته فور رؤيته لحالة غاليه التي على شفا الانهيار: "ولا بت عمي غاليه الغاليه... عارف إنكم فطرتوا، بس برضه هقعد أفطر وسطكم إني وهي عشان الأكل يبقى له طعم تاني."

أردف حكيم بعد أن رفع عينيه مرة أخرى لجماره وخفضهم مباشرة، وهو يبتلع غصة في جوفه، وهو يكرر بداخله أن جمارته أصبحت ملك يمين رجل آخر، ولم يعد من حقه النظر إلى عينيها بعد الآن. "بس والله مالكش حق تستعجل مراتك بالشكل ده وتجيبها بمنظرها ده، بخلجات نومها... هو الأكل هيطير ولا إحنا هنطير يعني؟

نظر غازي إليه، ثم نظر لجماره التي تحاول الاختباء خلفه أكثر، وخاصة بعد سماعها لكلمات حكيم اللاذعة التي زادتها حرجًا وحقدًا على غازي. ثم جذبها من يدها ليوقفها أمامه، وكأنه يريد أن تتشبع منها عينا حكيم ويرى جمالها جيدًا، عل الحسرات تقتله في مكانه، وأردف رادًا على كلامه: "والله انت مش غريب يا ولد عمي، وهي لازم تتعود تقعد قدامك براحتها وتحسبك حسبة أخوها، زي ما إنت أكيد حاسبها حسبة أختك غاليه... مش كده يا مرت عمي ولا إيه؟

قولك إنتِ." حكيم: "بس إني حدي أخت ومعتلبسش كده أصلًا قدامي يا غازي، ولا عملتها قدامك في يوم من الأيام، وإنت متربي معاها وفي حسبة أخوها صح... وحتى لو فكرت، هتكون دي آخر فكرة هتجول في عقلها قبل ما أقطع لها راسها وأرميها للكلاب ياكلوها... وزن كلامك يا أبو عمو، وإن كان لحمك رخيص عليك، إني له...

وبعدين سيبك مني إني، طب الرجالة بتوعي اللي بيحرسوا السرايا، مفكرتش هيقولوا عليك إيه لما يشوفوا مراتك وعرضك لابسة كده وإنت جاي بيها على هنا؟ طب دول كمان لازم يتعودوا ولا إيه؟ والله إني محروج ومش عارف أقول عليك إيه، بس صدقني هسكت بس عشان مش عاوز أحرجك قدام عروستك." قالها، ثم تبعها بضحكة سخرية.

نظر له غازي مبتسمًا لإتقان حكيم تمثيل دور اللامبالي، وهو يعلم تمامًا أنه يحترق في هذه اللحظات احتراقًا. فقرر ألا يدعه يتغلب عليه من خلال هذه النقطة وتجاهل كلامه، وأردف يسأله: "هو إنت مال حسك عامل كده ليه يا حكيم؟ ومال وشك مسود وشكلك راجع من الموت كده ليه يا ولد عمي؟ سلامات." شهقت تماضر وهي تسرع بالرد عليه: "تف من خشمك يا غازي، الملافظ سعد، بعد الشر عنيه...

اقعد إنت ومراتك عشان تفطروا وتروحوا مخدعكم، إنتوا عرسان والناس زماناتها هتهل عشان تبارك لكم." وأكملت بنبرة عالية: "زبيدة... زبيدة حطي الأكل عشان نفطر وكل واحد يشوف حاله، خلصي قوام." ليأتيها صوت زبيدة الخادمة مجيبًا: "حاضر يا ست الحجة حالًا." ليردف غازي: "وه... لا هو إنتوا كمان لسه ما فطرتوش؟ طب حلو قوي عشان نفطر كلياتنا، إلا إني كنت خايف قوي العادة تتقطع." تماضر بغضب: "ربنا ما يقطع لك عادة... اقعد يا غازي، اقعد."

وبالفعل جلس غازي على كرسي طاولة الطعام، ونظر لجماره التي ظلت واقفة ولم تبرح مكانها، ولا زالت خافضة رأسها للأرض بخجل. كان على وشك أن يدعوها للجلوس، لكنه تراجع وهو يرى تماضر زوجة عمه تتحرك نحوها بالكرسي إلى أن وقفت أمامها مباشرة.

مرت دقائق عليها وهي تتأمل حسنها، وقلبها يعتصر على ابنها الذي كتب عليه أن يتعذب به كل يوم وفي كل مرة يراها فيها أمامه. أي أم في نفس موقفها كانت سترفض الوضع تمامًا، وكانت ستكره جمارة أيضًا لما تسببت به من ألم لابنها، حتى ولم يكن لها ذنب ولا تدرى عما يعانيه أي شيء. ولكن ما حدث مع تماضر هو عكس ذلك تمامًا، حيث ما أن رأت جمارة حتى شعرت أن حبها اقتحم قلبها اقتحامًا وسيطر عليه بدون سابق معرفة. فهمست لها بحنان بالغ:

"كيفك يا بنيتي؟ صباحية مباركة يا حبيبتي... ربنا يسعدك ويهدي سرك يا رب." لتردف جمارة بعد أن رفعت عيناها قليلًا لتنظر لصاحبة الصوت: "الله يبارك فيكي يا خالة." تماضر سمت الله وكبرت بداخلها وهي ترى زرقة عيني جماره وكثافة رموشها، ودعت الله أن يعين ابنها فالأيام القادمة على هكذا لعنة هي متأكدة تمام التأكد أنها أصابته من عين حاسدة لتدمر حياته.

أما حكيم، فقد أغمض عينيه أثر سماع صوتها لأول مرة بهذا الوضوح ورؤيتها بهذا القرب، وشعر أن دقات قلبه تجاوزت الحد المسموح، وأن قلبه قد دخل في مرحلة الخطر.

تقدم يدفع والدته لمكانها المخصص على طاولة الطعام، ونظر للأعلى وحرك رأسه لغاليته يدعوها للنزول، مع ابتسامة حنونة، وما كان من غاليه إلا أن تلبي دعوة أخيها وتنزل السلم درجة درجة، وعيناها لا تحيدان عن جماره التي توترت من نظرات غاليه، وشعرت أن غاليه مستاءة منها لأقصى الدرجات، ولكنها لا تعلم لماذا.

أكملت غاليه النزول وجلست على طاولة الطعام بدون أن تنطق بكلمة واحدة، وتبعها حكيم وجلس بعد أن ربت على كتفها بحنان وقبل جبينها بحب. أما جمارة، فتقدمت ببطء تجاه مقعد زوجها الذي أشار إليها بالجلوس بجانبه على الكرسي المقابل لكرسي حكيم. فأغمض حكيم عينيه وهو يراها تجلس أمامه مباشرة، وهو يتساءل كيف له أن يمنع عينيه الآن من النظر إليها وهي بهذا القرب القاتل.

تنفس بقوة وزفر وهو يستغفر ويحاول الهروب بعينيه في كل مكان لكي لا يقعا عليها، وفي نفس الوقت أخذ يردد بينه وبين نفسه: "مرت ولد عمك يا حكيم... بقت مرت ولد عمك دلوقت، بقت جمارته هو مش جمارك... إنت مش باقيلك منها غير جمرة في قلبك وبس... اصحك يا حكيم."

ابتسم غازي وهو يرى حكيم يحاول الهرب بعينيه ليتجنب النظر لجماره خوفًا أن يلاحظ غازي نظراته إليها فيستاء، ولا يعلم أن غازي هو من وضعها أمامه واختار لها الكرسي المقابل له تحديدًا ليرى حكيم في هذه الحالة فينتشي قلبه كما حدث للتو.

بدأت زبيدة الخادمة بوضع الطعام على الطاولة، وبدأ الجميع بتناول الطعام. بينهم من يأكل بنهم، وبينهم من لا يقوى على وضع لقمة في فمه لكنه يتظاهر بتناول الطعام، ومن بينهم أيضًا من هو متجاهل أمر الطعام تمامًا ويجاهد ألا يبدو منه ما يُلام عليه، ومنهم من لا يستطيع تناول الطعام خجلًا من أناس أغراب لا أول مرة يراهم ويجلس معهم، واللقاء الأول بينهم لا يبشر بخير أبدًا.

لم يستطع حكيم السيطرة على نفسه أو التحكم بأعصابه أكثر من ذلك وهي جالسة معه على نفس الطاولة، ويشتم رائحة الياسمين منها، والتي طالما حملته إليه نسمات الصباح وهو يمشي خلفها، فأصبح باستطاعته معرفتها من وسط نساء العالم أجمع من تلك الرائحة المميزة التي حفظها عن ظهر قلب، والتي دائمًا تفوح منها. فوقف منتفضًا وغادر المكان بسرعة تحت نظرات الجميع وحسرة من أمه التي شعرت أنه وصل إلى ذروة تحمله ولم يعد يستطع التحمل أكثر.

وبمجرد خروجه لحديقة القصر تنفس بقوه، ثم جاب بعينيه المكان وضرب الحائط الذي بجانبه بيده، وهو يرى رجاله واقفين على بوابة القصر كالعادة، واشتعل قلبه وهو يفكر إن كان رجل منهم قد رأى من جماره مارآه هو، وأنها اجتازت كل هذه المسافة تحت نظراته، وأخذ يلعن غازي في نفسه آلاف المرات على فعلته هذه. حاول الصراخ فيهم ليبتعدوا عن البوابة، لكن صوته الذي حُبس في حنجرته لم يساعده، فرفع يده متحسسًا لحنجرته بغضب وأخذ يمسد عليها.

توجه لبشندي في المندرة بخطوات مترنحة، وما أن رآه حتى أشار له بغضب، فأتى الآخر مهرولًا يلبي نداء سيده، وبمجرد وقوفه أمامه أردف حكيم بصوت متعب: "أؤمر الرجالة يخلوا مكانهم عالبوابة حالا ويقفوا بعيد شوية... ونبه عليهم مفيش حد أصلًا يدخل القصر ولا الجنينة من اليوم ورايح... قولهم يخلوا قعدتهم حوالين القصر والمندرة وبس... وأي واحد هلمحه يدخل الجنينة ملهوشي وكل عيش حداي مرة تانية... يلا روح لهم دلوقت."

وأومأ بشندي بالموافقة وخرج ينفذ في الحال بدون نقاش، لأنه فهم السبب وراء هذا القرار، وهو غيرته على جماره من عيون الناظرين، نابع عن عشق لا يزال يستوطن قلبه، ناسيا أن هذه الخطوة من حق غازي وحده لا من حق حكيم. لكنه يعلم أن للقلب أحكام تتجاوز الحقوق والحدود معًا.

خرج حكيم متوجهًا للاسطبل، وأخذ جمره، والتي ما أن رأته حتى صهلت بصوت عالٍ كأنها تحمد الله أنها رأت سيدها بخير، وأخذت تقفز بفرحة مثل طفلة صغيرة تحتفل بعودة أبيها للبيت بعد غياب.

اقترب منها حكيم واحتضن رقبتها، ومد يده ممسدًا ما بين عينيها وأنفه في حنو بالغ، ثم قبلها، قبل أن يأمر سايس الأسطبل بجلب سرجها الخاص، وما أن ربط السايس السرج حتى قفز حكيم على ظهرها وخرج بها منطلقًا لا يعلم إلى أين، ولكنه تفاجأ بها وهي تجتاز الطرقات وصولًا لطريق محددة.

وحين وصلت إليها هدأت سرعتها وبطئت خطواتها، كقلب أم تعلم أن سعادة طفلها وشفاء علته يكمن في هذا الطريق. هو بالفعل كان كذلك من قبل، ولكن الآن لم يعد هذا الشارع يمثل له إلا كل وجع، وأمسى مرقدًا لحلم دُفن فيه وأمل اندثر على أرضه. مضت جمرة في الشارع كعادتها بخطوات بطيئة، كأن تعودت منذ أعوام، وكعادتها وقفت أمام بائعة التوت التي كانت تستعد للمغادرة بعد أن باعت معظم التوت ولم يتبقى معها إلا القليل.

ابتسمت المرأة لحكيم ظنًا منها أنه أتى ليشترى منها اليوم، ولا سيما أنها كانت تسأل نفسها عن سبب عدم رؤيتها له منذ فترة كبيرة وعدم قدومه المعتاد إليها. لكنها تفاجأت حينما أدار لجام مهرته ليبتعد عنها وهو يحدث نفسه: "خلاص معادش هيبقى فيه توت من هنا ورايح، وهيتحرم عليّ كيف ما جمرتي اتحرمت عليّ."

أعطى الأمر لمهرته جمرة أن تغادر هذا الطريق بأسرع ما يمكن، وهو يحاول أن يخفف من حزنه، ناظرًا لجنبات الطريق لآخر مرة، مودعًا لها، معاهدًا نفسه أنها المرة الأخيرة التي سيمر فيها من هذا الطريق.

وابتعد متمنيًا أن كل ذكرى جميلة وكل فرحة شعر بها في يوم من الأيام وكل أمنية بجمرته نُسجت خيوطها حول شرايين قلبه، وولدت في هذا الطريق، أن تسقط من عقله وقلبه وروحه مع كل خطوة من خطوات مهرته المبتعدة، وأن تموت هنا في نفس المكان الذي ولدت فيه. ودعا الله أن ينتزع حبها من قلبه كما زرعه فيه، وأن يعود إلى قصره خالي القلب والفكر والبال كما خرج منه آخر مرة قبل أن يرى جمرته لأول مرة في صدفة غيرت مجرى قلبه.

وقف على نهاية الطريق واستدار بمهرته ينظر خلفه نظرة مودعة، وابتسم ثغره وأغرورقت عيناه وهو يراها تتجسد أمامه مرة أخرى، وطيفها أخذ يتحرك أمامه كأنها حقيقة جعلت قلبه يهوى من مكانه وأرجعته مرة أخرى لتلك الأيام.

حيث خرج من بيته كعادته وهو يمتطي ظهر مهرته، قاطعًا شوارع البلدة إلى أن يصل لوجهته ويقف على أطراف هذه الطريق ملثمًا، وينتظر بعض الوقت لتخرج من بيتها ذات الثماني عشر عامًا حاملة سلة الجبن على رأسها. تتهادى بطولها الفارع وجسدها الممشوق الذي ينافس في الأنوثة جسد ثلاثينية، تتمايل جديلتها ذات اللون الأحمر والتي تمردت من أسفل ربطة رأسها لتتحرر على ظهرها، فتتمايل يمينًا ويسارًا أثناء سيرها كأنها ترقص على أنغام خطواتها، لتلفت النظر لذلك الخصر الذي يملك القدرة على سلب أكثر العقول رزانة.

أما وجهها، فلا وصف له سوى أنه وطن يستحق أن تُخاض من أجله آلاف الحروب، ومن أجل جمال عينيها تُنال الشهادة. كل هذه الأشياء تجعل المسافة التي يقطعها يوميًا واستيقاظه في ساعات النهار الأولى لا شيء مقارنة بما يحصل عليه قلبه من لذة وعينيه من متعة وهو يرى أمامه كل هذا الحسن الذي تجلى في أبهى صوره.

نعم، فهو هذا الثلاثيني الذي كُتب على قلبه التعلق بتلك الصغيرة، والتي برغم صغر سنها، إلا أنها الوحيدة التي استطاعت غزو قلبه وسلب عقله، وهي أيضًا الوحيدة التي بنظرة واحدة من عينيها قادرة على أن تقوده إلى أطراف هاوية، وإن طلبت منه القفز فلن تجد منه إلا ملبيًا، حتى وإن علم أن في السقوط هلاكه.

عشرون دقيقة يوميًا هي المدة التي تستغرقها جمارته، وجمرة قلبه كما أطلق عليها بينه وبين نفسه، من بيتها إلى المكان الذي تبيع فيه الجبن. تلك الدقائق هي بالنسبة له الوقود الذي بدونه لا يعمل عقله طوال اليوم، ويظل كامل جسده حبيس الشوق إلى أن يراها. وهذا الإحساس هو ما دفعه في الفترة الأخيرة للقلق ودفع عقله للتساؤل بجنون عما سيفعله في الأيام القادمة، والتي مضطر أن يسافر فيها إلى بلدة أخرى لإنهاء بعض الأعمال المتعلقة. هل سيتحمل هذا الفراق؟

وماذا إن لم يستطع ونال منه الشوق ولم يقوى قلبه على الصمود! لملم شتات أفكاره وصبر قلبه بأنه لم يتبقى سوى شهور تُعد على الأصابع وينتهي انتظاره وينطفئ شوق قلبه وترتوي روحه من جمرته وجمرة قلبه حين تصبح بين يديه حلالًا طيبًا حلو مذاقه كجمار قلب النخيل وأحلى. ولكن للقدر دوماً رأي آخر وتخطيطًا يخالف حسابات القلوب، حين تيقن حكيم من هذا في اليوم الذي صنفه على أنه أتعب أيامه.

بينما كان يتابع مرورها من أمامه بعيون تكاد تخرج من محجريها من شدة التركيز مع كل حركة منها، ويحسب في نفسه كم مرة اهتزت جديلتها خلف ظهرها، ويتبسم بفرحة حين يلاحظ ابتسامتها تحت اللثام لنسمة هواء تداعب وجهها، حين تضيق عينيها بفرحة أسفل اللثام، حين تضيق عينيها فيقابل النسمات التي مرت عليها واتت إليه حاملة عطرها بفرحة يغمض لها عينيه بارتياح كأنها قبلات محبوب. أو حين تقف كعادتها أمام بائعة التوت لتشتري منها التوت وتبدأ في أكله مباشرة فور شرائه، وسعادتها وهي تفعل ذلك جعلت حكيم أيقن عشقها للتوت الذي انتقل له هو أيضًا، وبدأ في شراء التوت وأكله بشكل يومي بسعادة بالغة كما تفعل هي.

وفي أثناء ذلك، كان هناك من يتربص به ويراقبه كثعبان يترقب فريسته وينتظر الوقت المناسب لينقض عليها، ولكن ليحدث هذا كان عليه أن يدرس، يدرس جيدًا أكبر نقاط ضعف فريسته أولًا لكي يستغل هذه النقاط حين يقوم بالهجوم، فينتقي وقتًا تكون فيه فريسته في أضعف حالاتها ثم ينقض عليها. وما أكثر ضعفًا من قلب عاشق لهذه الدرجة!

تقدم غازي بسرعة ليقطع طريق حكيم ويقف أمامه، محدقًا بنظرة انتصار كأنه فاز للتو عليه في معركة ضارية، فشـد الآخر لجام مهرته بقوة لكي يتفادى الاصطدام به، ونظر إليه وتكلم وهو صاكًا على أسنانه من الغضب، ولم لا وقد قطع عليه هذا المتطفل البغيض أحب أوقاته وحرمه من متابعة معشوقته. حكيم: "غازي؟ ... إيه اللي جابك هنا وجاي تعمل إيه في الوقت ده؟ أجابه غازي بنبرة خبث: "حظي الحلو هو اللي جابني هنا ودلني على الطريق دي بالذات...

بس إيه الصدفة الحلوة دي... قولي عاد إنت بتعمل إيه هنا إنت كمان؟ قالها وجر عينه بنظرة جانبية على تلك التي على وشك أن تختفي من أمام ناظريهم، وهي تأخذ منعطفًا آخر من الطريق، ثم أرجع عينيه ليتفحص ذلك الذي يكاد يجزم أنه سوف ينفجر غيظًا في هذه اللحظات من خلال نبرة صوته التي تغيرت للحدة وهو يجيبه: "مانت عارف إني بحب كل صبحية آخد لي لفة بالفرسة بتاعتي وبعمل كده من سنين، ولا هي جديدة عليك وأول مرة تعرفها؟ أجابه غازي بابتسامة:

"أيوه عارف، بس يعني استغربت إنك بعيد النهارده عن الأرض والمطرح اللي بتضـرن تتمشى فيه كل نوبة، وجاي هنا على طراطيف البلد تتمشى... مش بعيدة عليك المسافة دي يا حكيم يا ولد عمي؟ أردف حكيم وقد رفع حاجبه دليلًا على التعجب مما قاله غازي: "إني طول ما جمرة معايا مابعدش عليا مطرح، وكل البلد مضماري يا غازي... بس الهم والباقي على اللي ماشي على كعوب رجليه وجاي على طراطيف البلد كده، وبيقول وقاطع كل المسافة دي من غير سبب."

غازي بابتسامة: "ومين قال مفيش سبب... عمومًا إني هسبقك ع البيت وأستناك في الدوار، وهناك نكملوا حديثنا، إلا الوقفة والحديث في الشوارع مسخّن قوي... نطق آخر كلماته وهم بمغادرة المكان، لكنه سرعان ما غير وجهته وعاد ليواجه حكيم مرة أخرى وأردف: "صح، متنساش النهارده فصل الرقاقنة مع بيت شندويل...

أوعاك تتأخر يا كبير البلد وشيخها عالفصل كيف النوبة اللي عدت، إلا الناس تاكل وشنا ويقولوا الشيخ ولد الشيخ بيتأخر ع مجالسه كيف ما عملت ديك النهار في فصل العمارنة." أردف حكيم وهو يحاول السيطرة على اللجام وكبح جماح مهرته: "له متخافش مهتأخرش، وبعدين دُكها كانت غلطة وأول وآخر مرة تحصل، ويا ريت تنساها ومتقعدش كل هبابة تعيد وتزيد فيها كيف ما تكون مسكت عليا زلة." ليرد عليه غازي سريعًا باستغراب:

"به كلام إيه ده يا أبو عمو، بردك إني أمسك عليك إنت زلة؟ طب ليه، وإني وإنت واحد، واللي يضرك يضرني واللي يسيئلك يسيئلي... مكانش العشم يا خوي... إني بس خايف ع منظرك وهيبتك قدام الخلق وعنبهك مش أكتر." ليأخذ حكيم نفسًا عميقًا مصحوبًا بغمضة من عينيه وهو يشيح بوجهه للجانب الآخر في محاولة منه لتهدئة نفسه والسيطرة على أعصابه، ثم نطق أخيرًا: "معلش حقك عليا يا غازي يا خوي، متزعلش مني، إني مقصدتش، إني بس خانتني الكلمة مش أكتر."

ابتسم غازي وهو يومئ برأسه لحكيم بتفهم قبل أن يردف: "ولا يهمك يا حكيم، إني خابرك زين وخابرك إن قلبك أبيض كيف اللبن الحليب، وعمرك ما تقصد بكلامك أي حاجة وحشة." ثم أفسح له المجال وهو يكمل حديثه: "يلا يا غالي روح كمل مشوارك وشوف كنت رايح فين، وإني هرجع ع المندرة وأجهز مع الرجالة لقعدة النهارده." أجابه حكيم وهو ينظر بعيدًا للطريق الذي أصبح خاليًا بعد أن ابتعدت صغيرته، ثم نظر لساعة يده وأيقن أنها الآن بالتأكيد وصلت وجهتها:

"له خلاص عاد، معدش فيه مشاوير، إني راجع معاك." غازي: "طيب وسع خدني وراك، إلا المسافة طويلة على الماشي كيف ما قلت." حكيم: "بس إنت عارف إني ما أحبش حد يركب جمرة غيري يا غازي." غازي: "معلش النوبة دي، بس وأوعدك مهكررهاش تاني." وأردف في نفسه: "عارف إن حاجتك ما تحبش حد يقاسمك فيها... لكن من النهارده هتقف وتتفرج وإنت بتخسر كل غالي وعزيز ع قلبك وتشوفه في إيدي ومتقدرش تفتح خشمك... وكله بالأصول."

فوقف حكيم وهو يتأفف وأفسح المجال لغازي الذي قفز ليستقر خلفه على ظهر مهرته، والتي صهلت باعتراض كأنها ترفض مشاركة غازي لحكيم فيها، لكنها انطلقت بأمر من حكيم حين أرخى لجامها. تمسك غازي بحكيم جيدًا حين توقف مرة واحدة، مما أدى إلى ارتفاع قوائم مهرته جمرة الأمامية وهي تحاول الوقوف عن الجري بشكل مفاجئ، وأردف: "وه... كنت هتشقلبني على قفايا يا حزين! أردف حكيم وهو يلتف بجمرة ويوجهها لبائعة التوت: "هجيب توت، أجيب لك معاي؟ ليرد

عليه غازي بنبرة ساخرة: "توت إيه ووجع بطن إيه عالريق يا حكيم، وبعدين منت عارف إني ما أحبوش التوت ده أصلًا ولا أحب أشوف منظره حتى قدامي! ليرد عليه حكيم ضاحكًا: "عشان إنت معفن والمعفنين ما يحبوش الحاجة الحلوة."

لم يرد غازي على سخريته منه بالكلام، ولكنه اكتفى بلف ذراعيه حول حكيم ليسلبه لجام جمرة ويقوم بسحبه وحثها على الالتفاف والجرى بكامل سرعتها، تحت محاولات حكيم المعترضة، ولكن غازي تغلب عليه واستطاع إبعاده عن بائعة التوت المسافة الكافية، وصوت ضحكاته تتعالى كلما ابتعدا أكثر، غير آبه بحكيم الذي استشاط غضبًا بسبب حرمان غازي له من عادته اليومية المحببة لقلبه، وأخذ يسبه بينه وبين نفسه بكافة الشتائم التي يعرفها لنجاحه في إفساد يومه، ولكنه لم يكن يعلم أن ما حدث ما هو إلا بداية وخطوة تجاه إفساد حياته بأكملها.

وصل الاثنان أخيرًا إلى مشارف القصر، ثم ترجلا عن ظهر جمرة، وقام حكيم بتسليمها لأحد العاملين في الأسطبل ليأخذها لمكانها ويقدم لها الرعاية الكاملة والدلال منقطع النظير بأوامر دائمة من الشيخ حكيم، من منطلق عشقه لجمرة بالذات دونًا عن سائر خيل الأسطبل، وبالأخص لأنها السبب في معرفته بجمارة قلبه وجمرته.

دلف الاثنان إلى مندَرة القصر الضخمة، والتي بنيت على ما يقارب ٢٠٠ متر، مجهزة بأرقى الأرائك والفراش وأفخم أنواع السجاد الإيراني، لتصبح أقرب لمجالس الملوك، وتصبح وطنًا لجميع أهل القرية، من أفقر رجل فيها إلى أغنى رجل، حين احتياجهم أي شيء أو حين الوقوع في مأزق أو خصومة تتطلب تدخل طرف ثالث عادل لحلها وإنهاء النزاع، وبالطبع لن يكون هذا الطرف إلا الشيخ حكيم، فمن في الجوار أحكم أو أعدل منه.

أشرف حكيم بنفسه على نظافة المندرة، ثم توجه بعد ذلك إلى الدار ليطمئن أن إكرام ضيوفه سيتم على أكمل وجه من طعام وفواكه وحتى حلوى، فهم في رحاب الشيخ حكيم.

بعد الاطمئنان أن كل شيء على ما يرام والتجهيزات تتم على أكمل وجه، توجه لغرفة والدته لكي يكمل آخر طقوس صباحه، وهو عبارة عن قبلة منه ودعوة منها له بالسعادة وفرحة القلب، ثم يجتمع الاثنان على طاولة الطعام لتناول الإفطار، لينضم إليهم غازي ابن عمه، وغاليه أخته الشقيقة ذات التسعة عشر عامًا، ليتناول أربعهم الطعام في جو أسري مشحون بالمضايقات من غازي لغاليه، ليمطرها بوابل من الاعتراضات على كل حركة وكل كلمة وحتى كل نفس تتنفسه، لتستسلم أخيرًا لمضايقاته وتنهض من على طاولة الطعام بدون أن تكمل وجبة إفطارها، ليتولى حكيم أمره فيتجادل الاثنان، وما يكون من الأم إلا الدعاء لهم بالهداية.

لأبعد الحدود تزعج حكيم هذه النقطة من غازي، ألا وهي تدخله فيما يخص غاليه وتحكمه فيها، وهو يعلم جيدًا أن غاليه هي لحكيم بمثابة الروح، ويرى بأم عينيه يوميًا ما يجلبه حكيم للمنزل أشكالًا وألوانًا من كل ما تشتهي الأنفس، فقط من أجل غاليته. فهو لم يعتبرها يومًا أخته بقدر ما يحسبها ابنته وطفلة قلبه. وهناك سبب آخر غير ذلك، وهو أن غاليته تتحسس من أقل كلمة من غازي بالذات، فأحيانًا بكلمة منه تظل طوال اليوم في مزاج متعكر ومنطوية، كأنه أصابها بسهم أفقدها الحركة.

أما اليوم، فعلى غير العادة، كان الصمت حليف الكل، لم يقطعه إلا غازي حين أردف بعد أن ظل يراقب حكيم طوال الوقت، ويراه تارة يبتسم وتارة أخرى تتقلص ملامحه وتتحول للبرودة في تأرجح ظاهر في عينيه بين السعادة والحيرة. "متقول لي هتعمل إيه في فصل النهارده وهتفصل بأيه وتحكم لصالح مين من العيلتين يا حكيم." حكيم: "مينفعش أقولك دلوقتي إني هفصل ولا هحكم بإيه، عشان إني ذات نفسي ما أعرف." أردف غازي باستغراب ممزوج بتعجب: "وه! كيف ده؟

ليجيبه حكيم بعد أن ارتشف من كوب شاي رشفة تلو رشفة: "زي ما بقولك كده، عشان ببساطة إني سمعت المشكلة من طرف واحد، وطبعًا زي ما أنت خابر الحق دايمًا مع الشاكي... فالغلط مش هنعرفه جاي من فين غير لما العيلتين يقفوا قصاد بعض وكل واحد يحكي اللي حصل قصاد الثاني." أردفت غاليه وهي تنظر لغازي بنظرة فيما معناها اصمت وتعلم: "براوه عليك يا قلب أختي، هو ده الكلام الموزون اللي ميطلعش غير من فم شيخ ولد شيخ...

اتكلم كمان وكمان وخلي الناس تتعلم منك." لم يجبها حكيم وتابع حديثه، لأنه لو فعل لتابعت هي حديثًا يعلم جيدًا نهايته، وهي نزال بالكلمات بينها وبين غازي ينتهي بغضبها وكسرة قلبها. "يلا يا غازي لو كنت خلصت فطور عشان يدوبك نلحق نكونو في استقبال الناس." نهض وتوجه لأمه ليلتقط يدها ويلثمها بحب قبل أن يردف: "ادعي لي يا أم حكيم." لتتوجه فورًا بعينيها للسماء وهي تردف:

"ربنا يسدد خطاك يا ولدي ويجعلك منبر للحق وحكم عادل ويرفع شأنك ويعلي مقامك بين العباد كمان وكمان، قادر يا كريم." ليسـرع غازي فيلتقط يدها من حكيم كأنه يريد أن يقطع وصلة دعائها لابنها حكيم، والذي بدأ في الاعتقاد أن كل ما يحيط حكيم من خيرات هو بسبب تلك الدعوات الصباحية، فيقبل يدها بعد أن يردف: "وإني يا ست الكل مفيش دعوة كيف دول ليا؟ هو إنت ناسيه إني ولدك كيف حكيم ولا إيه؟ لترفع تماضر يدها فتضعها على رأس

غازي وهي تنطق بحنان بالغ: "أنسـاك كيف ده يا غازي، فيه أم تنسى ضناها بردك... ده أنا اللي مربياك على يدي يا ولدي، ويعلم ربنا إن معزتك وغلاوتك من غلاوة حكيم وغاليه، وإني بعتبر حالي أمك عشان الأم اللي بتربي وتكبر يا غازي." غازي: "عارف والله يا مرت عمي، بس إني أحب أنشك بالكلمة بس... ربنا يخليكي ليا يا أم غازي وما يحرمني منك أصلًا." تماضر: "ولا يحرمني منك يا ولدي...

روح يا حبيبي ربنا يحرسك من كل شر وأذى ويهديك على نفسك يا ضناي." ترك غازي يدها، وها هو يشعر مجددًا أن تماضر تميز عنه حكيم حتى في الدعوات، فتشعره أنها لا تتمنى له الخير كابنها، ولكنه لا يعلم أن تماضر تدعو لكل منهم بما يحتاجه.

خرج الاثنان كتفًا بكتف إلى المندرة ليكونا في استقبال الوافدين من كلا العائلتين، والبعض أيضًا من أهل رجال البلدة ليكونوا أطرافًا محايدة وشهودًا على أي عهد يتعاهد به طرف للآخر وعلى أي اتفاق يتم، لكي لا يجرؤ طرف على الإخلال بجانبه من الاتفاق أو عدم تنفيذه في وقت لاحق في ظل وجود كل هؤلاء الشهود. اكتمل الحضور وبدأ الطرفان في اتهام بعضهما، وكل طرف يظن أنه هو الذي يملك الحق في قبضته، وأن الطرف الآخر هو المذنب في حقه.

بعد سماع حكيم للطرفين وسؤال شهود عيان على ما حدث وما رأوا، كان الحكم على عائلة شندويل بأنهم هم المذنبون في حق عائلة الرقاقنة، وكان الحكم هو اعتذار على الملأ من كل رجال عائلة شندويل لعائلة الرقاقنة، وتعويض مالي عن الخسائر التي تسببوا بها لعائلة الرقاقنة من حرق محصول واتلاف ممتلكات، وكالعادة انصاع الجميع للحكم فورًا، وبدأ حكيم في الصلح بينهم وجعلهم يتصافحون، وكل منهم يتعهد بعدم التعرض للآخر بشر مرة أخرى.

انتهى الجدال أخيرًا وسكن جميع الأطراف، وبدأ رجال حكيم في تقديم ضيافة مرة أخرى، وبدأت قهقهات الجميع تعلو في أرجاء المكان بعد تصافي النفوس، ولم يقطعها سوى صوت غازي وهو يطلب انتباه الكل لما سيقوله. انتبه الجميع بالفعل، ثم أردف غازي بصوت أشبه بحفيف الأفاعي وهو يتوجه بكلامه لأحد الحضور بالتحديد وعينه على حكيم: "عمي عزام...

إني يشرفني قدام الكل إني أطلب منك يد بت أخوك المرحوم طايع على سنة الله ورسوله، وطالب منك إنك متردش طلبي، وسايق عليك كل راجل في القعدة وعشمان متردليش طلبي." وهنا فهم عزام سبب استدعائه لحضور المجلس بإلحاح من غازي، وزال استغرابه لأن هذا الشيء غير معتاد، ولم يرسل له أحد قبلًا أن يحضر مجلسًا لفصل، وذلك لأنه رجل شديد الفقر وقليل الحيلة، ولم يكن له مكان يومًا في مجلس شيوخ أو فصل.

بينما الجميع ينظر لعزام في انتظار إجابته على طلب غازي الغريب من نوعه، فكيف يطلب أن يتزوج من بنت بائعة الجبن، وهو قادر على أن يتزوج أجمل فتاة في البلدة ومن أكبر العائلات، والكل يتشرف بذلك ويتمنى حدوثه. ولما لا، وهو غازي الرفاعي من عائلة الرفاعي، أغنى عائلة في الناحية، ويملك ما يكفي لزغللة العيون والقلوب، حتى وإن كان ما يملكه يعتبر لا شيء أمام ما يملكه حكيم، إلا أنه يظل الكثير في نظر الناس.

من وسط الذهول والاستغراب والترقب، لم يلاحظ أحد ذلك المتصلب ذات العيون المتحجرة، والذي يصارع في هذه اللحظات موتًا من نوع آخر غير ذلك الذي تغادر فيه الروح الجسد فيشعر بعدها الجسد بالراحة، بل هو شيء آخر أصعب وأقوى. نطق عزام أخيرًا: "وه يا غازي بيه، ده شرف كبير قوي لينا... من الساعة دي اعتبر جمارة بت أخوي خطيبتك وملك يمينك."

وهنا توقف بشندي ما أن دخل من باب المندرة وسمع ما سمع، وارتعشت يده التي تحمل صينية الشاي، وزادت ارتعاشة يده وهو يرى حال سيده، الذي ما أن سمع الموافقة على طلب غازي حتى شعر أن الكلمات التي خرجت من فم عمها شعلة نار أصابت روحه التي كانت تشبه في تلك اللحظة كومة من القش، ما أن وقعت فوقها الشعله حتى احترقت بالكامل. وللحكاية بقية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...