دلوقتي بس قدر حكيم يفهم سر السعادة اللي كانت في عيون غازي من أول اليوم. واستوعب ليه عنيه كانت محاوطة حكيم طول الوقت، زي الصياد اللي بيترقب فريسة ومخبّي بندقيته ورا ظهره، ومستني الوقت المناسب عشان يضربها في مقتل ويتأكد إن نشانه مخابش.
وفي المقابل، غازي اتأكد وهو شايف رد فعل حكيم وضيق أنفاسه، إنه فعلاً ضربه في مقتل. بعد ما كان خايف إنه مجرد إعجاب بجمارة، لكنه دلوقتي اتأكد إن حكيم واصل لدرجة العشق اللي هيقدر يستغلها ويلف حبل الحسرة حوالين رقابته بكل سهولة، ويشده منه حكيم لحد ما يخنقه ويقتص منه عن كل لحظة قهر حسها بسببه وسبب أبوه طول عمره.
استأذن حكيم من الناس وخرج بسرعة بحجة إنه هيستعجل الغدا للناس، لكن خروجه كان محاولة منه للهروب من المكان اللي حس حيطانه طبقت على قلبه، وخلته مش قادر يتنفس. لكنه اكتشف فشل محاولته وهو واقف في البراح في جنينة السرايا، ومع ذلك حاسس إن الهوا بيخلص من حواليه.
لف حوالين نفسه مرة واتنين، ورفع إيديه مسك دماغه اللي حس إنها هتنفجر من كثر ما بيحاول يستوعب اللي حصل ومش عارف. ووقف ثابت، لكنه حاسس إنه لسه بيدور، أو الدنيا هي اللي بتدور حواليه. وسامع صوت بشندي بيتكلم معاه، لكنه مش قادر يسمع هو بيقول إيه. في اللحظة دي، مكانش سامع ولا شايف غير جمارة قدامه، وحلم فضّل سنين يحلمه ومأجل تحقيقه في أوانه، ومحسبش حساب إن الأوان ممكن يفوت منه.
بعد مسافة بيحاول حكيم يستعيد توازنه فيها ويحاول يتنفس بشكل طبيعي، قدر إنه يدرك كل حاجة حواليه ويرجع لثباته. وأكد لنفسه إنه مينفعش يضعف أو يبين أي حاجة، وخصوصاً إن اللي خطبها ابن عمه، والمفروض إنه في مقام أخوه قدام الناس، ومينفعش ياخد حاجة منه هو سبقه ليها، لو متوقفة عليها حياته.
بشندي: يا سي حكيم.. حكيم يا ولدي.. فوق يا ولدي وعاود جوا وقول لغازي إنك سبقته، وأمك طلبتلك البت من أمها من زمان وأمها قالتلها تصبر شوية لما البت تكبر، وإني هطير على عيشة أم جمارة وأقولها وأفهمها. تأكد الكلام وكل ده يخلّص وينتهي. حكيم: مش حكيم اللي يلف ويدور ويكذب كيف الحريم يا بشندي. لا ده طبعي ولا دي أخلاقي، وأنت خابر ده زين. بشندي: وهتتحمل؟
حكيم: على موتي أصغر نفسي في مجلس رجال والناس تقول حكيم استكتر على ولد عمه فرحته وخد اللي حط عينه عليها. بشندي: بس بكده هتموت كل يوم ألف موته يا شيخ البلد. حكيم: وعشان إني مش أي حد، وعشان شيخ البلد لازم أتحمل أكتر من أي حد يا بشندي. روح قول للرجالة تطلع الأكل واتوصى بغازي وحط قدامه نصيب كبير، أده ده عريس ولازم يتغذى من هنا ورايح.
قالها وابتسم بمرارة، واتحرك من قدام بشندي اللي فضل مراقبه ومراقب كتفه اللي انحنت بحزن، وخطوته اللي بيخطيها بانكسار زي واحد جاله خبر إن كل أهله ماتوا مرة واحدة ومفضلش غيره. اتنهد وهو حاسس بالنار اللي في قلب حكيم، وهو الوحيد اللي يعرف إن النار دي مش هتخلي في حكيم حاجة مش هتحرقها من شدة لهيبها.
رجع حكيم للدوار وقعد وسط الرجال، بيمثل القوة والفرحة بخطوبة ولد عمه، وبهز دماغه للناس بمجاملة لكلامهم، لكنه مش سامع من كلامهم حرف واحد.
انتبه لغازي وهو بيدوّسه بكوعه بصلة، لقاه رافع إيديه والكل زيه، وواحد بيقول الفاتحة. وانتبه إنهم بيقروا فاتحة جمارة قلبه، ورفع إيديه معاهم باستسلام وقرا الفاتحة، بس مكنش بيقرأها لغازي، كان بيقرأ الفاتحة على عشقه وروحه وقلبه اللي ماتوا النهارده، موت أشبه بموت الغفلة بدون إنذار أو مقدمات.
الكل خلص وصدق، وحكيم بص لغازي وركز على الابتسامة اللي شاقة حلقه، واللي نفسه ينتزعها من غازي في اللحظة دي، ويقوله بعلو صوته إن الفرحة دي فرحته هو. ولو غازي كان خيره بين جمارة وبين أي حاجة تانية، حكيم كان هيتنازله عن أي حاجة ترضيه وترضي الطمع اللي طول عمره بيشوفه في عيونه، بس يسيبله جمارته. غازي: شكلك مفرحانش ليه يا ولد عمي؟ حكيم بص له بتأني قبل ما يرد على كلامه بسؤال: عرفت كيف يا غازي؟ مثل
غازي عدم الفهم ورد عليه: عرفت إيه يا ولد عمي، ما بفهمش قصدك؟ ابتسم حكيم بتهكم: طب بلاش دي، مع إني متأكد إنك فاهمني زين قوي. طب هسألك سؤال تاني. عرفت جمارة ميتة وقررت تخطبها وتتجوزها؟
غازي بمراوغة: عرفتها من زمان بدري، وكنت عأراقبها من بعيد لبعيد. ولما اتأكدت إنها بت زينة، قررت أخطبها. وملقيتش فرصة أحسن من دي. وبعدين إني مش فاهم أنت معترض على إيه، وأنت ومرت عمي كنتوا عاوزين تجوزوني بأي طريقة وأي شكل طول السنين اللي عدت. قوم لما أقرر أتجوز تنزل عليا بالأسئلة وسين وجيم، كأنك كل مرة كنت عتقولي فيها اتجوز واتلم وافتح لك بيت وأرسي، مكنتش عتقولهالي من قلبك!
حكيم سكت ومتكلمش مع غازي مرة تانية، لأنه عرف إن غازي مستعد يدخل معاه في جدال ملوش نهاية، والخسران الوحيد فيه هو حكيم، لأن الواضح إن غازي عرف أخيرًا يدخله من نقطة ضعف عمرها ما كانت في حسابات حكيم، ولا عمره فكر يأمنها من غازي زي كل حاجة تانية.
خلص اليوم والناس روحت، وغازي كمان راح على المشمل بتاعه، وحكيم فضل في الدوار، مقدرش يروح عشان مينهارش قدام أمه، لأنه عارف إنه بمجرد ما هيشوفها هيترمى في حضنها ويبكي زي عيل صغير، أخدوا منه لعبته اللي فضل سنين يترجى أبوه يشتريهاله، ولما ده حصل، جه حد خطفها من بين إيديه من قبل حتى ما يفرح بيها ويشبع منها.
اتمدد حكيم على كنبة من كنب المندرة وغطى عينيه بدراعه، وثباته وانتظام أنفاسه يوحي للي يشوفه إنه نايم بأمان، وميتصوروش أبداً إن فيه محرقة مشتعلة داخل الجسد الثابت ده بتحرق جواه الأخضر واليابس. أخده خياله وحملته أفكاره لأول يوم شاف فيه جمارته، وفضلت أحداث اليوم تتجمع قدامه بكل تفاصيلها.
حكيم خرج من بيته على ضهر مهرته الجديدة، واللي بمجرد ما شافها معروضة في مزاد للخيل العربي الأصيل، خطفت قلبه بجمال ألوانها وجذبت كل تركيزه من بين كل الخيول المعروضة في المزاد، وقرر إن المهرة دي هتكون بتاعته مهما كان الثمن. وبالفعل دفع فيها أضعاف ثمنها، لمجرد إن صاحبها شاف تمسك حكيم بيها والإصرار اللي في عينيه إنه يمتلكها.
فرحته وهو بيمسك لجامها وهي ملكه بعد ما دفع ثمنها، لا تضاهيها فرحة. وميعرفش إيه سبب الفرحة دي، وهو عنده اسطبل كامل للخيول وفيه عشرات الخيول، لكن الفرسة دي بالذات ميعرفش إيه المختلف فيها. أخدها للبيت، وتاني يوم الصبح بدري حب يستغل إن طرقات البلد فاضية وأغلب الناس لسه مصحيتش، أخدها من الاسطبل وخرج بيها عشان يروضها ويعلمها بنفسه، ودي كانت متعته اللي مابعدها متعة، لما يروض فرس جديد وينجح في إخضاعه ليه.
لف لثامه بأحكام، وأول ما طلع على ضهرها، المهره رفعت رجليها وصهلت وجرت بحكيم بأقصى سرعتها، وبتدخل من طريق لطريق بهوجاء وتشتت، وحكيم بيحاول السيطرة عليها، وفي أثناء ده حصل اللي غير مجرى حياة حكيم من يومها.
مرة واحدة باب اتفتح وخرجت منه بنت ملثمة، ودي كانت وسيلة أغلب أهل البلد في الوقت ده من السنة لحماية وشهم من هوا الشتا. شايلة فوق دماغها سبت خوص كبير، ولسه هتعدي الطريق، اتفاجأت بحاجة أخدتها في وشها في ثانية، وقعتها على الأرض، والطبق اللي فوق دماغها وقع باللي فيه.
حكيم شد لجام الفرسة مرة واحدة، ونجح أخيرًا إنه يوقفها بعد ما كان فاقد السيطرة عليها، ونزل بسرعة ربطها في أقرب شجرة وجرى على اللي بتحاول تقوم. ورغم إنها ممكن تكون اتأذت، إلا إن خوفها وعيونها كانت على الطبق بتاعها الواقع على الأرض، والجبنة اللي كانت فيه ودلوقتي مالية الطريق. حكيم قرب منها ومد إيده ليها، قومها وهو بيسألها: أنتِ زينة؟ فيكي حاجة جرتلك حاجة، اتعورتي فيه حاجة، عتوجعك؟
جمارة بصت له ومنطقتش غير كلمة واحدة، وبعدها اتفتحت في البكا بصوت عالي وهي بتبص حواليها: الجبنة. حكيم فضل متسمر للحظات بعد ما شاف عينيها، واتجول في باقي ملامحها بعد ما لثامها اتفك، وبعدها فاق وبص زيها مكان ما بتبص واتكلم بسرعة يطمنها: متخافيش، هدفعلك تمنها، بس طمنيني عنك، أنتِ أهم حاجة، أنتِ تكوني زينة، وكل حاجة مقدور عليها بعد كده.
اتكلمت بعصبية: إني زينة، إني زي القرد، يا ريتني كنت إني اللي اتبعشكت عالأرض كده وبقيت ميت حتة، ولا جبنة الناس اللي مدفعناش حقها، حصول فيها كده. أقول إيه لأمي؟ يا ريتني ما عملت نفسي شاطرة وقولتلها ارتاحي وإني هطلع مكانك النهارده، يا ريتني. وكملت وصلة البكا بصوت عالي مرة تانية. حكيم بسرعة مد إيده في جيبه وطلع جزدانه وطلع منه فلوس ومدهالها: خدي حق الجبنة أهه، وبطلي بكا الله يرضى عليكي، خلعتي قلبي والله.
إني مهاخدش عوض يا سي البيه، العوض حرام. وكملت بكا. حكيم بنبرة هادية عشان يهديها: العوض ده لو كانت الحاجة ملكك، أنتِ بتاعتك، متاخديش عوضها. لكن أنتِ بتقولي إن الجبنة دي بتاعة ناس. مش صح؟ جمارة هزت دماغها بموافقة. حكيم: خلاص يبقى تاخدي تمنهم تديه لأصحابهم. اترددت في القبول، لكنها وافقت وهي شايفة إصراره وهو مادد لها الفلوس وبيشاور لها بدماغه عشان تاخدهم.
مدت إيدها، أخدت منه الفلوس ومسحت دموعها، وهو ابتسم من تحت اللثام، وهي رفعت عينيها عليه لأول مرة وبصت له، ونظرتها كانت بمثابة صدمة كهربائية احتلت كيانه بمجرد ما شاف لون عينيها مرة تانية، واتعمق في جمالهم وفي جمال معاني وشها.
جمارة ارتبكت من عينيه اللي شافت تركيزهم فيها، وبإيد بتترعش مدتها، أخدت طرف طرحتها، لفته على وشها مرة تانية مغطية بيه معالم وشها، مظهرش منه غير عينيها بس. وكل ده تحت أنظار حكيم اللي فضل مركز مع كل حركة منها. جمارة خلصت واتلفتت حواليها مش عارفة تبدأ منين، لكنها ابتدت بلم الجبنة المتبعثرة على الطريق، جمعتها وحطتها تحت
شجرة وهي بتبرطم بصوت واطي: استغفر الله العظيم يارب على نعمة ربنا اللي ملت الشارع دي. أهه نلموها أحسن ربنا يسخطنا قرود، مش ناقصة هي. فضلت تبرطم كتير ونسيت تماماً إن حكيم لسه واقف متابع اللي هي بتعمله، وبمجرد ما لفت بعد ما خلصت لم الجبنة، شهقت بتفاجؤ لما اكتشفت إن حكيم لسه موجود. جمارة: أنت لسه قاعد؟ ممشيتش ليه تشوف أشغالك؟ مش قولتلك إني زينة خلاص ومفيش فيا حاجة، ودفعت حق الجبنة اللي وقعتها مني، يبقى مستني إيه تاني؟
متمشي لحالك عاد! حكيم فتح خشمه بتفاجؤ من كمية الهجوم اللي اتعرض له ده، واتكلم باستغراب: متهدي على روحك هبابة وتاخدي نفسك، وبعدين هكون مستني إيه منك يا مفعوصة أنتِ؟ إني بس مستني أطمن إنك مفكيش حاجة وإنك سليمة وهمشي طوالي! جمارة: اطمن وطمن حالك، إني زينة ومليحة. وبعدين إيه مفعوصة دي كمان؟ أنا شايفني عيلة قصاد عينك ولا إيه؟ دانى حداي 14 سنة بحالهم، يعني كبيرة وكبيرة وأسد عين السمس، ولا أنت مش وعيني زين؟
ضحك حكيم بصوت عالي وابتدا يتحرك وهو بيهز دماغه، وراح على مهرته اللي كانت قريبة عليها، وابتدا يفك لجامها المربوط في الشجرة، واتكلم بصوت واطي لكن جمارة كانت سامعاه: 14 سنة! دانتي طلعتي مفعوصة وعيلة صح، واللي يشوفك ويشوف لسانك ميصدقش سنك. جمارة: سمعتك. واستنى خد قبل ما تغادر. ومدتله إيدها بكيس، بص له حكيم باستغراب وبصلها.
جمارة: دي الجبنة الزينة اللي فضلت في الطبق ونضيفة، محصلتش الأرض ولا لحسها التراب. وعشان أنت دفعت حق الجبنة يبقى دول من حقك، خدهم لبيتك، فطر بيهم عيالك. ضحك حكيم بشدة وبصلها قبل ما يمد إيده ياخد منها الكيس وهمسلها: عيالي معاك ياكلوش الجبنة الخضرة، بس مرتي بتحبها، هاتيها.
وأخدهم منها وركب بحركة سريعة على ضهر المهرة، وحاول إنه يسيطر عليها بصعوبة، والمهره بتتحرك في كل مكان، وده خلى جمارة خافت ورجعت لورا واستخبت ورا الشجرة، وهي مستمرة تراقبه. والمهره انطلقت بيه بسرعة هائلة خلت جمارة قلبها انتفض وهي حاسة إنه هيوقع من على ضهرها في أي لحظة، وفضلت حاطة إيدها على قلبها لحد ما اختفى من قدام عينيها.
اتحركت جمارة وأخدت الطبق والقماشة البيضة اللي بتغطي بيها الجبنة ورجعت للبيت. وهي ماشية في الطريق، عدت الفلوس اللي أدهملها حكيم، لقتهم أكتر من تمن الجبنة بكتير، ودي حاجة دايقتها جداً، لأنها حست إنها أخدت حاجة مش من حقها، ودي حاجة أمها كانت دايماً بتأكد عليها من صغرها إنها متعملهاش مهما كان السبب.
رجعت البيت وحكت لامها كل حاجة، وأمها قالت لها أول ما تشوفي الراجل ده تاني، شاوريلي عليه وإحنا نرجع له باقي فلوسه، إحنا مش هناخد حاجة حرام، ولا هناخد فلوس من حد مش من حقنا. جمارة شاورت لها بدماغها بموافقة وسكتت، وقررت إنها أول ما تشوفه مرة تانية هتقول لامها عليه فوراً. لكن اللي حصل إنها مشافتهوش بعدها مرة تانية أبداً.
أما حكيم، يومها رجع للسرايا ورجع المهرة للاسطبل، ودخل السرايا وحط الجبنة اللي في إيده على السفرة، وراح على أوضة أمه وخبط خبطتين ودخل. شاف أمه بتصلي على الكرسي المتحرك بتاعها، واستناها لحد ما خلصت، بعدها اتقدم منها وباس إيدها ودماغها. تماضر: تقبل الله يا أم حكيم. حكيم: منا ومنكم صالح الأعمال يا ولدي. مدت إيدها على خده وركزت في وشه شوية،
وابتسمت وهي بتتكلم: عينيك بتلمع لمع، خير يا طير، حصول إيه معاك، باسطك كده على ريق الصبح؟ حكيم: وإيه! مفيش حاجة تخصني، تخفي عليكي واصل، أنتِ؟ تماضر بحنان: واصل.. هااه قول يلا، حصول إيه معاك. حكيم: خدت بت في وشي بالفرسة كعبرتها، وكبيت الجبنة اللي كانت طالعة تبيعها، وأديتها حقهم، وبعدها كشفت لي، وزي ما تقول كده طارت ورايا هههه. تماضر ضربت على صدرها بخوف: وع تغلط وفرحان على إيه يا حزني؟ عشان شردت البت؟
حكيم: له بضحك عشان بجحت فيا وهي كد الهبابة، متستعنيش بيها، بس لسانها أطول منها وجريئة كيف اللبوة، أول نوبة تصادفني بنية كده تقف في وشي وتتكلم من غير خوف ولا هيبة. وأنا الرجال تقف قدامي شنباتها ترجف من الخوف والهيبة! تماضر بضحكة: شكلك وقعت أخيرًا يا ولد تماضر، وربنا استجاب لدعاي، وهفرح بيك وتقر عيني بشوفتك عريس وأشيل عيالك يا رب. حكيم بضحكة: هوب هوب هوب، حيلك يا أم حكيم، حالا جوزتيني وشيلتي عيالي؟
وبعدين عرفتي إيه عنها أنتِ اللي جوزتينيها وخليتيها أم عيالي دي؟ دي عيلة يادوب 14 سنة، وولدك 28، يعني كد عمرها مرتين. تماضر: كل ده ولا حاجة، وبعدين منتا خابر إننا في البلد هنا محدش لينا بنية بتعدي الـ 16 من غير ما تكون في بيت جوزها، والجواز بيبتدي من سن 13 سنة وطالع، يعني دي مش حجة. وطول ما البت عجبتك وخلت عينيك تلمع كده، هجوزهالك يعني هجوزهالك، دانى مصدقت وحدة عجبتك.
حكيم: يا أم حكيم اهدى عالصبح الله يرضي عليكي، تجوزيني مين عالصبح دي بياعة جبنة، وأنا الشيخ حكيم شيخ البلد والناحية! تماضر بغضب: له يا حكيم له.. مش مرجية منك دي يا ولدي. من متى عتحكم على الناس من شغلها ولا اللي تملكه؟ أني علمتك كده؟ من متى نفسك كبرت على الناس يا ولدي؟ نسيت إحنا كنا إيه في حال لاول؟ نسيت شفنا ضيم قد إيه، وأنت بالذات حفرت في الصخر قد إيه قبل ما يبقالي عندك اللي عندك ده كله؟
حكيم: عمري ما نسيت ولا اتغيرت، بس الناس تقول إيه يا أمه لو اتجوزت وحدة بتبيع جبنة خضرة (قريش) تماضر: تقول اللي تقوله، حط في بالك إن الناس في كل الأحوال عتتكلم، واللي يعيش عشان يرضي الناس يموت مهموم. هات لي بس أنت اسم أمها وناسها وقول لي بيتهم فين، وخلي بشندي يوديني بالكرته، ومش هيعدي الشهر ده غير ومرتك في بيتك وعلى ذمتك.
حكيم: وأتجوز قاصر، وأنا اللي حسي اتنبح عالناس وأنبه عليهم ميجوزوش بناتهم قبل 18 سنة، وأرهب فيهم بالحكومة والسجن وأخوفهم، وأحكم اللي يعمل كده بحكم يقسم الضهر، وحكمي يمشي على رقاب الخلق كلها. أجي أنا وأتجوز قاصر!
كأني أقول للناس شوفوا الشيخ حكيم بوشين وكلامه غير فعله. اسكتي يا أمه الله يرضي عليكي. وبعدين والله لو عيل مهبل سمعنا يضحك علينا، وإحنا خطبنا واتجوزت ومرتي جات في بيتي وأنا مشفتهاش غير مرة واحدة، ولا أعرف عنها حاجة واصل، ولا شفت غير عينيها اللي بلون السما، ووشها اللي كيف بدر البدور!
تماضر: دقت ووصفّت، يبقى وقعت يا ولد بطني، وكلها كام يوم هتيجي وتقولي روحي يا أمه اخطبيها لي. وهتطلع النهارده من عندي تدور وراها وتجيب قرارها وتعرف عنها كل شارده ووارده. حكيم: خيالك واسع يا أم حكيم.
تماضر: أم الشيخ متقولش الكلمة غير وهي عارفة رايحة فين وجاية منين. وبالفعل كلام تماضر كان صح، وحكيم في نفس اليوم سأل بطريقته وعرف إن بدر البدور اسمها جمارة، وعرف كل كبيرة وصغيرة عنها من يوم ما اتولدت، وعرف إنها لبوه حرة، برغم صغر سنها إلا إن السوق والشغل طلع لها ضوافر وبقت تخربش كيف القطط كل اللي يحاول يقرب منها.
ومن يومها بقى يراقبها من بعيد، كل يوم الصبح وهي طالعة تبيع الجبنة، مرات مع أمها ومرات لوحدها. ويوم ما تكون لوحدها ما يرجعش البيت غير لما هي تخلص وترجع، تحت أنظاره وهو بيراقب من بعيد لبعيد ولابس لثامه. كان نفسه يسمي المهرة جمارة عشان هي السبب في معرفته بجمارة، لكنه خاف الناس تربط بين الاسم وتعرف المكنون، واكتفى إنه يسميها جمرة على جمرة قلبه اللي قادت بحب جمارة من أول نوبة عينه وقعت عليها. ومن يومها حب جمرة مهرته بيزيد في قلبه مع حب جمارته، والاتنين مكانتهم عنده محدش يقدر يوصلها.
أربع سنين فضل مستني، ويعدهم يوم يوم وساعة ساعة، وخلاص مش فاضل غير شهرين وجمارته تتم الـ 18 سنة، ويتجوزها على سنة الله ورسوله، وتيجي بيته وتنور حياته، ويدوق ويشبع من اللي فضل سنين يحادي ويحمي فيه من بعيد لبعيد، والفرحة مكانتش سايعة قلبه. شال حكيم إيده من على عينيه لما سمع صوت أمه بتتكلم جنبه ودنه بهمس: إيه اللي منومك هنا يا ولدي؟
قلقت عليك لما مجتش السرايا، وجيت لك لما سألت بشندي، قال لي نايم في المندرة. خير يا ولدي مالك يا حبة القلب؟ فيك حاجة؟ حكيم: سلامتك يا أم حكيم، مفيش حاجة، دماغي مشغولة شويتين. تماضر بضحكة: عارفة اللي شاغل دماغك. غيرت من غازي وقلبك فرفط على جمارتك، وعاوز تخطبها وخايف لو خطبتها دلوقتي يقولوا حكيم غيران من ولد عمه صح؟ حكيم ابتسم بتعب: أنتِ عارفة في الأول غازي خطب مين يا تماضر؟
تماضر: خطب اللي خطبها، أهم حاجة قفل باب الأمل على غالية فيه، وهتفيق لحالها وتبطل شعلقة في حباله الدايبة، وتشوف حالها وتوافق على واحد من خطّابها عاد. عشان كده مهما كانت اللي خطبها هتكون عندي أحسن وحدة في الدنيا. حكيم بنفس الابتسامة: حتى لو كانت اللي قلب ولدك عيفرفط عليها دلوقتي! تماضر رفعت إيدها وضربت على صدرها بعد
ما شهقت وقالت بصوت عالي: ياااا مرري.. يا صبر سنينك يا حكيم يا ولدي.. مقلتلك بزيادة وأجيبهالك ولا حتى أخطبهالك، قولت لي مش عاوز حد يتكلم على عرضي ويقولوا خد بياعة جبنة وسيرتي تبقى في كل ديوان وهي مش على ذمتي ومقدرش أحمي سيرتها من الكلمة! قلت لك مش كل الأمور ينفع فيها الصبر، قلت لي إني أدرى بمصلحتي. قولي فين مصلحتك يا حكيم فينها!!
حكيم غمض عينيه ومردش على أمه، لأنه دلوقتي بس اللي اتأكد إن كل حججه كانت واهية وأسبابه كانت ضعيفة قصاد خسارته الكبيرة وحبيبته اللي خسرها بسبب تأخيره. باااااااااااك. أخيرًا وصل حكيم بجمارة لباب السرايا، بعد ما هاجمته عاصفة من الذكريات عصفت بقلبه وبعثرت كيانه.
نزل من على ضهرها، وادى اللجام لبشندي اللي جري عليه أول ما شافه، وطلب منه إنه يهتم بيها اهتمام خصوصي، نفس الطلب كل يوم من يوم ما جابها، بيطلبه من بشندي، مع إنه عارف ومتأكد إن ده هو اللي بيحصل، لكن زيادة اطمئنان لقلبه بيفكره بده كل يوم، خوفًا من نسيان بشندي أو انشغاله بأمر ينسيه جمرة.
دخل حكيم للسرايا واتنهد وهو شايف غازي لسه قاعد، مراحش المشمل، وحاطط رجل على رجل وبيشرب في كوباية شاي، وأكيد جمارة لسه قاعدة معاه. لكنه قال لنفسه إنه هيطلع طوالي على أوضته يترمى على سريره ويفضل يترجى النوم، يمكن يزور عينه ويريح دماغه من كتر الأفكار. لكن وقفه على الباب صوت غازي وهو بيتكلم بنبرة استهزاء: أيوه فطرنا يا عيشة، أمال هنستنوكي أنتِ لما تيجي تفطرينا ياك. وبعدين يعني فكرك هستنى فطورك إني ولا إيه؟
هتكوني جايبة إيه فطور يا وش الفقر أنتِ. أكيد جبنة خضرة وبتاو مقدد (عيش مخبوز من الذرة الرفيعة) ومكرمش كيف وشك العفش ده. جمارة بصوت مخنوق: غازي! إيه اللي بتقوله لأمي ده؟ غازي: بقول الحق يا بت بتاعت الجبنة. ولا هو الحق بقى يزعل اليومين دول؟ وهنا حكيم دخل زي الإعصار وقاطع صوت أمه اللي لسه كانت هتتكلم وصرخ بكل غضب الكون: غاااازززي! إيه اللي بتقوله وتخربطه ده؟ أنت اتهوست ياك!
إيه شربت حاجة امبارح ولسه مؤثرة على نفوخك ولا إيه؟ غازي: له يا حبيبي، إني لا شارب ولا غايب، وقاصد كل كلمة وكل حرف قلته. ومش عاوز حد يتدخل بيني وبين مرتي وأم مرتي. أظن ده مفهوم! قال جملته وواصل شربه للشاي بمنتهى البرود. بصله حكيم وهز دماغه بقلة حيلة، وعشان ينقذ ماء وجه أم جمارة، اتقدم على صينية الأكل اللي كانت جايباها، بعد ما بص لها وابتسم بحنان: تسلم يدك يا أم جمارة، ريحة المصفط بالسمن البلدي (الفطير المشلتت)
شميتها من على بوابة السرايا وجيت جري، ريحته تجيب التايه. عيشة بابتسامة محرجة: تسلم من كل شر يا ولدي، ربنا يجبر بخاطرك ويعطيك على قد طيب لسانك خير وعافية. ابتسم حكيم وهو بيقرب من صينية الأكل على السفرة وقعد بعد ما كشف الغطا من عليها، وشمر إيديه وابتدا يقطع في الفطيرة وغمسها في العسل وحطها في بوقه وابتسم وهز دماغه برضى: إيه الجمال ده يا أم جمارة؟
أول نوبة آكل فطير بالطعامة دي، يشهد ربنا. دوّقي يمه كده.. تعالي يا غالية دوّقي فطير خالتك عيشة، ده حلو قوي. لكن غالية مردتش وفضلت قاعدة في مكانها، وبتتفرج على اللي بيحصل قدامها زي ما يكون مسرحية، متعرفش هتخلص متى. مد إيده بلقمة لأمه، حطها في بقها، وتماضر مضغتها وقالت لعيشة: صح، طعمه حلو قوي يا عيشة، لو أعرف إنك شاطرة في الفطير كده كنت كل يوم والتاني اخليكي تعملي لي. اتعلمتي عمايله متى؟
كنتي خايبة زمان هههه. أنتِ مخبرانيش يا مضروبة إني بحب الفطير ياك!
رفع حكيم عينيه بنظرة عابرة لأم جمارة بيراقب رد فعلها، ونزلهم تاني، لكنه رجع التفت بسرعة لما شاف جمارة اللي واقفة جنبها وماسكة إيدها، بتبص له ومبتسمة، وعينيها مرغرغة بالدموع، وبتنقل عينيها بين حكيم وغازي اللي قاعد بيشرب في الشاي على الكرسي ومبتسم باستهزاء، وباصص لحكيم، اللي لو جات للحق والإنصاف، كان المفروض هو اللي قاعد مكانه دلوقتي وبيشكر في أكل حماته مهما كان قليل ومهما كان طعمه، من باب الأصول والذوق.
ومن هنا كانت أول مقارنة بين حكيم وغازي عملتها جمارة، واتصدمت من الفرق. حكيم اختفت ابتسامته وهو باصص لجمارة، واتوجه لها بالكلام بتعب، بعد ما قلبه وجعه على الإحساس الصعب اللي خلاها تحس بيه غازي بكلامه اللي زي السم في أول يوم ليها معاه، واللي لو بيده كان قلع لسانه قبل ما ينطق بيه كلمة واحدة تجرح جمارته وجمرة قلبه.
خدي أمك وادخلوا في أوضة أمي، واتحدتوا مع بعض لحالكم، أكيد اتوحشتوا بعض من امبارح ولجاي، أصلكم ما اتعودتوش تسيبوا بعض واصل. بصت له جمارة باستغراب، لأن كلامه حقيقي، هي وأمها مش بيسيبوا بعض واصل. وسألت نفسها ياترى عرف منين حاجة زي دي، وفسرت ده بأن أكيد غازي هو اللي قاله معلومة زي دي. طبعاً أكيد ده السبب، أمال يعني هيكون عرف منين!
بعدها أخدت أمها للأوضة اللي شاور لها عليها حكيم، لكن عيشة قبل ما تمشي معاها، مالت على غازي وقالت له بصوت رزين مصحوب بابتسامة هادية: مبروك وصباحية مباركة يا جوز بتي، وحقك علي لو كنت جبت حاجة مش قد مقامك، اعتبرني جيت فاضية أبارك وأمشي، بس قبل ما أمشي عايزة أقولك حاجة في نفسي: ((من لانت كلمته وجبت محبته يا ولدي) ). اتعلم من ولد عمك الشيخ حكيم واعرف جبر الخواطر.
غازي بمجرد ما سمع آخر جملة عيشة قالتها ومقارنتها ليه بحكيم، انتفض من مكانه ووقف على حيله وزعق فيها بصوته كله: أنتِ جاية تعلميني أتكلم كيف يا ولية أنتِ ولا إيه؟ مبقاش غير بياعة الجبنة اللي تعلم غازي الحديث عاد. والله عال يا ولاد والله. غوروا مع بتك من قصاد عيني بدل ما أجرم فيكي عالصبح. خدى أمك يا تِغبارة وغوري من قدام وشي. وجبت محبته قال. ومين مستني محبتك أنتِ يا ست عيشة!!!
حكيم بمجرد ما سمع كلام غازي، قام وقف وكان هيهاجم عليه لولا أمه مسكت إيده، وبصلها لقاها بتبص له بتوسل. مد إيده فرك وشه بقلة صبر، وراح على عيشة أم جمارة، وقف قدامها وبحنية باس دماغها وهمسلها: امسحيها فيا إني دي، وأوعدك مهتتكررش، بس مقدرشي أتكلم دلوقتي ويطلع حسنا في يوم صباحيته، إلا الناس تقعد تألف حكي على مزاجها، ومفيش غير سمعة بتك هي اللي هتتأثر. روحي مع بتك دلوقتي، وإني ليا كلام تاني مع البو ده.
ابتسمت عيشة وبصت لحكيم بنظرة امتنان وهمست بصوت واطي: كان هيحصل إيه لو كان الميزان اتعدل وكفة الحظ مالت لصالحي شوية، وكان غازي طلع زيك، ولا كنت أنت مطرح غازي! اتنهد حكيم ورد بنفس الهمس: كله والنصيب يا أم جمارة، جمارة اتكتبت لغازي من يوم ما اتولدت، ومحدش في الكون هيقدر يغير المكتوب.
اتنهدت عيشة هي كمان، ومسكت إيد بنتها ودخلت الأوضة، وقفتلت الباب، وبمجرد ما ده حصل، جمارة اترمت في حضن أمها تبكي بقهر على كل اللي حصل معاها من امبارح لحد دلوقتي. وأمها عيشة فضلت تمسد على ضهرها بحنان من غير ما تتكلم، وباصة لبعيد وبتفكر ياترى إيه اللي مستني بتها على إيد غازي، إن كانت البداية كده. وندمت ندم عمرها على كل لحظة فرحت فيها بجوازة بتها من غازي، اللي كانت فاكرة إنها هتفتح لبتها طاقة القدر وتريحها من تعبها وكدها على لقمة العيش.
جمارة من بين دموعها: ليه كل ما كنت أجي أتكلم وأرد عليه تمنعيني وتشاوريلي أسكت؟ عاجبك الإهانة والذل والكسفة اللي كسفتها لي إني وأنتِ دي؟ ليه تكتفيني بوعد خلتيني أوعدهولك، وأنتِ عارفة زين إنه هيحط من كرامتي وعزة نفسي؟ ليه يا أمه؟
عيشة: عشان عارفة لسانك متبري منك، ومهتسكتيش وتردي الكلمة بكلمتها وتجادلي، والراجل ميحبش كده. بالك أنتِ لو عملتي كده، هيقول إنك رباية عزبة، وإن عيشة بتاعت الجبنة معرفتش تربي وتأدب. إني عاوزة كل اللي يجالسك يدعي للي رباكي يا بنيتي. ومش في كل الأوقات الكلام بيجيب الحق. أوقات كتير الكلام بيجيب الإهانة والذل لصاحبه أكتر.
أما عند حكيم، فقعد هو كمان ساكت، وساب أمه المرة دي هي اللي تتولى أمر الرد على غازي وعتابه، واكتفى بالقعاد على كرسي السفرة وهو بيبص لغازي بنظرات نارية. غازي فضل ساكت هو كمان، وبيسمع كلام مرات عمه تماضر، والغريبة إنه مبتسم وباصص لحكيم ومنتشي بسعادة غريبة، ولا كأن الكلام معاه أو عليه. سكتت تماضر بعد ما يأست إن غازي سمعها أصلاً، وهو بعد ما شافها سكتت، قام واتحرك ناحية حكيم
وميل عليه وهمس جنب ودنه: بطلت تاكل مصفط ليه يا ولد عمي؟ بطل يعجبك ولا نفسك اتسدت؟ ولا مشت عيشة وبطل الصبغ والدهلسة والمحلسة؟ كل يا ولد عمي واشبع، كل الصنية كلها، المصفط ده هو كل اللي هتقدر تطوله. مع إنها من حقي إني بس، إني هسيبهالك. إني كفاية عليا الجمااار. قال جملته ورفع نفسه وابتسم وطبطب على كتف غازي بود كداب، ومشى من قدام حكيم، اللي غمض عينيه بألم، كأن جملة غازي خنجر اتغرز في نص قلبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!