خُلقنا في آن واحد، وعشنا داخل قصر واحد. تعايشنا بروح واحدة. فلا تقع تحت طائل التفريق بيننا، ومن ثم تفشل. بشخصياتنا قد اختلفنا. رمقتها بيسان بعينين جاحظتين وكأنها ترفض ما تقوله. فيما أخذت عنود تبكي بحرقة، وقد عبرت نبراتها عن عمق حرارة حديثها. وهي تهزّها بكل ما أوتيت من قوة، قائلة: "هتستوعبي أمتي الواقع دا يا بيسان؟ مر سنة وانتِ لسه علي الحال دا. وجعتي قلوبنا، وخاصةً بابا. فوقي من غيبوبتك، إحنا مش هنستحمل نخسرك حبيبتي!
انسابت قطرات الدموع من عينيها، لتقول بنبرة مٌتلعثمة بالكاد تخرج منها: "إبراهيم عايش يا عنود.. هو قالي ما تقلعيش دبلتي أبدًا، وإلا هيزعل مني. ليه بتقولي كدا؟! إنتِ زعلانه علشان فرحنا كمان شهر وهبعد عنكم. لا متخافيش، ماحدش يقدر ياخدني منكم."
ضغطت عنود على عينيها باختناق، وراحت تخرج زفيرًا يصحبه حرارة أشد بأسًا من نيران موقد. تركتها على الفور، ومن ثم عادت إلى الخلف وراحت تسند ظهرها على الجدار حتى انهالت أرضًا تجلس في بكاء مرير. ابتلعت فداء ريقها بمرارة على حال شقيقاتها، لتقوم بالإقتراب من بيسان، ومن ثم تضع أطراف أصابعها أسفل ذقنها وتردف بنبرة هادئة للتخفيف من حدة الموقف: "بيسان حبيبتي.. دا ميعاد الدوا بتاعك." بيسان وهي تنظر لشقيقتها بخيبة أمل:
"إبراهيم عايش مش كدا؟! أسرعت فداء باحتضانها وراحت تربت على خصلاتها الناعمة، لتقول بصوت مُتقطع: "عنود.. قولي لبابا، يطلب الدكتور فورًا." *** (في غرفة مراد) "ضربت الظابط؟ بلاء دي المفروض يحطوها في محمية طبيعية مع الديناصورات.. أو ينفوها لجزيرة مالطة، وممكن بردو تتدفن حية على إنها أكلت لحوم البشر. لكن تعيش وسط البني آدمين الطبيعيين كدا؟ لأ خطر."
أردف مراد بتلك الكلمات بنبرة مصدومة مما فعلته ابنة خالته. هذا ليس بجديد عليها، ولكن نطاق أعمال البلطجة خاصتها اتسع حتى شمل الضباط. افتر ثغر منى عن ابتسامة عريضة لتردف بهدوء: "ربنا يهديها لنفسها.. وانت بطّل تقول كدا عن أختك، ويالا ركز في مذاكرتك." تذكر مراد شيئًا ما ليهتف بنبرة مليئة بالحماس قائلًا: "هو صحيح، هشوف يامن أخيرًا بكرة.. أنا مش مصدق لحد دلوقتي لأنه بجد واحشني." منى بسعادة طائلة:
"ربنا يحفظه ويرجعه لنا بالسلامة يا حبيبي." مراد غامزًا لها: "طيب مافيش دعوة لـ مراد حبيبك وساندوتشين جبنة رومي، أصل العبد لله بيذاكر والمذاكرة بتاخد من صحته." منى وهي تداعب خصلاته بأصابعها: "من عيوني طبعًا." *** (في أحد الفنادق المطلة على النيل)
جلست إلى المقعد القابع أمام منضدة الزينة، بدأت تمشط شعرها بمياعة شديدة وهي تلوك العلكة بفمها مفتوح. بسط جسده على الفراش حيث قام بوضع ذراعيه أسفل رأسه مستندًا عليهما. طالعته من المرآة أمامها حين تنحنحت قليلًا قبل أن تقول بنبرة دلال: "كان عندي سؤال كدا يا باشا، احم.. يعني هو إنت ليه ما أخدتنيش على بيتك أحسن من الفنادق والتكاليف؟! أبعد سيجارته قليلًا ثم نفث دخانها أمامه. أصبحت صورتها أمامه مشوشة، وما أن خفت الغيامة حتى
تابع بنبرة صارمة ثقيلة: "ما يخصكيش، وبعدين إنتِ تاخدي فلوسك وانتِ ساكتة وتيجي معايا في أي مكان يعجبني." استدارت بجسدها حتى تقابلت وجوههما لتقول بنبرة يكسوها الحزن المصطنع: "أنا كانت نيتي سليمة، مش قصدي أضايقك يا روحي." قصي وهو يعتدل جالسًا في الفراش: "طيب إخلصي يا حلوة.. وقومي بلقمة عيشك! *** "في صباح اليوم التالي،،،"
جلسن بالترتيب خلف بعضهن، تجلس بيسان بالمقدمة وخلفها عنود وأخرهن في الصف تجلس فداء. بدأت عنود تتحرك بالفرشاة بطريقة مرنة تمشط شعر شقيقتها الحسناء (بيسان) . أما فداء تجلس خلف عنود وتفعل نفس الشيء. وقد اندمجن بشكل واضح. أما فداء فمن سيمشط لها شعرها؟ "لأ، أنا جربانة.. وشر قوتي وجبروتي في الشعر الأكرد.. بيس يا ولية إنتِ وهي؟! عنود بامتعاض حين لوت شدقها تاففة: "Stop saying this, we are beautiful girls not this local word
(وليه) (توقفي عن قول هذا، نحن إناث جميلات ولسنا كما وصفتينا في كلمتك الشعبية وليه) افتر ثغر بيسان عن ابتسامة هادئة لتقول بسعادة غامرة وهي تفرك كفيها: "عارفين أنا جه في بالي أيه يا بنات؟ عنود وفداء في نفس واحد: "خير؟ … What!!!! بيسان باستئناف:
"عاوزة أملي الفراغ اللي أنا فيه شوية. فيدو راجعة الشغل من النهار ده وإنتِ يا عنود بابا لقي لك الشريك وهتبدأي تنفذي مشروعك.. فـ أنا بفكر أفتح حضانة في الصالة المنفصلة عن القصر. أنتم عارفين إني بحب الأطفال أوي، وهنسي غيابكم عني لحد ما ترجعي." عنود بحنو: "فكرة جميلة أوي يا قلبي.. تمام إحنا نعرضها على بابا." فداء رافعة أحد حاجبيها: "بس مساعدين رجالة لأ." بيسان بحماسة:
"عرفنا إنك بتغيري عليا ومش بتحبي حد فينا يتبص له بنظرة شهوة وإنك مقاتلة وفدائية وشوفتي من الناس الوحشين دول كتير." فداء وهي تلتفت ثم تقبض بكفيها على وجنتيها وتشدهما بانتقام: "الله عليكي ياسطي حفظتي الدرس بسرعة.. نبيهة يا بنت سلم." ومن ثم استأنفت وهي تتركها وشأنها لتردف بنبرة مشاكسة: "أنا حاسة إني عاوزة اتخانق مع حد؟ مش مظبطة كدا.. أما أروح أضرب مراد الكلب من غير أي أسباب."
ضحكت الأخريات على حديثها، داعين له بالصبر على هذه الـ.. بلاء.. اتجهت في الممر الطويل الذي يضم في نهايته غرفة مراد، صُممت خصيصًا له بعيدًا عن أجواء القصر الصاخبة حتى يتهيأ عقليًا ونفسيًا للانتصار على الثانوية محققًا أحلامه. لم تطرق الباب أبدًا كعادتها، قامت بفتحه على مصراعيه وبنبرة صاخبة تابعت: "ولا يا مودي.. ازيك وإزاي الثانوية العامشة، وحشتني ياسطي والله."
ضيق مراد عينيه، أخفض الكتاب على سطح المكتب ومن ثم استدار بالمقعد المرن وبنبرة مغتاظة تابع: "بلاء! .. عاوز أذاكر.. الله لا يسيئك! فداء وهي تتجه ناحيته: "أيه يا صديق؟ أصلي بصراحة زهقانة قولت أروح أندمج مع مودي ونسمع أغنية أنجليش؟ مراد يرمقها بنصف عين: "إنجليش!! أنا شاكك في أمرك بس ماشي.. تحبي تسمعي إيه؟
لم تجبه عن سؤاله، وحدها الموسيقى التي صدرت من هاتفها الجوال كانت كفيلة بأن تخبره، ليسمع هذه المغنية الأجنبية تصدح عاليًا بالغرفة. حدق بـ فداء التي بدأت ترقص بطريقة شبابية، فغر فاهه في صدمة ليجد كفها يصفق على عنقه من الخلف وبنبرة مرحة تقول: "Waka waka eh eh, tsamina Mina zangalewa." (فقط إفعلهـا، من أين أنت) همّ أن يصرخ بها بغيظ ليجد صفعة أخرى منها فيما ظلت تراقص حاجبيها في استمتاع وهي تهتف عاليًا وخصلاتها تتحرك بقوة:
"You’re a good soldier, choosing your battles." لم يتحمل أكثر من ذلك، ليبدأ الغناء معها وبنفس طريقتها لتبدأ المعركة لتوهـا، نالت منه بقوة كعادتها ليصرخ باستغاثة: "يا بنت الهبلة! .. عاااااا، قفايا ورم.. يا ماما حد يقتلها بأي مبيد حشري هنا." منى وهي تهرول داخل الحجرة: "انتوا بتعملوا أيه في بعض؟! تنفست فداء شهيقًا داخلها، لتزيح خصلاتها بثقة وثبات وهي تقول بظفر:
"حقيقيًا، ربنا يخليك يا مراد والطشك براحتي، بعشق السادية.. بعشقها، حاسة دلوقتي إن نفسي مفتوحة على الأكل، ها يا منمن طابخة لنا إيه؟! مراد وهو يختبئ خلف والدته: "حقيقيًا؟! أعوذ بالله من الخبث والخباثة، دي عليها جن سادي.. اوعي لتأكلك يا أمي، أنا ماليش غيرك." منى بنبرة صارمة: "كفاية هزار لحد كدا واتفضلي علشان هيذاكر." فداء وهي تتجه صوب باب الحجرة: "هروح أدور على حد تاني أعذبه بقي." *** (داخل مكتب سالم العامري)
نكس ذقنه حزنًا لحالة ابنته التي تسوء يومًا بعد الآخر. ظل يستمع لحديث الطبيب المختص بحالة بيسان دون أن ينبس ببنت شفة. كبا لون وجهه إرهاقًا وهو الذي أقسم أن يظل يحميهن حتى من حزن يمس قلوبهن. فـيخطف النوم من أعينهن. وهنـا استفاق من شروده الحزين على صوت الطبيب وهو يتابع بثبات: "الحقيقة، أنا حاولت معاها بكل الطرق، ولكنها رافضة الحاضر دائمًا.. بنتك محتاجة حب جديد عشان تستوعب إن خطيبها مات في الحادثة من سنة."
سالم بتنهيدة مثقلة أوجاعًا: "يعني علشان بنتي تخف.. أدور لها على واحد يمثل دور الحب عليها ولم تعرف تتصدم أكتر؟! الطبيب بنفي: "أكيد طبعًا لأ، بس بنت حضرتك محتاجة مشاعر مختلفة تطرأ على حياتها عشان تنسيها السابقة.. وأنا معاها للآخر وهبذل قصاري جهدي عشان تتحسن، بس لازم تعرف إن (بيسان)
مش مشلولة، بل في كامل صحتها بس هي مستسلمة لتراخي عضلات رجليها ورافضة الحركة.. هي محتاجة حد تثق فيه عشان يقنعها تبدأ من جديد وتمشي.. ربنا يعافيها." سالم بنبرة ثابتة: "أمين يارب."
أخفض الهاتف عن أذنه بعد أن أنهى اتصاله. التفكير يأكل خلايا رأسه موتًا. كيف يساعدها وبأي وسيلة ومتى ستدرك. أن خطيبها قد مات ودُفن من عام سابق. أثر حادثة وكانت هي معه داخل السيارة. عندما خسر حياته فيما أصبحت هي قعيدة هذا الكرسي المتحرك. ليست الحادثة من جعلتها هكذا بل صدمتها على غيابه. في تلك اللحظة دلفت إحدى الخادمات التي تابعت بصوت خفيض: "المساعد الجديد لـ بيسان هانم وصل يا فندم.. أدخله؟!
أومأ سالم برأسه إيجابًا دون أن يعيرها نظرة حتى. ترجلت هي للخارج وما هي إلا ثوانٍ حتى دلف الشاب على استحياء. تنحنح قليلًا وهو يقف أمام باب الحجرة ولكن لم يلتفت له سالم الذي قرر أن ينسى مشاكل بناته بإحدى قضاياه. أخذ يضيق عينيه باهتمام وافر ثم يرخي جفنيه مجددًا ساعيًا لإيضاح شيء ما داخل عقله المٌرهق. قطب ذاك الشاب ما بين حاجبيه باندهاش من تجاهل (سالم)
له. فهو من دعاه خصيصًا كي يسلمه زمام العمل داخل القصر. سار صوب المكتب بخطى مترددة وئيدة وبنبرة خشنة واجبة لمن بسنه (سن المراهقة) "ياااا سعادة الباشا، إنت نسيتني ولا إيه؟! رفع سالم بصره عن الأوراق أمامه، ليفتح فمه شادوهًا من نسيانه لأمر هذا الشاب وبنبرة مهمومة وكأنه يشتكيه من هذه المشاكسة:
"أسف يابني، البنت جننتني.. جبتها مرة من مظاهرات وشوية من قهاوي في أحياء شعبية قال إيه بتتفرج على الماتش هناك، الزملكاوية بنت الكلب دي.. حاسس إني مخلف راجل." فغر الشاب فاهه علامة التجاهل. ارتفعت شفته العليا قليلًا. لا يفهم بما يهذي هذا الرجل الذي يمتلك هيئة أكثر وقارًا. يمتلك عينين زرقاوين تُغطيهما أهداب كثيفة للغاية قد شيب الزمان رأسه ولكنه ما زال جاذبًا بهيبته. ليردف الشاب بعد فهم: "لمؤاخذة مش فاهم يا باشا."
تنهد سالم عميقًا في تلك اللحظة، ليفتر ثغره عن ابتسامة هادئة قائلًا: "المهم، إنت يابني دورك في القصر دا، إنك تشتري متطلبات بناتي وأي حاجة يحتاجوها، وربنا معاك بجد." نور باستغراب: "في إيه يا باشا؟ .. هو أنا رايح أحارب؟ سالم وهو يضرب كفًا بالآخر بضحكة خفيفة: "ده إنت لو هتحارب كان أنصف لك من الشغل هنا.. معلش يابني، كله نصيب.. اتفضل إنت اغسل العربية علشان عندي شغل وقبلها شوف آنسة بيسان هتحتاج إيه؟! نور بإنصياع
وهو ينطلق صوب باب الغرفة: "اللي تشوفه يا باشا." ترجل (نور) خارج باب الغرفة. سأل الخادمة عن مكان غرفة (بيسان) لتشير إلى إحدى الغرف الموجودة بالطابق الأرضي. اتجه إلى هناك وما أن طرق الباب حتى سمع صوتها تهتف بنبرة هادئة: "اتفضل." أدار مقبض الباب ليفتحه بهدوء شديد وما أن دلف للداخل حتى وجدها تقف على بعد سنتيمترات من باب الغرفة تنتظر رؤية الطارق. وهنـا تابع نور داخل نفسه: "اللهم صلي على حضرة النبي.. إيه الحلاوة دي؟
.. دي ولا نجمات السيما، بس يا خسارة الحلو ما بيكملش." في تلك اللحظة قطع شروده صوتها وهي تتابع بتساؤل: "إنت الضحية الجديدة؟! نور بتنحنح قليلًا: "ضحية إيه يا ست الكل؟ بيسان بضحكة هادئة: "طيب تعالي خدني للجنينة لو سمحت."
اتجه صوبها ثم استدار حتى وضع أطراف أصابعه على مسند المقعد المتحرك. دفعها بخفة نحو باب غرفتها. وما أن تجاوزت هي عتبته وهمّ أن يفعل، حتى وجد.. وجد صورة كربونية من هذه القعيدة ترتدي ثيابًا غير التي ترتديها الأخرى. جاب ببصره بينهن ليجد بيسان تنظر له بشفقة. وهنـا سمع صوت (فداء) تهتف بنبرة جامدة وهي تمسك بهذا السلاح الحاد بين يديها: "إنت مين يالا؟ .. وواخد أختي ورايح فين؟
تلعثم الشاب في عباراته قليلًا قبل أن يبتسم من بين قلقه قائلًا: "ما شاء الله.. انتوا تؤام؟ وربنا هي اللي طلبت مني أخدها للجنينة؟ بيسان وهي ترجوها بقلق: "فيدو حبيبتي، أنا اللي طلبت منه.. وهو المساعد الجديد بتاعي." في تلك اللحظة هزت فداء رأسها بتفهم، لتضع إصبعها داخل دائرة المطواة القابعة بآخرها ومن ثم ألفتها عدة لفات بحركة سريعة ليعود الشاب للخلف في فزع. في حين استأنفت حديثها بثبات:
"طب خد بالك بقي، إيدك دي تلمسها كدا ولا كدا وشغل المتحرشين دا.. والمصحف أشويك زي الخروف في شواية الجنينة، لأ يالا دا أنا صايعة ومش أختي اللي يتعمل معاها كدا؟ وضعت بيسان يديها على فمها وهي تجد صفعة من كف والدها تنهال على عنقها من الخلف وبنبرة مغتاظة تابع: "خير يا شبح في حاجة؟؟ فداء وهي تلتفت لوالدها في فزع: "تسلم إيدك يا سيد المعلمين.. بس مش كدا يا سلم، البرستيج رااااح."
أغمض سالم عينيه حتى استقامت جفونه غيظًا. وما أن طفق في فك حزام بنطاله حتى وجدها تتابع بنبرة قاربت على البكاء المصطنع: "ما عملتش حاجة، أنا بأمن مستقبل أختي يا صاحبي." سالم وهو يمسك كفها ثم يضرب بالحزام على ظهرها للأطفال قائلًا: "صاحبي؟ ليه هو أنا واحد من اللي كانوا قاعدين معاكي على القهوة في ماتش امبارح وشربتي معاهم شيشة تفاح؟ فداء بابتسامة بلهاء: "ده الواحد كان خربان من الصداع أجدع، أما الشيشة دي طلعت حاجة عنب."
سالم بعصبية مفرطة: "عنب؟ .. يعني أنا أخبيكم من الناس سنين عشان انتِ بعد ما تتخرجي وتشتغلي سنة.. تضيعي اللي أنا بنيته يا بلاء القصر؟! فداء بتوتر: "خلاص يا قلبي من معاميعه، هبقى مؤدبة وهبطل هلس." تركها سالم باستسلام فقد فاض به منها. ليرمقها بنبرة صارمة قائلًا: "هلس؟ مال بجسده أرضًا ليخلع عنه حذائه. وما أن استقام مجددًا حتى وجدها تقف بجانب الشاب وتضع المطواة أمام عنقه وبنبرة جامدة تابع:
"وربنا ما ترشق الجزمة في وشي زي كل مرة، لأكون غزاه ناحية لغاليغه وآور كدا زي ما بنفور المحشي لحد ما يفقد النطق." بيسان بنبرة متلعلثة: "لا ما إنتِ لو أورتي زوره هيموت خالص." فداء وهي تنظر لوالدها بتحد: "وريني بقي هتنشل عليا إزاي.. نيهاهاهاي! وهنا قطع قهقهاتها نعل حذاء والدها وهو يصطدم بجبهة رأسها لتصرخ بطفولة وهي تضع يدها على رأسها: "آآآه.. عيني، حرام عليك إتعميت." سالم بضحكة ظفر:
"وهي دي عينك يا حوله يا بنت الأحول. ما أبقاش سالم العامري لو ما علمتك الأدب يا بلاء القصر." أنهى حديثه ليواليهم ظهره ومن ثم تابع بصوت صارم: "قوم بمهمتك يابني ولو حد ضايقك بلغني.. وانتِ يا منى خلصي الأكل بسرعة علشان يامن على وصول.. وكمان الضيف (قصي) فداء بمشاكسة: "رايح فين يا سلم بس! طيب أعملك لمونادا تهدي أعصابك يا حبي؟ مافيش رد!! .. ما هو الاهتمام ما بيتطلبش، من خد إجازة من شغله، اتقل مقداره." كتم (نور)
ضحكته في حلقه، يقاوم خروجها، وكذلك بيسان التي تابعت بنبرة ضاحكة قليلًا: "هو أنا ينفع أضحك؟ فداء وهي تضع المطواة في جيب بنطالها: "إنتِ آه.. لكن الواد دا لأ، أوعى تكون فاكر إني عشان ما رديتش على سلم أبقى بخاف؟! لأ أنا بس ماحبيتش أزعق له قدامكم، الرجولة أدب مش هزّ أكتاف." نور ببلاهة: "بس إنتِ بنت؟ فداء بابتسامة مشاكسة: "شكليًا آه، بس آآ.. إيه اللي هناك دا؟!
التفت الشاب حيث أشارت هي بإصبعها ليجد صفعة على عنقه من الخلف فيما تابعت وهي تحرك مقعد شقيقتها عائدة إلى غرفتها: "نيهاهاهاي.. إيه رأيك في الرجولة دي! شغل عالي عالي." *** مرت حوالي ربع ساعة حيث استعدت فيها (عنود) لاستقبال شريك عملها الحر. بدأت تجهز الأوراق الخاصة بالعمل لتوقيع عقد الشراكة ما أن يتم الموافقة على بنوده.
أخبرتها الخادمة بمجيء الضيف المنتظر، حينما حملت هي ملف الأوراق بين يديها وراحت تتجه صوب الدرج من فرط حماسها فالآن هي على بعد خطوة واحدة من تنفيذ حلمها.
بدأت تهبط الدرج بقوامها الممشوق هذا، تتبختر في غنج وكبرياء لا تتصنعه البته بل هو من ضمن أصول شخصياتها. كان يجلس في البهو يضع قدمًا فوق الأخرى وقد اندمج في تصفح هاتفه المحمول، ليجد وقع خطوات أنثوية فجة. نحا ببصره إلى مصدر الصوت لتجحظ عيناه في شدوه فاغرًا فاهه والذهول هو سيد الموقف.
كانت ترتدي فستانًا من اللون الأبيض يصل إلى ما فوق الركبة ونُثرت به ألوان الطيف جميعها دون حمالات كتف. رفعت شعرها على شكل كعكة قابعة بمنتصف الرأس وتركت لبعض الخصلات التحرر على وجنتيها. وكذلك ارتدت حلق من الألماس الأسود. وقفت أمامه مباشرة لترتسم ضحكة رقيقة على مبسمها فتقول برقة: "هاي؟ جاب بعينيها يتفحصها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها وبنبرة مصدومة يشوبها الإعجاب تابع: "ما إنتِ أنثى أهو.. امال ضربتي الناس دي كلها إزاي؟
عنود بعدم فهم: "مين دي اللي ضربت؟ وناس إيه؟ رفع قصي ذراعه للأعلى قليلًا وراح يضربها بقبضته القوية على ظهرها. مالت للأمام ثم هتفت بتأوه وصدمة: "You are crazy!! (إنت مجنون؟! قصي رامقًا إياها بثبات: "هم اللي بينضفوا لسانهم بيعوج!! .. بطلتي تعملي هجمات مرتدة يعني؟! عنود وهي تبتعد عنه في نفور لتصرخ بحدة: "إنت واحد مش طبيعي أصلًا! وكلامك مش مفهوم." في تلك اللحظة هتفت (فداء)
وهي تحرك مقعد شقيقتها أمامها متجهة إليهما وبنبرة ثابتة وغليظة تشبه الأصوات بأفلام مصاصي الدماء: "إزيك ياسطي؟ منور قصر الأشباح، أقدم لك نفسي.. سنسوداين مسكن لآلام الأسنان." جحظت عيناه في صدمة وهو ينظر لثلاثتهن. ابتلع ريقه بصعوبة ومن ثم مد يده ليلتقط سلاحه دون أن ينتبه لحديثها المازح في تخويفه وراح يوجه السلاح ناحيتهن يحركه حركة دائرية قائلًا بفزع: "إنتوا عفاريت بجد؟ .. ودا بيت أشباح!
يادي الليلة السودا.. أنا قولت قوة البت اللي في القسم امبارح.. مش قوة بنات خالص." يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!