الفصل 23 | من 30 فصل

رواية جميلتي الصهباء الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم عليا شعبان

المشاهدات
20
كلمة
3,895
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

جحظت الأعين ولاحت جميعها إليه، بين مصدوم وراضٍ ومن هو مدرك لأسباب قبوله بصفقة كهذه. افتر ثغر فداء عن ابتسامة ذات مغزى، فهي تعلم تمامًا بأن "قُصي" يقتنص فرصة كهذه لإبقائها إلى جواره، وفي كل مرة يزداد إعجابها بشخصه وإصراره. قطب سالم تقطيبة مُندهشة وهو يهتف باستفسار: _تتجوزها علشان السفر! وتتحسب عليها جوازة؟ قُصي عجل بالنفي مضيفًا:

لا يا عمي، إنت فهمتني غلط. أنا عاوز أتجوز عنود وتبقى مراتي ونعيش سوا الباقي من عمرنا، يعني مافيش طلاق أو أي إساءة لحضرتك. وفي هذه اللحظة هتفت عنود بنبرة جزوعة: _جواز إيه يا مجنون إنت؟ ومين قالك إني عاوزة أتجوزك! ومن ثم استأنفت حديثها وهي تتجه به إلى والدها: _لو سمحت يا بابا، الموضوع مش مستاهل كل اللي بيحصل ده.

فداء، وهي تتجه نحو شقيقتها التي تصلبت دموعها في محجريهما، استغربت من حال والدها وكيف استبد برأيه ولم يلتفت لوخزات قلبها. قامت فداء باحتضانها ومن ثم أردفت بحنو: _عنود اهدي. بابا مش قاصده يدمر أحلامك حبيبتي. ما إنتِ عارفة إن ده موقفه من زمان. سالم وهو يقترب من ابنتيه مردفًا بحنو:

_أنا مش ضد أحلامك يا بنتي، بس أنا قلبي ما يطاوعنيش تخرجي برا مصر لوحدك وتروحي بلد ما تعرفيش فيها حد. والأهم إنك لو كسبتي العرض وجالك عقود عمل خارج القطر العربي، احتمال تنسي إن ليكِ أهل. أسف يا بنتي، أنا مش ناوي أخاطر بيكِ. قُصي وهو يهتف بنبرة ثابتة واضعًا كفيه في جيبي بنطاله: _قولت إيه يا عمي في كلامي؟

لم يحفل بنظراتها التي صوبتها إليه مُستنكرة، وقد ثارت نفسها تكاد تصوب نيران أنفاسها المُلتهبة نحوه. فيما أردف سالم وهو يتجه بخطواته صوب مسار غرفته: _القرار في الموضوع ده راجع لها يا بني. نكست عنود ذقنها يائسةً تندب حظها العنيد والذي يشبه صاحبته. ابتلعت غصة في حلقها وهي تنظر إلى قُصي الذي ارتأى خروجه إلى باحة القصر فضلًا عن البقاء. لتجد آسر يُردف بنبرة ثابتة:

_عمي سالم أدرى بشخصيتك أكتر منك يا آنسة عنود، وقُصي بيحاول يقف جنبك في كل لحظة. قُصي راجل جدًا وواضح إنه بيحبك. عنود بنبرة مُتحشرجة: _بس أنا مش قادرة أحبه. مش هعرف؟

ضيق آسر عينيه في حالة توجس ليصل إلى أذنيه صوت أنين خافت. التفت إلى مصدره ليجد "بيسان" تجلس إلى إحدى درجات السلم بعدما استمعت إلى حديث والدها ويُجاورها يامن الذي احتضنها. تنهد آسر تنهيدة ممدودة بعمق، وكأنهن مسؤولية جديدة يرغب بصونها. جاب ببصره بين الثلاثة حيث اتخذن أماكن متفرقة من البهو وعلامات الهم سيطرت على ملامحهن. أحس برغبة في مؤازرتهن والوصول إلى حل في أقرب وقت، ولكنه يرى أنها ستكون في مأمن إلى جوار ذاك الذي يعشقها.

تنحنح آسر قليلًا وبنبرة ثابتة أردف: _طيب خلونا نكمل البروفة. وبعدين نشوف حل؟ تكلمت عنود من وسط شهقاتها وهي تضع وجهها بين كفيها: _بروفة إيه بقى، ما خلاص كل حاجة راحت. أحس آسر بوادر انكسار في نبرة صوتها الواهية ليقترب منها ومن ثم مد ذراعه إليها مردفًا بهدوء:

_هاتي إيدك. يلا نكمل البروفة لنهايتها وربنا مدبر الأمور. وكل حاجة هتمري بيها من اللحظة دي تأكدي إنها خير ليكِ، حتى قُصي لما خاف على حلمك يضيع فحب تكمليه وانتِ جنبه. ما يغركيش أنه متماسك طول الوقت. حاولي بس تقدري أنه حبك وعاوز علاقة رسمية بينكم حتى لو ما كانش فيه عرض من الأساس.

نحت ببصرها إلى ذراعه الممدود لها وقد أحست لوهلة بأنها ارتكبت ذنبًا فادحًا في حقه، فلشد ما كان سروره في القرب منها، فجعلت هذه المضغة بين ضلوعه أشد البلاد خرابًا جراء رفضها له طيلة الوقت.

مدت عنود ذراعها حتى وضعت راحتها عليه لتستقيم واقفة في مكانها. تهللت أسارير وجه الأخرى وهي تجده يحتوي بأس شقيقتها بمرونة ورزانة. كم تمنت بأن يرزقهن الله بشقيق يحتوي ضعفهن ويشدد عليه. لمست شعور الحب والانتماء في نبرة صوته الدافئة لتتنحنح قليلًا وبنبرة حانية أردفت: _آسر معاه حق يا عنود، يلا حبيبتي خلينا نكمل اللي بدأنا فيه. يامن متداخلاً بنبرة مازحة: _يا جماعة حد يشوف الحجة دي، بتعيط وتمسح مناخيرها في التي شيرت.

افتر ثغر الجميع عن ابتسامة خفيفة وقد نجح يامن في تلطيف الجو بكلمات خفيفة. تنهدت عنود تنهيدة طويلة بعد أن نأت الدموع عن وجنتيها وبنبرة خافتة قالت: _تمام. يلا نكمل البروفة.

اتجه الجميع إلى حديقة القصر. اشتعلت الأضواء وقد امتلأت حديقة القصر بسيدات البلدة اللواتي اشتركن في إنهاء التصاميم بعدما تناول الجميع هذا الثريد الذي نال إعجابهم وقامت حسنيه بطهيه. كان يقف في زاوية من الحديقة وقد أشعل سيجارته بعود ثقاب وراح ينفث دخانها بشراهة وضيق لم يتحمل إخفاقه في حب جديد. هل العيب فيه أم أنهن لا يفهممن ما ينغرز في خلجات نفسه من آهات الماضي ومواجعه؟

وجدها في هذه اللحظة تقف في منطقة العرض، ثبت نظره بها ولم يستطع أن ينحيه عنها، فحبه لها يفضحه على كل حال. حار في أمره ولم يعد يدري ما ينبغي فعله ولكنه آثر الصمت لحين الانتهاء من هذا العرض الثانوي. على صوت صفير مصطفى وهو ينظر إلى ثوبها الآخاذ ليصفق بكفيه وهو يهتف بإعجاب جم: _أييه الحلاوة دي يا ست عنجودة؟ جمر 14. افتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة ومن ثم أردفت بنبرة هادئة:

_فداء هتوزع على كل واحد وواحدة ورقة وقلم وكل فستان هلبسه تقيموه من عشرة، تمام؟ وقفت تعرض الفستان أمامهم في شيء من الثبات، تروح وتجيء في انتظار تقييماتهم بشأن النموذج الذي ترتديه. تنحنح مصطفى لوهلة حيث رغب بشدة في الجلوس وسط السيدات ليبقوا إلى جوار صديقته ومن ثم تابع وهو يتحدث إلى فداء التي تدون شيئًا في ورقتها قائلًا: _هو إنتِ بتكتبي إيه بجا؟ غششيني أي سؤال؟ قطبت فداء ما بين حاجبيها وبنبرة هادئة ردت:

_هو إحنا في امتحان يا مصطفى؟ صوت للفستان عشان التصميم ينجح. مصطفى بتوجس ونبرة بلهاء: _وهو أنا لو صوت الفستان يكسب! فداء وهي توميء برأسها إيجابًا ولم تتخيل قط ما يدور في رأسه هذه المرة فقد فهم معنى كلمة "تصويت" بشكل خاطئ، وهنا قام برفع صوته عاليًا وهو يصرخ: _يالهوووووي! ياختااااااي! وهنا التفت إلى فداء التي فغرت فاهها وهي تنظر له ليقول بتساؤل وثقة: _أصوت تاني ولا كفاية كده! ها كسب؟ جمال وهو يطلق قهقهة عالية مرددًا:

_كتر ألف خيرك يا تيفا. صوتك كفا ووفا يا حبيبي ومبروك الفستان كسب. عم الابتهاج الحفل الصغير وصوت القهقهات يعلو في المكان. قرر قُصي الانضمام إلى هذا الجمع ليقترب صوب دائرة الرجال ويجلس إلى جوار والده. وفي تلك اللحظة أردفت عنود بنبرة متوترة قليلًا: _تصويت أول فستان من عشرة! الجميع في نفس واحد: _عشرة. أومأت عنود برأسها إيجابًا لتتجه من جديد داخل القصر حتى ترتدي نموذجًا آخر لعرضه، وهنا أردف "سمير" بابتسامة هادئة وهو يتوجه

بحديثه إلى سالم العامري: _ما شاء الله يا عمي أنا مبهور بتربية حضرتك حقيقي. كل آنسة منهم وفيها حاجة مميزة، ثقافة ونجاح وجمال. باغته قُصي مرددًا بنبرة حانقة وهو يعقد ذراعيه أمام صدره: _جمال؟ كلم يا حج بينادي عليك. افتر ثغر آسر عن ابتسامة خفيفة لم تصل إلى عينيه رغم الانفجار العظيم الذي أوشك على مداهمة ثغره مقهقها ولكنه تماسك بشيء من الحزم. وهنا مال يامن إلى أذن آسر وراح يهمس بترقب: _ماله قُصي قرفان من الراجل ليه؟

أردف آسر بنبرة خافتة يشوبها القليل من الخبث: _شكل المعيد ده بيخطط يناسب الحاج سُلم وتقريبًا هيناسبه في بيسان. عاد يامن برأسه للخلف قليلًا وقد تقلصت خلجات وجهه بنفور ليحدق بذاك الجالس إلى جوار جمال الدمنهوري وما كادت نظراته الناقمة توجه لعناتها إليه حتى وجده يردف بنبرة متسائلة: _بس حضرتك قلت إنهم ثلاثة توأم، فين التالتة بقى؟ يامن بلهجة صارمة وهو يصر على أسنانه غيظًا:

_التالتة ما بتتكشفش على رجالة ومنورنا ويا بخت من زار وخفف. في تلك اللحظة جاءت "بيسان" إليهم وبنبرة رقيقة أردفت: _بابي ممكن تـ... هب يامن في مكانه واقفًا ليقطع حديثها قائلًا وهو يجذب ذراعها مبتعدين: _لا مش ممكن وتعالي معايا.

حاول سالم مليًا الالتزام بالصمت ولكن أرغمه حديث يامن إلى إطلاق ضحكة خفيفة، فبرغم فارق العمر إلا أنه يظل يفهم من أمور الشباب ما لا يفهمه غيره. فقد لاحظ ماذا يرغب كل واحد منهم، وهو على دراية ودراسة بشغف قُصي بابنته، وعشق فداء لصرامة آسر وسعادة بيسان لاحتواء يامن لها. جاب ببصره بين الثلاثة يقرأ أفكارهم. فكم تمنى أن يرى صغيراته في ثوب زفافهن بعد أن يعشن من الحب ما يجعلهن يتقبلن عيب أنصافهن الأخرى دون تذمر وأن لا يكن مجبرات على الزواج حتى يخرجن من تصنيف عانسات أو ما شابه.

عادت عنود إلى باحة العرض بفستانها الجديد والذي يقصر طوله قليلًا عن المعتاد لها. استقبلها الجميع بحماس شديد إلا هو فقد أظهر جزعًا لا حد له، وخاصةً عندما تابع سمير بإعجاب ملحوظ وهو يتفحص الثوب على جسدها: _ده مميز جدًا. وتقريبًا لما لبسته بقى أحلى. نفخ قُصي شدقه وراح يمسح على وجهه بنفاذ صبر. وهنا التفت إلى مصدر صوتها وهي تردف بترقب: _كام؟ قُصي ببرود: _صفر على عشرة.

لوت عنود شدقها وهي ترمقه بنظرة حانقة. أسرعت فداء بتخفيف حدة صراعهما الذي سيبدأ إن لم يتدخل أحد لتقول بهدوء وافر: _آراء طبعًا يا عنقودتي، أنا بصراحة شيفاه يستاهل فوق العشرة. الجميع في نفس واحد: _عشرة.

رمقتهُ عنود بنظرة مطولة من بروده تجاهها واستخفافه بمجهودها دون داعٍ. أسرعت بالدلوف إلى القصر وهي تبتلع إهانته على مضض. انتصب واقفًا على الأثر ومن ثم سار بخطواته إلى داخل القصر وقد تأججت النيران داخل قلبه. وما أن وصل إلى حجرتها حتى طرق بقوة على بابها وبنبرة حازمة أردف: _عنـــود؟ أسرعت عنود بفتح الباب بتوجس وخيفة من نبرته الحادة وما أن وجدت علامات الغضب تغطي سائر وجهه حتى أردفت بقوة واهية:

_خير، لسه في حاجة تاني عاوز تقولها؟ أسرع قُصي بالقبض على ذراعها بشراسة ليدفعها للداخل وبنبرة جامدة هتف: _أنا من رأيي كفاية عرضك لتصميمين ونلم الدور بقى. عنود وهي تحاول التملص من قبضته مردفة بنبرة صارخة: _أيه اللي نلم الدور وما نلمش؟ ثم إنك بتدخل ليه؟ بتستخف بمجهودي قدام الناس خلاص مافيش إحساس بتعبي! قُصي وقد افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة قائلًا:

_إنتِ آخر واحدة تتكلمي عن الإحساس يا عنود هانم. ولو كنت موافق على طولة لسانك فدا بشوقي. ومن النهاردا كل كلمة هتقوليها بحساب. عنود وهي تجابهه بتحدٍ: _إنت فاكر بطريقتك دي هتخليني أوافق على جوازي منك؟ لما بتتحكم فيا من دلوقتي تخيل بقى لو وافقت على حاجة تربطنا ببعض وغلطت في مرة. مش بعيد تضربني لأنك شخص متسلط وقاسي في التعامل والنقاش.

أحس قُصي بخطأ ما ارتكبه لتوه، ليحرر معصمها من بين قبضته وهو يرى علامات غضبه منها تخط بقسوة على معصمها الصغير. تنشق الهواء داخله قليلًا وبنبرة قد خفف من حدتها أردف:

_أنا لا هقتل حلمك ولا رجولتي تسمح لي أضرب واحدة ست غريبة عني حتى. ولو فعلًا متسلط ما كنت أول واحد دورت على طريقة نقف بيها على رجلنا تاني وخصوصًا إنك عارفة إن شغل الشركة بالنسبة لي تضييع وقت وكان سهل أقول "وانا مالي". حلو إن كل واحد فينا يكون عنده حلم متمسك بيه. بس هواجس الأحلام بتقتل حاجات كتير حلوة كان بإيدك تعيشيها. للعلم أنا حبيتك بشخصيتك العملية وطموحك وكل تفصيلة حسيتها فيكِ فمافيش سبب يخليني أدوس على كل ده بمجرد ما أضمنك ليّا. مش قُصي الدمنهوري اللي ياكل حق ست أو يستغل ضعفها علشان يقول للناس إنه قوي.

أنهى حديثه الحازم لها. استدار يوليها ظهره وراح يخطو خطوتين صوب الباب. وقبل أن يتجاوز عتبته التفت لها قائلًا بثبات: _أنسي إني طلبت تكوني ليّا في يوم، وأنا هعمل بأصلي وأقنع والدك بالسفر وأهي محاولة. ودا طبعًا ما يمنعش إنك مش هتعرضي تصاميم تاني لأن الحاج جمال ربنا يسامحه عازم واحد مش راحمك فحص ومحص وشغل رخيص. ياريت نبقى اتفقنا على النقطة دي.

أسرع بالدلوف خارج الغرفة وسط نظراتها الثاقبة به ومن ثم صفق الباب خلفه. كانت ترمقه بنظرة مستنكرة. انتفض جسدها وهو يصفع الباب خلفه بحدة وما أن تذكرت حديثه حتى افتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة وسرعان ما تبدل حالها وهي تهتف بنبرة طفولية باكية تتحدث إلى نفسها: _إنتِ بتضحكي على إيه يا نيلة؟ مبسوطة بكلامه. تعالي يا ماما. شوفي بابا بيعمل إيه في الأمانة بتاعتك.

انصاعت عنود للأوامر الصادرة منه وانفض الحفل على الأثر. وقف الثلاثة على باب القصر بصحبة جمال يودع ضيفه. قام الضيف بمصافحة قُصي الذي ضغط على كفه بأقصى قوة له وبنبرة ثابتة أردف: _نورتنا. أحس سمير بثقل قبضته، لينتشل كفه سريعًا دون أن يصدر أي نوع من التأوه. ليمد كفه إلى آسر الذي شدد عليه بقوة لا تختلف عن قبضة الآخر ليتابع سمير بتنحنح: _في إيه يا شباب؟ إنتوا بتسلموا بحرارة أوي ما شاء الله. آسر ببرود: _شرفتنا. التقط (يامن)

كفه وأخذ يرفع وينزله حتى أرهق ذراعه وبنبرة ساخرة: _زي ما قالوا لك الشباب. نورتنا وشرفتنا ويا بخت من زار وخفف. رجع الهدوء يسود المكان من جديد. تنهد قُصي بعمق ومن ثم تابع بإرهاق: _أنا طالع أنام. تصبحوا على خير يا شباب. الجميع في آن واحد: _وانت بخير. اتجه قُصي إلى داخل القصر وكذلك جمال ليأخذا قسطًا من الراحة بعد هذا اليوم الشاق. اشتد الهواء قليلًا وقد تراقصت نسمات الهواء العليلة بين أروقة المكان ليهتف مصطفى بمرح:

_أنا مجهز لكم مفاجأة حلوة جوي. فداء بتوجس: _أستر يارب؟ سار مصطفى بخطواته السريعة خلف أحد جدران القصر ومن ثم عاد من جديد وهو يحمل أعوادًا من القصب هاتفًا بسعادة: _جبتلكم قصب عشان نكمل حفلتنا. بيسان بسعادة: _الله! أنا بحبه أوي يا مصطفى. فاكرة يا فيدو لما كنتِ بتقشريه ليّا عشان مش بعرف؟ فداء بسعادة غامرة: _واو! تصدق أول مرة تعمل حاجة حلوة في حياتك ياض يا درش!

أسرعت فداء بتناول أعواد القصب منه ومن ثم جلست القرفصاء أرضًا وبهمة ونشاط بدأت في تقشيره بأسنانها وسط دهشة آسر الذي تابع بابتسامة عريضة: _إنتِ مش كنتِ مفرهدة من التعب دلوقتي؟ فداء وهي ترفع كتفيها للأعلى ثم تنزلهما علامة الاستسلام: _يؤ. بحبه يا ماسورتي. اقعد إنت كمان يلا. افتر ثغره عن ابتسامة خفيفة ليجلس إلى جوارها بعد أن تناول عودًا آخر. وهنا هتفت بيسان وهي تنضم إليهم أيضًا: _وأنا وأنا وأنا. يامن بعد أن لحق بها قائلًا

بحنو: _هاتي، أقشر لك أنا. جلس الخمسة في دائرة. ساد الصمت والشرود في أجواء هذه الليلة المكدسة بالأحداث وخوفهم من أن يروح تعبهم هدرًا لتقول فداء بنبرة مترقبة: _تفتكروا نقنع بابا إزاي، بدون ضغط على عنود؟ في تلك اللحظة رفع مصطفى العود إلى فمه ليصطدم بجبهة فداء التي صرخت في تأوه: _آآه. يا بغل خبطتني! مصطفى بضحكة خفيفة: _أنا آسف يا أحمريكا كُنتِ بتجولي إيه بجا؟ فداء وهي تكرر طرح سؤالها:

_عاوزين نقنع بابا بسفر عنود بدون ما نجبرها على حاجة مش عاوزاها. قام مصطفى بتناول قطعة صغيرة يعتصرها في فمه ليردف بنبرة هادئة: _وليه ما تتجوزش قُصي بيه، دا بنات البلد كلها عايموتوا في دباديبه لما بمشي جنبه في الشارع. بحسهم هيتجوزوه وهم واقفين و... توقف عن استكمال حديثه لوهلة ثم وضع أنامله أسفل ذقنه مردفًا بشرود وهو يتوجه بحديثه إلى فداء: _هو ينفع حرمة تطلب إيد راجل؟ آسر بابتسامة ساخرة:

_لا يا حبيبي الحالات اللي زي دي استثنا. بيطلبوا رجلينا. قطب مصطفى ما بين حاجبيه قائلًا بنبرة متحيرة: _واشمعنى الرجلين؟ آسر بقهقهة خفيفة: _في العادي إحنا بنطلب إيد البنت عشان هي اللي بتطبخ والبنات بيطلبوا رجل الراجل عشان هو اللي بيشيل يوم الفرح الأوزان الثقيلة دي. أومأ مصطفى برأسه متفهمًا ليرفع العود إلى فمه من جديد ليضرب آخر العود في عينها وهنا صرخت فداء بغيظ: _عيني يا بغل! بيسان بضحكة رقيقة:

_يا مصطفى أقسمه على كذا جزء عشان كده كبير أوي وعامل أزمة. أنهت حديثها لتجد يامن يضع قطعة صغيرة في فمها وبنبرة ضاحكة تابع: _يا حبيبتي الإتيكيت ده ليكي إنتِ أما إحنا رجالة بناكل أي حاجة وبأي طريقة. فداء بغيظ: _يا جماعة ركزوا في الموضوع الرئيسي. دلوقتي عنود مش عاوزة تتجوز قُصي. نعمل إيه؟ يامن بتساؤل: _ما هو مافيش أمل في خالي ولا حتى واحد بالمية. مصطفى بهتاف: _أنا عندي حل، بس اصبروا أكل العجلة دي.

همّ مصطفى أن يرفع العود إلى فمه ليسرع آسر بإحناء رأسها على الفور ومن ثم جذبها حتى جلست إلى جواره قائلًا: _اقعدي جنبي ليعملك عاهة. ده بيفهم من عشر مرات وأنا ماليش خُلق. توقف عن حديثه على الفور ومن ثم التفت بتوجس إلى مصدر هذا الشخير العال ليتبادلا نظرات مصدومة. وراحت فداء تهتف بصدمة ضاحكة: _مصطفى! إنت نمت؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...