كانت في غرفتها بعد أن عادت تبكي بحرقة وهي تجلس على سريرها. دَلفت لها ياسمين ببشاشة: كل سنة وأنتِ طيبة يا جوجو. رفعت جميلة وجهها لياسمين التي توقفت مكانها مصدومة، ثم أسرعت نحوها تقول بقلق: مالك في إيه؟ عادت تبكي مجدداً وهي تغمض عينيها وترتمي في أحضان ياسمين التي ضمتها لها والقلق يزداد في نبراتها: في إيه يا جميلة؟ ردي عليا! قالت بشهقات من بين بكائها: ق…. قاسم. عقدت ياسمين حاجبيها باستغراب: ماله قاسم؟
حاولت أن تتكلم ولكن خرج صوتها غير واضح بسبب البكاء: ات… اتقدم لي و… رفضته! أبعدتها عن حضنها بذهول وهتفت بعدم تصديق: إزاي! وأمتى! تنهدت جميلة بعمق والدموع ما زالت تنحدر على وجهها: مش قادرة أتكلم يا ياسمين احضنيني دلوقتي وبس. ضمتها ياسمين لها مجدداً وهي تفكر وتتساءل بحيرة عما حدث وما أوصل جميلة لهذه الحالة. حين هدأت ابتعدت عنها وهي تمسح دموعها، ربتت ياسمين على كتفها: قومي اغسلي وشك وتعالي نتكلم.
أومأت جميلة برأسها وهي تنهض لتغسل وجهها ثم عادت تجلس أمامها ياسمين. قالت ياسمين بجدية: حصل إيه بقا؟ أحكي لي. بدأت تسرد لها ما حدث ومجيء قاسم لها مع باقة الورود ثم تقدمه بالزواج لها ورفضه، غشت الدموع عينيها حين تذكرت ردة فعله ثم حديثها مع وسيم انتهاء بنظرة قاسم لها. ظلت ياسمين صامتة لعدة دقائق فقالت جميلة بحنق: قولي أي حاجة ردي عليا! متسكتيش كدة.
قالت ياسمين بصوت هادئ: أنا مش عارفة أقولك إيه يا جميلة أنا مش مصدقة اللي بسمعه ده! ثم تابعت بعدم تصديق: بقى قاسم يبقى جواه كل ده وساكت! طب وأنتِ رفضتيه ليه يا جميلة؟ حدقت بها جميلة باستنكار: وأنتِ كنتِ عايزاني أوافق! ردت ياسمين بتعجب: ومتوافقيش ليه بقا؟ ماله قاسم؟ هتفت جميلة بها باندفاع: أوافق إزاي بس وبعدين أنا بكرهه! اتسعت عيون ياسمين بعدم تصديق وقد أفلتت منها ضحكة: بتكرهيه؟ إيه اللي بتقوليه ده؟
نظرت لها جميلة بارتباك فتابعت ياسمين بعقلانية ممزوجة بالعتاب: الكره كلمة كبيرة أوي يا جميلة متقدريش تقولها كدة بالساهل وبعدين قاسم عمل إيه يستاهل الكره؟ علشان شوية حركات تافهة يعني؟ هي أه تضايق لكن عمرها ما تصل للكره يا جميلة أنا مستغربة كلامك ده مش طبعك أبدا والرجل معملش حاجة غلط للدرجة دي. صمتت جميلة وهي تعتب على نفسها كذلك ف قالت ياسمين بمكر: وبعدين ما يمكن تكوني بتحبيه وأنتِ مش واخدة بالك؟
الكره بيتقلب حب بسهولة جدا على فكرة. صاحت بها جميلة بفزع: إيه اللي أنتِ بتقوليه ده! ضحكت ياسمين بمرح ولكنها نظرت لها بجدية: بعيداً عن كل ده أنا بوعيكِ للمنطق يا جميلة وبعدين ده جه لحد عندك وطلبك للجواز وكان بيوعدك أنه دايماً هيخليكِ مبسوطة ده يتكره بالله عليكِ؟ حدقت بها جميلة بعيون مليئة بالدموع والشعور
بالذنب فضمتها ياسمين: وأنتِ كمان مش شايفة نفسك زعلانة عليه أوي كدة، أنا مقدرة لغبطتك لكن ياريت تكوني متأكدة من قرارك. ابتعدت عنها جميلة مجدداً تقول بتوتر: و… وسيم جه وكلمني. ارتفعا حاجبا ياسمين بدهشة: وقالك إيه؟ رفعت جميلة كتفيها بحيرة: كان بيقولي ألف سلامة وبس تقريبا قالي حاجة كمان بس أنا مسمعتش. كانت ياسمين على وشك الكلام حين دلفت والدة جميلة. قالت بنبرة ترحيب: أزيك يا ياسمين يا حبيبتي؟ كل سنة وأنتِ طيبة وبخير.
أبتسمت لها ياسمين ونهضت لتسلم عليها: الحمدلله بخير يا طنط وأنتِ طيبة و بخير. قالت والدة جميلة بفرح: بصي بقا أنتِ مش غريبة فأنا هتكلم قدامك. ثم نظرت لجميلة وتابعت: جاي لك عريس بكرة يا جميلة. حدق جميلة وياسمين ببعضهما بذهول ثم هتفت جميلة: عريس إيه يا ماما؟ جلست بجانبهم على السرير وهى تقول بسعادة: وسيم صادق عارفاه؟ تبادلت جميلة و ياسمين نظرات سريعة ثم قالت جميلة بهدوء: اه.
أومأت والدتها بحماس: هو ده، كلم والدك وأن شاء الله هيجي بكرة. قالت جميلة بضيق: طب مقولتليش ليه يا ماما؟ مسحت والدتها على رأسها بحنان: يا حبيبتي هو الرجل خد ميعاد من أبوكِ، أنتِ أقعدي وقرري ومحدش عمره غصبك على حاجة صح؟ أومأت جميلة بصمت فقبلت والدتها رأسها ثم خرجت من الغرفة. أمسكت ياسمين يديها بعدم استيعاب: صح اللي أنا سمعته ده يا جميلة مش كدة؟ هزت جميلة رأسها بصمت فحدقت بها ياسمين بتعجب: مالك يا جميلة؟
أنتِ مش مبسوطة ولا إيه؟ مش ده اللي كنتِ عايزاه؟ أبتسمت جميلة ابتسامة باهتة وقالت بنبرة فارغة: أيوا أكيد مبسوطة بس الدهشة بس. تفحصتها ياسمين بنظراتها بدقة: مش باين، أنتِ مش مبسوطة يا جميلة. تنهدت جميلة: مش عارفة يا ياسمين بس حالياً أنا متلخبطة وعايزة بس أريح بالي شوية. أمسكت ياسمين بيدها بعطف: بتفكري في قاسم صح؟
تصدقي أنا كمان صعبان عليا أوي يا جميلة قاسم شاب ممتاز وكويس وحنين أوي بعيداً عن الجانب الطفولي شوية بتاعه بس نصيب. حين غادرت ياسمين لم تتمكن جميلة من النوم ليلتها جيداً بل حين تغمض عيونها تجدها تنظر لوجه قاسم حين رفضته والدموع التي رأتها في عيونه ثم يتحول الحزن لغضب واحتقار.
في اليوم التالي أتت ياسمين حتى تساعدها للاستعداد وكانت معاها حين أتى وسيم مع والدته ولكن لا تعلم لما لا تشعر بتلك السعادة التي تخيلتها حين تأتي هذه اللحظة ولا الحماس المفترض لهذا اللقاء. وضعت ياسمين يديها على كتفي جميلة: زي القمر يا روحي، ربنا يوفقك يارب. أبتسمت لها جميلة ابتسامة هادئة ثم خرجت لتجلس معهم، لم يمر قليل من الوقت حتى تركوهم وحدهما ليتحدثا سوياً. قال وسيم بابتسامة: أزيك يا جميلة عاملة إيه؟
أجابت بصوت خافت: الحمد لله بخير. تابع وسيم بنبرة جدية: فيه أي حاجة عايزة تسأليها ليا؟ تطلعت له جميلة: أنت اخترتني ليه؟ اتسعت عيونه بدهشة ثم ضحك: إيه السؤال ده؟ ردت جميلة بإصرار: مهم ليا لو سمحت جاوب. برغم تعجبه قال ببساطة: علشان أنا محتاج إنسانة تكون شريكة حياتي وزوجة ليا وأم لأولادي وأنا شايفك الإنسانة المناسبة لكدة.
لم تعجبها إجابته نوعاً ونظرت أمامها وترأى أمام عينيها وجه وهو يقول”بحلم تكوني الإنسانة التي تكمل معايا بقية حياتي وتشاركني الأحلام دي، أنا بحبك بجد ونفسي أتجوزك”. أفاقت من شرودها على صوت وسيم المتعجب: جميلة! جميلة روحتي فين؟ انتبهت له جميلة: ااا أنا آسفة سرحت. حدق لها بعدم رضا وقال: طب قولتي إيه؟ ازدردت ريقها وقالت بصوت ثابت: هفكر وأن شاء الله خير. أبتسم وسيم بثقة: وأنا واثق من الرد. عقدت حاجبيها
باستغراب أما هو تابع: على العموم عايز أقولك لو عملنا خطوبة هتبقى على الضيق بين عائلتي وعائلتك بس وأن شاء الله بعد الجواز إحتمال أسافر تاني بس هتكوني أنتِ هنا وممكن في المستقبل تيجي لي زيارات مع الأولاد. كاد فك جميلة يتدلى من عدم التصديق وردت بارتباك: اااه ثانية واحدة إيه ده؟ وبعدين مين قالك أني وافقت أصلا؟ رفع حاجبه وقال بنبرة بها بعض الغرور: ومتوافقيش عليا ليه؟
هو مش شكر في نفسي لكن أنا عارف أني فرصة كويسة لأي حد وخصوصا بنت زيك. لم تستطع الرد عليه لثواني بسبب صدمتها التي تزداد: بنت زيي؟ رد بلامبالاة : أيوا يعني معلش في الكلام بس يا جميلة أنتِ فرصك قليلة في الجواز أولا عذراً الرجل بيفضل البنت الرفيعة عنك وجمالك مش مبهر ثانيا أنتِ بنت بسيطة أوي يعني معندكيش إنجازات ولا طموح عايشة كدة مش زي صاحبتك ياسمين حتى.
مع كل كلمة تقع على مسامعها كانت لا تجد كلاماً تصف به ما تسمعه، حدقت به بصدمة وأدركت الآن أنها لا تعرفه ولم تعرفه قط، من كان يتخيل أن تحت تلك الواجهة الأنيقة المتحضرة تفكيراً كهذا! كانت كأنها تراه أمامها للمرة الأولى، إنساناً غريباً بالكامل وهو بالفعل كان هي من خدعت نفسها على أسس واهية. بعيون تلمع بالغضب: وأنت مين فهمك بقا أنت العريس اللقطة اللي مفيش منك اتنين يا أستاذ وسيم؟
ده بردو نفس الجهل بتاعك اللي مخليك مفكر أني عايشة كدة من غير هدف؟ نهض بعصبية: جميلة أنا مسمحلكيش… قاطعته وهي ترفع يدها أمام وجهه: أنا اللي مسمحلكش يا أستاذ وسيم تيجي هنا في بيتي وتهيني بكلام زي ده وكأنك بتشفق عليا وتمن عليا لما تطلب تتجوزني! نظرت
له باحتقار وقالت بكبرياء: ومع أنه ميهمنيش أنك تعرف بس أنا عايزة أقولك أنه أنا مناقشة الماجستير بتاعتي بعد يومين مش من غير إنجازات زي ما بتقول ومع أنه الإنجازات مش بتتقاس بالحاجات دي لكن ده لمعرفتك بس غير كدة كلامك وكلام أي حد في الزبالة ميهمنيش. عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بنبرة جامدة: اتفضل برة يا أستاذ وسيم، أنت مرفوض!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!